تسجيل الدخول

المحاضرة 8 - التفسير - تفسير سورة الطارق (7:1) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أيها الإخوة والاخوات والطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله ونحن في هذا الدرس من مادة التفسير في تفسير سورة الطارق. وكنا قد انتهينا من تفسير سورة البروج.

وسورة الطارق مكية إجماعاً، وآياتها سبع عشرة آية، نزلت قبل سنة عشر من البعثة. وسورة الطارق من السور التي كان يقرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والعصر.

إذاً هي سورة مكية، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بها في صلاتي العشي، وصلاتَا العشي الظهر والعصر، وقد ورد ذلك في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر: والسماء والطارق، والسماء ذات البروج ونحويهما من السور. روى أبو داود والترمذي.

وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، قسم من الله عز وجل، قسم أمرّين إذاً. هناك قسمان: والسماء والطارق. القسم الأول بالسماء، والقسم الثاني بالطارق. وهذان قسمان بمخلوقين عظيمين فيهما دلالة على عظم قدرة خالقهما، والله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بالشمس وضحاها، وبالليل والضحى والعصر.

قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. السماء: كل ما علاك في اللغة فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يسمى في اللغة سماءً لأنه يعلونه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾. وإذا كان يطلق على كل ما علاك سماءً، فإن ذلك يشمل ما بين السماوات والأرض، ويشمل السماوات السبع الطباق كلها؛ لأنها كلها قد علتنا وهي فوقنا، هذا كما في تفسير القرطبي والنكت والعيون والتحرير والتنوير.

والطارق: النجم، وقد سمي النجم طارقا لاختصاصه بالليل، فهو يطلع بالليل فشبه بالطارق الذي يطرق الناس ليلاً، والعرب تسمي كل قاصد في الليل، كل واحد جاء في الليل طارقا، يقال: طرق فلان إذا جاء بليل، فلا يكون الآتي بالنهار طارقا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً. يعني يفاجئهم ويأتيهم ليلاً، فإذا أخبرها قبل أن يأتي في الليل فلا مانع، وأصله حتى حتى ماذا حتى تكون مستعدة له.

وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، وسمي قاصد الليل طارقا لأنه يحتاج في الوصول إلى طرق الباب، خلاف من جاء في النهار والناس آآ يعني موجودين، مجرد إلقاء السلام يكفي. المراد بالطارق هنا النجم، وأيضاً الكواكب التي تطرق بالليل وتختفي بالنهار، كما ذكر ابن الأثير في النهاية، وكذلك البغوي وابن القيم في التبيان وغير هؤلاء.

ثم بين الله تعالى بعدما أقسم بالسماء والطارق، بين ذلك بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، وهذا تفسير القرآن بالقرآن: وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب. إذاً عرفنا أن الطارق هو النجم الثاقب، وهذا في تفخيم لشأن المقسم به، والتنويه بشأن هذا الطارق والتفخيم له؛ يعني الله لا يقسم إلا بعظيم من مخلوقاته. الطارق إذاً نجم عظيم له شأن، خلقته عظيمة، والمعنى وأي شيء أعلمك بالطارق وأي شيء يدريك بحقيقة هذا؟

والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق؛ فلم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يدري ما الطارق؛ لأن الطارق يشمل النجم وغيره والضيف الآتي ليلاً، ولذلك فسره تعالى بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل شيء من القرآن من قوله وما أدراك فقد أدراه؛ يعني أخبره وأعلمه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وكل شيء من قوله وما يدريك فقد طوي عنه. إذاً ابن عباس رضي الله عنه حبر الأمة وجمان القرآن فيما آتاه الله من الفهم، وبتتبعه لمواضع القرآن وجد أن أي موضع في القرآن فيه وما أدراك فإنه يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم فيدري، وأي موضع في القرآن فيه وما يدريك فقد رُوي عنه ذلك.

وقوله، يعني مثلاً: وما يدريك لعل الساعة تكون قريبة، ما يدري عن الساعة مثلاً. وقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ هو المضيء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، فيقال: ثقب يثقب ثقوباً وثقابةً إذا أضاء، وثقوبه ضوءه، والعرب تقول: اثقب نارك، أوقدها وأضئها. إذاً وصف الله النجم بأنه ثاقب لأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه بضوئه، ولانه يطلع من المشرق نافذاً في السماء كالشيء الذي يثقب الشيء، ولأن الشيطان يرمى به فيثقبه أي ينفذ فيه فيحرقه.

وأكثر أهل التفسير على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم، يعني ليس المقصود نجماً معيناً، وإنما النجم الثاقب يشمل سائر النجوم الثواقب المضيئة. وقال بعض المفسرين: هو نجم بعينه، لكن أي نجم؟ فقال بعضهم: الثريا، وقيل: هو زحل، وقيل: هو الذي ارتفع على النجوم كلها، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً: قد ثقب. وقال ابن القيم رحمه الله: المراد به الجنس لا نجم معين، ومن عينه بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح، وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه. والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة، وكل منها آية من آياته الدالة على وحدانيته. نسأل الله أن يجعلنا ممن يوحده ويعظمه. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله.

الحمد لله، أهلاً ومرحبا بكم حياكم الله.

وقد سبق في أول هذه السورة العظيمة سورة الطارق ذكر قسم الله تعالى بالسماء والطارق وتفسير الطارق بأنه النجم الثاقب. الآن هذان القسمان على أي شيء؟ يعني ما هو جواب القسم؟ لأنه لابد لكل قسم من جواب؛ يعني لماذا أقسم الله على حقيقة معينة إثباتاً وتأكيداً؟ فما هي هذه الحقيقة؟ هذه قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فأقسم الله تعالى بالسماء والطارق على حال هذه النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها، وأنها لم تترك سدى، بل إنه تعالى حفظها وجعل لها ملائكة تحفظها، ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾.

وكذلك جعل عليها حفظة وكتبة من الملائكة يكتبون أعمالها، فأقسم تعالى أنه ما من نفس منفوسة إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكسب من خير أو شر، وسيجازيها بعد ذلك بما عملت وما كتبه الحفظة من أقوالها وأفعالها.

إذاً قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ﴾، إن معناها ما، يعني أن هنا نافية، يعني ما من نفس، ولما بمعنى إلا، فالمقصود ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله. ما من نفس إلا وعليها حافظ من الله، ما من نفس إلا وعليها حافظ من الله، طبعا يحفظها من الحوادث ويحفظ أعمالها فيكتبها في ملائكة حفظة وفي ملائكة كتبة، كلهم بأمر الله. عجبًا لهذا المخلوق لهذا الإنسان! واحد مثلاً واحد من البشر سخر الله له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله.

فإذا جاء القدر الذي قدره الله تخلت الحفظة فوقع الحادث، وإلا فكم وكم ننجو من حوادث! كيف نجونا؟ أن الله سبحانه وتعالى أوجد وجعل ملائكة يحفظوننا ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾. طيب هؤلاء الملائكة الحفظة والكتبة يحفظون عليه ويقيدون ويكتبون ما يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. إذاً آآ إن كل نفس إن كل نفس كل نفس لما عليه حافظ. فهناك آآ من يحفظها ومن يحفظ عملها، إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: علي رقيبُ. ولا تحسبن الله يغفر ساعةً ولا أن ما يخفى عليه يغيب.

إذاً هذه قوله: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ فيها موعظة، وفيها تكريم؛ يعني بيان أن الله كرم الإنسان جعل اه حفظة يحفظونه، وجعل كتبة يحفظون يحفظون عمله وأقواله. في قوله تعالى: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ قراءتان، فقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم: لما عليها حافظ بالتشديد، لما يعني ما من نفس إلا عليها حافظ، وقرأ الباقون: لما بالتخفيف، لما عليها حافظ، ما صلة مؤكدة؛ يعني زيادة في الكلام للتأكيد. والمعنى أن كل نفس لعليها حافظ من ربها، لا عليها حافظ من ربها.

طيب الحافظ الآن ما ما المقصود بالحافظ؟ قيل هو الله عز وجل الحافظ والحفيظ والمهيمن، كما قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾، وهو عز وجل حفيظ الحفيظ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ هذا قول. الثاني: حافظ من الله يحفظ على هذا الإنسان أجله رزقه.

قال قتادة: حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، إذا توفيته يا ابن آدم، يعني يعني استكملته، إذا استكملت رزقك وعمرك قبضت إلى ربك، يقال: توفى فلان دينه من فلان، يعني قبضه. فيقول قتادة: حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك، إذا توفيته يا ابن آدم، يعني استكملت قبضت إلى ربك. طيب هذا المعنى الثاني آآ حافظ، يعني حافظ من الله آآ يحفظ عليك أجلك ورزقك، وهم ملائكة.

وقيل: المقصود الملائكة الحفظة الذين يحفظون عليك عملك ويكتبونه ويحصونه من خير أو شر، كما قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، وقال عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.

وقيل: الحافظ من الله، يعني أيضاً ملائكة، لكن يحفظها ويحرسها من الآفات حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير أو يسلمها إلى المقادير ثم يخلي عنها، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. إذاً القول الأول: حافظ هو الله. القول الثاني: الحافظ الملائكة، لكن أي نوع من الملائكة؟ في ملائكة يكتبون رزقه وأجله وعمله، وفي ملائكة يكتبون الأقوال والأعمال، وفي ملائكة يحفظونه من أمر الله معقبات.

وكأن الغاية من جواب القسم في قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ إثبات البعث؛ لماذا؟ لأنه إذا كانت كل نفس عليها حافظ يحصي أعمالها خيراً وشرها، معناها لابد أن يُعرض هذا المكتوب يوماً ما، وستحاسب عليه هذه النفس، المحاسبة ستقع والجزاء المؤخر سيأتي، وهذا يستلزم إعادة الحياة وبعث الناس حتى يظهر هذا المكتوب وينشر. وفيه أيضاً إنذار للمشركين بأن الله يعلم اعتقادهم وأفعالهم وأنه سيجازيهم بذلك.

إذاً يا صاحب النفس، إن كل نفس لما عليها حافظ، إن وجودك ليس عشوائياً ولا عبثاً، بل إنه لحكمة، وأعمالك محفوظة، وسيكون هناك بعث وجزاء على هذه الأعمال. آآ سبحان الله كأن يعني قوله والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب الذي يثقب حجاب الليل الساتر وينفذ، كذلك هذا الحافظ من الملائكة يعلم ما تفعل، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا يوم الدين، وأن يجعلنا من الفائزين. ونعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.

الحمد لله، مرحبا وأهلا وسهلا بكم أيها الإخوة والأخوات ومع قول الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّا خُلِقَ﴾. إذاً والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان.

نبه تعالى الإنسان على دليل المعاد والبعث والنشور، لما قلنا إن كل نفس لما عليها حافظ، المقصود إذا كان المقصود الملائكة التي تحفظ عمله وتكتب أي قول أو فعل يصدر عن هذا الإنسان، فمعنى ذلك أنه هناك بعث ونشور، وسينشر هذا المكتوب يوم النشور عندما ينشرون من قبورهم. آآ فنبه الله على دليل المعاد، يعني براهين على البعث والنشور، ومنها ومنها: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّا خُلِقَ﴾ من حال مبدأه، فلينظر الإنسان نظر الفكر والاستدلال.

ليعلم أن الذي ابتدأ خلقه من نطفة قادر على إعادته بعد الموت، الذي ابتدأ خلقه من نطفة قادر على بعثه بعد أن يصير رميماً. ويبقى عجب الذنب آخر العمود الفقري من تحت، عجب الذنب يركب الله منه يوم القيامة كما ركبه من المني الذي يمنى. يركب يوم القيامة من هذه، فلينظر الإنسان وليتفكر ببصيرته مما خلق، خلق من هذا الحوين المنوي وسيبعثه الله يوم القيامة من عجب الذنب الذي بقي.

كل يفنى إلا عجب الذنب، كل اللحم والعظم كله يفنى يبلى إلا عجب الذنب، يركب منه الخلق يوم القيامة. فلينظر الإنسان مما خلق، خلق من أي شيء؟ من شيء يسير، لم يخلق من حديد. خلق من مني يمنى، فإذا تفكر الإنسان في مبدأ خلقه اتضح له أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن ينشئه مرة أخرى والاستعداد فيما بعد الموت ولما بعد البعث والنشور.

وفي الآية تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وانه يقول له عز وجل أنت ضعيف وأنا قادر على إعادتك فآمن بالبعث وأن الله سيعيدك كما بدأك أول مرة. ومن أنشأك من العدم وخلقك من هذا الحوين قادر على إعادتك بطريق الأولى، كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]، يعني الإعادة أهون عليه.

فلينظر الإنسان مما خلق، هذا سؤال مما خلق؟ جاء الجواب خلق من ماء دافق. فلينظر الإنسان مما خلق، من أي شيء خلق؟ خلق من ماء دافق، والدفق صب الماء. دفقت الماء يعني صببته، مدفوق يعني مصبوب، مندفق يعني منصب متتابع. المني مدفوق ومصبوب في الرحم، يخرج دفقاً من الرجل ومن المرأة فيتولد الولد منهما بإذن الله عز وجل.

هذا خلق ضعيف، وقد قال الله تعالى عن ماء الرجل في آية أخرى وصفه بأنه ماء مهين، يعني ضعيف السيلان. ووصفه في آية أخرى بأنه نطفة، من قليل من الماء خلق هذا الإنسان من هذا الحوين المنوي، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة عجباً عجباً. ثم ذكر تعالى محل الماء الذي يخرج منه فقال مما خلق خلق من ماء دافق.

يخرج هذا الماء من بين الصلب والترائب، الصلب الظهر والترائب عظام الصدر والنحر. فقال بعضهم الصلب والترائب من الرجل، فيخرج الماء من بين صلبه وصدره، يعني من بين ظهره وصدره. والمعنى أن المني الدافق وهو مني الرجل، محله الذي يخرج منه ومنشأه الذي يسيل منه ما بين صلبه وترائبه، ما بين صلب الرجل وترائبه، ما بين ظهره وصدره. وممن ذكر هذا الإمام ابن القيم رحمه الله.

قالوا لأن الله تعالى إنما وصف في هذه الآية الماء الدافق والذي يحس به ويشاهد دفقه، مني الرجل والترائب تستعمل في الرجل وهي بمنزلة الثديين للانثى. ولأن الله تعالى قال يخرج من بين الصلب والترائب، ولم يقل يخرج من الصلب والتراب، قال من بين الصلب والترائب. قالوا إذا كلاهما لشخص واحد وهو الرجل المخلوق الواحد، فلابد أن يكون ماء الرجل خارجاً من بين هذين، كما قال في اللبن من بين فرث ودم لبناً خالصاً.

والله عز وجل أخبر أنه خلق الانسان من نطفة في غير موضع، فقال عز وجل في كتابه العزيز من نطفة خلقه فقدره، والنطفة ماء الرجل. وطبعاً في العلم الحديث قالوا إن ماء الرجل يتكون من بين صلبه وترائبه، وأن الأعصاب المغذية لمكان تجميع الحيوانات المنوية تأتي من المجموعة العصبية الموجودة تحت المعدة بين الصلب والترائب.

يعني أن المنطقة التي يخرج منها الأوعية اللمفاوية هذه تقع بين الصلب والترائب، بين الظهر والصدر وتنزل تحت، الحيوانات المنوية للرجل تستقي مواد تكوينها قالوا من بين الصلب والترائب. وهذا طبعاً قول، وطبعاً لا ينافي أن هذا أن الإنسان مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة، لكن أصل الخلقة في الرجل ثم ينتقل ماء الرجل إلى رحم المرأة، لأن الحوين المنوي يلقح البويضة فينشأ الولد بأمر الله.

الدليل على أن ماء الرجل وماء المرأة اشتراكا في خلقة الولد من ذكر أو أنثى، قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا علا ماءها ماء الرجل أشبـه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبـه أعمامه» رواه مسلم.

القول الآخر من أقوال المفسرين ما هو؟ يخرج من بين الصلب والترائب. قالوا يخرج الإنسان من بين هذا الماء الذي يخلق منه الإنسان، يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة. ففرقوا بين الصلب والترائب، أن الصلب للرجل والترائب للمرأة. فقالوا الصلب ظهر الرجل والترائب صدر المرأة، فهذا قول آخر. إذاً، القول الأول من بين صلب الرجل وترائبه، يعود إلى الماء.

والقول الثاني: أصلاب الرجال وترائب النساء، قالوا يخرج تعود على الإنسان، كما في النكت والعيون وتفسير القرطبي والهداية إلى بلوغ النهاية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا أجمعين، وأن يسلمنا يوم الدين، وأن يجعلنا به من المؤمنين إنه سميع مجيب.

وسنأتي إن شاء الله في الدرس القادم على تفسير باقي السورة، لأن في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: 8] بيان الحقيقة العظيمة المتعلقة بما سبق، فإن الذي خلق هذا الإنسان أوجده على رجعِهِ لقادر. نسأل الله أن ينجينا يوم تبلى السرائر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.