تسجيل الدخول

المحاضرة 3 - التفسير - تفسير سورة الانشقاق (25:16) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذا كتاب بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فهذه الحلقة هي الدرس الثالث من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد، وقد سبق في الدرس الماضي الحديث عن تفسير قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-8]، وفي هذا الدرس نختم الكلام بمشيئة الله تعالى في تفسير بقية سورة الانشقاق ومع قول الله عز وجل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾.

أقسم الله تعالى في هذه الآيات ببعض آيات الليل الكونية التي تشهد بقدرته وتدعو إلى الإيمان به والتصديق باليوم الآخر وبما يكون فيه من الأهوال. وهذا الكلام خطاب لجنس الإنسان المنادى أولاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]، وذلك باعتبار شموله لجميع أفراد الإنسان، و«لا» زائدة مؤكدة، بمعنى فأقسم برب الشفق.

وقد اختلف العلماء في المراد بالشفق على عدة أقوال؛ فقيل هو شفق الليل وهو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين، وبسقوط الشفق يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء عند عامة العلماء، وقد ثبت في الحديث: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق» رواه مسلم. وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى أقسم بالنهار مدبرا وبالليل مقبلا. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ﴾.

وقيل المراد بالشفق البياض الذي يعقب تلك الحمرة، فالشفق هو حمرة الأفق أما قبل طلوع الشمس وإما بعد غروبها، قال علماء اللغة: الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. فإذا ذهب صار الظلام دامسا معتما وغاب الشفق، دخل وقت العشاء وخرج وقت المغرب. وقيل المقصود بالشفق بقية ضوء الشمس، وقيل ما بقي من النهار. ولذلك قال مجاهد: والنهار كله، وفي رواية أنه قال: الشفق الشمس، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ يعني جمع، فكأنه فهم رحمه الله الشفق والنهار والليل أقسم الله بهما متقابلين.

وقيل أيضا الشفق اسم للحمرة والبياض فهو من الأضداد، وهذا ذكره الطبري والسمعاني والبغوي وابن كثير وغيرهم. وقول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي جمع وضمه. فلو قلنا القول المشهور: الحمرة الباقية بعد الغروب، والليل طبعا لأنه يتلوها، إذا سقط الشفق جاء الليل المعتم. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، يعني وما جمع وضم. المقصود بالقسم الليل وما جمعه؛ لأن النهار يفرق، يخرجون في طلب المعاش، والدواب تخرج في طلب الكلأ والمرعى والطعام، الليل يجمعها مرة أخرى ويضمها إلى أوكارها وأعشاشها وإلى مراحها ومعاطنها وحظائرها، حتى الآدمي يرجعون إلى بيوتهم. ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي وما جمع وما ضم مما كان منتشرا في النهار، وما سكن فيه وهدأ من ذي روح كان يطير أو يدب بالنهار، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه، وظلمة الليل تسوق كل شيء إلى مأواه. وقال قتادة في تفسير الآية: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يعني وما جمع من نجم ودابة، وقيل في معنى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يعني وما ستر وغطاه، جنة يعني غطى وستر. وأكثر المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يعني ما جمع وما أوى وما ستر.

وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. إذا نلاحظ هذه أقسام من الله، الله يقسم بأشياء عظيمة من مخلوقاته. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، اجتمع واستوى وامتلأ واكتمل وتم نوره. مأخوذ من الوسق وهو الجمع، يقال وسقته فاتسق، كما يقال وصلته فاتصل، أمر فلان متسق يعني مجتمع، أمر الجماعة هؤلاء متسق يعني منتظم. ويقال في اللغة اتسق يعني تتابع كما في تفسير القرطبي، فإذا أقسم الله تعالى بالقمر إذا اجتمع واستوى وتم نوره، وهذا متى يكون يا إخواني؟ في الأيام البيض، وهو ليلة الثالث عشر من الشهر والرابع عشر والخامس عشر، وذلك أحسن ما يكون وأكثر منافع، ولذلك الله أقسم به. وقال قتادة في معنى اتسق يعني استدار، وقيل إذا طلع مضيئا، والمعاني متقاربة. ومعنى الكلام أن الله يقسم بالقمر إذا تكامل نوره وأبدر وصار مقابلا لليل وما وسق كما في كتاب النكت والعيون وتفسير السمعاني والبغوي وابن كثير والسعدي.

وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ هذا جواب القسم. إذا ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. أقسم على حقيقة أقسم بمخلوقاته هذه على أمر، فما هو هذا الأمر؟ ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ مؤكد ﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، لتركبن يا أيها الناس. ما معنى لتركبن؟ يعني ستلاقون. ﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، ما المراد بالطبق؟ الحالة المطابقة لغيرها، لتلاقن أيها الناس حالا بعد حال، كل حال مطابقة لغيرها في الشدة والهول. لتركبن أحوالا بعد أحوال وأهوالا بعد أهوال، طبقات في الشدة إذا كان المقصود بالأحوال ماذا؟ الموت وما بعده. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾؛ خلاص تأتيكم المنية الموت، ومن بعدها البرزخ والقبر، وما بعده النشر من الموت والقيام من القبور، وما بعده الحشر وما بعده الحساب والجزاء، وتطاير الأوراق والميزان، سيأتيكم الحوض والصراط، المرور على أثره إلى دخول الجنة والنار، إذا لتركبن طبقا عن طبق حالا بعد حال من الموت فما بعده.

وفسر بعض المفسرين الأحوال التي يلاقيها الناس يعني لتركبن يا أيها البشر يا أيها الناس لتركبن طبقا بعد طبق في الدنيا؛ يعني نطفة، علقة، مضغة، عظام، لحم، نفخ الروح، يكبر، يولد، يرتضع، يتغذى، وهكذا، ومن رضيع إلى غلام إلى بالغ إلى شاب، وهكذا يكون بعد ذلك كهلا وبعد ذلك شيخا ويكبر في السن ويهرم. إذا لتركبن يعني لتلاقن وتكونن في أطوار متعددة، وتكونون في أحوال متباينة، كما قلنا من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى نفخ الروح، وليدا، طفلا مميزا يجري عليه قلم التكليف إلى أن يموت ثم يبعث يجازى بأعماله، يعني الله يقسم أننا سنتقلب في الأحوال حالا بعد حال، ما في ثبات، الأمور تتغير بنا وننتقل من حال إلى حال حتى نصير إلى دار القرار. خذ من النطفة إلى الجنة والنار كم حال؟ رضيع، فطيم، غلام، شاب، شيخ، هذا كلام عكرمة. حال بعد حال، مقاتل قال: الموت ثم الحياة، ثم الموت ثم الحياة؛ لأنه في النطفة يكون موت ما في روح، إذا نفخت الروح في بطن أمه دبت فيه الحياة، ثم يولد فيموت بعدما يبلغ من العمر ما شاء الله، ثم يبعثه الله يوم القيامة هذه حياة أخرى.

قال الحسن: حالا بعد حال المقصود بها رخاء بعد شدة وشدة بعد رخاء، غنى بعد فقر وفخر بعد غنى، صحة بعد سقم وبعد سقم صحة، هذا إذا قول آخر في معنى ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، تتغير بكم الأحوال. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يعني الشدائد وأهوال الموت ثم البعث ثم العرض. قال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم. هذه إذا بعض الأقوال التي وردت في قوله تعالى في جواب القسم ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال وتتغير بكم الأحوال، ولا يدوم لكم حال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلمنا ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، نعوذ بالله من فتنة المحيا ومن فتنة الممات. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم في تكملة تفسير هذه السورة العظيمة.

من نعم الله تعالى على عباده نعمة إنزال المطر، فقد وصفه الله عز وجل بأنه ماء طهور، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]. كما وصفه بأنه ماء مبارك في قوله تعالى: ﴿وَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: 9]. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند المطر سنن قولية وسنن فعلية، فمن سننه القولية قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم صيبا نافعا»، وقوله: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، ويدعو الإنسان بما شاء. قال صلى الله عليه وسلم: «ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء» أي الأذان «وتحت المطر». وكان عليه الصلاة والسلام إذا خشي ضرر المطر قال: «اللهم حوالينا ولا علينا». ومن سننه الفعلية أنه عليه الصلاة والسلام كان يكشف بعض بدنه يصيبه المطر ويقول: «لأنه حديث عهد بربه».

الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات، ومع تفسير قوله تعالى في درس التفسير لهذه الليلة في قوله عز وجل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾. ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ قراءتان مشهورتان، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿لَتَرْكَبَنَّ﴾ بفتح الباء خطابا للمفرد. فمن المقصود؟ ومن الموجه إليه الخطاب؟ قالوا النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى لتركبن يا محمد صلى الله عليه وسلم طبقا عن طبق يعني السبع الطباق السماوات، يعني ما حدث ليلة المعراج فصعدت إلى السماء. وقيل لتركبن درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في التقرب إلى الله، وكل ما مضى من عمرك أكثر تقترب من الله أكثر ويرتفع مقامك أكثر، فيكون معنى ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ ترتقين، وجاء عن ابن عباس قال لتركبن طبقا عن طبق حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم. في هذه الحالة تكون الآية بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم أولا بالرحلة العلوية أنها ستحدث، أو بأنه سيقترب من الله أكثر وأكثر يزداد أجرا وثوابا ومنزلة.

﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا﴾ يعني النصر بعد الضعف، يعني في مكة كان مستضعفا عليه الصلاة والسلام، فجاءت هذه الآية بالمواساة: لتركبن يا محمد صلى الله عليه وسلم طبقا بعد طبق، ولن يبقى حالك هكذا كما أنت مستضعف في مكة، بل سيتغير إلى الظفر والغلبة والقوة والعزة، وهذا ما حدث بعد الهجرة كما نعلم، وبالتالي ستركبن طبقا عن طبق حتى يختم لك بجميل العاقبة، ستفتح مكة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم. كذلك ممكن يكون المعنى لتركبن طبقا عن طبق ظفر بعد هزيمة والعكس، خوف وشدة وأمن، ضعف قوة، ويحتمل أن المعنى أن الله سبحانه وتعالى يبدله بالمشركين أنصارا من المسلمين، ويكون لتركبن طبقا عن طبق يعني طبقات الناس، فبدلا من هؤلاء المشركين حولك سيكون حولك أنصار ومهاجرون. وقيل إن الخطاب المقصود به السماء وتغير السماء من حال إلى حال، والمعنى لتركبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة، لأن السماء لها أحوال يوم القيامة وليست حالا واحدة. إذا السماء انشقت، ثم تنفطر، إذا السماء انفطرت، ثم تصير وردة كالدهان، ثم، ثم، إلى آخره، تفتح تصير أبوابا، تذوب، تشق على الناس، لها أحوال تنتقل السماء من حال إلى حال.

طيب عرفنا الآن لتركبن بفتح الباء المعاني التي فيها، قرأ بقية السبعة ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بضم الباء خطابا للجمع للأمة والناس، لتركبن يا أيها الناس حالا بعد حال وتنتقلون من مرحلة إلى مرحلة حتى تصيروا إلى الله. طيب إذا كما قلنا يعني من نطفة إلى علقة إلى حياة ثم موت ثم حياة مرة أخرى. طيب جمع الطبري بين القراءتين وهذه المعاني، فقال: والصواب من التأويل قول من قال لتركبن أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجها المراد جميع الناس، وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا، وعلل الطبري رحمه الله ذلك بأن سياق الآيات جرى بخطاب الجمع قبل هذه الآية وبعدها، يعني يا أيها الإنسان مقصود فيها كل الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: 7]، وسيأتي بعدها يعني بعد آية لتركبن طبقا عن طبق ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: 20]، فقالوا إذا يناسب لتركبن أكثر من لتركبن. طبعا ابن جرير رحمه الله حاول أن يجمع قال لتركبن يا محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك الناس من بعدك أيضا حالا بعد حال تتغير بهم الأحوال، تتقلب بهم الدنيا وتتغير بهم الأحوال.

فإن قال قائل ما هي مناسبة جواب القسم للقسم؟ يعني الآن في عندنا مقسم به ومقسم عليه. المقسم به الشفق والليل وما وسق، لتركبن طبقا عن طبق، فما هي المناسبة أنه الشفق والليل والقمر أحوال ظلمة ونور فمناسبة لقوله لتركبن طبقا عن طبق؟ يعني هذه مناسبة المقسم به للمقسم عليه جواب القسم؛ فكما أن الشفق والليل والقمر إذا اتسق، الشفق والليل والقمر فيها اعتام كامل في الليل وفي إنارة كبيرة في القمر إذا اتسق وفي شفق نور بينهما، يعني بين الاعتام الكامل وبين نور البدر.

فهذه أحوال، كذلك أنتم أيها الناس ستركبون أحوالًا وتنتقلون من طور إلى طور، من شيء إلى شيء، تتغير بكم الدنيا، وحتى انتقالكم إلى الآخرة وما بعد قيام الساعة كذلك في أحوال. ولعل ذكر الشفق إيماء وإشارة إلى أنه يشبه حالة انتهاء الدنيا، يعني حالة غروب الشمس مثل حالة الموت، وذكر الليل إيماء إلى أهوال الحساب، وذكر القمر إيماء إلى حصول الرحمة للمؤمنين كما فهم بعضهم.

ما هي العبرة الآن من كل الكلام هذا؟ فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟ يعني بعد كل هذه التذكرة والآيات، فما لهم لا يؤمنون؟ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 16-19]. الموعظة والدرس: فما لهم لا يؤمنون؟ ألا يرون الآيات التي يقسم الله بها؟ ألا يرون جواب القسم كيف هم فعلًا يسيرون من حال إلى حال، وتتغير بهم الأمور؟ فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؛ ما في أي تفاعل مع القرآن، ما في أي انفعال مع القرآن، ما في أي تأثر بالقرآن؛ فما لهم؟ هذا استفهام استنكاري.

كفار مكة، كفار العرب، مشركو العرب، فما لهم لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؟ ويمكن أن يكون الاستفهام تعجبيًا، بمعنى أعجبوا منهم، أعجبوا من هؤلاء. كل هذه الآيات وكل هذه المواعظ لا يؤمنون بالرغم من البيان ووضوح البرهان كما ذكر البغوي وزاد المسير والقرطبي والتفسير البسيط، ووجد تعجب هنا أنهم أرباب الفصاحة والبلاغة، فعندهم يسمعون القسم ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، يسمعون جوابه ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ فيذكرهم بأحوالهم. يعني يذكر لهم الآيات ويذكر بالأحوال ثم يقول ما لكم لا تؤمنون؟ ما يكفي هذا لكم آية؟ ألا ترون آياته في السماء وفي أنفسكم؟

السماء هذه التي أقسم بها، وفي أنفسكم ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾؛ أنت ترى نفسك الآن شدة ورخاءً، وغنى وفقرًا، وعزًا وذلًا، وصحة ومرضًا، وكبرًا وشبابًا، أنت تتغير أحوالك الآن، من الذي يغيرها؟ ألا ترى أنك تنتقل من حال إلى حال؟ طيب وبعدين راح يجي الموت وما بعده، اتعظوا، ما لكم لا تؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟ لماذا لا يسجدون؟ لماذا لا يطيعون؟ لماذا لا يذعنون؟ لماذا لا يتأثرون بهذا القرآن؟ ما الذي يمنعهم من الإيمان وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالًا بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها؟ الآية فيها تعجيب واستنكار من عدم الإيمان مع ظهور دلائل صدق ما دعوا إليه وأنذروا به كما قال صاحب التحرير والتنوير؛ فهذه الطبقات المختلفة الجارية على العبد دالة على أن الله هو المعبود الموحد المدبر لعباده سبحانه، وأن العبد فقير عاجز تحت تدبير العزيز الرحيم الحكيم.

فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا كان حالهم يوم القيامة كما أشير والانتقالات هذه والأهوال، أفلا يتعظون؟ ولو أخذنا قراءة ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ يا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، أفلا تنظرون إلى حاله وكيف ينتقل من حال إلى حال؟ فلماذا لا تؤمنون به؟ انظروا إليه؛ لقد كان في مكة مستضعفًا، كان واحدًا فآمن به قلة، ثم زادوا، ثم انتشر أمره خارج مكة، ثم هاجر، ثم قاتلكم وانتصر عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ ما ترون أمره كيف إلى انتشار؟ القرآن هذا الذي نزل عليه، إذا قرئ عليكم لماذا لا تسجدون؟ هل المقصود بالسجود سجود التلاوة؟ يعني مثلاً ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 59-62]، ولا المقصود فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون يعني سجود الصلاة؟ أو المقصود بالسجود الخضوع والاستكانة لله كما اختار الطبري، ما لهم إذا قرئت عليهم آيات الرحمن لا يخضعون ولا ينقادون لأوامره ونواهيه؟ طبعاً احتج بعض العلماء بهذه الآية على وجوب سجود التلاوة، لكن الراجح أنها سنة مستحبة ليست بواجبة؛ ويدل على هذا أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، يعني ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، فلو كان مقصوداً سجود التلاوة فإن سجود التلاوة يختص بمواضع منه وليس بكل القرآن.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا وأن يجعلنا من العاملين بكتابه. نعود إليكم إن شاء الله في القسم الأخير من هذا الدرس بعد قليل.

كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهًا وتحريرًا خطيرًا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء والأمهات لهم الأثر بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيته». إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزامًا علينا البحث عن أبرع الطرق وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، في ختام السورة قال الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 22-25]. لما تعجب واستنكر عدم الإيمان وعدم السجود، بين أن هذا من سجيتهم ومن طبعهم، والله أعلم بهم، هو دعاهم واستنكر عدم إيمانهم ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالقرآن والبعث وبمحمد صلى الله عليه وسلم ويعاندون، أريهم آياتي في السماء والشفق والليل والقمر إذا اتسق وآيات في أنفسهم وأقلب بهم الأحوال ولا يؤمنون؛ فعلى أية حال ليس مستغربًا إيمانهم وعدم الانقياد بالقرآن لأنهم مكذبون، لأنهم معاندون.

قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يجوز أن تكون الإضراب الانتقالي، يعني من التعجيب من عدم إيمانهم وإنكاره عليهم إلى الإخبار عنهم بأنهم مستمرون على الكفر والطعن والعناد، فيكون الكلام ارتقاء في التعجيب والإنكار إلى الإخبار في الاستمرار. ويجوز أن يكون "بل" إضرابًا إبطاليًا، شوف ما هو الفرق بين الإضراب الانتقالي والإضراب الإبطالي؟ كل الانتقالي ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ هذا أسلوب إنكار أو أسلوب استفهام إنكاري أو استفهام تعجبي، وانتقل من الاستنكار والتعجيب إلى الإخبار عن عنادهم وكفرهم وإصرارهم على ذلك. ويجوز أن يكون "بل" إضرابًا إبطاليًا، يعني لا يوجد ما لأجله لا يؤمنون ولا يصدقون بالقرآن، بل الواقع بضد ذلك؛ فإن بواعث الإيمان من الدلائل متوافرة، ودواعي الاعتراف بصدق القرآن والخضوع لدعوته متظاهرة لكنهم يكذبون؛ فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟ في سبب في عائق في مانع؟ لا، ما في؛ هذا كما قلنا يكون إضرابًا إبطاليًا، ما في سبب لعدم إيمانهم، ما في سبب لإصرارهم على كفرهم.

وهنا لطيفة، لما ذكر الله أنهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، بين أن سبب تركهم للسجود هو تكذيب بما جاءت به الرسل، لأن كل من كان إيمانه صادقًا فلا بد أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي؛ أما ينتهك المحارم أو يترك الواجبات، لا. ولذلك الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق المستلزم للقبول والأفعال مو مجرد المعرفة، لا في الإيمان إذعان وانقياد، فمتى رأيت الرجل يترك الواجبات أو بعضها أو يفعل المحرمات أو بعضها، فاعلم أن إيمانه ضعيف، فلو كان الإيمان قويًا ما أضاع الواجبات وانتهك المحظورات.

ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، أي بما يجمعون في صدورهم من التكذيب والإثم، وما يضمرون في قلوبهم من الشر وما يكتمون. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، قيل بما يجمعون من السيئات، "يوعون" يجمع سيئات فوق سيئات، الله يعلم سرهم وجهرهم وسيجازيهم؛ "يوعون" مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه. بناءً على هذا، تكون الآية فيها تهديد وإنذار، يعني الله أعلم بما يعون؛ بما يجمعون من الأعمال السيئة لأنه سيجازيهم عليها، ولذلك قال: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بعدها، أعد لهم عذابًا أليمًا. الله أعلم بما يعون فبشرهم بعذاب أليم، سيأتيهم على ما يعون من الأعمال وما يجمعون. البشارة تكون بالخير والشر؛ ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، لأنها تؤثر في البشرة سميت بشارة، وقد تؤثر سرورًا أو غمًا.

استثنى الله طائفة، قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قيل هذا استثناء منقطع، يعني إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات صدقوا وأقاموا الفرائض وعملوا بما أنزل الله مستثنون من ذلك. والمعنى وقيل: ومن الناس فريق هداهم الله فآمنوا بالله وقبلوا ما جاءت به الرسل، لهم أجر غير ممنون. فإذا قيل الاستثناء منقطع، وقيل ليس بمتصل بل هو منقطع، فعلى قول الاستثناء منقطع معناه: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فريق هداهم الله لهم أجر غير ممنون. وقيل بل الاستثناء متصل، يعني هؤلاء الكفار لهم عذاب أليم إلا الذين آمنوا منهم وتابوا، فلهم أجر غير ممنون، فاستثنى من آمن من الكفار بقوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهل الآن يعني إلا الذين آمنوا من الكفار هؤلاء ولا ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني أهل الإيمان المقصود عمومًا؟ قولان.

طيب ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، ما معنى ممنون؟ مقطوع، غير مقطوع، غير منقوص، ولهم رزق فيها بكرة وعشية مستمر، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ هذا الأجر المستمر في جنات النعيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها، وبهذا نختم تفسير هذه السورة العظيمة. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في كتابه، وأن يجعله ربيع قلوبنا. أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.