تسجيل الدخول

المحاضرة 4 - التفسير - تفسير سورة البروج (9:1) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى نازة، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في هذا الدرس الرابع من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد، ونبدأ الكلام في تفسير سورة البروج بإذن الله تعالى.

سورة البروج مكية اتفاقاً، وعدد آياتها اثنتان وعشرون آية محكمة بكمالها، ليس فيها شيء منسوخ. ومن أغراضها ومقاصدها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن إيذاء الكفار، وأن الله سبحانه وتعالى أهلك الأمم السابقة التي كذبت أنبياءها، والله من ورائهم محيط، وتثبيت القرآن في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه في اللوح المحفوظ ممتنع عن التغيير، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22].

ورد في فضل سورة البروج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1] وبـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1] ونحوهما من السور، كما جاء في السنن. وهذا يعني بأن سورة البروج من الجوامع التي تقرأ في الصلوات على الناس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يسمع هذه السورة بما فيها من المعاني لمن خلفه من المصلين.

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. أقسم الله عز وجل في مطلع هذه السورة بمخلوق عظيم من مخلوقاته، وهي السماء وبروج هذه السماء. لكن ما معنى البروج؟ قيل النجوم، وقيل ذات الخلق الحسن، وقيل ذات القصور، وقيل ذات المنازل، وهي اثنا عشر برجاً رصدتها العرب والعجم، وهي منازل الشمس والقمر؛ تسير الشمس في كل واحد منها شهراً، ويسير القمر في كل واحد يومين وثلثاً، فذلك ثمان وعشرون منزلة. والمعنى والسماء ذات المنازل المشتملة على منازل الشمس والقمر. إذاً البروج منازل الشمس والقمر التي تنتقل الشمس فيها وينتقل فيها القمر، والكواكب المنتظمة في سيرها يمكن أن تدخل في البروج، فيكون قسماً بالسماء ومنازل الشمس والقمر، أو السماء والكواكب المنتظمة في سيرها التي تزين هذه السماء.

والتزم اليوم الموعود هو يوم القيامة بلا خلاف بين أهل التفسير. وهذا قسم آخر، الموعود الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه، أولهم وآخرهم، وقاصيهم ودانيهم، ذكرهم وأنثاهم، جنهم وإنسهم. هذا وعد لا يتخلف، والله لا يخلف الميعاد، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الطور: 14]. سمي اليوم الموعود لأنهم وعدوا فيه بجمعهم والجزاء بعد بعثهم، ووعد الله به الخلق لفصل القضاء بينهم، ووعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه ويتلاقوا؛ يوم التلاق، هذا اليوم يوم الفصل في أحداث الدنيا وتصفية حسابات أهل الأرض والجزاء. الله أمهل الناس إلى ذلك اليوم، وبعدها سيوقع جزاءه، هذا اليوم تترقبه الخلائق، إذ قام كل ما يفكرون فيه كيف تصير الأمور.

قال تعالى في القسم الثالث والرابع في السورة: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. جاء في الحديث الصحيح تفسير ذلك عند الترمذي؛ قال عليه الصلاة والسلام: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، وشاهد يوم الجمعة». إذاً شاهد يوم الجمعة، ومشهود يوم عرفة. والسماء ذات البروج، واليوم الموعود يوم القيامة. وعلى هذا أكثر المفسرين، أنه الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. وفي أقوال أخرى: الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة، قيل الشاهد الملائكة والمشهود الإنسان، قيل الشاهد الجوارح والمشهود النفس، قيل المشهود يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: 103]. وبناء على هذا القول، وهو أن اليوم المشهود يوم القيامة، يكون الشاهد على هذا الله عز وجل، أو آدم عليه السلام، أو عيسى عليه السلام، أو محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، أو الشاهد الإنسان. وقيل الشاهد هذه الأمة تشهد لكل نبي على أمته.

المشهود قيل سائر الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]. وقيل الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]. يعني الله أخذ العهد على كل نبي بعثه إذا ظهر محمد عليه الصلاة والسلام في عهد هذا النبي أن يبايعه ويتبعه.

الآن قلنا ذكرنا أقوالاً كثيرة، الشاهد قلنا يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، والاقوال الأخرى هل يمكن الجمع بينها؟ يعني مثلاً بأن الله تعالى أقسم بكل شاهد وبكل مشهود، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف؛ المبصر والمبصر، الحاضر والمحضور، والرائي والمرئي، كل من شهد بالحق فهو داخل في قوله وشاهد. والشهود كثيرون، منهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة شهداء على الناس، وأعضاء الإنسان تشهد عليه، والملائكة يشهدون يوم القيامة. طيب، الآن عرفنا الأقوال فيها، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ هذه أقسام؛ قسم وقسم وقسم وقسم، ما هو جواب القسم؟ ما هو المقسم عليه؟ يعني قسم لا بد له من جواب، يعني أقسم الله بأشياء عظيمة على ماذا؟ هذا ما سنعرفه بعد قليل إن شاء الله.

لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي، آداب في نفسه وآداب مع العالم وآداب في طريقة السؤال؛ فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسبة للسؤال، ولا يقاطع الشيخ، ولا يلح إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هواه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات، وفي مادة التفسير في تفسير سورة البروج، ذكرنا الأقسام في مقدمة السورة: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. ما هو جواب القسم؟ قيل محذوف وتقديره الأمر حق في الجزاء على الأعمال. قال بعضهم التقدير: إنهم لمقتولون؛ يعني كفار قريش، كما قتل أصحاب الأخدود، فيكون وعيداً للنبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكفرة المتمردين على دينه، ومعجزة بذكر قتل رؤوسهم في غزوة بدر. وقيل الجواب هو قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ على تقدير حذف اللام، أي لقتل أصحاب الأخدود، وهذا كالأقسام المذكورة في سورة الشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وهنا ﴿لَقُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ أو لقتل أصحاب الأخدود. وقيل الجواب ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وهو قول قتادة. وقيل الجواب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ الآية.

نأتي إلى قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾، الآيات. بدأ الآن ذكر قصة أصحاب الأخدود بإعلان النقمة عليهم لأنهم قتلوا المؤمنين، فقال الله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ أي لُعنوا؛ قتل أصحاب الأخدود كقوله: لُعن، كلمة تدل على غضب الله على هؤلاء الفعلة، وشناعة والابعاد عن رحمة الله. من هم أصحاب الأخدود الذين خدوا الأخاديد؟ الجنود المجرمون بأمر هذا الملك الطاغية، وقعدوا على هذه الأخاديد يلقون فيها المؤمنين. فكان أصحاب الأخدود قوماً مجرمين كافرين، أخذوا المؤمنين ليفتنوا عن دينهم، هددوا المؤمنين بالحرق إذا استمروا على الإيمان بالله، فامتنع المؤمنون من الكفر، فشق الكافرون الأخاديد وأججوا فيها النيران وسعروا فيها، وقعدوا حولها يرمون المؤمنين في الأخاديد فتنة لهم، يعرضونهم على النار، فمن أبى الرجوع للكفر أدخلوه، ولذلك لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم، فقال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. الأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلاً، بالمناسبة المخدة سميت بذلك لأن الخد يوضع عليها.

قتل أصحاب الأخدود مفسر بقوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. طبعاً جاءت قصته مفصلة في حديث صهيب رضي الله عنه في صحيح مسلم في قصة الغلام والساحر المشهورة. قيل في معنى قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ أي إخبار عن قتل المؤمنين، أنهم قتلوا بالنار فصبروا، يعني قد يكون يحتمل أن يكون أصحاب الأخدود هم المؤمنون الذين أقحموا في النار فسموا أصحاب الأخدود لأنهم طرحوا في الأخدود، فهذا قول آخر. طيب فما معنى قتل؟ أن الله يخبر عنهم أنهم قتلوا وأحرقوا بالنار. طيب إذا صار هذان قولان في قوله عز وجل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.

في هذه الآية إخبار للمؤمنين من هذه الأمة بما لقي الموحدون قبلهم من الشدائد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر هذه القصة العظيمة، قصة أصحاب الأخدود لأصحابه في مكة وهم يلاقون شدائد العذاب والإيذاء والألم من كفار قريش، ليسوا بأصحاب الأخدود في الثبات، وهؤلاء أهل الإيمان الذين ثبتوا رغم حرقهم بالنار، وهذا الغلام الذي أصر على الإيمان حتى قتل، طبعاً ذكر ماذا لقي المؤمنون قبلنا، ذكره لنا فيه تثبيت. وقد امتحن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد فصبروا؛ مثلاً قصة عاصم وخبيب وأصحابه رضي الله عنهم، في صحابة حرقوا بالنار، في صحابة قتلوا، في صحابة أسروا، صحابة أي وضعت يعني طرحوا على الأسياخ المحماة بالنار، في صحابة طرحوا على الصخور التي ألهبت الشمس. في الحديث الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم: ألا تشرك بالله شيئاً وإن قطعت وحرقت».

الحديث طبعاً هذه الآيات فيها عبر: أن الله سبحانه وتعالى قد يسلط أعداءه على أوليائه شهادة لأوليائه واصطفاء لهم، ونقلاً لهم من الدنيا إليه ليجزيهم بالجزاء العظيم، فلا يقال لماذا يسلط الله ولماذا ولما لا؟ لا يسأل عما يفعل. ثانياً: في حكم عظيمة، ثالثاً: هذا التسليط وإن كان ظاهره شر، لكن في الحقيقة فيه خير عظيم للمؤمنين، لأنهم سيذهبون شهداء إلى الله وينالون أجر الشهادة، وينتقم الله من المجرمين بعد ذلك الذين فعلوا هذه الفعلة فيستحقون جهنم والحرق بها. المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، والكفار المعتدون في النار وبئس القرار، وتكون هذه القصة للأجيال التالية عبرة وعظة ومدرسة.

﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. طبعاً هذا ربما يرجح أن أصحاب الأخدود هم الكفرة الذين خدوا الأخاديد، فهم أصحابها الذين يقذفون المؤمنين فيها، أوقدوا فيها نيراناً عظيمة، النار ذات الوقود ذات الحطب الذي جعل لها وقوداً لتستعر، ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ هؤلاء الكفرة يجلسون على حافة الأخاديد أو هذا الأخدود لتعذيب المؤمنين والإشراف على حرقهم. قيل إن هذا الملك قعد وأصحابه على كراسي عند الأخاديد يعرضون المؤمنين على الكفر فمن أبى ألقوه. وقيل المراد بالضمير في قوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ أي المؤمنون. طبعاً مما قيل أن النار بعد ذلك خرجت على أصحاب الأخدود الكفرة وأحرقت، فلذلك قال تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، يعني في الدنيا. قال الربيع بن أنس: نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار، وخرجت النار على من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقت هؤلاء.

كفر هذا الملك الطاغي الظالم الكافر وأصحابه الذين خدوا الأخاديد كانوا حضوراً يشاهدون الجريمة ويشرفون عليها ويقومون بها، يعرضون المؤمنين على النار فتنة، فمن أصر على الإيمان قذفوه فيها، حتى جيء بامرأة مرضع ومعها رضيعها، فكأنها تقاعست، فأنطق الله الغلام الرضيع فقال: يا أمه اصبري، فإنك على الحق. المجرمون الذين لا يردعهم مشهد امرأة مرضع ولا طفلها الرضيع، أي رحمة في قلوب هؤلاء؟ بل هو الإجرام العظيم. ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ يعني يشاهدون الجريمة وينفذون، فما أشنع فعلهم، ولذلك فإن جريمتهم عند الله عظيمة وعقوبتها جسيمة. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم في معاني آيات تأتي في هذه السورة.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى، ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان سلفنا يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم، قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء.

حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم؛ قال الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تعالى-: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. حياكم الله مرة أخرى، ومع قول الله عز وجل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: 4-7]. فعل ما فعل بالمؤمنين بحضورهم، وهذا فيه تقبيح لذلك القعود، وتعظيم للجرم الذي يشاهد أصحابه تعذيب المؤمنين ولا يرفون ولا يرحمون. وقيل في معنى قوله: ﴿شُهُودٌ﴾؛ شهود على المؤمنين بالضلال؛ لأنهم يتهمون المؤمنين بالكفر والحقيقة أنهم هم الكفرة. وقيل: شهود على ما يفعلونه بالمؤمنين ويؤدون شهادتهم يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

وهنا لطيفة في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾، ولم يقل: لما يفعلونه؛ لم يقل: وهم لما يفعلون بالمؤمنين شهود، قال: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾؛ لفظة "على" هذه بمعنى أنهم على قبح فعلهم بهؤلاء المؤمنين -وهو إحراق بالنار- كانوا حاضرين مشاهدين لتلك الأفعال القبيحة. وقال بعضهم: هنا بمعنى "مع"، أي: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود على ذلك.

لماذا حفر الأخاديد وتأجيجها بالنار وعرض المؤمنين عليها ثم قذف من أصر على الإيمان؟ لماذا؟ وما نقموا منهم؟ جاء الجواب، ما هو سبب فعل هؤلاء المجرمين ولماذا كل هذا الاجتهاد منهم؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 8-9]. هل هذا ذنب؟ أن يؤمن المؤمنون بالله الذي خلق السماوات والأرض، هل هذا جرم يستحق صاحبه العقاب بل والحرق بالنار؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ هذا الحق الذي يجب أن يكونوا عليه وليست جريمة تستحق العقاب. فالمقصود التعجيب من ظلم أصحاب الأخدود، أنهم ينتقمون من المؤمنين لا لجرم فعلوه؛ فكل ما فعله المؤمنون هو الإيمان الواجب عليهم.

اسمان عظيمان لله: العزيز، الذي قهر كل شيء ولا يضام من لاذ بجانبه المنيع سبحانه وتعالى، لا يغلب. الحميد، المحمود في أفعاله وأقواله وأوصافه وقضائه وقدره وشرعه، المحمود على كل حال. لماذا الإتيان باسم العزيز؟ هنا مناسبة؛ أن هؤلاء أهل الإيمان الذين أحرقوا بالنار ربهم عزيز وقوي وقادر على الانتقام، وسياخذ لهم حقهم يوم الدين.

أما الحميد، قلنا المحمود على كل حال؛ المحمود على قضائه وقدره. حتى لا يأتي واحد ويقول: لماذا يسلط الكفار على المؤمنين؟ ولماذا يقدر حرق المؤمنين؟ وإذا كان المؤمنون على الحق فلماذا تكون النهاية لهم هكذا؟ نقول: هو الحميد المحمود على كل حال في قضائه وقدره وأفعاله، وما قدر شيئاً إلا لحكمة، ولا يسأل عما يفعل، والعباد عباده يقدر عليهم ما يشاء، وليس في أفعاله سبحانه عبث، وإنما لحكم باهرة، ومن ذلك اصطفاء الشهداء؛ فهو الحميد في أفعاله وقضائه وقدره، وإن خفي هذا على بعض الناس أو على كثير من الناس.

وهذه نحتاجها أيها الإخوة والأخوات اليوم فيما يحدث للمؤمنين من اضطهاد وإجرام في أنحاء العالم. لا يخفى ما يحدث اليوم للمؤمنين في بورما، في العراق، في الشام، في غيرها؛ هذا ماذا وراءه؟ حكم إلهية عظيمة باهرة. الدنيا عند الله لا تساوي جناح بعوضة؛ فهو عندما يقدر على المؤمنين ما يقدر فيه كفارة للسيئات، ومضاعفة للحسنات، ورفع للدرجات، ﴿وَلِيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 141]، ﴿وَإِنَّمَا نُمْلِي لِلْكَافِرِينَ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178]، فيأخذ سبحانه وتعالى.

نحن إذا سمعنا بشيء من المصائب التي تحصل للمسلمين ماذا نقول؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال». وأيضاً إذا سمعنا ما نكره نقول: الحمد لله على كل حال. ختم الآية بالاسمين العظيمين العزيز الحميد؛ أشار بقوله العزيز أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب المؤمنين، ولأطفأ نيرانهم وقتلهم قبل أن يقوموا بفعلتهم، لكن له حكمة، وهو عزيز سينتقم لهؤلاء المؤمنين ويأخذ لهم حقهم كما قلنا.

أما الحميد، فهو إشارة إلى أنه وإن أمهل هؤلاء الكفار لكنه لا يهملهم، وإن سلطهم على المؤمنين في الدنيا فلا بد أن ينتقم منهم. ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 9]. وهذا وعد عظيم للمطيعين، ووعيد شديد للمجرمين. وهناك مناسبة أخرى في ذكر هذه الصفات الثلاث: العزيز، الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد؛ ذكرها بعد قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾، فهم آمنوا برب حقيق أن يؤمنوا به، رب السماوات والأرض، وهو على كل شيء شهيد، وهو العزيز الحميد.

وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ خلقاً وعبيداً، ويتصرف فيهم كما يشاء سبحانه وتعالى، وهو المالك للسماوات والأرض ولما فيهما وما يحدث فيهما. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ على ما فعل الكفار بهؤلاء المؤمنين، أن ذلك لم يخفَ عليه ولم يغب عنه، وهذا معناه -يعني مقتضى هذه الشهادة- أن الله شهد ذلك وعلمه سبحانه وهو السميع البصير، لا يخفى عليه أو غاب عنه، ذلك لا يعزب عن ربك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فقد علمه وشهده ولم يخفَ عليه، لكنه قدره لحكم عظيمة. الله شهيد وسينتقم، الله شهيد وسيجزي المؤمنين، وكفى بالله شهيداً.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يثبت على دينه، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يفتح علينا؛ إنه هو الفتاح العليم. إلى تكملة السورة في لقائنا القادم ودرسنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.