بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فهذا هو الدرس الحادي عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.
وقد سبق في الدرس الماضي الحديث عن تفسير سورة الأعلى، وقلنا أنها سورة مكية، ومن مقاصدها بيان علو ذات الله تعالى وصفاته، والابداع في خلقه وأحكامه واتقانه، وتأييد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك تثبيته على تلقي الوحي. وقد أمر الله تعالى في أولها بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته والخضوع لجلاله والاستكانة لعظمته، فقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: 2]، فيه بيان بعض مظاهر الإبداع الإلهي في الخلق، والتي تقتضي تسبيحه وتنزيهه عن كل نقص، وإثبات كل المحامد وصفات الكمال له عز وجل. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾؛ أي: جعل كل جنس ونوع من الموجودات مناسبا للأعمال التي خلق لأجلها. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3]؛ أي: قدر أقدار المخلوقات في الحال والمال والذات والصفات، فكل مخلوق له قدر محدود، آجال وأحوال وأجسام محدودة، وكل شيء مقدر تقديرا.
وقوله: ﴿فَهَدَى﴾؛ أي: الهداية العامة التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق إلى مصالح معاشه وما يقيمه، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ﴾؛ أي: أنزل من السماء ماء، فانبتت به من جميع صنوف النباتات والزروع والعشب الكثير، ما بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض، مما ترعاه الأنعام وترتع فيه الناس والبهائم وكل حيوان. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5]؛ أي: أخرج المرعى ناعما أخضر، ثم يبس فيسود من احتراقه بالشمس وغيرها، فيصبح غثاء تذهب به الرياح والسيول بعد الخضرة والحسن.
نكمل في هذا الدرس بمشيئة الله تفسير بقية السورة، ومع قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: 6-7]. فلما ذكر بعض نعمه الدنيوية، ذكر نعمته الدينية ابتداء على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وامتن باصل هذه النعم ومنشئها وهو القرآن فقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾؛ سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب ووعيه قلبك فلن تنسى منه شيئا. وهذه بشارة كبيرة من الله للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيعلمه علما لا ينساه، وهذا وعد من الله بعون نبيه عليه الصلاة والسلام على حفظ جميع ما يوحيه إليه.
سنقرئك؛ أي: سنجعلك قارئا، سنلقنك ما تقراه، وسنععلمك بتلاوة جبريل عليك تعليما لا يزول. وهذه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان. فطمأنه ربه وأنه لا حاجة أن يفعل ذلك، فإن الله سيقر في نفسه قرارا لا ينساه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾؛ سنعلمك فتحفظ، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114]، وكذلك: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 16-17].
وبدأ بقوله سنقرئك قبل ذكر انتفاء النسيان فلا تنسى؛ إعلاما بأن القرآن في تزايد مستمر، فاذا كان قد خاف من نسيان بعض ما أوحي إليه على حين قلته، وهو سيتبع ويتكاثر؛ فهذه بشاره عظيمة أنه حتى مع ما سياتي منه لن ينساه ما سبق ولا ما يأتي لاحقا، فقد تكفل الله له بعدم نسيانه مع تزايده. ونحن نعلم أن هذه سورة مكية، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَنسَى﴾ خبر وليس نهيا؛ لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، إذن: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾؛ يعني سنقرئك قراءة لا تنساها، لا تنسى بعدها شيئا مما أقرأته.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي أنه سبحانه إذا أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك، وإذا أراد لحكمه أن ينسخه من صدرك فسينسخه، ففائدة نسخ لبعضه نسخا يزيله من الصدور. وقد ذكر بعض العلماء أن سورة الأحزاب كانت بقدر سورة البقرة، وأن الله سبحانه وتعالى قد نسخ منها ما شاء فلم تعد موجودة في الصدور، وهناك منسوخات بقيت لفظا في الصدور محفوظه لكن لم تعد من القرآن.
إذن: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ هذا معنى، المعنى الآخر: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ طلب، وتكون لا ناهية؛ والمعنى: سنقرئك فلا تغفل عن قراءته وتكراره حتى لا تنساه. ويكون معنى الاستثناء هنا على ما يقع من النسخ؛ أي: إلا ما شاء الله رفعه ونسخه مما اقتضت حكمته أن ينسخه وأن ينسيه، فيرفع حكما وتلاوة، والأمر بيد الله كما قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: 39]، وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106].
ومع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته داخله في الخطاب، والمعنى أن الله يعلم الجهر يا محمد من عملك، يعلم الجهر ما أظهرته وأعلنته، وما يخفى منه كذلك يعلمه، فيعلم جميع أعمالك سرها وعلانيتها، فاحذر أن يطلع عليك على أمر لا يرضاه، وهذه موعظة للأمة. والله تعالى يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من الاقوال والأفعال، وقيل الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى ما نسخ من حفظك مما أنساك الله تعالى، وقيل الجهر ما علمه وما يخفى ما سيتعلم من بعد، وقيل عالم بجهر في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو انك تخاف النسيان.
وصية الله لعباده، قرن حقه بحقه، وشكره بشكره، أمر ببرهما ونهى عن عقوقهما، إنهما الوالدان. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُو ا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. والبر بالوالدين يعود نفعه على الولد البار بثمرات وفوائد منها: تحصيل رضا الله تعالى، إطالة العمر وزياده الرزق، اكتساب بر الابناء في المستقبل فالجزاء من جنس العمل، تكفير الذنوب والخطايا، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي توبة؟ قال: «هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خال؟» قال: نعم. قال: «فبرها».
وللبِرِّ صور وأشكال، منهما يكون في حياتهما: كإحسان القول إليهما، وخفض الصوت عندهما، وطاعتهما فيما يأمر به، وتعليمهما ما يحتاجان إليه، واستئذانهما عند السفر، واظهار التقدير والاحترام لهما، وتقبيل أيديهما ورءوسهما، والسعي في إرضائهما وتحمل المشاق في سبيل ذلك. ومنهما يكون بعد وفاتهما: كالدعاء لهما والاستغفار لهما، وقضاء دينهما، وصله الرحم التي لا توصل الا بهما، واكرام أصدقائهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي».
حياكم الله ومرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات، ومع قوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: 8]، هذه بشارة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله سييسر له جميع أموره، وانه سيجعل شرعه ودينه يسرا، والتيسير جعل العمل يسيرا على العامل. والمقصود: نيسرك للطريقه اليسرى وهي عمل الخير؛ فننيسر عليك افعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا ودينا عدلا مستقيما لا عوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وهذا كما قال السمعاني وابن الجوزي في زاد المسير والقرطبي وابن كثير وغيرهم من المفسرين.
والمقصود: نهيئ للأمور اليسرى في أمر الدين وعواقبه، من تيسير حفظ القرآن عليك، وتيسير الشريعة التي أرسلت بها، وتيسير الخير لك في الدنيا والاخرة. والتعبير بنون التعظيم في قوله: ﴿وَنُيَسِّرُكَ﴾ لان عظمه المعطي تدل على عظمه العطاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: 1]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]. ودلت هذه الايه على أن الله سبحانه فتح على النبي صلى الله عليه وسلم من أبواب التيسير والتسهيل ما لم يفتحه على أحد غيره، كيف لا وقد كان يتيما ونشا في قوم جهال وكان فقيرا، ولكن الله تعالى اصطفاه وأنقذه.
ولما ذكر المنة ذكر التكليف، لما ذكر التشريف ذكر التكليف فقال: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ إذن سنيسر عليك ولن نجعلك تنساه، وهذا الدين اليسر الذي سنتيك إياه لا بد في المقابل من أعمال أنت تعملها هي مطلوبة منك، ما هي هذا التذكير؟ أمر الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم أن يذكر عباد الله جميعهم، وأن يعظم وأن يحذرهم عقوبه الله فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9]. والتذكير تبليغ الذكر وهو القرآن، والذكرى مصدر التذكير، فإن قال قائل: أين مفعول فذكر؟ يعني ذكر من؟ قيل محذوف لأجل التعميم، يعني ذكر الناس كلهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 10-11].
فأقسام الجميع موجودة، الذي سيتذكر والذي سيجنب التذكره، معنى الآية: عظ بالقران إن نفعت الموعظة والتذكير أو لم تنفع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مبلغا للأعذار والإنذار، فعليه تذكير في كل حال نفع أو لم ينفع. وإنما لم يذكر الحالة الثانية واكتفى بذكر أشرف الحالتين، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] والمراد البرد أيضا. ومما يؤكد أن التذكير مطلوب على كل حال أن الانتفاع بالذكرى مبني على حصول الخشية في القلب، وصفات القلوب لا اطلاع لأحد عليها إلا الله عز وجل.
فلو كان ذكر من يستفيد فقط فكيف يعرف من يستفيد ممن لا يستفيد؟ ولذلك ذكر الجميع، فوجب على النبي صلى الله عليه وسلم تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود. والمقصود: تذكير من ينتفع بالتذكير، لكن لا سبيل إلى ذلك إلا بتعميم التذكير، وقيل معنى: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أي الارشاد إلى التذكير بالأهم، يعني ذكر بالمهم الذي فيه النفع. طبعا القرآن كله نافع بلا شك، فالمقصود ذكر به واترك غيره مما لا نفع فيه.
وقيل: ذكرهم بما ينفعهم من أمور التوحيد والصول قبل الفروع التي تكون مخاطبتهم بها ربما صادّة لهم، كما ذكرت عائشة رضي الله عنها، يعني أول ما نزل عظمت الجنة والنار، ولو بدأ لا تشرب الخمر لا تزن ما أجاب. كذلك فان التذكير مطلوب ما دامت الذكرى مقبولة والموعظة مسموعة، ومفهوم الآية عند بعض العلماء أنه إن لم تنفع الذكرى بأن كان التذكير يزيد هذا الموعوظ إعراضا ونفورا، فتوقف عن ذلك ولست مأمورا باكمال المشوار مع ناس معارضين.
والذكرى ينقسم الناس فيها إلى قسمين: منتفع وغير منتفع، ولذلك بين تعالى من الذي ينتفع فقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 10-11]. الخشية الخوف مع التعظيم، سيتذكر من يخشى الله، من يخشى اليوم الآخر، من يخشى عذاب الله، سيتذكر من يخشى -من للجنس- يعني ليس فردا معينا، سيتذكر الذين يخشون. سيتذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم ويتعظ بالقران من يخشى الله ويخاف عقابه ويعلم أنه ملاقيه، وهذا معنى قول الحسن: تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر، وقول ابن عباس: تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي.
لكن نلاحظ قول الحسن فيه بيان وفائدة تذكير الذي لن ينتفع بأن الحجة قد قامت عليه، فلو قال واحد: طيب التذكير لمن ينتفع فائدته واضحة، طيب لما ذكر الجميع وانتفع من انتفع، طيب البقيه ما الفائده وما كانت الفائده في تبليغهم؟ الجواب: إقامة الحجة عليهم حتى لا يدخل النار أحد لم تقم عليه الحجة. والذكرى أيضا تنفع الراجي، فالراجي قد يتذكر، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي، فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت أصلا بالخشية والرجاء.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ فالذكرى نافعة حتما فريقا من الناس، وهو من يخشى الله حق خشيته، فيتفكر في شان ما ذكر به ويقف على حقيقته ويؤمن به، وخشية الله توجب للعبد الانكفاف عن المعاصي والسعي في الخيرات، هذا الذي سيتذكر هو السعيد. وأما الذي سيتجنب التذكرة فهو الشقي، وسنعرف تفسير الآية بشأن ذلك بعد قليل إن شاء الله.
إمامنا عادل وخليفة زاهد، من أشهر الخلفاء الأمويين وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين، قال عنه انس بن مالك رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى. فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة ونشا فيها عند أخواله فتاثر بهم.
وبمجموع في سنة سبع وعشرين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة ليصير واليا على الحجاز كلها. وقد كان في هذه من احسن الناس معاشرة وأعدل سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينه عليه، وقد عين عشرة منهم كان لا يقطع أمرا دونهم أو من حضر منهم.
لما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافه قربه وجعله وزيرا له، وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتابا يستخلف فيه عمر من بعده. صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة وقال: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا مشورة من المسلمين، واني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم. فأجابه الناس قائلين: قد اخترناك يا أمير المؤمنين.
ورضينا بك ولياً أمرنا باليمن والبركة. اجتهد رحمه الله في فترة ولايته، وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، فعزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشره للعلم، وعمله بالشورى، وأمره بتدوين الحديث النبوي. في الخامس من رجب عام 101 للهجرة توفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. الحمد لله، أهلاً ومرحباً بكم، ونحن مع الأمر الإلهي والتكليف للنبي صلى الله عليه وسلم، ولمن سار على هديه، في تذكير العالم، تذكير الناس، وأن الفائدة: سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى.
الشقاء الحالة الناشئة في الآخرة عن الكفر، من الإهانة والتعذيب؛ لأن من مات مؤمناً ليس بشقي. الأشقى هو الكافر؛ لأنه أشد الناس شقاء في الآخرة لخلوه في النار. الأشقى أيضاً اسم جنس يشمل كل المشركين، وليس المقصود فقط الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة وبعض من ذكر، وإنما كل المعرضين. فمعنى الآية: يتجنب التذكرة ويبتعد عنها أشقيا الفريقين من المؤمنين والمشركين. أشقاهم هؤلاء الكفرة المعرضون الذين سيخلدون في النار.
نلاحظ المقابلة بين من يخشى والأشقى، إشارة إلى أن الشقي من شأنه أن لا يخشى؛ لأنه منهمك في غروره، منغمس في لهوه، فلا يبحث عن خلاص أصلاً، فإذا نزل به الموت صار إلى العذاب الأليم. ولذلك بين تعالى جزاء الأشقى فقال: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: 12] يدخلها ويحترق فيها وبها. النار الكبرى هي نار جهنم العظيمة، وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. وقال ابن عباس: النار الكبرى الطبق الأسفل من جهنم.
النار الكبرى نار الآخرة، لأنها كبرى بالنسبة لنار الدنيا، فهي الكبرى بشدتها، والكبرى بمدها، والكبرى بضخامتها، والكافر فيها يمتد بقاؤه إلى ما لا نهاية. ذكر الله حال هذا الأشقى، الحال التعيسة فقال: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]. العرب كانت إذا وصفت الرجل الذي وقع في شدة عظيمة لا هو حي ولا هو ميت، فخاطبهم بالذي جرى من ذلك: أن يعذب عذاباً أليماً من غير راحة ولا استراحة، حتى يتمنى الموت فلا يحصل له، كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]. لا يموت فيها فيستريح من عذابها، ولا هو يحيا حياة كريمة يسعد بها، فالإحساس باقي، الشعور باقي لوقع العذاب.
وحرف العطف ثم للتراخي في مراتب الشدة؛ لأن التردد في النار بين الموت والحياة أفضع من نفس الصلي، يعني الإحراق أو إصلاحه بالنار، هذا يكون في البداية فيصير إلى حال لا هو حي ولا هو ميت. ثم لا يموت فيها ولا يحيا، يعني ثم باستمرار العذاب عليه يصبح في حال من الشدة لا يموت فيها ولا يحيا، نسأل الله السلامة والعافية. وقيل معناه: إن نفس أحدهم في النار تصير في حلقه فلا تخرج فيموت ويتوقف العذاب أو يرتاح، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم. على أي حال هذه أخبار الغيب تحتاج إلى أدلة، وإنما نقول: لا يموت فيها فيستريح بالموت، ولا يحيا حياة كريمة أو حياة فيها فائدة، وإنما حياة ذل وشقاء وإهانة، عذاب مستمر، كما أنه كان في حياته في الدنيا من جنس حياة البهائم، لا عقل ولا فهم عن الله، ولا اتعاظ ولا عمل صالح، نسأل الله السلامة والعافية.
أيها الإخوة والأخوات، نقف هنا عند قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]، ونأتي على تفسيرها بمشيئة الله تعالى في الدرس القادم. نسأل الله سبحانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يعقل عن الله كلامه، ويعمل بوحيه، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد