حياكم الله، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات في الدرس التاسع من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام في تفسير سورة الطارق، وقلنا إنها سورة مكية إجماعاً. ومن مقاصدها القسم على حفظ أحوال الإنسان، وإثبات إحصاء الأعمال والجزاء عليها، وبيان حال الإنسان في الابتداء والانتهاء، وإثبات البعث.
أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، والطارق النجم اسم جنس، وسمي النجم طارقا لاختصاصه بالليل، فالطارق في اللغة ما يطرق ليلا، والنجم هذا يطلع بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس، وذكرنا تفصيلات أخرى وأقوالا في تفسير الطارق، وبين تعالى ما المراد بالطارق بقوله وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب. قال وما أدراك تفخيما لشأن الطارق، وفسره بأنه النجم الثاقب المضيء، الذي ثقب بضوءه الظلام والفضاء. والنجم الثاقب اسم جنس يعني يشمل سائر النجوم الثواقب المضيئة.
أقسم الله بالسماء والطارق، وعرف الطارق، وذكر جواب القسم المقسم عليه، الذي لأجله أقسم، الحقيقة المؤكدة بالقسم في قوله إن كل نفس لما عليها حافظ. والمعنى: ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظها له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، أو يحفظ عملها وقولها، ويحصي ما تكسب من خير أو شر لتجازى بهذا العمل المحفوظ، الذي يرفع إلى الله يوميا في الصباح والصر، وأسبوعيا في الاثنين والخميس، وسنويا في شعبان، وإذا مات الإنسان طويت صحيفته ورفعت إلى الله، ويوم القيامة تنشر.
إذاً في تنبيه إن كل نفس لما عليها حافظ، وإشارة إلى المعاد الذي سيتم فيه الحساب على هذه الأعمال المحفوظة المسطرة المكتوبة. ولأن المسألة فيها نشر وحشر وحساب، قال فلينظر الإنسان مما خلق للتدليل على البعث، فلينظر نظر الفكر والاستدلال مما خلق، ليعلم أن الذي ابتدأ خلقه من نطفة قادر على إعادته. ثم بين الله تعالى من أي شيء خلق هذا الإنسان فقال خلق من ماء دافق، أي مصبوب في الرحم، يخرج دفقا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله عز وجل. ثم ذكر محل الماء الذي يخرج فقال يخرج من بين الصلب والترائب.
قال بعض المفسرين يخرج مني الرجل من صلبه، يعني ظهره، وترائبه يعني عظام الصدر والنحر. وقيل يخرج يعني الإنسان، يعني الجنين. وقوله تعالى إنه على رجعه لقادر، يعني أن الله قادر على إعادة الإنسان يوم القيامة حيا بعد مماته كهيئته قبل مماته، ومن قدر على خلقه من ماء هذا شأنه سهل عليه أن يعيده إذا بلي من عجب ذنبه به ليبعثه ويحاسبه. قال تعالى يوم تبلى السرائر، يعني أنه قادر على بعثه ليقوم ويحاسب يوم تبلى السرائر وتختبر وتظهر وتبدو، كل ما كان يخفيه إنسان سيظهر.
ثم أخبر الله عن حال الإنسان الكافر يوم القيامة في وقت الجزاء فقال فما له من قوة ولا ناصر، يعني لا يستطيع الامتناع من عذاب الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر، فما له من قوة ذاتية ولا ناصر من خارج من قريب أو حميم.
نتابع الآن في تفسير السورة، هذا ملخص ما تقدم. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: 11-12]، فأقسم بالسماء وبالارض على حقيقة أخرى. فإذا عندنا قسمان في أول السورة وقسمان في وسط السورة، القسمان في أول السورة ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1] وجواب القسم ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4]، وقسمان في النصف الثاني من السورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ وما هو جواب القسم؟ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13].
وما هو بالهزل. فأقسم بالسماء ورجعها، فما هو رجعها؟ والسماء ذات الرجع، أقسم بالسماء ذات الرجع ما هو الرجع؟ المطر، والارض ذات الصدع ما هو الصدع؟ النبات. وفي علاقة بين المطر وبين النبات، يعني بين الرجع والصدع. سبحان الله القرآن جميل وبلاغة القرآن عظيمة، والمتأامل فيه والمتدبر يلتذ باستعراضه، يعني هذا من النعيم النفسي في تدبر القرآن يعني شيء ممتع ممتع.
والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع، ولاحظ يعني الرجع الصدع يعني الوزن واحد، وكذلك نهاية الآيات والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع ممتعة بليغ. سجع رجع صدع، السجع في الرجع والصدع، وفي علاقة بينهما طبعا، ما هو مجرد سجع لفظي، أن الصدع يخرج من جراء الرجع، الصدع يخرجه الرجع.
طبعا الرجع في كلام العرب الماء أو المطر، لماذا سمي المطر رجعا لأنه يجيء ويرجع ويتكرر، فينزليتوقف وينزل ويتوقف ويعاود الهطول فيرجع مرة أخرى بعد انقطاعه. وقيل إنهم سموا المطر رجعا تفاؤلا ليرجع. قال عامة المفسرين والسماء ذات المطر ترجع كل سنة بمطر بعد مطر، كما في البغوي والقرطبي وغيرهما من التفاسير. بعض المفسرين قالوا والسماء ذات الرجع يعني السحاب لأنه يرجع بالمطر على الناس على العباد.
وقال بعضهم والسماء ذات الرجع ذات الرجوع إلى ما كانت عليه، وقيل ذات النجوم الراجعه، فالسماء يعني ياتي فيها السحاب تاتي فيها أشياء ثم تنقشع وترجع مرة أخرى صافية. على أي حال الرجع الأشهر المطر، وقيل ذات النجوم الراجعه لأن شمسها وقمرها تغيب وتطلع وترجع وتعود.
وبعض قال الرجع ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد ينزلون ويصعدون مرة أخرى يعودون ويرجعون بأعمال العباد، وقيل والسماء ذات ترجع ترجع بأرزاق العباد أي وتعود ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم، هذا في الطبري والنكت والعيون والسمعاني والقرطبي وابن كثير.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل، ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها طبعا بأامر الله حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد أخرى، والخير كله من قبل السماء ينزل بأمر الله ومنه الوحي، وقلنا أشهر ما قيل الرجع المطر، فسر الرجع به وحسن تفسيره به مقابلته بصدع الأرض عن النبات.
فإن قيل ما المناسبة بين القسم وجوابه والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع أنه يعني القرآن لقول فصل، سنعرف الجواب بعد قليل إن شاء الله.
أما عظمة ومسؤولية كبيرة إنها تربية الأهل الأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فنعلهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّه﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم حب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن.
ونعلمهم الصلاة قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك». ونعلمهم شيئا من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن.
قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».
الحمد لله حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، وقفنا عند سؤال: ما هي المناسبة والعلاقة بين القسم والمقسم عليه، يعني بين القسم وجوابه؟ ما هو القسم؟ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: 11-12]، ما هو جواب القسم المقسم عليه أقسم ليؤكده؟ ما هو؟ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13].
والجواب أن الله تعالى افتتح بالقسم تحقيقا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث. وأعيد القسم بالسماء كما أقسم بها في أول السورة والسماء والطارق، إذا نلاحظ أن القسم بالسماء تكرر يعني في علاقة وثيقة بين معاني هذه السورة وما اشتملت عليه والسماء، لأنه قال والسماء والطارق ثم قال والسماء ذات الرجع، أيضا في علاقة أخرى.
والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع أنه لقول فصل، هذا القول الفصل القرآن نزل من أين؟ من السماء ماء، وكما أن الغيث يصلح الله به الأرض وأحوال الناس فكذلك القرآن النازل من السماء يصلح الله به القلوب وأحوال البشر.
كما أن المطر نازل من السماء يحيي الله به الأرض ويصلح به أحوال الناس، فكذلك القرآن النازل من السماء يحيي الله به القلوب ويصلح به أحوال الناس، فإصلاح القرآن للناس كإحياء المطر للأرض، وإنزال المطر من السماء يشبه إنزال الوحي، والمطر به حياة البشر والصلاح المادي للأرض، والوحي به حياة الروح وصلاح نفوس العباد. قرن الله بينهما في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].
وأحيانا يسبق نزول المطر يعني يسبق ذكره ذكر القرآن، لكنه ما كثيرا ما يقترنان. وكما أن الأراضي أنواع في استقبال المطر، فكذلك القلوب أنواع في استقبال الوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب -الصلاب- تمسك الماء فلا تشربه سريعا، قال وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» رواه البخاري ومسلم.
إذا في قلوب تقبل الوحي وتنبت الأعمال الصالحة الطيبة الخوف الرجاء المحبة الإخبات، ومنها قلوب قاسية لا تقبل ولا تثمر شيئا طيبا.
طيب القسم الأول والسماء ذات الرجع، القسمان والأرض ذات الصدع. الصدع في اللغة الشق، يقال صدع إذا شقه فتصدع، ومنه قوله يومئذ يتصدعون يعني يتفرقون، فالأرض تتصدع بالنبات أي تنشق عن النبات والاشجار، والصدع هو نبات الأرض لأنه يصدع الأرض أن يشقها فتنصدع به الأرض، فالنبات صادع للأرض. سبحان الله على لين النبات لكنه يشق الأرض الصلدة شقا يصدعها كما قال الله آية.
والمعنى والأرض ذات الصدع أي ذات التصدع بالنبات والأشجار، وحتى العيون والأنهار تتفجر منها فيعيش على ذلك الآدميون والبهائم. وقيل والأرض ذات الصدع يعني الأودية لأن الأرض قد انصدعت بها، وقيل ذات الطرق التي تصدعها المشاة، وقيل ذات الأموات في بطونها لانصدع عنهم للنشور. وصدع الأرض بالنبات دليل البعث بعد الموت، فكما تخرج الأرض النبات وكما يخرج النبات منها ستخرج منها أجساد العباد.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِكَ أَنَّ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: 39]. وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۚ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيْتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 57].
إذاً والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها بالرجع كذلك نحيي الأجساد بعدما تصير رميماً في هذه الأرض سنخرجهم منها يوم القيامة، وهذا في القرآن كثير يضرب الله مثلا القيامة باحياء الأرض بعد موتها بالمطر، ولهذا قال لعلكم تذكرون. وقد جاء في بعض الآثار أن الله ينزل مطرا من السماء فتنبت منه أجساد العباد ويخرجون. نسأل الله أن ينجينا من أهوال ذلك اليوم.
ونعود إليكم بعد قليل لإكمال السورة.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحا ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره وما يشترط فيه التقابض والتماثل معا أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا.
ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع لا يملك، والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري، ويتعلم أحكام القرض ما يصح إقراضه وما لا يصح وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم.
ويتعلم القبض وصوره، فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزونا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابا ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى وما كان
بسم الله وحياكم الله. ونكمل في سورة الطارق مع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق: 15-16]، وهذا هو جواب القسم؛ أقسم الله تعالى على أن القرآن حق وصدق.
والفصل مصدر فصل يفصل فصلا، بمعنى التفرقة، والإخبار بالمصدر للمبالغة. إنه لقول فصل، أي فاصل يفصل بين الحق والباطل، يميز هذا من هذا، يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويأتيهم بالحق والصواب،ويفصل بين المؤمنين والكفار؛ فهؤلاء آمنوا به وهؤلاء كفروا، ويصيب الحق فصل الخطاب.
وأيضا إنه لقول فصل، يعني مفصل مبين بعكس المجمل؛ فالقران فصل يتضمن كل هذه المعاني وأنه حق ليس بباطل وجد ليس بهزل. القرآن فصل يفصل بين الطوائف والمقالات والخصومات، يفصل بين الحق والباطل، قاطع لكل من ناواه وعاداه، يقطع دابر الفتن، يقضي على الشكوك والريب والوساوس. فصل.
وقيل في الضمير في قوله إنه يعود على ما تقدم من الوعيد في أول السورة في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَىٰ السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 8-9]. إنه لقول فصل، يعني ما أخبرتكم به من القدرة على إحيائكم في ذلك اليوم والمحاسبة يوم تبلى السرائر أنه قول فصل وحق، وهذا مما قاله بعض المفسرين.
نعود إنه القرآن لقول فصل، وما هو بالهزل. ضد الجد الهزل، فالقران جد ليس بهزل. والمعنى ما هذا القرآن بباطل ولا كذب ولا لعب ولا عبث، بل هو قول جد حق وفصل يفصل بين الحق والباطل ويبين هذا وهذا، وجد لم ينزل باللعب.
ولما كان الهزل الذي لا حقيقة له هو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل؛ القرآن ليس بهزل، فكلماته حق، وأخباره صدق، وأحكامه عدل، وتلاوته أجر. إذا تلاه الإنسان بتدبر وتفكر فتح الله عليه من المعاني وشواهد الإيمان.
كل هذا لأنه فصل ليس بالهزل، أما كلام الناس الذي هو كلام اللغو كلما كررته مججته وكرهته ومللته، بخلاف كتاب الله عز وجل، فالقران يهدي الله به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة، مهيبا في الصدور معظما في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو مزاح في وقت قراءته أو سماعه.
فالواجب استحضار هيبة قرآن، يعني هذه الآية تخبرنا كيف ينبغي أن نكون عند تلاوته وسماعه؛ جادين، غير عابثين، لأنه فصل وجد ليس بهزل، فيه هذا الوحي من الله بأوامره ونواهيه ومواعظه ووعده ووعيده وأحكامه.
ثم قال الله: إنهم الأعداء أعداء هذا القرآن؛ ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ [الطارق: 15]. الكيد إخفاء قصد الضر وإظهار خلافه، الوصول إلى مقصود على وجه الخفية والاستتار والخداع بلؤم. أخبر الله عن المشركين والمكذبين بوعده ووعيده أنهم يمكرون مكرا ويحتالون في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، يريدون دفع الحق، ويريدون التغطية على هذا الوحي والقران.
وهذا الكيد والمكر له صور كثيرة، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217]. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم. من صور الكيد إلقاء الشبهات، كقولهم: ﴿إِن هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: 37].
التشكيكات: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]. الاستنكارات: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهاً وَاحِداً﴾ [ص: 5]. الاقتراحات السخيفة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31].
الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، مرة يقولون ساحر، شاعر، مجنون، كاهن، به جنة. إنهم يكيدون كيدا وصل لدرجة محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]. انهم يكيدون كيدا بمحاولة تشكيك المسلمين وصرفهم عن حكم الله والتبديل وفرض قوانين وضعية.
يكيدون كيدا بإغراء المسلمين بأنواع من الباطل، واشغالهم بالفن الهابط ومتاع الدنيا الزائل. يكيدون كيدا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وإعلاميا وتعليميا. هؤلاء لا يتركون نوعا من الكيد إلا ويفعلونه، ونحن: ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق: 16].
سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين. الله يكيد، لكن يكيد من كاده، كاد أولياءه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76]، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]، ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 50]، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142].
طبعا ليس من أسماء الله ماكر وكائد وخادع، لأنها ليست صفة كمال بإطلاق، لكنها صفة كمال في المقابله؛ يعني الله يمكر بمن مكر بأوليائه، الله يخادع من خادع أولياءه، الله يكيد من كاد المؤمنين. هنا تكون صفة كمال في المقابلة.
الله عز وجل يكيد بالكفار ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والاستدراج مكر خفي من الله بهم قليلا قليلا، ويؤخر ويمهل، ثم يفاجئ بالأخذ الأليم الوبيل الشديد. طبعا هذه الآيات فيها تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصر وإظهار الحق ورد كيد هؤلاء.
ولذلك نحن المسلمين في هذا الزمان كلما رأينا هذا الكيد العظيم من الكفار فإن هذا لا يهولنا، لأننا نعلم بأن كيد الله أعظم وأشد، ونعلم بأن نهاية هؤلاء قد اقتربت. فكلما اشتد مكرهم وكيدهم وعداؤهم وإيذاؤهم اقترب أخذ الله لهم، وسنرى ذلك أو يراه من يعيش من المؤمنين.
ختم الآية بقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: 17]. مهل الكافرين، أنظر ولا تعجل، أي مهل الكافرين أمهلهم للتاكيد. مهل الكافرين كف عنهم وامهلهم بانتظار العذاب لهم. فمهل الكافرين، أعرض عنهم أمهلهم رويدا، ده تصغير ورود، ورويد يمشي على رود، يأتي على مهل. أمهلهم رويدا، رويدك يا فلان، تمهل.
معنى الآية انظرهم قليلا ولا تستعجل لهم، والله عز وجل يؤخرهم لياخذهم. الآن يؤذونك هؤلاء الكفرة، اصبر، أعرض، لكن سأتيهم. مهل الكافرين لا تعجل عليهم، أمهلهم قليلا وانظرهم لموعد الأخذ الذي يعلمه الله. مهل الكافرين أمهلهم، لا تستعجل لهم بطلب نزول العذاب، العذاب سياتي.
رويدا تدل على التقليل. يا أيها المؤمنون لا تستعجلوا نزول العذاب بالكفار واصبروا، لو رايتم الليل قد طال والمكر قد اشتد، اصبروا سأتيهم ما وعيد الله بهم، سأتيهم وعيد الله بهم، والله هو الذي سيتولى كيدهم وأخذهم.
انهم، حتى ما ذكر ما ذكر اسمهم تحقيرا لهم، انهم يكيدون كيدا، هؤلاء الذين خلقوا ماء دافق، ويتجبرون في الأرض بغير الحق، يتكبرون، الوعد بالعذاب قادم، والدنيا قصيرة، والطغيان سيزول.
وكما قال ذلك الشاعر: نسيت ربك يا مغرور من سفه وضاع منك بذا النسيان إيمان. أين القرون التي كانت معمرة في الأرض تعمرها زرع وبنيان؟ ركونهم كان للدنيا وزخرفها والهزء منهم بدين الله ألوان. أتاهم أمر جبار أبادهم، كأنهم في القرى بالأمس ما كانوا. وسنة الله تبديل يصرفها عن الطغاة إذا ما زاد طغيانهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجل بنصر الإسلام والمسلمين. وصلى الله على نبينا محمد.
الشيخ محمد صالح المنجد