تسجيل الدخول

المحاضرة 12 - التفسير - تفسير الأعلى (14:19) والغاشية (5:1)- المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

لما بين تعالى عقاب الأشقى الذي أعرض عن زكاة نفسه، اتبعه ببيان جزاء من تزكى وطهر نفسه من الشرك والآثام. فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] يعني فاز وربح من طهر نفسه ونقاها من الشرك والظلم، وعمل بما أمره الله به فأدى فرائض الله وتابع ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

روي عن عطاء وابن سيرين أنهما فسرا التزكي في هذه الآية بزكاة الفطر، وهذا قول فيه ضعف؛ لأن هذه السورة مكية بالإجماع، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا فطر، وإنما وجب ذلك بالمدينة، كما بين السمعاني والقرطبي والواحدي وغيرهم في التفسير.

إذاً، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾، زكى نفسه. فإن قيل: لما قدم التزكي على ذكر الله والصلاة؟ لأنه قال: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15]، الجواب: قدم التزكي تزكية النفس؛ لأنه أصل العمل، فإذا تطهرت النفس أشرقت فيها انوار الهداية، فعلمت منافعها وأقبلت عليها، التوحيد والإيمان أعظم ما تزكو به النفس، والشرك أعظم ما يدسيها ويفسدها.

وتتزكى النفس بالأعمال الصالحة والصدقات. وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أي أقام الصلاة في اوقاتها ابتغاء رضوان الله وطاعة لامر الله وامتثالا لشرع الله، فاتصف بذكره عز وجل وانصبغ بذلك قلبه، فأوجب له العمل بما يرضي الله، خصوصاً هذه الصلاة التي هي عمود الدين وميزان الإيمان. الذكر في الآية المقصود به ذكر اسمه تعالى باللسان والقلب معاً، لا باللسان مع غفلة القلب.

والاتيان بالفاء في قوله: ﴿فَصَلَّى﴾، هذه الفاء يقال لها فاء التفريعية، فما بعدها ينبني على ما قبلها؛ فهو زكى نفسه وذكر اسم ربه، والذكر يبعث الذاكر على تعظيم الله والتقرب اليه بالصلاة التي هي خضوع وثناء. إذاً، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15].

ولما بين تعالى هذا، ذكر بعد حال الإنسان وكيف يؤثر العاجلة على الآخرة الباقية، كيف يؤثر الدنيا العاجلة الفانية على الآخرة الباقية الدائمة. فقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]، بل تقدمون أيها الناس زينة الحياة الدنيا على الآخرة، وتولونها العناية والاهتمام، وتقدمون ذلك على ما فيه نفعكم الحقيقي وصلاحكم الدائم الأبدي.

تختارون النعيم المنغص المكدر الزائل على النعيم الباقي الذي لا يفنى، يفعلون ذلك مع أن الآخرة خير لكم وأبقى، وثواب الله فيها خير من الدنيا وأبقى لا تنفد لا تفنى. فكيف إذن يؤثر ذلك عاقل؟ كيف يصرف اهتمامه إلى ما يزول ويترك الاهتمام بما يبقى ودار الخلد؟ فالمؤمن العاقل لا يختار الأرض على الأجود، ولا يشتري لذة ساعة براحة الأبد.

فحب الدنيا وإيثارها عن الآخرة رأس كل خطيئة. من تفاعلات الصحابة مع الآيات لما قرأ ابن مسعود رضي الله عنه هذه الآية قال لأصحابه: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل. إذاً من أسباب الاغترار وأسباب ما يحدث لدى الناس من تقديم هذه على تلك، أن هذي أمامهم يرونها يستمتعون بها، وتلك ستأتي بعد.

لكن المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب هم الذين يؤثرون الآخرة ويقدمونها، والحقيقة أن حب الدنيا والآخرة لا تجتمعان اجتماعاً على طول الخط، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «من أحب دنياه أضر باخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى»، رواه الإمام أحمد وصححه الألباني.

جاء في وصايا لقمان لابنه: يا بني، بع دنياك باخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً. قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟ أنا لنفرح بالايام نقطعها، وكل يوم مضى يدني من الأجل. فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً، فانما الربح والخسران في العمل.

في قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وجهان؛ أحدهما: أن المراد بها الكفار، فيكون معناها: بل يؤثر هؤلاء الكفار الحياة الدنيا على الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالاخرة. وقرأ أبو عمرو: بل يؤثرونه على الغيبة، بل تؤثرون خطاب، تؤثرون أنتم، بل يؤثرون غائب هم، تقديره: بل يؤثر الأشقون الحياة الدنيا. طبعا يؤثرون بالهمزة، القراءة بدون همز يوثرونه، ففي قراءة فيها تسهيل الهمزات، وقراءات فيها تسهيل الهمزات، وقراءة إثبات الهمزات.

هذا المعنى الأول المقصود الكفار، ويساعد عليه قراءة يؤثرونه يوثرون. الثاني: أن المراد بها المسلمون، فيكون معناها: بل تؤثرون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الثواب، يعني تعملون الدنيا كثيراً وللآخرة قليلاً.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ [الأعلى: 18-19]. لكن ما هو هذا؟ هذه الأوامر والأخبار الواردة في هذه السورة والمواعظ المذكورة فيها، وتقديم وحال الناس في تقديم الحياة الدنيا على الآخرة مذكور معناه في كتب تقدمت مما أنزله الله في صحف إبراهيم وموسى. واختار ابن جرير الطبري أن تكون الإشارة في قوله ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ راجعة إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبْقَى﴾. وقال: إن هذا أولى بالصحة من غيره؛ لأن هذا إشارة إلى حاضر، فلا أن يكون إشارة إلى ما قرب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره.

ابن كثير قال: هذا اختيار حسن قوي. ختم السورة بهاتين الآيتين ليبين أن هذه الحقيقة ليست فقط في هذا الكتاب، حتى في كتب الله المتقدمة. فإذا قال واحد: يا ليتنا اطلعنا على شيء من الكتب المتقدمة؟ نقول: خذ، إن هذا، هذه الموعظة، هذا الكلام لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقدم الآخرة على الدنيا، اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هقاً ضعيفاً، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها؛ فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة.

فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك؛ فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ سورة الغاشية معكم أيها الأخوة والأخوات، وهي مكية إجماعاً، وعدد آياتها ست وعشرون آية، سميت بهذا الاسم لذكر الغاشية فيها، وهي من أسماء القيامة.

من مقاصد هذه السورة الارتباط ما بين ما ورد في سورة الأعلى من تنزيه الله عن العبث بإثبات الدار الآخرة التي الغاشية مبدأها، والدلالة على القدرة عليها، والآخرة خير وأبقى، وذكر ما فيها للتقي والاشقى، وبيان أهوال القيامة وما فيها من العقاب والنعيم والثواب العظيم، وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الإسلام وألا يعبأ بإعراض المشركين، وأن وراءهم البعث وأنهم راجعون إلى الله وسيجازيهم على كفرهم وإعراضهم، كما أن فيها لفت النظر إلى امور دالة على قدرة الله وخلقه السماء والجبال والأرض الإبل.

سورة الغاشية، من فضلها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بها في العيدين والجمعة، فجاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1]، رواه مسلم.

تبتدئ السورة باستفهام جاذب ولفت للذهن إلى الحقيقة العظيمة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1]. هذا تكرر في القرآن: هل أتاك حديث موسى؟ هل أتاك حديث الغاشية؟ هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب؟ هل أتاك حديث الغاشية التي تغشى الخلائق بشدائدها، تضم وتعم، وفيها الجزاء والحساب، ويتميزون إلى فريقين؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.

افتتحت الآية بالاستفهام تشويقا إلى معرفة الخبر؛ لأجل أن تقع الموعظة في النفس موقعها، والاستفهام هذا يفيد معنى بالتأكيد، يعني هل بمعنى قد، قد أتاك حديث الغاشية، لكن هل فيها مزيد وتشويق؟ هل بمعنى قد؟ ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. هذا تقرير، وكذلك هنا: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟ تقرير؛ قد جاءك، قد جاءك خبرها ولم يكن من علمك وعلم قومك من قبل. قال ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور. وقيل: الآية خرجت مخرج الاستفهام للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وجاءك الآن.

الغاشية القيامة، تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها، ما أحاط بالشيء من جميع جهاته يقال إنه غاش له، تغشاه غشيه. القيامة ترد على الخلق بغتة، لقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 107]، غاشية يعني تغشى الناس. إذاً المعنى: يوم القيامة يكون بعض الناس في الشقاوة وبعضهم في السعادة.

هل أتاك حديث الغاشية؟ طبعا الغاشية ممكن تطلق أيضاً على النار، كما جاء عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: تغشى وجوههم النار، أي وجوه الكفار، تغشى أهل النار وتحيط بهم من فوق ومن تحت أرجلهم، كما قال الله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 55]، نسأل الله السلامة والعافية، وقالوا: وتغشى وجوههم النار. غاشية جمعها غواش، جاء في آية أخرى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمِ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41]، يعني لحف جمع غاشية ما غشاه وغطاه، والمقصود إحاطة النار بهم من كل جانب.

طيب، هل أتاك حديث الغاشية التي تغشى الناس وتحيط بهم بأهوالها؟ ماذا سيكون في ذلك اليوم؟ ما هو الخبر؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: 2]. هل أتاك حديث الغاشية؟ وجوه يومئذ ذليلة بالعذاب خاشعة من الذل والفضيحة والخزي، كما قال الله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45]، وقال: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: 43]. وكل متضائل ساكن فهو خاشع، حتى يقال: خشع في صلاته إذا تذلل، وخشع الصوت يعني خفي، كما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108]. وجوه يومئذ خاشعة ذليلة مستكينة، لكن وجوه من؟ لأن هناك وجوه أخرى. وجوه يومئذ خاشعة، وهناك وجوه ناضرة. إذاً أصحاب هذه الوجوه الخاشعة، أصحاب الشقاء، ليس لهم طعام إلا من ضريع. والوجه عنوان عن حال صاحبه، عنوان لحال صاحبه، فإذا كان خاشعاً ذليلاً في الآخرة، غير إذا كان ناضراً أبيض ناعماً. نعوذ بالله من حال أهل النار، ونسأل الله أن يجعلنا من الأبرار.

قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب ناراً ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أفعَل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي: التدرج إلى معاصٍ جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.

كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات. فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعيينه عند الفتور والكسل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلا تَعُدْ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

ونحن في تفسير هذه السورة العظيمة، سورة الغاشية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 1-5]. لا يزال الكلام في وصف حال أهل النار نعوذ بالله. ذكر الله تعالى في أول وصف لهم في هذه السورة حال وجوههم، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة.

لكنها ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، مكلفة بالعمل من المشاق والدأب في التعب. والمعنى: تعب في العذاب، ناصبة في النار لمعالجة السلاسل والأغلال، تجر على وجوهها وتغشاها نار الأنيار؛ لأنها لم تعمل لله في الدنيا فأنصبها في النار وجعلها فيها، تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار. وأهل النار يكلفون العناء الشديد، ويعانون من أعمال إحلال، يخوضون في النار خوضاً.

طيب، هذا معنى عاملة ناصبة في الآخرة وعملها ونصبها في جهنم. المعنى الآخر جاء عن ابن عباس وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم: أنهم كانوا في الدنيا وجوههم عاملة ناصبة. كيف؟ ناس عملوا وتعبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان.

ورهب ورهبان النصارى المشركين وكفار أهل الكتاب عاملوا وتعبوا في الدنيا لكن على شرك على كفر. معابد البوذية وطقوس الهندوسية، صوامع النصارى والكنائس، واليهود هؤلاء هم يهزون رؤوسهم ويقرأون كتابهم المحرف هذا. والنصارى عندهم تعذيب للنفس، يعني في عندهم أنواع من الرهبنة الشديدة.

وحتى هؤلاء البوذيون والهندوس عندهم أنواع من تعذيب النفس لكن أعمال لا يقبلها الله على شرك وعلى كفر وعلى ضلالة. اجتهاد في شرك، بدعة، معصية، أعمالهم فقدت شرط صحتها وهو الإيمان، فصارت يوم القيامة هباء منثوراً. طبعا إذا فسرناها بهذا يكون في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا، يومئذ في الآخرة خاشعة.

روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر براهب، توقف صومعة راهب في العلو، ناداه نودي الراهب أو نودي، ناداه بعضهم: قال هذا أمير المؤمنين. فاطلع الراهب فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا، لا زواج، يعني عندهم امتناع عن أطعمة وعن ملذات الدنيا. فلما رآه عمر رأى هذا الوجه الشاحب الكئيب المتعب المجهد بكى. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه نصراني، يعني ما يبكيك؟ نصراني.

قال: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله: عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية، ورحمت نصبه واجتهاده وهو في النار. يعني بعد هالتعب كله النار. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ [الكهف: 103-104].

وفي اليوم عبادات، عبادات الخوارج أهل الغلو هكذا أهل البدع، هؤلاء كلهم يتعبون في البدع. عندهم أذكار أربعة آلاف وأربع مئة وأربعة وأربعين مرة، وعندهم أشياء بعشرة آلاف، وعندهم أشياء بمئة ألف، وعندهم أشياء ليست وفق الكتاب والسنة لا دليل عليها يصح، اختراعات ما أنزل الله بها من سلطان. من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، مردود عليهم ولا ثواب ولا أجر، بل إثم عذاب. ضاع الوقت، تعب الجسد والنتيجة عذاب، وهذي من خطورة البدعة.

ولذلك قال العلماء: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. الاقتصاد في السنة حتى لو عمل قليلاً في سنة يؤجر، لكن اجتهاد في بدعة سيأثم عليه. هل أتاك حديث الغاشية؟ وجوه يومئذ خاشعة، يومئذ يوم القيامة، عاملة ناصبة، هذا ممكن يرجح القول الأول، أنه عاملة الناصبة هذا وصفها يوم القيامة وأنه ليس في ذلك تعرض لحالهم في الدنيا.

على أي حال هذا قول وهذا قول، وسبحان الله هؤلاء الكفار أهل الشقاء تركوا العمل بما أمر الله فكان جزاؤهم الخشوع والذل وعمل المشاق والنصب والإرهاق، ووجوههم وأحوالهم كئيبة خاشعة عاملة ناصبة متعبة مجهدة في هذا العذاب. تصلى ناراً حامية، هذه هي النتيجة، يصيبها حر نار حامية شديدة الحر، أوثدت عليها وأحميت المدة الطويلة فهي تتلظى على أعداء الله.

والنار في أصلها وطبيعتها حامية، لكن بلغت في الحرارة الغاية والنهاية، نار الله الموقدة دائمة الحمي، ليست كنار الدنيا تشتعل ثم تخبو تضعف، نار الدنيا إذا تركت تخبو تضعف، نار الآخرة تسعر باستمرار. تسعر تحمى، يقال أيضاً حمي فلان إذا اغتاظ وغضب، فتكون حامية حمية غيظ وغضب مبالغة في الانتقام من هؤلاء تكاد تميز من الغيظ.

وقوله تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ [الغاشية: 5]. أصحاب هذه الوجوه يسقون من شراب عين ماء في النار قد آن واشتد حره وتناهى غليونه بلغ الغاية للحرارة. إذاً الآن في اللغة أن بعض الناس ممكن ما يدرك معنى كلمة آنية، يظن أن الأواني تسقى من عين آنية، الآني الذي تناهى حره. من الأناء بمعنى التأخير، آن بلغ شدة الحرارة لقوله تعالى: ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ [الرحمن: 44]. إيش يعني آن؟ بلغ المنتهى في الحرارة.

الكفار يسقون من عين متناهية في الحرارة أوقد على جهنم منذ خلقت فدفعوا إليها ورداً عطاشاً. قال مجاهد: قد بلغت آنها وحان شربها. قال المفسرون: لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت. قيل في معنى قول عين آنية أي حاضرة جاهزة العذاب، وهذا من التفسير باللازم لأنها إنما بلغت آنها لكي يشربها هؤلاء الكفار، لتكون لهم العاقبة فيها.

وكأن هؤلاء الكفار لما احترقوا بالنار وأرادوا إطفاء حرارتها بالشراب كان شرابهم من عين آنية فيزدادون عذَاباً فوق العذاب. فهذا شرابهم كما قال الله: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ [الكهف: 29]. يعني منزلاً ومقراً. وقال: ﴿وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: 15]. وقال: ﴿ويسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾ [إبراهيم: 16-17].

نعوذ بالله من حال أهل النار ونسأل الله أن يجعل مصيرنا جنة الفردوس وأن ندخلها بلا حساب ولا عذاب إنه سميع قريب. في درسنا القادم إن شاء الله نتابع معكم تفسير سورة الغاشية. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.