تسجيل الدخول

المحاضرة 13 - التفسير - تفسير سورة الغاشية (12:6) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله، وهذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة الغاشية، وقلنا إنها سورة مكية إجماعاً. من أغراضها ومقاصدها إثبات الدار الآخرة، وذكر ما فيها للأبرار والأشقياء وأهوال يوم القيامة. بدأت بذكر أحوال ذلك اليوم العظيم وما فيه من الشدائد الكبار، وأن الغاشية تغشى الخلائق بشدائدها، فقال تعالى في مطلعها: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1].

وجوه يومئذ خاشعة، يعني ذليلة بالعذاب، من الخشوع والذل والفضيحة والخزي. وقوله عاملة ناصبة، أي تاعبة في العذاب؛ ناصبة في النار بمعالجة السلاسل والأغلال. ثم ذكر تعالى أن هذه الوجوه تصلى ناراً حامية، يصيبها حرها، فهي حامية شديدة الحرارة، قد أوكد عليها وأحمي المدة الطويلة.

وقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5]. أصحاب هذه الوجوه يسقون من شراب قد تناهى في الحرارة، آن حرها يعني إلى النهاية في غليانه وشده حرارته، فهذا شرابهم والعياذ بالله.

ثم ذكر الله تعالى طعامهم فقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7]. فلما ذكر شرابهم ذكر طعامهم، لكن بئس الشراب وبئس الطعام! فقال: ليس لهم طعام إلا من ضريع؛ ليس لهم إلا هذا الطعام. والضريع نبت ذو شوك لاصق بالأرض، كانت العرب تسميه الشبرق إذا كان رطباً وهو مرعى للإبل وحمر الوحش، فإذا يبس سمي ضريعاً، وحينئذ يصير مسموماً.

فهو من أخبث الأطعمة وأبشعها، حتى إن الدواب والبهائم لا تقربه في هذه الحال ولا ترعاه، فما يعذب أهل النار بأكله! شبه بالضريع في سوء طعمه وسمه وسوء مصير آكله. قال ابن عباس رضي الله عنه: الضريع شيء في النار، شبيه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار، والعياذ بالله.

وهذا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: 12-13]. فهو يعلق في الحلق فلا يدخل ولا يخرج. وقيل: الضريع اسم سمى القرآن به شجراً في جهنم، وهو الذي يسيل منه الغسلين المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 35-36].

فقوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ مع قوله في هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ يؤيد أن الضريع يسيل منه الغسلين، كما ذكر البغوي والقرطبي وصاحب الهداية والتحرير والتنوير.

قال أبو الدرداء والحسن: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطون الحميم، فتصلى وجوههم، فإذا ددنا منه سقط جلد الوجه في الماء من شدة الحرارة المنبعثة منه، نسأل الله العافية.

فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، فذلك قوله عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]. وقيل في الضريع: الزقوم، وقيل: الحجارة، وقيل: شجر من نار، ولو كان في الدنيا لأحرق الأرض وما عليها، وقيل: هو واد في جهنم، كما في القرطبي وابن كثير. وقيل: النار دركات، فمن أهل النار من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد، لكل باب منهم جزء مقسوم.

وعلى كل حال نجد العذاب الشديد الأليم لهؤلاء. ولما كان المقصود من الطعام أمرَين، إما أن يسد جوع صاحبه ويزيل عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال والضعف، فبين تعالى أن طعام أهل النار ليس فيه شيء من هذين الأمرین، بل هو طعام في غاية المرارة والنتن والخسة، لا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور، نسأل الله العافية.

ولذلك قال تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 7]. الطعام إما أن يسمن وإما أن يسد الجوع، فهذا لا يسمن ولا يسد الجوع. قال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطباً عندما يكون شبرقاً، أما إذا صار ضريعاً فإنها تعافه ولا تأكله، فانزل الله عز وجل: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.

فإن قيل: ما فائدة وصف طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغني من جوع؟ فالجواب: لبيان أنه ضرر محض لا ينفع آكليه بشيء البتة؛ لا يدفع ألم الجوع ولا يسمن ولا يغني. ولذلك قال العلماء: إن من أنواع عذاب النار الجوع، فيسأل الطعام فيطعم الضريع فلا يدفع عنهم الجوع. قال بعض أهل العلم: كيف يسمن من كان طعامه الشوك؟ كما في تفسير ابن أبي حاتم والنكت والعيون.

فهؤلاء الكفار أذلاء في النار، لما أقاموا في تلك السلاسل والأغلال المدة الطويلة عطاشا جياعاً ثم ألقوا في النار، فرأوا فيها ماءً وشيئاً من النبات ظنوا أن ذلك يسكن ما بهم، فوجدوا الماء حميماً لا يروي بل يشوي، ووجدوا النبات سُمّاً لا يشبع ولا يغني، فايأسوا فانقطعت أطماعهم في إزالة ما بهم من الجوع والعطش، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: 29].

فبين أن هذه الحالة لا تزول ولا تنقطع. سبحان الله! طعام الكفار لا ينفعهم في الآخرة، كما أن أعمالهم الباطلة كانت لا تنفع في الدنيا، نسأل الله عز وجل أن يعيذنا من حال أهل النار، وأن يدخلنا الجنة مع الأبرار. وننتقل إلى ذكر حال أهل الوجوه الناعمة بعد الفاصل إن شاء الله.

الحمد لله. حياكم الله ومرحبا مع تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: 8-11]. من طرائق القرآن ذكر المتقابلات، وبضدها تتميز الأشياء وتتضح؛ بعد أن ذكر تعالى وعيد اهل النار وما يعانون فيه من العذاب، أخبر عن وصف نعيم المؤمنين في الجنة، ثم وصف الجنة نفسها، فوصف اهل الثواب ثم وصف دارهم.

فقال تعالى في وصف أهلها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ في نعمة وكرامة، قد نعمت بما عاينت من النعيم، وجرى فيها نضرة النعيم؛ فنضرت وجوههم واستنارت أبدانهم وسروا غاية السرور. قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: 24]. وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 38-39]. وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 107].

إذاً، ناعمة مشتقة من نَعُم يَنعُم نعومة، وهو اللين وبهجة المرآة وحسن المنظر، وقد يكون مشتقاً من نُعِم عم إذا كان ذا نعمة حسن العيش. فالمؤمنون في الجنة ذوو بهجة وحسن وهم يتنعمون بنعيم الجنة.

وفي الآية واو مضمرة، والتقدير: ووجوه يومئذ، للفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة الخاشعة الذليلة البائسة المعذبة، فكأنه قال: وجوه يومئذ خاشعة، ثم قال: ووجوه يومئذ ناعمة. فهذا نعيم المؤمنين في ظاهرهم، ثم ذكر تعالى نعيم الباطن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.

والرضا ضد السخط، أي أن هذه الوجوه رضيت لعملها الذي عملته في الدنيا وحمدت ما سعت في الدنيا من العمل الذي كان امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا كالرجل يعمل العمل فيُجزى عليه بالجميل ويظهر له منه عاقبة محمودة، فيقال: ما أحسن ما عملت! وهو يقول: ما أحسن ما عملت ولقد وفقت للصواب فيما صنعت، فيثني على عمل نفسه ويرضاه.

وجوه يومئذ ناعمة؛ راضية عما كسبته وعملته في الدنيا، لقد وجدت ثوابه الآن مضاعفاً فحمدت عقباه وحصل لها ما تتمناه، فهي لثواب سعيها في الدنيا راضية عندما شاهدت هذا الثواب. فما يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا الذي لا يريدون أكثر منه، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوًلًا﴾ [الكهف: 108]. لا تحولاً ولا انتقالاً، لأنهم لا يملون ولا يسامون، بل هم منعمون يرون ما يعجبهم وبهجهم ويسرهم ويفرحهم، ولا يرون نعيماً فوق ما هم فيه.

وقد قال تعالى عن المؤمنين في الجنة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 6-7]. أما حال أهل الدنيا فكثير من أهل النعيم فيها غير راضين بما قسم الله، بل إنهم ساخطون يملون ويبرمون ويتبرعون. سبحان الله! هذه وجوه اهل الجنة كانت في الدنيا تعفر في الأرض سجوداً لله، كانت أقدامهم في الليل قائمة وعيونهم ساهرة وقلوبهم عازمة ونفوسهم حازمة، فوجبت لهم نجاة جازمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾.

وبعد أن وصف الله تعالى نعيم اهل الجنة وصف الجنة دار الثواب نفسها، فقال: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ مرتفعة في محلها ومنازلها في أعلى عليين فوق السماوات، لها غرف من فوقها غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم من الكرامة. قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرْفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرْفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: 20]. نسأل الله أن يجعلنا من أهل ذلك.

وقيل في معنى عالية: إن الجنة أعلى من النار فسميت عالية لذلك، وأن الجنة درجات بعضها فوق بعض. قال عطاء: الدرجة مثل ما بين السماء والأرض، وهذا قد جاء في بعض الأحاديث. وقد وصفت الجنة بأنها عالية لزيادة الحسن، لأن أحسن الجنات والروضات حتى في الدنيا ما كان في المرتفعات، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: 265] مكان مرتفع من الأرض، فذلك يزيد حسن باطنها، ويزداد الكائن فيها مناظر حسنة، يعني يزداد حسناً في المنظر فيما يشاهده ويتلذذ أهل الجنة بالعلو والارتفاع وليكون عندهم مزيد من الرؤية والاطلاع، ويشاهدوا ما أعد الله لهم فيها من النعيم والمتاع، عالية.

وقيل: عالية القدر، لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون. فيحتمل إذاً أن يكون المراد العلو في المكان أو العلو في الدرجة والشرف. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يدخلنا الجنة بغير حساب ولا عذاب، إنه كريم وهاب. ونتابع معكم وصف الجنة بعد الفاصل إن شاء الله.

بسم الله، وحياكم الله. ونتابع بإذن الله ذكر نعيم أهل الجنة الذي أخبرنا بها في كتابه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 11-12]. إذاً هو وصفها جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية؛ ليس في الجنة كلام لغو وباطل فضلاً عن الكلام المحرم. لما كان من النعيم أن تسمع دائماً الكلام الجميل، وكان من المؤذي سماع الكلام الفاحش، أخبر الله تعالى أن من نعيم الجنة الكلام الطيب، لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً.

حتى كلامهم هم في الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، يذكرون نعم الله المتواترة عليهم، ليس بينهم إلا الآداب المستحسنة بين المعاشرين. لا تسمع فيها لاغية؛ الغاوية مصدر بمعنى اللغو، وهو الكلام الذي لا فائدة منه، مثل الكاذبة للكذب والخائنة للخيانة. والمعنى: لا يسمع أهل الجنة فيها لغواً ولا باطلاً ولا ما يؤذي نفوسهم.

الجنة دار السلام، ومعنى ذلك أن فيها سلامةً من كل مؤذٍ حتى الألفاظ. ولما تخلصت النفوس من النقائص، لم تعد تتكلم إلا بالمعالي ولا تسمع إلا الكلام الطيب. قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: 25]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 35]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: 62]، لا تسمع فيها لاغيةً. قيل في المعنى كذباً والإثم والشتم، وقيل الباطل والمعصية، وقيل الحلف، حلف أهل الدنيا وكثير منه أيمان. فلا يسمع أهل الجنة فيها كلمة لغوٍ ولا باطلٍ ولا كلاماً محرماً يؤذي النفوس أو تستك منه المسامع.

الجنة منزهة عن اللغو لأنهم جيران الله، وإن نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل. ولما كانوا في مجالسهم في الدنيا حريصين على سماع العلم والقرآن والفائدة والحكمة من السنة، وكذلك كانوا يذكرون ربهم فيها ويعددون نعم الله عليهم، ويتدارسون القرآن والسنة، وكذلك يتدارسون أحكام الله والحلال والحرام؛ كانت مجالسهم موعظةً وذكرى وعِلماً وفِقهاً ودعوةً ومناجاةً. ولذلك كانت في الآخرة في جنة الخلد نتيجةً لذلك هذا الكلام الجميل الخالي من العبارات الخادشة والقبيحة. ولذلك فلننضِّ ألسنتنا هنا ونسمعنا عن اللغو، ونربي أنفسنا وأهلينا على الطيب من القول لنسمع في الآخرة.

وفي الآية «لا تسمع فيها لاغية» قراءتان مشهورتان، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لا يسمع فيها لاغيةٌ» وقرأ نافع «لا تُسمع فيها لاغيةٌ» على البناء لما لم يسمَّ فاعله الذي نقول بناء المبني للمجهول. وقرأ بقية القراء «لا تسمع فيها لاغيةً» على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو أيها المخاطب. أي على قراءة «لا تُسمع فيها لاغيةٌ» تكون بالرفع، وكذلك «لا تُسمع فيها لاغيةٌ» نائب فاعل، أما على قراءة «لا تسمع فيها لاغيةً» مفعول به لا تسمع هذه الوجوه لاغيةً.

ثم ذكر تعالى أوصافاً أخرى فقال: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 12]. هل هي عين واحدة؟ لا، هذا اسم جنس، والمراد جنس العيون. وإنما نكرت عين من كثرتها، لأن النكرة تدل على الكثرة والتعظيم أحياناً. فيها عين جاريه يعني عيون جاريات كثيرة، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: 45]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: 41]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: 54] يعني وانهار، وفي الآية الأخرى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: 15] الآية. وكقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: 14] أي كل نفس. إذاً فيها عين جاريه، عين هذه نكرة لكن ليست واحدة، كقوله علمت نفس ما أحضرت، نفس واحدة التي علمت؟ لا، كل النفوس.

إذاً المقصود بقوله فيها عين جاريه عيون جاريه بالماء تتدفق بانواع الأشربة اللذيذه التي يفجرونها ويصرفونها كيف شاءوا، وإن أرادوا تجري على وجوه الأرض بلا أخاديد كما يشتهون. هذا وصف للجنة باستكمال محاسنها، عندما يفجر الشخص من أهل الجنة العين في المكان الذي يريده بالقدر الذي يريده على الهيئة والكيفية التي يريدها، هذا وحد من ألوان النعيم. أو كما قال أولئك الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وهم يطلبون المعجزات والآيات: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهُمْ تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: 91]. إذاً تفجير الأنهار والعيون بحسب ما يشتهي الإنسان ويشاء ويريد، هذا نعيم عظيم ولا شك.

عين جاريه؛ الجزاء من جنس العمل. ولما كانت عيون المؤمنين في الدنيا طالما جرت بالبكاء من خشية الله ودموعهم تسيل على خدودهم مخافةً منه، كان لهم في الجنة عين جاريه نعيم لتلك العين التي كانت في الدنيا جاريه من خشية الله. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الجنة وأن يعلي فيها درجاتنا، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه، إنه غني كريم. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.