الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأخوة والأخوات، الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في هذا الدرس الثامن عشر من محاضرات مادة التفسير.
وقد سبق في تفسير سورة الفجر الكلام عن قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. إن هذا الإنسان الظالم الجاهل يظن بأن الله إذا أعطاه فانه إكرام له، وإذا منعه وضيق عليه رزقه وابتلاه فإن هذا إهانة له، فرد الله سبحانه وتعالى هذا الزعم فقال: كلا؛ يعني ليس الأمر هكذا، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب.
فإن الإكرام والإهانة عند الله لا تدوران على المال، وإنما الفقر والغنى بتقدير الله لحكمة عنده؛ فيوسع على الكافر ويضيق على المؤمن، وقد يوسع المؤمن ويضيق على الكافر. لكن الإكرام والإهانة عند الله حقيقة بالطاعة والمعصية؛ فإذا أراد إكرام شخص وفقه لطاعته، وإذا أراد إهانة شخص خذله فصار يعصيه.
ذكر الله بعد ذلك لوم هؤلاء أصحاب الموازين المختلة، بأنكم لو صار عندكم أموال لا تكرمون اليتيم؛ فاين الإكرام؟ يعني حتى على موازينكم أنتم مختلون. وكذلك فإنكم تأكلون أموال اليتامى بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث؛ يعني الميراث أكلاً لماً شديداً عاماً شاملاً لا تفرقون بين حلال ولا حرام، ولا بين حقكم وحق غيركم، ولا يحض بعضكم بعضاً على إطعام المحاويج، فهذا شأنكم إذاً من حبكم للدنيا وولعكم بالمال، ولذلك قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]؛ يعني كثيراً.
نكمل الآن في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 21-23]. فلما بين الله حال المشركين وإقبالهم على الدنيا وانهماكهم في الأموال، وبين ظلمهم وأكلهم أموال اليتامى وإعراضهم عن المساكين، زجرهم وردعهم فقال: كلا، ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر في الحرص على الدنيا وترك الآخرة، فإن من فعل ذلك سيندم يوم تدك الأرض ولا ينفعه الندم، ويتمنى لو كان أفنى عمره في التقرب بالأعمال الصالحة إلى الله.
ماذا سيقول هذا إذا نزل به الموت؟ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]، وكذلك: ﴿رَبِّ أَخِّرْنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: 10]، ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَةَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: 44]، وكذلك يتمنى أن يرتفع الموت ويعود للحياة فأصدق وأكن من الصالحين.
فالله عز وجل يذكرهم يقول: كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً، وراءكم يوم عظيم وهول جسيم تدك فيه الأرض والجبال وما عليها، كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً، مرة بعد مرة ودكاً بعد دك، وكسر كل شيء على ظهرها وهدم من جبال وبناء وشجر، فوطئت ومهدت وسويت فلم يبق على ظهرها شيء، ويكرر هذا الدك حتى تصير أرضاً مستوية لا عليها معلم ولا جبل ولا مرتفع من الأرض ولا بنيان، بما يحدث الله فيها من الزلازل.
كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1]. فإذا تحدث زلزلة ودك وتحدث تسوية فتذهب الدور والابنيه، وتصبح الأرض كالصخرة الملساء، وهذا معنى قول ابن مسعود وابن عباس: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم، كيف يمد الجلد، كيف يمد بساط الطعام.
ثم ذكر الله تعالى مجيئه عز وجل لفصل القضاء بين الخلائق في ظلل من الغمام، مجيئاً يليق بجلاله وعظمته، كما قال الله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]. فلما يضيق الحال بالناس يوم القيامة مع دنو الشمس والزحام وكثرة العرق وتقريب جهنم والكرب العظيم، يستشفعون إلى الله بسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم بعد ما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد واحد.
ولما النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أنا لها، ويشفع عند الله أن يأتي لفصل القضاء فيشفع الله في ذلك كما جاء في الصحيحين وغيرهما. فإذا متى يكون مجيء الله عز وجل؟ إذا شفع النبي صلى الله عليه وسلم وطلب ذلك من ربه، وهذا هو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فإذا طلب نبينا صلى الله عليه وسلم وألح على الله وفتح عليه بمحامد ربنا، يفتح عليه بمحامد لا يعرفها أحد إلا الله فيسأل ربه بها فيقول: ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع. فيجيء الله تعالى لفصل القضاء، يجيء كما يشاء والملائكة أهل السماوات يجيئون بين يديه صفوفاً، كما قال الله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: 22] يعني والملائكة، فالمَلَك هنا اسم جنس والمقصود الملائكة، صفا صفا يعني صفاً بعد صف، أهل كل سماء من الملائكة يأتون صفاً.
فيأتون ويحيطون بالخلائق في أرض المحشر بسبعة أطواق حصار، ويقول الله سبحانه وتعالى يتحدى الثقلين: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33]، وليس عندكم سلطان، ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه، لا سلطان إلا سلطان الله عز وجل.
طيب، قلنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾، الملَك اسم جنس والمقصود الملائكة، فماذا سياتي أيضاً؟ يأتي الله في ظلل من الغمام والملائكة، فماذا سيأتي أيضاً؟ سنعرف بعد قليل إن شاء الله.
الحمد لله، وحياكم الله، ونحن مع هذه الآيات التي تزلزل النفوس وتملا نفوس المؤمنين هيبة من الله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 21-22]، مجيئاً يليق بجلاله وعظمته لا يشابه مجيء المخلوقين، وكذلك اتيانه سبحانه: ﴿هَلْ ينظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 210].
فالمجيء والاتيان من صفات ربنا تعالى، هذه من الصفات الفعليّة المتعلقة بأفعال الله، ولا نتعرض لها بتحريف ولا نفي ولا تعطيل ولا تأويل باطل، وإنما نقر بها ونؤمن كما جاءت؛ يأتي يعني يأتي، يجيء يعني يجيء، كيف؟ لا يعلم إلا هو، قطعا ليس كمجيء المخلوقين. ثم مجيء ملك الملوك للفصل بين القضاء يخلع قلوب الكفرة المجرمين، وهذا المجيء مهيب جداً جداً، الخلائق تفزع للمجيء لأنه سبحانه وتعالى يعني يأتي ملك الملوك ومعه جنوده، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22].
ومن هول ذلك اليوم أنه أيضاً سيؤتى بجهنم والعياذ بالله، قال الله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]. يؤتى بجهنم يوم القيامة لها تغيظ وزفير تجرها الملائكة بالسلاسل، قال عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» رواها مسلم. يعني أربعة مليار وتسعمائة مليون ملك لها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.
قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. هذه جهنم إذا جاءت والعياذ بالله جيء بها بأصوات هائله مرعبة، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19]، ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: 12]. ﴿إِذَا رَأَوْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12].
إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور تكاد تميز من الغيظ، تتقطع من الغيظ. وليس فقط جهنم سيؤتى بها، وأيضاً الجنة ستقرب، قال الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: 90-91]، لكن في سورة الفجر اقتصر على ذكر جهنم، وذلك لأن المقام مقام وعيد والخطاب للكفار: كلا كلا تتوالى، كلا الأولى وكلا الثانية: ﴿وَإِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 21-22].
طيب، هنا ماذا سيحدث للإنسان؟ قال الله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 23-24]. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد. فلما ذكر عز وجل دك الأرض ومجيئه سبحانه لفصل القضاء بين العباد والإتيان بجهنم؛ إذا وقعت هذه الأمور، عند ذاك خلاص يسقط في يد الإنسان، يتذكر ما قدمه من خير وشر وما فرط فيه فيقول: يا ليتني قدمت لحياتي، ويقول الكفار عموماً: يا ليتنا نرد ولا نكذب بايات ربنا ونكون من المؤمنين.
والله عز وجل قال: ﴿وَأَنيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: 54]، أو تقول حين ترى العذاب: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 58-59]. وهل هذا ينفع الإنسان شيئاً؟ أبداً.
لذلك قال الله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾؛ يتذكر الإنسان، وأنى له الذكرى؟ أنى له الذكرى والاتعاظ والتوبة فقد فات أوانها، ألم يغلق باب التوبة بطلوع الشمس من مغربها وبنزول الموت؟ انتهى. قال الله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28]؛ يعني حتى لو أعطاهم فرصة للرجوع سيعملون بنفس هذه الأعمال التي يعملونها في الدنيا من الشرك والكفر والبغي والاجرام.
وقوله تعالى: يومئذ يتذكر الإنسان وأنى، (أنَّى) اسم استفهام بمعنى (أين)، يستعمل في الإنكار والنفي، وتقدير الكلام: وأين له نفع الذكرى؟ كما في البغوي وزاد المسير والقرطبي والسعدي والتحرير والتنوير. فيقول متحسراً على ما فرط في جنب الله: يا ليتني قدمت لحياتي هذه! يا ليتني تكررت في التأسف والتندم يوم القيامة، ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتني لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 27-28]. ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَافَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56].
طيب، يقول: ﴿يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ولم يقل لهذه الحياة الدنيا، كأن الحياة الدنيا التي مضت تلك ليس لها اعتبار، الحياة الحقيقية هذه الآخرة، الحياة الحقيقية يا ليتني قدمت لحياتي هذه. لماذا؟ لأنها حياة لا تنتهي بالموت ولا تنقطع، ولكن خلود في الجنة أو في النار، ولذلك قال الله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهَيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]؛ يعني لهي الحياة الباقية الكاملة المستقرة أبداً، في الجنة أو في النار.
وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها، وفي الاستعداد لها والعمل لها، هي الحياة الآخرة، هي دار القرار دار الخلد والبقاء. قال ابن القيم رحمه الله: الحياة في الحقيقه حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا اوقات حياته؛ فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الاوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها، وإذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه ايام حياته الحقيقية.
فيقول عندئذ: يا ليتني قدمت لحياتي، فيوم القيامة يوم الحسرة والندامه، يندم صاحبه على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات لو كان مطيعاً. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «لو أن عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله لحقره ذلك يوم القيامة، ولودّ أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب» رواه أحمد.
ماذا سيتمنى وماذا سيحصل للكافر يومئذ؟ هذا ما سنعرفه بعد هذا الفاصل إن شاء الله.
كانت في حجر عائشة، قال: فأتيت فوجدتها بحراً لا ينزف. ومن هنا فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى تحفة الطالب، والذي شرحه الكاساني في بدائع الصنائع، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة فقال الفقهاء: شرح تحفته وزوجه ابنته. وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد هو توقيع زوجها الكاساني.
بشری، نأخذ أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله، أهلاً ومرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات، ونحن مع هذا المشهد العظيم يوم القيامة الذي يصفه لنا ربنا: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجيِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: 21-23]، فأت الأوان يقول: يا ليتني قدمت لحياتي، فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد.
أي لا يعذب كعذاب الله أحد في الدنيا، لا يعذب كعذاب الآخرة أحد، عذاب الله في الآخرة ليس له مثيل، ولا يوثق وثاقه أحد، يعني لا يوثق بالسلاسل والأغلال أحد كما يوثق الله الكفار هؤلاء والمجرمين بالسلاسل والأغلال، فلا التعذيب له مثيل ولا ذا الغل والوثاقة في القلب وفي الصدر من الحقد. إذاً فيومئذ لا يعذب عذابه أحد مثل عذاب الله لا يوجد، ولا يوثق وثاقه أحد مثل هذا التقييد بالاغلال لا يوجد، فإنهم يقرنون بسلاسل من نار ويسحبون على وجوههم في الحميم ثم في النار يسجرون، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسل يُسْحَبُونَ * فِي الحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: 70-74]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4].
إذاً المعنى لا يبلغ أحد من الخلق كبلًا الله في العذاب والوثاقة، وعذاب البشر يعني بني الإنسان في النار واضح، وعذاب الشياطين أشد لأنهم أشد كفراً. الدرس هنا لنا أن نستعد لذلك اليوم وأن نتجنب الأعمال التي تدخل النار وتستوجب دخولها، ومنها الشرك بالله، أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، ومنها عدم الإيمان بأركان الإيمان أو أحدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مَّهِينًا﴾ [النساء: 150-151]، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
والآن والعياذ بالله هنالك من ممن كان مسلماً صار ملحداً، وبعضهم ينكر بعض أركان الإيمان: أنا لا أؤمن بالملائكة، وبعضهم يقول: السنة هذه أنا لا أؤمن فيها، ويل لهم. قتل النفس أيضاً الذي يقتل بغير حق: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. آكل الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]، هذه آخر آية الربا ومن عاد يعني من تاب خلص فله ما سلف وجاءت موعظة من ربه وانتهى، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، المصرون على الربا.
أما مانعو الزكاة والباقون بالمال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]. وكذلك يؤتى بالذهب والفضة التي كنزوها وما أدوا زكاتها وحق الله فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35].
طبعاً الكبر هذا من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى النار: «الكبر ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار». أكل مال الييتيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. اقتطاع حق المسلم الاستلاء عليه بغير حق فقال: فقد أجب الله له النار وحرم عليه الجنة. كيف الذين يأخذون يستولون على ميراث يعني أخته وعلى ميراث يتيم عنده ضعيف، وهكذا.
الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا والذين يريدون انتشار المنكرات، وتندلع في النار هذه المعاصي يعني الشنيعة الكبائر: الإشراك بالله، تكذيب الرسل، الكفر، الكبر، الكذب، الخيانة، الغدر، قطع الرحم، اليأس من روح الله، الأمن من مكر الله، البطر عند النعم، ترك الفرائض، تعدي حدود الله، انتهاك المحرمات، أنواع الشرك، الرياء والسمعة، التعصب بالباطل، استهزاء بآيات الله، جحد الحق، كتمان الحق، السحر، عقوق الوالدين، أكل الربا، الفرار من الزحف، قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، كلها أشياء تدخل النار.
طيب، إذاً يقول الله سبحانه وتعالى يا أيتها، هنا بعد ما ذكر النفس نفس السوء وندمها، قال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30]. فذكر سبحانه وتعالى البشارة بعد الإنذار، وذكر حال النفس المرضية بعد حال النفس المجرمة التي تقول يا ليتني قدمت لحياتي، فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد.
يا أيتها النفس المطمئنة إلى ذكر الله، الساكنة إلى حبه، الموقنة بلقائه، قرت عينك ولاقيت ربك راضية مرضياً عنك، يا أيتها النفس المطمئنة الراضية بوعد الله، المصدقة بقول الله، الآمنة من عذاب الله، المطمئنة بثواب الله، الراضية بقضاء الله. قال بعض المفسرين: إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبد المؤمن اطمأنت نفسه إلى الله، هذه النفس المطمئنة تقول لها الملائكة: ارجعي إلى ربك الذي رباك بنعمته، وأنعم عليك بأحسانه حتى صرت إلى جواره وثوابه وما أعد لك في جنانه.
راضية راضية في نفسها، راضية لما أكرمها الله به من الثواب، مرضية قد رضي عنك ربك وأرضاك، وهذا الوصف لهذه النفس التي يقال لها عند الموت: ابشري بروح وريحان ورب غير غضبان، راض معناها راض عنك، ارجعي إلى ربك إلى خالقك، فيقال الأرواح المطمئنة عند ردها في الأجساد يوم البعث ارجعي إلى خالقك مرضياً عنك.
فإذا جاءت يوم القيامة وجاء الرب للقضاء فلها موعد معه في إكرام فلذلك يقول: فادخلي في عبادي، يا أيتها الروح النفس أدخلي في أجساد عبادي، وفادخلي في عبادي يعني أيضاً العباد المؤمنون المكرمون عنده في الملأ الأعلى، ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وأنا ردنا إلى الله. فعلى قول يكون معنى فادخلي في عبادي أي مع عبادي في جنتي، أدخلي في جملة عبادي الصالحين المطيعين كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19]، وادخلي جنتي أي أدخلي جنتي معهم، وأضاف الجنة إليه سبحانه إضافة تشريف في مقعد صدق عند ملك مقتدر.
طيب، ذكر الدخول مرتين: فادخلي في عبادي يعني معهم برحمته في عباده الصالحين، وإلى جنته أدخلي معهم. ختم الله السورة بمدح النفس المطمئنة الخاشعة المتواضعة وأي هذه النفس المكرمة. نسأل الله أن يجعلنا من النفوس الراضية المرضية التي يكرمها يوم القيامة، نسأله الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ به من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
بهذا نكون قد أتممنا تفسير سورة الفجر، ودرسنا القادم مع السورة التي تليها بمشيئة الله تعالى. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشري لنا سات أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد