تسجيل الدخول

المحاضرة 14 - التفسير - تفسير سورة الغاشية (20:13) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. أشهَدُ أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، وأشهَدُ أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بالطلاب والطالبات في درس التفسير، في هذا المجلس الرابع عشر من سلسلة المحاضرات في أكاديمية زاد.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8-9]. وقلنا إن هذا وصف لنعيم المؤمنين في الجنة؛ فهم في نعمة وكرامة. والوجوه -وجوه المؤمنين- نَعِمَت بما عاينت، وجرت فيها نضرة النعيم، فنضرت أبدانهم واستنارت وجوههم. وقال سبحانه: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، أي إن هذه الوجوه رضيت لعملها الذي عملته في الدنيا لأنها رأَت الآن ثوابه. فلما عاينوا هذا الثواب العظيم بلغوا حد الرضا.

ولما وصف أهلها انتقل إلى وصفها، فقال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ مرتفعة في محلها ومنازلها في أعلى عليين فوق السماوات، غرف من فوقها غرف مبنية، يشرفون على ما أعد الله لهم من الكرامة. ثم بين تعالى أن هذه الجنة ليس فيها كلام باطل ولا لغو، فقال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، واللاغية مصدر بمعنى اللغو، وهو الكلام الذي لا فائدة فيه.

قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. وقلنا هذا اسم جنس، والمراد جنس العيون؛ فليست عيناً واحدة، لكنها عيون كثيرة جاريات يفجرونها تفجيراً حيث يشاؤون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: 45]. فالتنكير هنا في قوله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ﴾ لبيان الكثرة، إذاً هذا اسم جنس يشمل العيون الكثيرة.

ونتابع في هذا الدرس بمشيئة الله تعالى الكلام عن الآيات التي تلي ذلك. قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 13-16].

لما ذكر أن في الجنة عيوتاً كثيرة، وصف سرر أهل الجنة. ولما وصف شرابهم وما يتنعمون به من جريان هذه العيون، وصف الأسرة فقال: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾. والسرر جمع سرير، وهو ما يجلس عليه ويضطجع عليه؛ إذاً في اللغة السرير ليس فقط مكان الاضطجاع، لكنه مكان الجلوس أيضاً. ومعلوم أن الجنة ليس فيها نوم، إذاً ليس السرير مكاناً للنوم، وإنما ما يجلس عليه ويضطجع عليه يقال له سرير. وللملك أسرة، وأهل الجنة أعلى من الملوك على الأسرة.

وقوله سرر، السرر جمع سرير، والسرير مشتق من السرور؛ لأن صاحبه إذا جلس عليه سُرَّ بهذه الجلسة. ومجالس أهل الجنة مجالس سرور ونعيم، وهذا كما في النكت والعيون وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي رحمه الله. السرير في أصله له قوائم ليكون مرتفعاً عن الأرض، فهو أصلاً مرفوع. لكن زيادة في الرفع وتصويراً، فهي مرتفعة في ذاتها وبما عليها من الفرش اللينة الوطئة الناعمة، وما عليها من الحور العين وزوجاتهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَٰكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: 55-56].

إذاً السرر المرفوعة عالية في الهواء، ليرى المؤمن إذا جلس عليها المنظر وما أعطاه ربه في الجنة من النعيم والملك، وإذا رأيت ثم يعني هناك رايت نعيماً وملِكاً كبيراً. والتذذ ليس فقط بالاتكاء والراحة، بل حتى بالمنظر والاشراف والإطلالة. وهذا الوصف لمحاسن الجنة حتى ترغب النفوس فيها وتتشوق إليها فتعمل لها.

لكن ما هو قدر الارتفاع في هذه الأسرة؟ الله أعلم به. قال ابن عباس: ألواح من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فاذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع إلى مواضعها. وقيل: وسرر مرفوعة؛ لأن بعضها مرفوع فوق بعض. وقيل: مرفوعة في أنفسهم لجلالتها وحبهم لها. لكن هذا لا يصح أن نبطل به ظاهر اللفظ من ارتفاع الأسرة ذاتها؛ فهي ليست مرفوعة في أنفسهم فقط، لكنها مرتفعة في ذاتها.

ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾، أي أوانٍ ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذه، وضعت بين أيديهم وأعدت لهم وصارت تحت طلبهم واختيارهم، ويطوف بها عليهم الولدان المخلدون. وأكواب جمع كوب، وهي الاباريق التي لا آذان لها ولا خرطوم، بخلاف الإريق فهو ما له عروة -أذن- التي يمسك بها وخرطوم يصب من خلاله. وهذه الاكواب موضوعة عندهم لا ترفع من بين أيديهم كما ترفع آنية الشراب في الدنيا إذا بلغ الشاربون الحد؛ لأن اهل الجنة في نعيم متجدد مستمر، فالأكواب موجودة باستمرار، موضوعة باستمرار، واللذة لا تنقطع، لذة الشرب طعماً ونشوة مستمرة، والأكواب موضوعة بما فيها من أشربة. سبحان الله! هذا النعيم لا ينقطع، غير ممنون، ومتجدد باستمرار ويزيد باستمرار.

وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ [الواقعة: 17-18]. وقال: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71]. يعني الاستمتاع ليس فقط بالطعم، حتى بالمنظر. وقال: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِّن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: 15-16]. وقيل إن الاكواب موضوعة على حافات العيون الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة. وقيل موضوعة بين أيديهم لاستحالة إياها، الامتاع بالنظر إليها لأنها من ذهب أو فضة أو جوهر، والتلذذ كذلك بالشرب منها. ماذا يوجد في الجنة أيضاً؟ ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، وسنعرف معناها بعد قليل إن شاء الله.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».

حياكم الله أيها الإخوة والأخوات مرة أخرى، ونحن في نعيم الجنة وعنها نتحدث. ومع النمارق المصفوفة؛ النمارق جمع نمرقة، وهي الوسائد التي يتكأ عليها الجالس والمضجع، وكذلك تطلق على المرافق والمجالس. مصفوفة؛ مرتبة هكذا بعضها إلى جنب بعض، جعل بعضها قريباً من بعض صفا، أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها، لا واحدة ولا اثنتان.

نمارق وظيفتها الاتكاء للراحة، لكن المنظر أيضاً حسن جميل في ترتيب. وقد يجلس المؤمن في الجنة على واحدة ويستند على أخرى، يعني حتى طريقة منظر الاتكاء بهيج. هذه الوسائد من الحرير الناعم والاستبرق، وصفت للجلوس والاتكاء عليها، فهي معدة أصلاً في الأماكن المناسبة لهم، ولهم أن يصفوها بانفسهم كما شاؤوا ويغيروا كما شاؤوا.

وقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. الزرابي جمع زربية، زربية زرابي بالتشديد، وهي البساط الفاخر الحسن المنسوج من الصوف الملون الناعم شبيه القطيفة، يفرش في الأرض للزينة والجلوس عليه والمشي عليه لأهل الترف واليسار والنعمة. لكن زرابي الجنة غير زرابي الدنيا! سبحان الذي ما فوت على أهل الجنة نوعاً من النعيم فاقوا به كل نعيم الدنيا. فمن فاته الآن أشياء من نعيم الدنيا إذا كان من أهل الجنة فلا هو فلا هو مغبون ولا مبخوس، بل سيأخذ حظه كاملاً ولا نسبة، لا نسبة بين نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة.

وزرابي مبثوثة منتشرة على الأرض بكثره، مفرقة مبسوطه في جالس من كل جانب، مفروشة هنا وهنا وهنا. إن شاء أن يمشي عليها مشى، وإن شاء أن يجلس عليها جلس. سبحان الله! سبحان الذي نوع النعيم لأهل الجنة، سبحان الذي اعتنى بتفاصيل نعيمهم العناية البالغة لونا وشكلا ووظيفه وجمالاً وبهاءً ولذة نفسية وجسدية وراحه نعيم. ولذلك الجنة غالية فعلا، ومهما عملنا من أجلها فهو قليل فهو قليل، ﴿أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ﴾، ألا مشمر إلى الجنة؟

هذه التفصيلات يا إخواني إذا تأملها الشخص المبتلى، الشخص الذي يعاني، الشخص الذي يمتحن في سبيل الله، تهون عليه الدنيا. ويريد الانتقال، لماذا ذكرت هذه التفصيلات؟ من الحكمة في ذلك، من الحكمة أن تشتاق النفوس فتعمل. ومن الحكمة أن لا يكون متولعاً بنعيم الدنيا وهو يعلم أن ذاك النعيم فوقه بكثير، فلماذا يرضى بهذا الفاني وهناك باقي وخالد فوقه بكثير؟ وأيضاً هذا نعيم الجنة في تصبير لأهل الابتلاء. وأيضاً الذين يمتنعون عن الحرام، يعانون؛ الامتناع عن الحرام ليس شيئاً سهلاً، فعندما يمتنع عن الحرام يعلل نفسه بأنني الآن إذا امتنعت سأجد كذا وكذا، فيسهل عليه الصمود أمام جاذبية الحرام؛ لأن هناك جاذبية أقوى لهذه الصور من نعيم الجنة التي عرضها القرآن الكريم.

نلاحظ في سياق الآيات هذه في سورة الغاشية أن صفات وجوه أهل النار المذكورة في أول السورة قوبلت وتبعها صفات وجوه أهل الجنة؛ فقوبلت صفات وجوه أهل النار: ﴿خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: 2-3] بصفات: ﴿نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: 8-9]. وقوبل قوله تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 4] بقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: 10]. وقوبل قوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5] بقوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 12]. عين آنية، عين جارية؛ عين تناهت في الحرارة لأهل النار، عين جارية لأهل الجنة.

وقوبل شقاء عيش أهل النار: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7] بمقاعد أهل الجنة المشعرة بتطرف العيش والشراب والأكواب: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. كل ما يشتهونه من المطاعم والمشارب والملابس والمناكير لهم مبذول بلا يعني كما يشتهون، والعيون تلتذ بالمناظر الحسنة والأشجار والنعم وغناء الحور العين والمباني المرتفعة العالية المزخرفة.

هذا النعيم العظيم لا يشبهه شيء مما في الدنيا، ما في إلا الأسماء؛ يعني كما قال ابن عباس رضي الله عنه: الاسم اسم على اسم، لكن شتان شتان. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]. وقال عليه الصلاة والسلام قال الله: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أحيي لهم من قرة أعين».

فيا خطب الحسناء إن كنت باغيا *** فهذا زمان المهر فهو المقدم فاقدم ولا تقنع بعيش منغص *** فما فاز باللذات من ليس يقدم وإن ضاقت الدنيا عليك باسرها *** ولم يكن فيها منزل لك يعلم فحي على جنات عدن فإنها *** منازلنا الأولى وفيها المخيم

نسأل الله أن يرزقنا الجنة. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم.

القرآن كلام الله تعالى، وخير زاد يقدمه الوالد لولده؛ فانه سبيل الهداية والاستقامة: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، و﴿يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].

وهناك أفكار ووسائل تعين المربي في ربط النشء بكتاب الله تعالى؛ منها: الإكثار من قراءة القرآن أمام الأبناء، فالقدوة أقوى المحفزات في توجيه السلوك. التحفيز من خلال سرد وشرح الآيات والأحاديث في فضل قراءة القرآن وحفظه. إلحاقهم بحلقات تحفيظ القرآن، فهي تدخل الطفل في تنافس مع أقرانه، وتعينه على ضبط القراءة والتجويد، وتربطه بالمسجد والبيئة الصالحة. قص ما ورد في القرآن الكريم من قصص باسلوب سهل ومشوق، فالحكاية تحبب إلى الأطفال ويسهم في تعلقهم بالقرآن، كما ينمي الرصيد اللغوي القراني لديهم. أهدي ولدك مصحفاً، فحب التملك غريزة يمكن استثمارها بشكل إيجابي يجعله مرتبطاً بمصحفه الخاص، يقراه ويقليبه متى شاء. التشجيع بالمكافأة والتحفيز على المشاركة في المسابقات، فقد يعجز الطفل عن الحفظ بمفرده، لكن ربما يكون منافساً قوياً وحافظاً متقناً إذا كان الأمر في شكل جماعي، خصوصاً إذا رصدت بعض جوائز. استعمال الوسائل الحديثة في الحفظ، فهي تلبي رغبتهم في استعمال هذه التقنيات التي غالباً ما توظف في أشياء أخرى، ويستحسن أن يكون بها خاصية تسجيل القراءة والاستماع إليها ومعرفة أخطاء القراءة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وتعلّم وعمل به، أُلْبِس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوءه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حُلَّتَيْن لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كُسِينَا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن».

بسم الله، عوداً إليكم أيها الإخوة والأخوات، ومع تفسير قوله تعالى في سورة الغاشية: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20].

هذا مقطع في السورة، وآيات ذات موضوع، فيه انتقال عما سبق. فإنه تعالى لما بين فيما سبق من السورة انقسام الناس إلى فريقين: فريق الأشقياء وفريق السعداء، ووصف أحوال الفريقين، عجب أهل الكفر وكذبوا القرآن، فذكرهم تعالى عجائب خلقه، وأمرهم بالنظر في مخلوقاته، وأن الذي أبدع هذه المخلوقات لا يعجز عليه أن يخلق ذلك النعيم وذلك العذاب.

فإذا كبر عليكم يا أيها المشركون أن تؤمنوا بما في النار من العذاب وبما في الجنة من النعيم، فانظروا في الأرض الآن، واستدلوا بما فيها على قدرته وعظمته سبحانه؛ فإن قدرته عظيمة، وهو قادر على أن يوجد هذا وهذا وقد أوضده وخلقه أصلاً، الجنة مخلوقة والنار مخلوقة.

لكن إذا حصل عندكم يا أيها الكفار نوع من التكذيب بعد أن عرض لكم شيئاً مما في الجنة والنار، فتعالوا إلى ما عندكم الآن من الإبل وما ترونه بأعينكم الآن، من السماء والجبال والأرض؛ انظروا فيها، واجعلوا أنظاركم تجول في مخلوقاته لتستدلوا على قدرته فتعلموا صحة المعاد والجزاء والحساب.

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، أي نظر الاعتبار والتفكر في خلقها البديع، كيف سخرها الله للعباد وذللها لمنافع الكثيرة؛ فترى الطفل الصغير يجر البعير العظيم، من الذي ذلله؟ الله عز وجل. وإذا تفكر في هذا المخلوق خلق عجيب وتركيب غريب، غاية في القوة والشده ومع ذلك تلين الحمل.

تلين وتنقاد ويحمل عليها وتحلب ويؤخذ من أوبارها، والعرب طبعا كانت غالب دوابهم الإبل، وأنفس أموالهم الإبل. فيقول: الذي صنع لكم هذه الإبل وهي النفيسة عندكم، قادر على أن يخلق ذلك النعيم النفيس نعيم الجنة.

طبعا الكلام في الإبل كثير، وفي صبرها وتحملها وعظمها وتذليلها، كان شروح القاضي رحمه الله يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت. الإنسان يؤجر، يؤجر المؤمن على نظره إلى الإبل نظر التفكر والاعتبار؛ لأن لأن فيه امتثال للاية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]. ليس مجرد نظر يعني الرؤية لا، وإنما نظر التفكر والاعتبار.

قال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها، فقالوا: كيف نصها؟ فانزل الله هذه الآية. يعني: الذي جعل البعير ينزل من أجلكم لتركبوها مع أنه مرتفع، قادر على أن يجعل السرر تتطمن وتنزل لاهلها ليقعد عليها. أفلا، همزة استفهامية استفهام إنكاري، أفلا ينظرون لماذا تهملون النظر إلى دقائق صنع الله؟ أفلا ينظرون ويمعن النظر ليشاهد الناظر ما في المنظور من الدقائق. نظر إلى كذا أشد من نظره كذا، لما في إلى من معنى الانتهاء، كأن النظر انتهى عند المجرور بإلى انتهاء تمكن واستقرار، أن النظر بلغ هناك فتمكن واستقر لكي يعتبر ويتفكر.

سبحان الله، كل ما في الجمل متقن الإبداع مناسب لبيئة الصحراء. عينه رموشها كث مزدوجة تحجب عنها رمال الصحراء المتطايرة، تتميز بقدرتها على التكبير والتقريب. في إمكان الجمل إغلاق أذنيه ومنخريه للتوقي من الرمال. أخفافه الضخمة تسهل له الحركة على الرمال دون أن يغوص فيها. شفتاه الجمل مطاط مرنت قاسيتان في ذات الوقت، تلتهمان الأشواك الحادة يعني قوية ومرنة. يصبر الجمل على فقد الماء مدة طويلة، ويستطيع أن يخزن الماء في جوفه، ويخزن مقادرا كبيرا حتى إنه يمكنه أن يشرب ما يملأ حوض استحمام. ويستطيع أن يستهلك ما في سنامه من الشحم غذاء، ولو ما كان عنده طعام في الصحراء، يخزن الجمل من الشحم ما يعادل خمس وزنه، ليحب ما يحتاج إليه من غذاء إذا لم يجد طعاما. سبحان الذي خلقه!

ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: 18]. كيف رفعها الله عز وجل عن الأرض هذا الرفع العظيم بغير أعمدة، بغير عمد؟ والعرب كانوا في الصحراء مكشوفين ينظرون إلى السماء نهارهم وليلهم في إقامتهم وعنهم، فكيف لا يتدبرون في عظيم خلقها؟ ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: 6]. ما في شقوق ولا فطور، هذه السماء على اتساعها مرفوعة بلا أعمدة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] يعني بغير عمد كما ترونها. ولذلك أقسم بهذا البنيان العظيم فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5] فهي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع للعجائب من بدن الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57]. وقال: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ سقفها ﴿فَسَوَاهَا﴾ [النازعات: 27-28].

طيب هذا نظر إلى السماء بعد النظر إلى الإبل، وبعد السماء إلى الجبال، نزول من السماء إلى الجبال إلى الأرض: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: 19]. نصبت على وجه الأرض نصبا ثابتا رفعت مرساة راسخة راسيتين لا تميل بأهلها ولا تميد، جبال لا تزول ولا تحول إلا أن يشاء الله. جعل فيها من المنافع والمعادن ما الله به عليم. الله لما مد الأرض ارساها بالجبال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: 31]، وقال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النلق: 15]، وقال: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7]. كانت الجبال منازل لأحياء من العرب ينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف من العدو، ويتخذون فيها مراقب للحراسة.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]. كيف بسطت، سويت، مدت، مهدت، سهلت غاية التسهيل؟ جعل فيها هذه السبل ليستقر خلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرفها وغراسها والبنيان عليها وسلوك الطرق والالانتقال فيها. فنبه الله هؤلاء العرب الذين يرون هذا يوميا، إبل، سماء، جبال، أرض، نبهه إلى بعيره الذي يركبه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والارض التي تحته، نبهه على قدرته سبحانه وأنه المتصرف المالك.

فانظر يا أيها الإنسان، هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غير الله عز وجل سبحانه؟ فلم تشركون به؟ وكيف تكفرون به؟ ولم لا تؤمنون بالبعث وهو قادر عليه، وبالجنة والنار التي خلقها عز وجل؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل كتابه، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، إنه سميع مجيب.

لقاؤنا معكم إن شاء الله في الدرس القادم لتتم تفسير هذه السورة، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.