بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات الدارسون والدارسات في أكاديمية زاد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في الفصل الدراسي الثالث في مادة التفسير.
هذه نعيش مع معاني كلام الله تعالى، وهذا أفضل ما فرغ طالب العلم وقته له بلا ريب؛ معرفة معاني ما أنزل الله. نسأل الله أن يععلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا. نتناول في هذا الفصل الدراسي بإذن الله الكلام عن تفسير بعض سور القرآن، وكنا قد ابتدأنا بسورة عمّ، وبمشيئته نبدأ هذا الفصل من سورة الانشقاق من حيث وصلنا، وننتهي بسورة الضحى بإذن الله. ونحرص على أن تكون هذه الدروس فيها بعض الأمثلة التطبيقية من أصول التفسير على مادة التفسير.
بالنسبة لسورة الانشقاق فهي سورة مكية إجماعاً، وهي محكمة بتمامها، ومن مقاصدها: بيان حال الأرض والسماء في طاعة الخالق تعالى، وإثبات إخراج الأموات للبعث، وبيان حال المطيعين وسهولة الحساب عليهم، وحال الكافرين والمكذبين وشدة عذابهم، وبيان العرض على الملك ملك الملوك الذي أوجدهم وخلقهم وابتلاهم سبحانه. وكما يعرض العبيد على الملوك يحكمون بينهم، فإن هؤلاء العباد يعرضون على ملك الملوك وخالقهم، وينقسمون إلى أهل ثواب منه وأهل عقاب.
ومن اللطائف أن اسم هذه السورة الانشقاق، مع أنه تعلق بانشقاق السماء، لكن أيضاً انشقاق الخليقة إلى فريقين: فريق المؤمنين وفريق الكافرين. أما في فضائل هذه السورة فقد جاء الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ [الانشقاق: 1]». وهذه الأهوال المذكورة في هذه السورة وما شابهها قد شاب لأجلها النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما اشتملت عليه من أهوال القيامة. ولما جاء عنه: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعما يتساءلون وإذا الشمس كورت»، وفي لفظ: «شيبتني هود وأخواتها». قبل المشيب: ما هي أخواتها؟ أشباهها من السور التي فيها ذكر أهوال القيامة والعذاب.
تعالوا بنا إلى نظرة عامة على سورة الانشقاق. تبدأ هذه السورة ببعض مشاهد الانقلاب الكوني التي عرضت بتوسع في سورة التكوير، ثم في سورة الانفطار، وقبلهما في سورة النبا. لكن الطابع الخاص في هذه السورة سورة الانشقاق: بيان استسلام الخلائق، بيان استسلام المخلوقات العظيمة، استسلام السماء والأرض في طواعية وخشوع: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1-2]، و﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 3-5].
وكذلك بعد هذا المقطع يأتي مقطع في تذكير الإنسان بمصيره: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 6-8] الآيات. المقطع الذي يليه فيه عرض بعض المشاهد الكونية في الدنيا المحسوسة يقسم الله بها على حقائق عظيمة يذكرها: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 16-19].
ثم يأتي المقطع الاخير في السورة تعجباً من حال المكذبين: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ۩ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 20-25]. كل هذا في سورة قصيرة عدة أسطر من الإعجاز العظيم في هذا الكتاب يخاطب القلوب. نسأل الله سبحانه أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يبصرنا بكتابه.
هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها لا تحقيرا لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم درساً لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم. قالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها. عن علي بن ابي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6] قال: علموهم وأدبوهم. وتعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، أنها لم تأمرك إلا بخير». والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات كعائشة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وابشري، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].
الحمد لله، حياكم الله، ومرحباً بكم مرة أخرى. نبدأ في تفسير السورة ومع قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1-2]. واضح أن مطلع هذه السورة يذكر بعض مشاهد الانقلاب الكوني الذي يحدث يوم القيامة من تغير أجرام العظام في العالم العلوي. وقوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ يعني انفطرت وتمايز بعضها من بعض وانتثرت نجومها وخسف بشمسها وقمرها. وانشقاقها هذا من أشراط الساعة وعلاماتها، كما قال تعالى في آيات أخرى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: 9]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]. إذاً، الانشقاق والانفراج والإنفطار متقارب. ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: 37] آية أخرى في تفسير في سورة الرحمن، ومعنى كالدهان: حمراء كلون الورد، مشابه للجلد الأحمر، أو كالمهل والرصاص المذاب. وقال تعالى أيضاً في ذات السياق فيما يحس للسماء يوم القيامة: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19]. فهذا الانشقاق سيؤدي إلى أن تحدث أن تصبح السماء أبواباً.
قال تعالى بعد ذلك في سورة الانشقاق: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ يعني سمعت وأطاعت لامر الله لها بالانشقاق. إذاً، أذنت استمعت وأطاعت. وقد جاء في الحديث: «ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن»، يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. أذنت لربها: طاعة السماء لخالقها لا تمتنع عما أراده. ولو قال قائل: هل هذا معناه أن السماء فيها إدراك؟ نقول إن الله على كل شيء قدير؛ ما المانع أن يجعل الله فيها استجابة حقيقية وطاعة حقيقية مع كونها جماداً؟ واستماع السماء: أذنت بمعنى استمعت، هذا الاستماع حقيقي بلا ريب، ويعني أيضاً الانقياد لما أمرت به.
وقال عز وجل بعد ذلك: ﴿وحقت﴾ أي وحق لها أن تطيع ربها، فإنها مسخرة مدبرة لا تعصي أمر خالقها ولا تخالف حكمه. فالسماء حقيقة تطيع وتنقاد لربها الذي لا يمانع ولا يغالب، وقد قهر كل شيء وذل له كل شيء وهو القادر على كل شيء، فلما لا تطيع أمره؟ وقد قال عز وجل: ﴿لربها﴾ وصف الربوبية يشعر بالملك والتدبير، ﴿لربها﴾ لمدبر. فيا ابن آدم، إذا كانت السماء تسمع أمره وتطيعه وتذل له، فما بالك أنت؟ وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]. وكذلك سمعت وأطاعت في انتهاء خلقها ﴿إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت﴾، فعند خلقها: ﴿ائتيا﴾ جاءت، وفي نهاية أمر إذا قامت الساعة: ﴿أذنت لربها﴾. فلينظر الآدمي الضعيف كيف تطيع الله هذه المخلوقات العظيمة، ثم هو يعصي الله على ضعفه! هذا الإنسان على ضعفه يعصي ربه.
قال عز وجل: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 3-5]. إذاً، هذا أيضاً بيان لحال الأرض يوم القيامة بعد بيان حال السماء. ﴿وإذا الأرض مدت﴾: بسطت، مُدَّ مد الجلد وزيد في ساعتها وسويت، ما يبقى عليها بناء ولا جبل، فهي ترتجف وترتج، تتحطم الجبال التي عليها وتنهار لتبسط الأرض بعد ذلك وتُمَدَّ مَدَّ الأديم، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ولا انثناءً ولا مرتفعاً ولا منخفضاً، ما في مكان يختبئ فيه أحد ولا خلفه أحد. وهذا من فوائده أن تتسع الأرض لأهل الموقف على كثرتهم من الجن والانس من السابقين واللاحقين للوقوف عليها للحساب، حتى يبقى لاحد من البشر إلا موضع قدميه فقط لكثرة الخلائق، فتمد الأرض حتى إن من عليها من الخلائق يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما جاء في الحديث الصحيح: «أن الله يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر»، يعني يحيط بهم بصر الناظر أولهم وآخرهم. والحديث في الصحيحين.
التعبير في الآية ﴿مدت﴾ بالبناء للمفعول إشارة إلى سهولة الفعل على الله. ﴿وألقت ما فيها وتخلت﴾، طبعا الآن الفعل مبني للمعلوم: ألقت هي وتخلت هي، فأخرجت أثقالها وما فيها من الموتى والكنوز والمعادن، وتخلت عن كل ما في بطنها وأخرجته. وقيل ألقت ما استودعت وتخلت عما أحفظت؛ لأن الله تعالى استودعها عباده أحياء وأمواتاً واستحفظها بلاداً مزارعة وأقواماً. فإذا نفخ في الصور تخرج الأرض الأموات من الأجداث وتخرج كنوزها كذلك كالأسطوان العظيم يشاهده الخلق ويتحسرون على ما حصل منهم تجاه هذه الكنوز من التقاتل والتباغض والتحاسد والتقاطع، لأن الآدمي يمر بالأسطوانات من الذهب والفضة والمعادن التي ألقاتها الأرض مما في بطنها يوم القيامة، يقول: في هذا قطعت رحمي، في هذا قتلت.
التعبير بالتخلي في قوله: ﴿وتخلت﴾ يدل على قوة الخلو عن الشيء، فالارض تتخلى تبذل أقصى جهدها لأجل هذا التخلي حتى لا يبقى أي شيء، حتى لا يبقى أي شيء في باطنها. وهذا الالقاء والاخراج وخلو جوف الأرض من كل شيء بحيث لا يبقى في بطنها شيء، مثل تخلي وإلقاء الحامل حملها الذي في بطنها. ألم تروا يرحمكم الله أن الحامل إذا رأَت شيئاً مفزعاً جداً تجهض؟ وكذلك الأرض من هول ما يكون يوم القيامة تخرج كل ما في بطنها كالحامل التي تجهض.
وقوله عز وجل: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ أي سمعت واستجابت، وحق لها أن تسمع أمر الله فانتهت إلى طاعته. فإن قيل ما سر التكرار في قوله: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾؟ فالجواب أن الأول متعلق بالسماء، والثاني متعلق بالأرض، فلا تكرار.
ولو سائل سائل فقال: ما هو جواب (إذا) في قوله: ﴿إذا السماء انشقت﴾ يعني إذا السماء انشقت وإذا الأرض مدت، ماذا يحدث؟ أين الجواب؟ قال بعض أهل التفسير إن الجواب محذوف بلاغة استغناء بمعرفته المخاطبين به، وهذا اختيار الطبري. طيب، ما هو هذا المحذوف؟ ما تقديره؟ إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت؛ يرى الإنسان الثواب والعقاب، يرى ما قدم من خير أو شر، يعلم المكذبون ضلالهم يومئذ ويتبين خسرانهم ونحو ذلك، لأن الآيات بعد ذلك ستنتقل إلى موضوع آخر: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾. ولذلك قلنا: أين جواب (إذا)؟
وقال بعض المفسرين: جواب (إذا) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]، والتقدير: إذا السماء انشقت وحصلت هذه الأمور لقي كل كادح ما عمله. وقال بعض المفسرين: جواب قوله: ﴿إذا السماء انشقت﴾ هو (وأذنت)، وجواب قوله: ﴿وإذا الأرض مدت﴾ هو (وألقت)، والواو تكون زائدة. وقد رد الطبري والقرطبي هذا وخطأه، لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع (حتى) كقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]، ومع (لما) كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: 103-104]، فلا تقحم الواو مع غير هذين. على أية حال، المعنى واضح: إذا السماء انشقت وإذا الأرض مدت سيلقى كل إنسان ما عمله وما كان كادحاً فيه. نسأل الله أن يغفر لنا أجمعين، وأن يتوب علينا إنه أرحم الراحمين. نتابع معكم بعد قليل إن شاء الله.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27]. من إكرام الله تعالى للإنسان أن شرع له الاستئذان وأكد آدابه حفظاً لخصوصيته وتعظيماً لحرمته. ومن هذه الآداب: أن يختار الوقت المناسب للزيارة، أن يستأذن ثلاثاً ولا يزيد عليها فإن أذن له وإلا رجع، ألا يجعل استئذانه متواصلاً بل يجعل بين كل استئذان وآخر وقتاً يسيراً، ألا يستقبل الباب بل عن يمينه أو يساره، أن يخبر المستأذن باسمه عند الاستئذان حتى يعرف، إذا تبين للمستأذن الانصراف فلينصرف ولا يدخل، أن يلقي السلام على أهل البيت إذا دخل.
والاستئذان يكون أيضاً على المحارم لئلا يكون في الدخول دون أذن انكشاف لعورة أو اطلاع عليها. فقد جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود وقال: أأذن على أمي؟ فقال: ما على كل الأحيان تحب أن تراها. وإنما شرع الاستئذان لما فيه من فوائد تعود على الفرد والمجتمع، منها: ترضية النفوس وحفظ الحرمات، رفع الحرج عن المستأذن والمستأذن عليه، اتاحة الفرصة لصاحب البيت أن يستر عوراته وما يكره أن يطلع عليه، إشاعة الاطمئنان في المجتمع حيث يأمن الإنسان عدم اقتحام بيته إلا بإذنه، سد الذرائع كي لا يقع البصر على ما لا يحل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإذن من أجل البصر».
مرحباً بكم مرة أخرى، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، ومع تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]. هذا إثبات للبعث، وأن الإنسان مهما سعى وعمل، ومهما قال وفعل، سينتهي سعيه وكدحه إلى الله، وسيلاقي أعماله وأقواله يوم القيامة ويواجه بها ويجدها حاضرة أمامه. مهما تقلب البشر في الدنيا، مهما تاجروا وبنوا وسافروا وأقاموا، مهما كبروا وتزوجوا وتكاثروا، مهما فعلوا؛ في نهاية المرجع إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 42].
ربك المنتهى، نهاية كل الحركات في هذا العالم. الدول وصراعاتها، والمواجهات، والحروب، والتجارات، والأعمال، النهاية والمرجع إلى الله، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. كل الحركات من البشر هذه لها مستقر عند ربهم، لكن الفرق بين المطيع والعاصي؛ المطيع يعمل اليوم أعمالاً يرضاها الله ليجد ثوابها عنده هناك إذا صار المنتهى إليه فيرضى عنه ويدخله جنته، والفاجر يعمل ما يغضب الله اليوم حتى ينتهي إلى ربه فيجد جزاء ما عمل.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ المراد به كل الناس الجنس، وقيل المراد به جميع الكفار فكأنه تهديد؛ يعني يا أيها الكافر إنك كادح ثم ستلاقي رَبَّكَ. وقال بعضهم: المراد به رجل بعينه، ثم اختلفوا في تعيينه؛ يعني يا أيها الإنسان، فقال بعضهم: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن المعنى أنك تكدح وتتعب في إبلاغ رسالات الله وإرشاد العباد وتحمل الضرر والأذى فابشر ستلقى جزاء هذا وثوابه عند ربك فهو غير ضائع عنده. القول الثاني قال بعضهم: إن المقصود الأسود بن عبد الأسد المشرك الكافر، وقيل أبي بن خلف، فالكدح منهما الجد والاجتهاد في طلب الدنيا وعداء النبي صلى الله عليه وسلم ودينه والاصرار على الكفر. لكن الأقرب يعني يا أيها الإنسان محمول على جنس الناس وهذا أبلغ في نفع الخطاب أنه موجه للجميع وليس مخصوصاً بشخص بعينه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾، الكدح في اللغة السعي والذب في العمل، سواء كان سعياً في الدنيا أو في الآخرة، سواء كان سعياً في أمور الدنيا أو أمور العباذة والطاعة والثواب وأمور الآخرة. الكدح عمل الإنسان سواء كان خيراً أو شراً، والمعنى ما هو؟ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه؛ يعني أنك عامل عملا فملاقيه عند ربك، فليكن عملك مما ينجيك عند ربك ويوجب لك رضاه، ولا يكن مما يسخطه عليك فتهلك. جاء في الحديث الصحيح أو الحسن قال جبريل: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك لاقيه» روى أبو داود الطيالسي وحسنه الألباني. قال قتادة: إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله.
فالضمير في قوله فملاقيه الهاء، الهاء هذه فملاقيه هل المقصود ملاقي العمل أو ملاقي الله؟ كلاهما قولان صحيحان، أما أن يعود فملاقيه يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً هل هو ملاقي الكدح ولا ملاقي الرب؟ قولان صحيحان، وإذا أردت أن تجعلهما معاً فإنك ملاقي عملك وملاقٍ على عملك ثواباً أو عقاباً. فالضمير إذا عاد على العمل فالمقصود رؤية كتاب عمل الإنسان يوم القيامة مسطورا مثبتا فسيرى كتابه، وإن عاد الضمير فملاقيه على الله فهو اللقاء الذي وعدنا به. حاصل ما منا إلا سيلقى ربه، لكن في ناس إذا لقوا الله فرحوا، وفي ناس إذا لقوا الله لقوه وهو عليهم غضبان والعياذ بالله.
الإنسان يا إخواني يكدح ويتعب في هذه الحياة الدنيا ويلاقي ألوان البلاء والتعب حتى في طلب الرزق؛ يعني ليس فقط في الفتنة أو إيذاء الكفار، كدح في كدح؛ يعني حتى كما قلنا طلب الرزق والمعيشة فيها تعب، ولا يوجد راحة في الدنيا، إنما الراحة هناك عند الله تعالى. التعب في الأرض حاصل وإن اختلف لونه وطعمه، لكن العاقبة مختلفة. جاء في الحديث الصحيح: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رايت شدة قط» رواه مسلم. إذا صبغة واحدة في النار أنست أنعم أهل الدنيا كل النعيم اللي مر عليه، وصبغه واحدة في الجنة أنست أشقياء أو أشد الناس بؤساً وفهراً في الدنيا أنسته بؤسه كله وكل الشدائد اللي مرت عليه. فليختر كل انسان لنفسه الراحة من هذا الكدح عندما يلقى الله.
نقف هاهنا أيها الأخوة والأخوات في تفسير هذه السورة، ونعود إن شاء الله في الدرس القادم لنكمل معكم. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المفلحين ومن السابقين المقربين وأصحاب اليمين، إنه سميع مجيب كريم. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً نوال ميسرا يأتيك ميسوراً بأي مكان.
ساد زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمَان هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد