تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - التفسير - تفسير سورة الانشقاق (15:6) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجاله، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى نازه أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في هذا الدرس الثاني من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد في الفصل الثالث من فصولها.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام على بداية تفسير سورة الانشقاق، وقلنا إنها سورة مكية إجماعًا، فيها بيان حال السماء والأرض في طاعة الخالق وما يحدث لها يوم الدين، وإثبات البعث، وبيان حال المطيعين والكافرين المكذبين. وذكرنا أن قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] يعني انفطرت، تمايز بعضها عن بعض، انتثرت نجومها، خسف بشمسها وقمرها، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 2] سمعت وأطاعت وانقادت واستجابت.

وأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: 3] بسطت مد الأديم، مد الجلد، وزيد في سعتها، وأزيلت جبالها، وسويت لتتسع لأهل الموقف جنًا وإنسًا من السابقين واللاحقين، وأن قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: 4] تخلت من أثقالها جميعًا من الموتى والكنوز والمعادن، كما تلقي الحامل ما في بطنها إذا رأت هولًا عظيمًا ورعبًا شديدًا، كذلك الأرض تفعل ذلك من أهوال القيامة.

وأن قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 5] سمعت واستجابت وانقادت، وأن جواب إذا؛ إذا السماء انشقت، إذا الأرض مدت، ترك استغناءً بمعرفته، وتقدير الكلام إذا حصلت هذه الأشياء سيرى الإنسان ما قدم من خير أو شر. وقال بعضهم: الجواب ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]، وقلنا معناها أن الإنسان مهما سعى ومهما عمل سينتهي سعيه إلى ربه، وسيحاسب عليه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

نأتي الآن إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-9]. هذا كأنه تفصيل لما تقدم، فملاقيه؛ أنت تلاقي ربك أو تلاقي عملك وتحاسب عليه لتكون النتيجة إما إيتاء الكتاب باليمين والسرور، أو إيتاء الكتاب بالشمال والعياذ بالله والغم العظيم والعذاب الأليم.

لما بين تعالى أن كل إنسان يسعى ويكدح في هذه الحياة سواء كان خيرًا أو شرًا، ذكر جزاء الفريقين الآن على التفصيل. فمن كان مقبولًا أعطي كتابه بيمينه لأنه كان يعمل بالأعمال الحسنة، ومن كان مردودًا والعياذ بالله أعطي كتابه بشماله لأنه كان يعمل الباطل. والملائكة تكتب في الدنيا صحائف أعمال بني آدم وكل ما يفعلونه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12]، ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 17-18]، وقال: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ [القمر: 52-53].

الملائكة ستكتب الكدح هذا لترفع تقاريرها إلى الله، تختم ولا تفك إلا يوم القيامة، وكل واحد يلقى عمله مكتوبًا وبدقة بالغة. هذا اللقاء ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، فملاقيه أو ملاقي الكدح هذا في الصحف التي سطرت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: 10]، طويت بالموت ونشرت الآن يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته ويعلم ما فيها، ويعطى الكتاب إما بيمينه وإما بشماله، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].

تأمل في قوله ﴿حَاضِرًا﴾ في قوله ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].

بدأت الآيات بذكر جزاء المؤمنين الذين يعطون كتاب حسناتهم بأيمانهم، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، بلا تعسير ولا مناقشة، ولا يحقق معه في جميع أعماله ودقائقها، لأن من نوقش الحساب هالك لا محالة. إذا ما المراد بالعرض على الله؟ أن ينظر في أعمال العباد، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18]، فيجازي على الحسنات، ويتجاوز عن سيئات من شاء، ويعاقب من شاء.

جاء أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة: «من حوسب عذب»، فقالت: أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك»، رواه البخاري ومسلم. ما في واحد يصل إلى مرحلة النقاش عن كل عمل إلا وهو هالك، أما أنه يعرض على الله والله يتجاوز، هذا هو النجاة، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].

جاء في الحديث الصحيح أن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18]. فتظهر رحمة الله على عبده المؤمن هنالك، ويزداد فرحًا واستبشارًا بالحساب اليسير الذي يغفر الله ذنوب صاحبه ويتقبل حسناته وييسر حسابه، لأنه كان في الدنيا ممن يخافون سوء الحساب، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: 16].

فالحساب اليسير هو عرض أعمال العبد دون مناقشة، فلا يطول زمن وقوفه، وإنما يعجل به إلى الجنة وذلك إذا كانت أعماله صالحة. وهنا لطيفة أن المؤمن يعطى كتابه بيمينه وهو شعار للسعادة، لما هو متعارف من أن اليد اليمنى تتناول الأشياء الزكية، وهذا غريزة في البشر، لأن اليد الشمال معدة للقذر، فارتكز في النفوس أن البركة في الجانب الأيمن حتى سموا البركة والسعادة يمنًا، وسموا ضدها بالشؤم شمالًا، فكانت بركة اليمين مما وضعه الله سبحانه وتعالى في أصل فطرة الإنسان.

نقف هاهنا ومع قوله تعالى: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة من الحور العين وغيرهم، وقيل إلى أهله الذين كانوا معه في الدنيا من أهل الإيمان، ينقلب إليهم وينقلبون إليه والجميع في سرور ليخبرهم بخلاصه وسلامته ويخبرونه، فينقلب المؤمن إلى أهله في الجنة من الحور العين والآدميين الذين أعدهم الله له في الجنة. وممن يلقاهم في الجنة وسبب السرور النجاة من العذاب والفوز بالثواب. ذكر بعضهم أن الآية نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو أول من هاجر مكة إلى المدينة، لكن العبرة كما نعلم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الفائزين وأن يغفر لنا يوم الدين. نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله لاستكمال تفسير السورة.

الزينة في حياة المرأة حاجة فطرية جبلت عليها، وقد تكون مولعة بها، والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ولكنه ينظمها ويضبطها. ومن ذلك نهيه المرأة عن التزين بالوشم أو الوصل أو النمص أو فلج الأسنان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء»، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «والمتفلجات للحسن».

والوصل أن يوصل شعر المرأة بشعر آخر، ويدخل في ذلك الباروكة والرموش والأظافر الصناعية لأنها في معنى الوصل. والنمص هو الأخذ من شعر الحاجبين بالنتف كان ذلك أو الحلق أو غيرهما، وأما الشعر الذي بين الحاجبين فلا بأس بإزالته. والوشم هو غرز إبرة أو نحوها في أي موضع من البدن حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو غيره فيخضر. إزالة الوشم واجبة إلا إن خاف منه تلفًا أو ضررًا. والفلج أن تباعد ما بين الأسنان الثنايا والرباعيات إظهارًا لصغر العمر وحسن الأسنان، والحرام من ذلك كله ما فعل طلبًا للحسن وزيادته. وأما ما كان منه للعلاج أو إزالة عيب كإزالة الكلف وحب الشباب ونحوه، فلا بأس به. ولا يحرم التغيير الذي لا يبقى كالحناء والكحل، فليس هذا من التغيير الممنوع، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].

مرحبًا بكم أيها الإخوة والأخوات مرة أخرى، ونكمل في تفسير هذه السورة العظيمة. لما ذكر الله سبحانه وتعالى حال أهل اليمين، أتبع ذلك بذكر حال أهل الشمال، وبضدها تتميز الأشياء، وهذه من الطريقة القرآنية في ذكر المتقابلات، وهذا له فوائد كثيرة جدًا.

يقول الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر الذي أوتي كتابه بيمينه، قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 10-13]. بيان لحال الفريق الثاني، فريق المكذبين الذين يؤتون كتبهم بشمائل من وراء ظهورهم، ليس فقط بشماله، لكن تلوى يده خلف ظهره إهانة وإيلامًا ليؤتى بالشمال. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: 25-27] كما جاء في الآيات الأخرى.

وقد قيل إن آيات سورة الانشقاق هذه نزلت في الأسود بن عبد الأسد أخي بني سلمة، لكن العبرة بعموم اللفظ كما نعلم لا بخصوص السبب فهي تعم جميع أهل الشمال. وقوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، تثنى اليد ويعطى بها كتابه، كذلك قال ابن عباس: يمد يده اليمنى ليأخذ كتابه فيجذب ملك فيخلع يمينه فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال مجاهد: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره من شدة الجذب ومن شدة اللي لأنها تلوى نسأل الله السلامة. وقال قتادة ومقاتل: تفك ألواح صدره وعظامه من شدة اللي والشد ثم تدخل يده وتخرج من ظهره ويعطى كتابه بشماله. وقيل تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده الشمال وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره.

فإن قيل: جاء في بعض الآيات أن الكافر يعطى كتابه بشماله كما قال عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾، وفي هذه السورة في الانشقاق قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، فما الجمع بينهما؟ فالجواب سهل، تغل يداه إلى عنقه ويجعل شماله من وراء ظهره، وقيل يخرج شماله من صدره إلى ظهره، فهو من شماله وراء ظهره، وعليه فلا منافاة بين أخذه بشماله وإتيانه وراء ظهره، نسأل الله السلامة والعافية.

وبعض المفسرين قالوا يعطى العصاة كتبهم بشمائلهم، ويعطى الكفار كتبهم من وراء ظهورهم، على أية حال هذا الإيتاء إيتاء إهانة وإيتاء مؤلم. فإن قيل ما الحكمة أو ما هو السر في إعطاء كتب الأعمال من وراء الظهور؟ قيل في الجواب: لعله لأن الملائكة الذين يعطونهم الكتب لا يستقبلونهم بوجوههم أصلًا لبغضهم، وقيل لأنهم في الدنيا نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وجعلوا أوامر الله وراء ظهورهم، كذلك الجزاء من جنس العمل، أعطوا كتب أعمالهم وراء ظهورهم خزيًا وعارًا.

وأيضًا يقول تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾، هذا بيان لقول الكافر الذي أعطي كتابه بشماله من وراء ظهره، إنه سوف ينادي بكل تحسر وتوجع وينادي على نفسه بالويل والثبور والهلاك، يقول: يا ويلاه يا ثبورا. إذا فسوف يدعو ثبورًا، يدعو على نفسه بالثبور. وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]، يقولون وا ثبوراه، ووا خساراه، وا هلاكاه. لماذا سمي الهلاك ثبورًا؟ من المثابرة المواظبة على الشيء، قيل لأن العذاب لازم لا يزول، وسبب دعواهم ما يرونه من العذاب والألم، يريد الموت والهلاك ليتخلص لكن هيهات، وكذلك هو في خزي وفضيحة ويريد الخروج من الخزي والفضيحة بأي طريقة. هذا النداء بالثبور تحسر وتوجع لا ينفع، انتهى وقت العمل. هذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحًا وقطع طريقه إلى ربه كدحًا لكن في المعاصي والآثام والفجور والضلال والكفر، هذه نهايته، سيواجه مصيره ينادي بالهلاك لعله ينجو لكن هيهات، يعني عندما يصبح أقصى أمنية الإنسان أن يهلك ويموت، أي حالة هذه؟

قال المتنبي: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا، وحسب المنايا أن يكن أمانيا. هذه تعاسة بعدها تعاسة، وشقاء ما بعده شقاء. ثم قال تعالى: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾، إذا يعطى الكتاب وراء ظهره ويدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا، يدخل النار ويقاسي حرها وعذابها وألمها، ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾، وفي قراءة ﴿وَيُصْلَى﴾، كلاهما سبعيتان مشهورتان. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 92-94]، وقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: 30-31]، يصلى سعيرًا كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ﴾ [الأعلى: 12]، يلزم عذابها بشدة حرها يقاسي حرها. نسأل الله عز وجل أن يعافينا من النار، وأن يعتق رقابنا منها، وأن يباعد بيننا وبينها كما باعد بين المشرق والمغرب. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات، أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلا تسأل نفسك: هل سأقتله لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي سأقترضه سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين وكم سيستغرق من الوقت؟ واعلم أن الدين وإن كان جائزًا إلا أن أمره خطير؛ ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم».

كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على من مات وعليه دين، فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم وقد يوقع في الكذب وإخلاف الوعد والمشكلات الأسرية. ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجرًا عظيمًا على تفريج كربة مسلم، ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

أكاديمية زاد للعلم كالازهار في البستان. أهلًا ومرحبًا بكم أيها الإخوة والأخوات، ونتابع في تفسير هذه الآيات العظيمة من سورة الانشقاق: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ ۚ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: 10-15].

هذا بيان لحال هذا الكافر في الدنيا، كان أشرًا بطرًا فرحًا مسرورًا باتباع هواه وركوب ما تمناه من الشهوات، لم يفكر في العواقب ولم يخشَ ما أمامه، فأعقب ذلك بعد الفرح الحزن الطويل. ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ قال بعض المفسرين: كان منعمًا مترفًا، ما كان يتعب في عبادة ولا مشقة فريضة، لا صلاة فجر ولا صيام رمضان ولا جهاد في سبيل الله، مقدمًا على المعاصي، راكبًا لشهواته، آمنًا من الحساب. يظن ما كان يخاف الله ولا يرجوه، فأبدل الله بذلك السرور الفاني غمًا باقيًا لا ينقطع. أما المؤمن الذي أوتي كتابه بيمينه، كان في الدنيا متقيًا للمعاصي، غير آمن من العذاب، متحملًا لمشاق العبادات وتعب الطاعات.

وهناك قول آخر وهو في سبب سرور الكافر في الدنيا يفسره قوله تعالى في السورة الأخرى: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: 31]، يعني متنعمين في الدنيا، منغمسين في الملذات، معجبين بما هم عليه من الكفر. سبحان الله! المؤمن صار في سرور، والكافر كان في سرور، لكن سرور المؤمن في الآخرة سرور دائم؛ فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا. الكافر: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، المؤمن: صار إلى أهله مسرورًا، شتان شتان! إنها مقابلة عظيمة تعرضها الآيات في بلاغة هذا القرآن كلام الله. قال ابن زيد رحمه الله: وصف الله الجنة بالمخافة.

وقوله عز وجل: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أصل الحور الرجوع. هذا الكافر الذي أوتي كتابه وراء ظهره يوم القيامة كان في الدنيا يظن أنه لن يرجع إلى الله ولا يبعث بعد الموت؛ فكان منكرًا للآخرة، لا يبالي بما ركب من الإثم؛ لأنه ما كان يخشى عقابًا، ولم يكن يرجو ثوابًا، وما كان يخشى الطاعات. هذا ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ تعليل لسروره في الدنيا؛ أنه ما كان مفكرًا لا ببعث ولا جزاء ولا حساب، فكان يعني في الدنيا عند أهله وعشيرته مسرورًا. لو ظن الرجعة في نهاية المطاف لتزود للآخرة ولا ادخر شيئًا للحساب.

شوفوا يا إخواني، بعض الناس يقولون نحن الآن في الدنيا إذا فكرنا في الآخرة وفكرنا في الموت صار عندنا خوف، صار عندنا وجل، نقول هذا طيب! هذا ليعد الإنسان، هذا ليس شيئًا سيئًا؛ إذا خفت اليوم تأمن غدًا، وإذا أمنت اليوم تخاف غدًا. ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ ظن أن لا يرجع إلى الدنيا، طبعًا الظن يأتي بمعنى الاعتقاد واليقين، ويأتي بمعنى الشك وغلبة الشك، لكن هنا ظن أي اعتقد.

﴿بَلَىٰ ۚ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ ليس الأمر كما ظن، بل يحور إلى الله ويرجع إلى الله ويبعث. بلى، سيعيده الله كما بدأه. شوف، بلى هذه جواب ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾، بلى إنه ظن أن لن يبعث. ﴿بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله. ﴿بَلَىٰ ۚ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ عليمًا بعمله، مطلعًا عليه، خبيرًا بما يصير إليه. قال عطاء: بصيرًا بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء والخزي. قال مقاتل: بصيرًا متى يبعثه. وقيل المعنى أن الله تعالى يبدل سروره بغم لا ينقطع، ويبدل تنعمه ببلاء لا يزول.

ولم يكن يجوز في حكم الله أن يتركه سدى؛ لا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب، لا يمكن، ولا يمكن أن يهمله ولا يعاقبه بعد ما فعل ما فعل، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. إذاً هذه الآية فيها حكمة البعث للجزاء، وأن للعباد ربًا عليمًا بأحوالهم، وأن منهم المصلح ومنهم المفسد، فليس من الحكمة أن يذهب المفسد بفساده دون أن يعاقب، وأن يهمل المصلح بصلاحه فلا يثاب، لا يمكن، هذا شيء يأباه عدله سبحانه. هذا الإنسان الجاحد لربي ظن أن لن يحور، الحقيقة أن ربه كان مطلعًا عليه، محيطًا بحقيقته، عالمًا بحركاته وخطواته وبما هو صائر إليه.

نسأل الله عز وجل أن يرحمنا برحمته وأن يتوب علينا وأن يحسن مثوانا ومنقلبنا عنده، إنه سميع مجيب. نعود إليكم في الدرس القادم بمشيئة الله تعالى لإكمال هذه السورة، وفقنا الله لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.