يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في هذا المجلس والدرس الثالث والعشرين من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد، وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن خاتمة سورة، ونبدأ في هذا الدرس بمشيئة الله الكلام في تفسير سورة المطففين.
سورة المطففين مكية في قول جماعة من المفسرين، ومدنية في قول آخرين، وقيل: بعضها مكي وبعضها مدني، وقيل: نزلت بين مكة والمدينة، ومن اللطائف أن تكون نزلت بينهما؛ لأن التطفيف كان فاشيا في البلدين. هذه السورة محكمة بتمامها، وعدد آياتها ست وثلاثون آية باتفاق.
ومن مقاصدها: التحذير من التطفيف في الكيل والوزن، والتخويف بيوم القيامة وأنه يوم الوقوف بين يدي الله ليفصل بين العباد ويجازيهم على أعمالهم، ووعيد الذين يكذبون بيوم الجزاء والذين يكذبون بأن القرآن منزل من عند الله، وبيان حال الأبرار أهل الإيمان وذكر صور من نعيمهم.
وسبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكانوا من أخبث الناس كيلا، فانزل الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، فحسنوا الكيل بعد ذلك. والحديث رواه النسائي في الكبرى وابن ماجه وحسنه الألباني.
مطلع هذه السورة تهديدي وعيدي، ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، كما ابتدأت أيضا سورة الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، وهناك آيات في القرآن تبدأ بها وخواتم سور فيها، وسورة فيها تكرار: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾، تكرار عظيم. إذا ويل هذه كلمة تهديد ووعيد عظيمة يخاف المؤمن إذا سمعها. ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾.
فيتوعد الله تعالى بالهلاك والخسار للذين يبخسون الناس حقوقهم، أما بنقص كيل الناس ووزنهم، وأما بزيادتهم كيل أنفسهم ووزنها على حساب الناس. وكلمة ويل دعاء بالشدة والهلاك والعذاب، وقيل معناها: شدة عذاب في الآخرة، وقيل: واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، وهذا يحتاج في اثباته إلى صحة الدليل؛ لأنه ليس مجرد معنى لغوي وإنما هو تحديد شيء معين من الغيب.
كلمة ويل في القرآن الكريم كما قلنا جاءت تهديدا لأشخاص معينين بصفات معينة، مثال ذلك: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وويل يومئذ للمكذبين، ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، فهي على الأصح كلمة وعيد بالعقاب وتقريع، يتوعد الله بها من خالف أمره أو ارتكب نهيه، وافتتاح السورة باسم الويل مؤذن بأن تشتمل على وعيد من أولها؛ سورة فيها تخويف، وافتتاحها بلفظة ويل من براعة الاستهلال، مثل قوله تعالى: ﴿تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾.
التهديد والوعيد إذا لهذا الصنف من الناس المطففين، جمع مطفف. المطفف من هو؟ الذي ينقص في المكيال والميزان ولا يوفي، فيقال هذا طف المكيال، صفوا المكيال، لذلك يقال الذي يسيء الكيل ولا يوفيه مطفف، اسم فاعل. مطفف وطف الصاع يعني قارب الابتلاء ولم يمتلئ.
وقد قال بعض علماء اللغة كالزجاج رحمه الله: إنما قيل مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف، أخذت الكلمة من صف الشيء جانبه، فالتطفيف البخس في المكيال والميزان، أما بالازدياد إذا اقتضى من الناس، وأاما بالنقصان إذا قضاهم وأعطاهم، فبعضهم إذا اخذ يأخذ أزيد من حقه وإذا أعطى يعطي اقل من حق الآخرين.
ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك في الآية التي بعدها: من هم؟ ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ من هم؟ فسرت الآية التي بعدها، فقالت تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي إذا اكتالوا من الناس، إذا اخذوا حقوقهم حقوق أنفسهم يستوفُونَ بالوافي والزايد، ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾ أعطوا حق الناس أو وزنوهم يخسرون، ينقصوهم ويبخسوهم حقهم.
وهذه لفتة مهمة: إذا قلنا السورة مكية فالتصدي لشأن المطففين في سورة مكية أمر يلفت النظر، عادة السور المكية توجيه الاهتمام إلى أصول العقيدة كتقرير وحدانية الله وحقيقة الوحي والنبوة واثبات البعث والجزاء، لكن التصدي لمسألة من المعاملات يأتي عادة في السور المدنية التي فيها تنظيم حياة المجتمع في ظل الدولة الإسلامية.
لو قلنا السورة مكية كما هو مشهور فواصلها قصيرة وفيها ذكر المعاد واليوم الآخر بكثافة، هذا له معنى، وهو أن الأساس الأخلاقي لهذا الدين عميق وضرب في الجذور منذ أول الدين ومنذ المرحلة المبكرة المكية فيه، وأنه لا فصل بين أمور الاعتقاد وأمر المعاملات، حقوق الخلق لا فصل بين العقيدة والمعاملات، أيضا في إشارة إلى شمولية الدين أنه الدين عقيدة ومعاملة.
قال العلماء أيضا ملحظ آخر في توسيع معنى التطفيف: التطفيف في كل شيء؛ في الصلاة والوضوء وفي الكيل والوزن والبيع والشراء، كما أن السرقة عامة في كل شيء، وأسوأ الناس سرقة من يسرق صلاته فلا يتم ركوعها ولا سجودها. قال سلمان رضي الله عنه: الصلاة مكيال، فمن أوفى أوفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين.
أيها الإخوة والأخوات، فاصل ثم نعود إليكم إن شاء الله.
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، والناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين وتعلم الضروري من أحكامه، فتصحح عبادتها وتقوم بمؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها.
وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان، فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك، فاذا أرادت عبادة أو معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، كان تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.
وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على راسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قال عروة ابن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم فقه من عائشة. ومنهن عمرة بنت عبدالرحمن الأنصارية، قال القاسم بن محمد للزهري: عليك بعمرة بنت عبدالرحمن فإنها كانت في حجر عائشة، قال: فاتيتها فوجدتها بحرا لا ينزف.
ومنههن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كان لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان؛ توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى تحفة الطالب والذي شرحه الكاساني في بدائع الصنائع، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة، فقال الفقهاء: شرح تحفته وزوجه ابنته.
وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها الصغير السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد هو توقيع زوجها.
الحمد لله وحياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع قول الله تعالى في تفسير المطففين: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، هذا بيان للتطفيف، إذا اخذوا حقهم يأخذونه كاملا وفوق الحق، وإذا أعطوا حقوق الناس نقصوا منهم وظلموهم، هذا لؤم عظيم.
الذين إذا اكتالوا على الناس، اكتالوا ما هو الاكتال؟ الأخذ بالكيل، كالاتزان الأخذ بالوزن، اكتالوا أو اتزنوا، يستعمل الصاع في الكيل أو الميزان. ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾، عادة: اكتالوا من الناس، لكن مجيء حرف الجر على يفيد عدوانا وعلوا، فلو كانت: اكتالوا من الناس، أي اخذوا حقوقهم من الناس بالكيل يأخذونه كاملا وزيادة، لكن جاء حرف الجر على، ﴿اكتالوا عَلَى﴾، فيها معنى البغي، هذا التضمين، أسلوب التضمين البلاغة أن يأتي حرف جر على خلاف العادة لكي يعطي معنى إضافيا أكثر من حرف الجر المعتاد.
انظروا إلى قوله: ﴿اكتالوا عَلَى النَّاسِ﴾، مع أن الأصل: اكتالوا من الناس، اخذوا حقهم من الناس بالكيل، استعمال حرف الجر على يفيد البغي. طيب، إذا أوفوا أو وزنوا لأنفسهم اخذوا كاملا وزيادة، والزيادة طبعا هذه ظلم.
طيب، وإذا أرادوا أن يعطوا غيرهم حقوقهم ماذا يفعلون؟ ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾، في الأخذ يستوفون وفي الإعطاء يبخسون وينقصون يخسرون، ولا يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم.
طبعا في الآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم﴾، ظهر ذكر الميزان، الآية التي قبلها ظهر المكيال فقط، إذا اكتالوا على الناس يستوفون، ما قال: إذا اكتالوا أو اتزنوا على الناس يستوون، الآية التي بعدها ظهر ذكر الميزان مع المكيال، قال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾.
والسبب والله أعلم أن المطففين كانت عادتهم أنهم لا يأخذون ما يكال وما يوزن إلا بالمكيال؛ لأن استيفاء الزيادة بالمكيال أمكن وأهون من الميزان، الميزان أدق، التطفيف في الميزان أصعب، أما المكيال ممكن يعبي فوق الصاع مثلا، هذه الوحدة الحجمية ممكن يعبي زيادة فوقه وياخذ، الميزان التلاعب فيه أدق.
فبالنسبة لحقوقهم هم قال: إذا اكتالوا على الناس بياخد الزيادة له، طيب وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، الصاع غير مملوء ناقص قليلا، في الميزان ماذا يفعل في الميزان؟ يضع الثقل في كفة مثلا كيلو، ويأخذ السلعة فيضربها في كفة الميزان ضربا قويا حتى تنزل، ليس لوزنها فقط، وإنما للضرب الذي حصل لها، ثم يقول له يضربها حتى تنزل ثم يأخذها بسرعة ويقول: خذ، حركة معروفة يعني، لكن مثال على التطفيف والكيل والوزن في البيع والشراء معروف، وأحدهما يدل على الآخر في العموم، ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم﴾.
طيب هم لن يأخذوا الناس يضعونهم في الصاع ويكيلون ولن يأخذوا الناس ويضعون في الميزان ويزنوهم، المعنى: كالوا لهم أو وزنوا لهم، لكن الآية جاءت: ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم﴾، والمعنى واضح، إذا كالوهم يعني كالوا لهم مثلا استعملوا الصاع ليكيل لهم، أو وزنوهم يعني وزنوا لهم، كما يقال في اللغة: نصحتك ونصحت لك.
فماذا يفعلون إذا كالوهم أو وزنوهم؟ قال: يخسرون، يعني ينقصون، ينقصون حق الغير فيجمعون بين الأمرين؛ يأخذون ما ليس من حقهم ويبخسون حق غيرهم، فجمعوا بين الشح والبخل؛ الشح في طلب حقهم بظلم الغير والأخذ منه بغير حق، والبخل في إطاء حقوق الآخرين وعدم إيفائهم حقهم وعدم إتمام الكيل والوزن لهم.
طبعا هذا الكيل والوزن مثال، لكن اعتبره في أشياء أخرى كثيرة، يعني مثلا بين الزوجين، بين الشريكين، وقد يحدث هذا الجور والظلم في قضية مثلا المهر استيفاء أو إعطاء، قد يحدث في مسألة قسمة التركات مثلا أخذا وإعطاء بين الورثة، ممكن يحدث التطفيف هذا في أشياء كثيرة، يأخذ حقه أو ما له بزيادة يظلم بها الآخرين وينقص حقوقهم إذا أراد أن يعطي.
جاء في الحديث أن التطفيف في الكيل والميزان سبب للمجاعة والقحط والجذب وجور السلطان، كما في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام أقبل عليهم وقال: يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان -هذا هو الشاهد من الحديث- إلا أخذوا بالسنين، والقحط، وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، إلى آخر الحديث. روى ابن ماجه وصححه الألباني.
الآيات هذه فيها فوائد، وعيد الذين يبخسون الحقوق، فما بالك بالذي يأخذ الحق كاملا؟ يعني الذي يجحد بالكلية، ما معطي ولا شيء؛ إذا توعد الله المطففين الذين ينقصون من الصاع شيئا إذا كانوا للناس ما يملؤون الصاع تماما، فكيف بالذي يأخذ حق الآخرين كله؟! الآية دلت على أنك كما تحب أن تعامل عامل الناس، كما تحب أن تأخذ أعطِ.
حتى سبحان الله في المناقشات العلمية لما يصير في مثلا مناقشة بين رأيين فقهيين يعني من التطفيف أنه مثلا يعطى لواحد من الطرفين عشر دقائق يشرح وجهة نظره، واحد ما يعطى إلا خمسة، في تطفيف يحدث في توزيع الأوقات في المناقشات العلمية، في تطفيف حتى في النظر في أدلته وأدلة خصمه؛ فهو يريد يشرح أدلته ولا يعتبر بأدلة الخصم ولا يعبأ بها، حتى القاضي ممكن يجور في هذه ويطفف، ما يعطي الطرف الآخر وقتا في الشرح مثل ما شرح الأول ولا ينظر في أدلته مثل ما نظر في أدلة الأول، وهكذا.
وفيها أن ظلم الناس أشد من ظلم الانسان نفسه في حق الله، المعصية المتعدية غير المعصية اللازمة؛ لأن ظلم الإنسان نفسه في حق الله تحت المشيئة إن شاء عذب وإن شاء غفر له إذا كان دون الشرك، لكن حقوق الآدميين لابد أن توفى.
وفيها أن من استأجر عاملا ووقف أمامه يراقبه ويطالب بتجويد عمله ثم يبخس في الأجرة، يقول له: وين وين عملي؟ العمل حقي، هات العمل حقي، أما العمل العمل مثلا بناء ثم إذا جاء في إعطاء المستخلص أو إعطاء المقابل والأجرة بخسه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وإلى بقية السورة بعد قليل إن شاء الله.
الاستخارة هي طلب الاختيار من الله تعالى عند الإقدام على الأمور المهمة والتي لا يدري الإنسان وجه الخير فيها، أما ما كان معروفا خيره أو شره كالعبادات وصنائع المعروف والمعاصي والمنكرات فلا تشرع فيه الاستخارة. والحكمة من الاستخارة التسليم لأمر الله والالتجاء إليه سبحانه للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ولا شيء أنفع لذلك من الصلاة والدعاء لما فيهما من تعظيم الله.
حياكم الله مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات، ومع قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 4-6]. هذا تتمة الوعيد للمطففين وتذكير لهم بالجزاء يوم الدين.
فقوله تعالى: ألا يظن أولئك؛ ألا يعلم ويستيقن هؤلاء، والظن يأتي بمعنى اليقين أيضاً، وليس فقط بمعنى ترجيح أو شك. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؛ سيقومون من قبورهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، الذي يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل ناراً حاميةً. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؛ عظيم شأنه سماه الله عظيماً لعظم ما فيه وشدة ما فيه.
إذاً في ارتباط بين الإيمان باليوم الآخر والجرأة على التطفيف، فالذي الإيمان باليوم الآخر ناقص أو لا يؤمن باليوم الآخر سيطفف ولا يبالي؛ لأنه لا يخاف جزاءً ولا يخاف عقوبةً. لكن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، الإيمان باليوم الآخر يعدل السلوك، يقوم السلوك والمعاملة؛ معاملة الله ومعاملة الخلق.
الذي جرأ هؤلاء على التطفيف، الذي جرأ المطففين على التطفيف؛ نقص إيمانهم باليوم الآخر أو عدم إيمانهم باليوم الآخر. لو آمنوا به وأنهم بين يدي الله الذي سوف يحاسبهم على القليل والكثير والقطمير والنقير لأقلعوا وتابوا. والله عز وجل عظم شأن هذا اليوم وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6]. يقومون من قبورهم، يقومون بين يدي الله واقفين، ما في أحد متكئ ولا مضطجع ولا مستند، فإذا هم قيام ينظرون.
يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ حفاة عراة غرلاً غير مختونين، في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم، يغشاه من الفظائع ما يغشاهم، ومن حر الشمس وتقريب جهنم أهوال. جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» في البخاري ومسلم. يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ يقومون تعظيماً، يقومون رغماً عنهم، يقومون خوفاً، يقومون لعظمة الرحمن تبارك وتعالى يوم القيامة.
يوم يقوم الناس؛ يستحضر، يعني أنت تسمع الآية تستحضر الحالة كأنك تعيشها، تعبير الفعل المضارع: يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ رب الأولين والآخرين، رب الملائكة والجن والإنس، رب العوالم كلها. استحضاراً لعظمته مالك أصناف المخلوقات. نتأمل في قوله: ألا يظن أولئك؛ ما عندهم نظر، اعتقاد، ما عندهم تدبر، تفكر، تبصر في هذا اليوم.
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؛ معناها أن التطفيف هذا الزوج يأخذ حقه وما يعطيها حقها، هي تأخذ حقها وما تعطيه حقه. الشركاء، الورثة الذين يبيعون ويشترون من بعض، المؤجر والمستأجر؛ المعاملات أنواع وأطراف. التطفيف فيها عظيم، ذنب عظيم، البخس هذا بخس الحقوق. والطرف الآخر قد يكون ضعيفاً، قد يكون يتيماً، قد لا يكون عنده حجة أمام القاضي، ما يستطيع يشتكي، يخاف من قوانين معينة، يخاف أن يقع عليه ظلم أكبر لو اشتكى، تلقاه يمشي الأمور ويسكت، يعني يبخس ويسكت على البخس. يقول: أعرف أني بخست حقي، أنا المستخلص تبعي أو حقي حسب العقد أو كذا مئة ألف، أعطوني خمسين، أعطوني ثلاثين، لكن أنا لو اشتكيت يمكن أضر من هذا وأطرد ويسجن، يفعل بي. فخلاص آخذ أنا ساكت وحسبي الله ونعم الوكيل.
لكن هذا الآن يعني في الدنيا، طيب يوم القيامة؟ ولذلك الآيات تربينا على إحطاء حقوق الآخرين كاملةً، وما يجوز ننقص منها ولا شيئاً إلا برضاهم. يعني ليس مثل الذي يضع السلاح ثم يأتي الآخر ويقول: ترضى وترضى بهذا فقط وتسامح، وهذا الذي جئت به معك ما هو! وحتى لو قال لك: سامحت، سامحت؛ هذه ليست مسامحة شرعية.
إذاً هذا الدرس العظيم في أول السورة في قضية التطفيف بين الكاتب ودار النشر المعاملات كثيرة. ثم تنتقل الآيات إلى وصف ما يكون يوم الدين للفجار والأبرار وللفريقين، فنريد أن نأتي على ذلك بمشيئة الله سبحانه وتعالى بعد هذا الفاصل.
هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه. لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه وأعلمهما، لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد. ويعرف العامي الأعلم بأخبار الثقة، وبالمشاهدة؛ كأن يرى أحدهم يذعن له العلماء، وبالقرائن؛ كأن يدعم ما أحدهما دون الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة أحدهما في هذه الفتوى، ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة.
وهذا، وإذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه أخذ بالأيسر، لأن هذا موافق لسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة، ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه ولا أن يتتبع رخص العلماء. قال سليمان التيمي: لو اخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها فلا تنقض الفتوى الأولى، لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. فاتبع العلماء الربانيين واحذر الجهلاء وأصحاب الهوى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
الحمد لله، مرحباً بكم أيها الأخوة والأخوات، عشنا في أجواء الآيات التي تأمر بإعطاء الناس حقوقهم وتنهى عن بخسهم وتتوعد من يفعل ذلك بالعذاب الأليم. وبمشهد يوم عظيم قال الله تعالى في ذكر أحوال الناس في ذلك اليوم: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: 7-8].
قوله: كلا؛ كلمة ردع وتنبيه، يعني ليس الأمر كما يظن هؤلاء المطففين من أنهم سيأكلون حقوق الناس ولا يحاسبون، وأن المسألة فستمضي والقضية ستطوى ولن تفتح مرة أخرى وستنسى. كلا، كلا ليس الأمر كذلك، فليرتدعوا ولينتبهوا، أن كتاب الفجار لفي سجين.
طيب هذا إذا كان كلا تتعلق بما قبلها، هناك قول آخر أن كلا تتعلق بما بعدها قال الحسن رحمه الله: كلا بمعنى حقاً وعلى ذلك يتصل ما بعدها بها. يعني كلا؛ أن كتاب الفجار لفي سجين، حقاً إن كتاب الفجار لفي سجين. هذان معنيان في كلا، هذا موضع يتشابه معنا في آيات في أخرى، في سور أخرى في مواضع أخرى.
كلا إن كتاب الفجار الذي كتبت فيه أعمالهم؛ ومن هم الفجار؟ الذين هتكوا ستر الله ستر الدين وتجرأوا على الله وبارزوه بالمعاصي؛ لفي سجين. سجين هذا قيل: مستودع أرواح الكفار في الأرض السابعة السفلى. سجين يعني اسم موضع سجن لأرواح الكفار في الأرض السفلى.
ورجح الحافظ ابن كثير رحمه الله أن سجين مأخوذ من السجن وهو الضيق، والمعنى أن مصيرهم ومأواهم في ضيق. وفي هذه الحالة ماذا يكون وزن هذه اللفظة سجين؟ قالوا مأخوذ من السجن صيغة مبالغة؛ مثل فسّيق من الفسق، شريب من الشرب، سكير من السكر، سجين من السجن. فهم في سجن مقيم وعذاب أليم.
يعني قال ابن كثير رحمه الله أن المخلوقات كلما تسافل منها ضاق، وكلما تعالى منها اتسع، يعني هكذا قال. فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. طبعا أين؟ الله أعلم. إذا قلت يعني جيولوجيا يعني أين هي؟ قد حفروا رأوا أن الأرض فيها طبقات، ونقول: الله أعلم هناك سجن يجعل الله فيه أرواح الكفار في ضيق وشدة وعذاب.
هذا يعني شأن عظيم ولذلك قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: 8] يعني يستعظم يا هوله، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 5-6]، وقال هنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: 7-8]، موضع يجمع بين الضيق والسفول.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13] يدعون يا ويلنا ويا هلاكنا، ادع ثبُوراً كثيراً لن يستجاب لكم. عظم الله أمر هذا السجن فقال: وما أدراك ما سجين؛ لأن فيه عذاب مقيم وأليم، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم.
يحتمل أن يكون قوله: وما أدراك؛ يعني أنك لا تدري حتى جاء الوحي بذلك. فإذاً إما أن يكون أُسلوب تهويل: وما أدراك ما سجين، وما أدراك ما الحطمة، وما أدراك.. هذا يعني إما أن يكون أسلوب استعظام وتهويل للشيء، أو إذا كانت على ظاهرها، يعني وما أدراك يعني ما كنت تدري عنه حتى جاء الوحي به.
الأسلوب هذه الأساليب في القرآن فيها إشعار المخاطب بكبر الأمر وضخامة القضية يعيشه. هذا أن الحق ليس مجرد تهويلات وتفخيمات على أشياء غير حقيقية أو صغيرة لا، ليعيش شناعة هذا الواقع الحقيقي الموجود الآن. يموت الناس وتنتقل أرواحهم، نحن ما نحس أين ذهبت أرواحهم، لكن هم يعرفون جيداً. نحن عندنا وحي يخبرنا أين تذهب أرواحهم.
وما أدراك ما سجين؛ كتاب مرقوم، مكتوب فيه أعمالهم مثبتة، فيك الرقم في الثوب كالرقم في الثوب، كيف النقش أو ثابت في منسوج نسجاً فيه. كذلك هذا كتاب مرقوم لا ينسى ولا يمحى. قال قتادة: رقم عليهم بشر مركون. قيل معناه: مختوم. فأخبر الله تعالى عن الذين فجروا في أعمالهم أنه في سفال وخسار في الأرض السفلى، وبين أن كتاباً قد فرغ منه لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا يزول ما كتب فيه وما رقم فيه، كما لا يزول النقش من الثوب، كتاب مرقوم مكتوب مفروغ منه. سجين مستودع أرواح الكفار.
وتستمر الآيات في ذكر الأهوال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين: 10-12]. إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين. يعني هي أصلاً المصيبة كل القضية نقص الإيمان أو عدم الإيمان بيوم الدين. التكذيب بيوم الدين هو الذي يقود إلى كل هذه الانحرافات. لماذا يظلمون؟ يطغون، يقتلون، يغتصبون، يسرقون، ينهبون، يعتدون؟ لماذا؟ لأنهم لا يخشون بعد ذلك محاسبة.
ناس معهم قوة في الدنيا الآن يبغون في الأرض بغير الحق، ما يخشون ما يخشون أحداً يعاقبهم؛ لأنهم أصحاب الآن القوة والسلطان الأرض والسلاح، لكن سيأتي يوم لو كانوا يؤمنون به ما فعلوا هذا. ويل يومئذ للمكذبين بهذا اليوم، ويل يومئذ المكذبين بيوم يقوم الناس فيه لرب العالمين؛ الهلاك والتبور عليهم، الهلاك والتبور لهم. وإذا صار الفجار المكذبون يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله به من السجن والعذاب المهين فويل لهم هناك.
ثم بين تعالى أمرهم مفسراً للمكذبين الفجار الكفرة فقال: الذين يكذبون بيوم الدين، يوم الحساب، يوم الجزاء. دان يدين؛ إذن يوم الدين يوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد. فتوعد الله من يكذب به؛ لأن الذي يكذب بي لن يستقيم على دين ولا على شريعة ولا على حال سوية، يعتدي ويظلم ويطغى ويبغي، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12].
يقرن الله دائماً بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر؛ من آمن بالله واليوم الآخر، والمؤمنون بالله واليوم الآخر. التكذيب بيوم الجزاء هذا منشأ الإقدام على الجرائم، سبب ارتكاب السيئات، ولذلك قال بعدها: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين: 12].
معتد يتجاوز ما أحل الله، معتد مرتكب لما حرم الله، ينتهك حدوده، معتد على الغير يظلم ويبغي عليهم، يطغى يجاوز حده على على الله وعلى الرسل وعلى الناس، هذا الفاجر الجائر. أثيم؛ آثم هذا حكمه في ترك أمر الله وانتهاك شرعه ودينه.
قد قيل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما، كقوله تعالى بعد ذلك: إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين. وقيل معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في المباح، مجاوزة المباح، وأثيم في أقواله. يعني أن المعتدي في الأفعال والأثيم في الأقوال. وقيل المعتدي في الأفعال والأثيم في الكسب، والمعاني متقاربة. هذا الرجل أو هذا الشخص مستهزئ، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين، سنعرف تفسير ذلك بعد قليل إن شاء الله.
من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة.
أو معتقدات فاسدة، فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك فإنه لا حياء في طلب العلم. كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
حياكم الله، مرحباً بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع وصف المعتدي وماذا يقول إذا جوبه بالحق وتلي عليه، قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِيهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 13-14]، ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: 7-13].
إذا قرئت عليه آيات القرآن قال: هذه أاساطير، أقاصيص مخترعات، أكاذيب أباطيل. أساطير جمع أسطورة وأسطارة، مجرد أحاديث ملفقة يعني لا حقيقة لها، فإذا سمعوا كلام الله وما يتلوه رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاة والعلماء من بعده، يغيرون على هذه الآيات بالكذب ويقولون أساطير، ترهات، أخبار وأشياء مختلقة. يقولون ذلك كبرا وعنادا، وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين.
وفي آية أخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]. أساطير الأولين، إن الشأن والله عظيم، وإن هذا الجرم كبير، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يتوب علينا.
أيها الإخوة والأخوات، نقف عند هذا الحد في تفسير سورة المطففين، وسنعود إليكم في الحلقة القادمة إن شاء الله لإكمال هذه السورة. نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وأن يجعله موعظة لنا وشافيا لصدورنا. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع * يأتيك ميسوراً صافيه. اليوم غلة الظمآن هذا كتاب الله ربيع قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد