تسجيل الدخول

المحاضرة 10 - التفسير - تفسير سورة الأعلى (4:1) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في هذا المجلس من مجالس مادة التفسير، ونبدأ بمشيئة الله تعالى في تفسير سورة الأعلى. سورة الأعلى مكية، وعدد آياتها تسع عشرة آية بالاجماع.

وسماها أكثر المفسرين سورة الأعلى بوقوع صفة الأعلى فيها دون غيرها، فليس هنالك سورة أخرى في القرآن تشتمل على صفة الأعلى لله أو اسم الأعلى لله غير هذه السورة. وقد سميت عند بعضهم بسورة سبح اسم ربك الأعلى؛ لأنها اختصت بالافتتاح بكلمة سبح بصيغة الأمر. فهنالك سور تبدأ بيسبح بالفعل المضارع، وبالفعل الماضي سبح، وبمصدر سبحان، وهكذا، لكن بصيغة فعل الأمر لا توجد إلا هذه السورة، تبدأ من بين السور التي ذكر فيها التسبيح في مطلعها الوحيدة التي تبدأ بصيغه الأمر سبح.

هذه السورة لها فضل عظيم، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ بسوره الأعلى في العيدين والجمعة، وكذلك هل أتاك حديث الغاشية كما جاء في صحيح مسلم. وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في الوتر، يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد في ركعة ركعة. فإذا سبح في الركعة الأولى والثانية قل يا أيها الكافرون، والثالثة قل هو الله أحد.

وأمر معاذ رضي الله عنه أي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرا بها في العشاء، فقال له: «فلو لا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى، فانه يصلي ورائك الكبير والضعيف وذو الحاجة»، والحديث في الصحيحين. وقد جاء أنها لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال عليه الصلاة والسلام: «اجعلوها في سجودكم»، وقد رواه أبو داود وابن ماجه وحسنه النووي.

أي الإمام ابن القيم رحمه الله ذكر أن وصف الرب العلو في هذه الحال؛ يعني أثناء السجود في غاية المناسبة لحال الساجد، فذكر علو ربه لما انحدر وانحط إلى السفل في حال سقوطه وسجوده. فما معنى سبح اسم ربك الأعلى؟ يأمر الله تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته والخضوع لجلاله والاستكانة، وتنزيه الله عن كل عيب ونقص، وعن الأوهام الفاسدة والظنون الكاذبة.

وقال العلماء: إن الأمر بتسبيحه سبح يقتضي تنزيه الله عن كل عيب وسوء، واثبات الضد يعني صفات الكمال. نزهه عن النقائص وأثبت له الكمال، فان التسبيح يقتضي التنزيه والتعظيم، والتعظيم يستلزم اثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده. ومعنى سبح اسم ربك الأعلى أي سبح ربك ونزهه بذكر اسمه العظيم المنبئ عن تنزيهه، لأن الأعلى الذي تعالى عن الباطل وعن النقص وعن كل ما لا يليق به.

سبحه بقلبك وسبحه بلسانك، سبحه عما يقول الظالمون والملحدون. سبح اسم ربك الرب الخالق المالك المدبر، فالرب هذه الكلمه تشتمل على ثلاثة أوصاف: الخلق والملك والتدبير؛ فهو الخالق لكل شيء، المالك لكل شيء، المدبر لجميع الأمور.

والأعلى الأعلى من العلو، اعلى من كل شيء. الأعلى الذي لا يعلوه شيء ولا يشترك معه شيء في العلو؛ فهو المتفرد بالعلو المطلق، لا شيء أعلى منه، فهو أعلى من كل شيء. الأعلى الذي بلغ في العلو غايته؛ فهو العلي الأعلى الكبير المتعال. له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر والغلبة.

فعلو الذات أنه تعالى مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مباين لهم ومطلع على أحوالهم ومشاهد لهم ومدبر لأمورهم سبحانه وتعالى. الرحمن على العرش استوى. اليه يصعد الكلم الطيب والملائكة، قال الله عنهم: يخافون ربهم من فوقهم.

إذا هذه الآية تدل على علو الله على خلقه. وقد حاول بعض الفلاسفة والمتكلمين إنكار علو الله وأنه ليس في العلو، وقالوا في كل مكان وفي كل جهة، وهذا باطل لا يليق بالله أن يقال عنه في كل مكان وفي كل جهة، بل هو تعالى في العلو على جميع خلقه. وليس اثبات العلو له بحصر له في مكان، فإن الله فوق جميع مخلوقاته، وما المخلوقات بالنسبة له إلا كحبة أو ذرة أو هباء.

قال ابن القيم رحمه الله: الأدلة السمعية المحكمه على علو الرب على خلقه واستوائه إذا بسطت أفرادها كانت ألف دليل، يعني قرابة الألف دليل على علو الله على خلقه. وأما علو الله ففطرة فطر الله العباد عليها، ألا ترى أن كل داع يدعو الله يرفع يديه إلى الأعلى الفوق جهة اليدين تطلب من الأعلى سبحانه، لا يمين ولا شمال ولا تحت ولا الأعلى. وهذا موضع القصة المشهورة أن أبا جعفر الهمداني رحمه الله حضر مجلس الجويني، وكان الجويني رحمه الله يتكلم في نفي صفة العلو فقال له أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ ما قال داع قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، أي واحد في العالم يقول يا الله نفسه بالضرورة تتجه للأعلى، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ فبكى الجويني رحمه الله قال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.

والله عز وجل له علو القدر والصفات، فصفاته عظيمة لا يماثلها شيء ولا يقاربها صفة مخلوق. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فليس كلام الخالق مثل كلام المخلوق، ولا علمه مثل علمه، ولا قدرته مثل قدرته، ولا سمعه مثل سمعه، ولا بصره مثل بصره، ليس كمثله شيء.

وله سبحانه علو القهر، النوع الثالث من العلو: قهر كل شيء، فدانت له الكائنات كلها، نواصيهم بيده، وهو القاهر فوق عباده. خضعت له الرقاب، وعنت له الوجوه، ودانت له الخلائق، وتواضع لعظمته وكبريائه الأشياء واستكانت وتضاءلت بين يديه سبحانه وتعالى. ونواصل التفسير معكم إن شاء الله بعد هذا الفاصل.

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فان ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستاثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فان هذا لون من الحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك الاحتقار والحط من كرامته، فيزيده ذلك غما وحزنا.

لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للاخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب.

قال النووي رحمه الله: وفي معناه أي معنى التناجي ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه؛ لأن العلة موجودة. فاذا كان الحديث دائرا بين اثنين بدايه ثم اتى ثالث واراد ان يدخل بينهما فان ذلك لا يجوز الا باذنهما لقوله.

الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع تفسير سورة الأعلى: سبح اسم ربك الأعلى. سبح باسمه سبحانه، سبحه ذاكرا هذا الاسم العظيم، وكذلك غيره من الأسماء التي تدل على كمال الله وعظمته، وكل أسمائه كذلك.

الذي خلق فسوى، سبحانه وتعالى ما يقتضي تسبيحه وتنزيهه واثبات المحامد له من خلال المخلوقات التي خلقها التي تدل على قدرته. ما معنى سوى؟ جعل كل جنس ونوع من مخلوقاته مناسبا للأعمال التي خلق لأجلها، وسوى يعني احسن ما خلق. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾، وسوى خلق كل ذي روح فجمع خلقه أكمله وسواه، اليدين والعينين والرجلين والقامة.

قال بعض المفسرين في قوله تعالى: الذي خلق فسوى، يعني خلق لكل دابه ما يصلح لها من الخلق؛ الدواب التي يصلح لها الأربع جعلها ذات أربع، الدواب التي يصلح لها الزحف على البطن جعلها تزحف على بطنها، الدواب التي تطير جعلها الجناحين والطيران، الدواب التي تقفز والدواب التي تسبح، والانسان خلقه مستويا قامته إلى الأعلى يمشي على رجلين.

الذي خلق فسوى، انظر في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ * فَعَدَلكَ﴾، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. الذي خلق لم يذكر مفعول خلق، يعني خلق ماذا؟ لم يعين شيئا لقصد التعميم، يعني خلق كل شيء فسوى، أي سوى خلقه وأتقنه. سوى ذلك الخلق، خلق الأشياء كلها فعدل واتقن وأحسن خلقها، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ كما قال في القرآن، وسوى كل مخلوق في احسن هيئاته.

سبحان الله، كلما نظرت في نوع من الحيوان تجد أن فيه إبداعا في خلقه، وأن خلق هذا الحيوان مناسب لطبيعته ومعيشته، سواء كان في الشكل أو في الأعضاء أو في نظام الحركة أو في نظام التناسل.

الذي خلق فسوى، خلقا كاملا. قيل: خلق في أصلاب الرجال وسوى في أرحام الأمهات. وقيل: خلق الإنسان وهياه للتكليف.

ثم قال تعالى: والذي قدر فهدى، قدر وضع المقادر وأوجد الأشياء في ذواتها وقواها. قدر أقدار المخلوقات في الحال والمال والذات والصفات، فكل شيء له قدر محدود. وقدر أيضا فالآجال محدودة، والأحوال محدودة، والأجسام محدودة، وكل شيء مقدر تقديره، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.

قدر فهدى، أي الهداية العامة، هدى كل مخلوق إلى مصالحه ومعاشه، كما جاء في الآية الأخرى قال ربنا: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. أعطى كل شيء صورته وشكله وهيئته، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال، وهداه إلى ما يصلحه.

وجعل لكل عضو وظيفة، فهدى الرجلين للمشي، واليدين للعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والزوجين للتناسل. والطفل إذا خرج من بطن أمه وأراد أن يرضع يهديه الله إلى التلغام الثدي بدون أي تدريب ولا تمرين مباشرة. من الذي هدى هذا الجنين خارج طفل من بطن أمه رضيع مباشرة وهو مغمض العينين في البداية ما يرى، لكن يفتح فمه ويمص، من الذي علمه فتح الفم والمص ولا يقبل شيئا إلا هذه الحلمة؟ من الذي هداه لذلك؟

النمل لا تبني بيوتا في أي مكان، بل تجعلها أحيانا في مرتفعات من الأرض حتى لا تفسدها السيول، وإذا جاء المطر وكان في جحورها طعام وحبوب أخرجته فنشرته إذا طلعت الشمس حتى لا يعفن، ما الذي هداها لذلك؟

من علم الهدهد الحصول على غذائه من باطن الأرض؟ قال الله تعالى عنه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، والهدهد عنده خاصية معرفة أشياء مخبوءة في الأرض تحت الأرض.

الطيور المهاجرة، من الذي علمها اتجاه الطيران وخط الطيران ووقت الطيران ومكان النزول والوصول؟ كأن فيها بوصلة، تقطع المسافات العظيمة في أوقات معينة في السنة وليس عشوائيا، وتطير ذهابا وإيابا، بعضها إلى مسافة خمسين ألف كيلو في السنة، وبعض الأنواع تطير بدون انقطاع لمدة تصل إلى مائة ساعة، ولا توجد طائرة في العالم تطير متواصلة مائة ساعة. هذا الطير لو انحرف درجة واحدة في طيرانه لوصل إلى مكان آخر مختلف تماما غير الذي يصلح له، فمن الذي سدده في طريقه؟ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هداه.

الإنسان، من الذي هداه للكلام؟ ترى الطفل تلقائيا يبدا يخرج الكلمات، الإنسان عنده بيان، من الذي هداه لذلك؟ ومن الذي عرفه طريقي الخير والشر كي يميز هذا من هذا؟ وهذه الهداية لا تستلزم الهداية التامة؛ لأن الفتح على القلب والاهتداء إلى الحق لمن وفقه الله لذلك، لكن هذه هذه الهداية الخاصة، لكن الهداية العامة هدى الله الجميع. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، بينا لهم وأرشدنا فلم يهتدوا. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، لكن الذي يقبل هذا الهدى من يشاء الله له ذلك. إذا هناك هدايات عامة في الخلائق طيرها ووحشها والآدمي، وهدايات خاصة.

بعد قليل إن شاء الله سنواصل في أفعال الله عز وجل التي ذكرها في هذه السورة، ومع قوله: والذي أخرج المرعى، نعود إليكم إن شاء الله.

النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما، واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فانه يكون مباحا بشرطين؛ الأول: أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، والثاني: أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه وإلا حرم. فتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه، فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

الحمد لله نعود إليكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ونواصل في تفسير سورة الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾، والذي أخرج المرعى النبات والكلا الأخضر، النبت الذي ترعاه الأنعام، كيف أخرج؟ بماء ينزله من السماء فيختلط به نبات الأرض فتنبت. معنى الآية: والذي أنزل من السماء ماء فانبتنا النباتات والزروع والعشب الكثير، ما بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض مما ترعاه الأنعام وترتع فيه البهائم.

والذي أخرج المرعى، والمرعى هذا أيضا حتى زين للناس في شكله وطعامه لدواب في نعمة عظيمة على البشر في المرعى هذا، فجعله غثاء أحوى. ما هو الغثاء؟ الهشيم الجاف ما يعلو الماء من الزبد اليابس من النبت هشيم. والأحوى بالحاء، الحوة لون وهو سمرة تقترب من السواد، الأحوى صفة لغثاء المرعى هذا، الأخضر إلى حوة سوداء غثاء بلون الحوة السوداء. هذا معناه أن الله يحيل الأشياء ويغيرها فتبدأ بشيء وتنتهي باخر.

فالمعنى إذا لهذه الآية مع التي قبلها أنه سبحانه أخرج المرعى ناعما أخضر ثم يصير إلى يابس أسود من احتراقه بالشمس وغيرها، ويصبح غثاء تذهب به الرياح والسيول بعد أن كان خضرا حسنا. هذا مثال في إشارة إلى شيء، ما هو حال الدنيا؟ الدنيا خضرة حلوة لكن تصير إلى ماذا في النهاية؟ فهنا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولكل من اغتر بالدنيا، أن نضارتها تذهب وأن نعيمها يزول وأن زينتها تفنى وتبلى كالمركب المرع الذي ينتهي ويصير إلى غثاء أحوى، فالدنيا لا تبقى والباقي الآخرة، وهذا ولا شك فيه درس عظيم لنا في عدم الاغترار بالدنيا.

الآيات هذه في مطلع سورة الأعلى فيها تعظيم لله وذكر لأفعال من أفعاله سبحانه الدالة على قدرته وتدبيره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾. فهناك تقدير من الأعلى سبحانه وهدايه وتعرف منه عز وجل، وإخراج المرى من أرض ميتة ينزل عليها ماء فتهتز، اهتزت وربت ثم يتحول إلى شيء آخر. فيها قصة للحياة التي نحن فيها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا البصيره والعفو والعافيه والهدايه والصلاح وأن يكون حالنا في الآخرة حسنا إنه سميع مجيب. إلى درسنا القادم إن شاء الله فيه تفسير سورة الأعلى، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.