السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
هذا هو الدرس السابع عشر اجتماعنا على مختصر الإمام البخاري رحمه الله، مختصر صحيح البخاري للزبيدي عليه رحمة الله. وهذا الكتاب عملنا فيه تعليقاً مختصراً على أحاديث الكتاب، وأردت أن يكون التعليق ميسراً؛ لأن الهدف الرئيس من اجتماعنا على هذا الكتاب هو أن ندعو به إلى الله؛ يعني أن يكون وسيلة لنا أو حصيلة لنا نحاول أن نتعلم من خلالها سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء مثلاً في إذا كنت موظفاً مع أصدقائك وزملائك، إذا الوالدة مع أبنائها، أو مثلاً إمام المسجد في مسجده، أو خطيب الجمعة في خطبه، يعني يحاول أن يقرأ الأحاديث ويعلمها لمن يستمع إليه. فلذلك أردت أن ننشر سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أن أنبه على أن هذا الكتاب هو مقدمات لدراسة كتب السنن؛ لأننا بعد ذلك ندخل في كتب السنن بالترتيب، وسيكون الدرس علمياً أكثر من ذلك، بمعنى أنه سيكون فيه شيء من التخصص.
سندرس كتب الأئمة من أولها، يعني كتاب الموطأ موطأ الإمام مالك رحمه الله، ثم بعد ذلك كتب محمد بن الحسن الشيباني، ثم كتب الشافعي، ثم مصنف عبد الرزاق، ثم مصنف ابن أبي شيبة، وهكذا إلى أن نحصل إلى كتاب المجتبى للإمام النسائي رحمه الله. أردت في هذا الكتاب أن نمر على أشهر الأحاديث في مختلف الأبواب، ولا شك أن هذا المختصر طبعاً لا يفي أبداً بكل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حتى الشرح الذي أشرحه يكون مفصلاً، وإنما غايته أن يبين معاني الألفاظ، وأن يذكر بعض الفوائد التي يمكن أن ننتفع بها من هذا الحديث.
وصلنا إلى باب خرص التمر، نقرأ الحديث أولاً ثم بعد ذلك نعلق عليه. قال الإمام البخاري أو قال الإمام الزبيدي تحت ترجمة الإمام البخاري: باب خرص التمر، وفي نسخة خرص الثمر. عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرصوا»، وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال لها: «احصي ما يخرج منها». فلما أتينا تبوك قال: «أما إنه ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد، ومن كان معه بعير فليعقله». فعقلناها، وهبت ريح شديدة فقام رجل فالقته بجبل.
وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردة، وكتب له ببحرهم. فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: «كم جاءت حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني متعجل إلى المدينة، من أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل». فلما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة». فلما رأى أحداً قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه». «ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟» قالوا: بلى. قال: «دور بني النجار، ثم دور بني عبد الأشهل، ثم دور بني ساعدة، أو دور بني الحارث بن الخزرج» -يعني هذا شك من الراوي- وفي كل دور الأنصار خير.
هذا الحديث عندي في النسخة التي عندي برقم سبعمائة وسبعة وثلاثين. هذا الحديث باب خرص التمر، والخرص هو التقدير أو التخمين، أو حرز ما على النخل من الرطب تمرا، أو ما على الكرمة اللي هي شجرة العنب من العنب زبيبا. يعني يأتي شخص السلطان يعين شخصا ماهرا أمينا صادقا خبيرا، يحرز يعني يقدر ما على النخل من الرطب إذا صار تمرا كم سيكون حتى يقدر الزكاة فيه؟ فيقول مثلا ينظر في البستان يقول والله البستان ده ممكن يأتي مثلا بستمائة صاع مثلا، ثم يقدر منها الزكاة، ويحصيها على صاحب المال اللي هو صاحب النخل. وكذلك يقدر ما على الكرمة اللي هي شجرة العنب، ويقول هذه يمكن أن يخرج منها كذا صاع من الزبيب.
طبعا قد يكون لا يلزم أن يكون هذا التقدير دقيقا جداً، لكنه يكون تقريبيا. المهم أن الذي يقوم بهذا الخرس يكون خبيرا بذلك ويكون أميناً. فهذا الخرس هو تخمين واجتهاد، بعض من رد هذا قال: لم يقبل بالخرس قال إن هذا ظن، وكيف نعمل بهذا الظن أو الهوى؟ والصواب أنه ليس ظناً، وإنما هو تخمين. والنبي صلى الله عليه وسلم فعله، وفعله بعده الصحابة الكرام، وهو تقدير ما على النخل أو تقدير ما على الكرم.
طيب، لو اصابته جائحة؟ يعني نفترض أن الرجل قدر أن هذا النخل سيكون محصوله كذا صاع مثلا ستمائة صاع، لكن بعد ذلك أصابه جائحة قبل جني الثمار، فلا ضمان عليه، يعني الرجل صاحب المال لا ضمان عليه، لو تلف هذا المحصول فلا يكون عليه شيء.
باب خرص التمر، قلنا وفي رواية الثمر، وهما بنفس المعنى. عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك. يعني تبوك هي في أقصى شمال الجزيرة العربية، وهي في منتصف الطريق إلى دمشق، هي في الأصل كانت من ديار قضاعة تحت سلطة الروم في هذا الوقت، وهي تبعد عن المدينة اليوم بحوالي سبعمائة وثمانية وسبعين كيلومترا.
قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، فلما جاء وادي القرى -ووادي القرى هو وادي بين المدينة والشام، هو قرب المدينة- إذا امرأة في حديقة لها؛ الحديقة هي البستان، امرأة في بستانها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرصوا»، يعني قدروا الثمار على النخل، كم ترون هذا التمر؟ قدروه. وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، يققال إن هذا النخل فيه سيصير التمر فيه حوالي عشرة أوسق؛ لأن الوسق ستون صاعا. قال لها: «احصي ما يخرج منها»، يعني قال للمرأة حينما يخرج هذا المحصول احصيه، يعني قدريه كم.
فلما أتينا تبوك -عن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى تبوك، خلاص ترك المرأة وذهب في طريقه إلى تبوك، طبعا تبوك هي آخر غزوة خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة، وطبعا كانت مع الروم- قال: فلما أتينا تبوك قال: «أما إنه ستهب الليلة ريح شديدة». النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك وهذا بإعلام الله تبارك وتعالى، فهذا الحديث من آيات النبوة؛ لأن آيات النبوة صنفان: صنف منها في العلم، وصنف منها في القدرة. يعني جميع آيات الأنبياء لا تخرج عن هذين الأصلين، أما قدرة على شيء مثل عصا موسى، مثل شق القمر، مثل إبراء الأكمه والأبرص، أو علم وهو الإخبار بالغيب أو الأنباء بالغيب. أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: «أما أنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد، ومن كان معه بعير فليعقله»، يعني يشده بالحبل.
فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ. يَعني هَذَا الرَّجُلَ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ، وَطَبْعاً هَذَا الجَبَلُ يَقَعُ فِي ضَوَاحِي مِنْطَقَةِ حَائِلٍ الَّذِي هُوَ شَمَالُ الحِجَازِ.
وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ. أَيْنَ بَلَدٌ مَعْرُوفَةٌ؟ هِيَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ خَلِيجِ عَقَبَةَ الَّتِي تُسَمَّى العَقَبَةَ الآنَ. أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا. يَعني النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَسَا هَذَا الرَّجُلَ، وَالبُرْدُ هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ عَبَاءَةً بِالنَّهَارِ وَتَكُونُ بِاللَّيْلِ غِطَاءً، وَالجَمْعُ بُرْدٌ، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ. يَعني البَحْرُ مَقْصُودٌ بِهِ هُنَا البَلْدَةُ، تَذْكُرُونَ الحَدِيثَ فِي المَرَّةِ الفَائِتَةِ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ؛ البِحَارُ هِيَ المُدُنُ وَالقُرَى، فَكَتَبَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَحْرِهِمْ. أَرْجُو بَسْطَ فَهْمِ هَذِهِ الفِكْرَةِ: فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ؛ يَعني الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ أَلْقَتْ هَذَا الرَّجُلَ إِلَى جَبَلِ طَيِّءٍ هَذَا.
ثُمَّ قَالَ: وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، يَعني أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ هَذَا المَلِكَ عَلَى بَلْدَتِهِمْ هَذِهِ بِمَا يَدْفَعُونَهُ مِنَ الجِزْيَةِ. قَالَ: فَلَمَّا أَتَى وَادِي القُرَى، يَعني رَجَعَ مَرَّةً أُخْرَى فِي طَرِيقِهِ، فَوَجَدُوا المَرْأَةَ، قَالَ لِلمَرْأَةِ: كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ يَعني كَمْ جَاءَ المَحْصُولُ لِلحَدِيقَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا النَّخْلُ؟ قَالَتْ: عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، وَطَبْعاً الحَوَالَي مِئَةٌ وَثَلَاثُونَ كِيلُوجِرَامًا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَالَ إِنَّهَا تَأْتِي عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، العَشَرَةُ أَوْسُقٍ تُسَاوِي سِتُّمِائَةِ صَاعٍ مِنَ التَّمْرِ. قَالَتْ: عَشَرَةُ أَوْسُقٍ خَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعني تَقُولُ لَهُ: كَمَا قُلْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ.
فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ، أَيْ أَقْبَلَ عَلَى المَدِينَةِ وَصَارَ فِي بِدَايَتِهَا، قَالَ: هَذِهِ طَابَةُ، هَذَا مِنْ أَسْمَاءِ المَدِينَةِ؛ طَيْبَةُ أَوْ طَابَةُ أَوْ المَدِينَةُ. فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هَذَا جَبَلٌ -وَفِي رِوَايَةٍ: جُبَيْلٌ- يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. مِثْلُ هَذِهِ الأَخْبَارِ يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ بِهَا المُؤْمِنُ وَأَنْ يُؤْمَنَ بِهَا، لِأَنَّهَا جَاءَتْ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ تُسَبِّحُ لِلَّهِ وَتَقْنُتُ لِلَّهِ وَتُصَلِّي لِلَّهِ، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْسَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وَتَسْجُدُ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ مَثَلًا؛ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ قَالَتَا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]. وَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21].
فَكُلُّ هَذِهِ الأَخْبَارِ يَجِبُ أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا وَأَنْ نُصَدِّقَ بِهَا؛ لِمَاذَا؟ أَوَّلًا لِأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ بِهَا هُوَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَعْلَمُ، وَلَا يَصِحُّ أَبَدًا أَنْ تُحَرَّفَ هَذِهِ النُّصُوصُ عَنْ ظَاهِرِهَا. قَالَ فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ يَعني القَبَائِلَ الَّتِي تَسْكُنُ هَذِهِ الدُّورَ، وَطَبْعاً هَذَا بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَا رَآهُ مِنْهُمْ مِنْ نُصْرَةِ الإِسْلَامِ وَالسَّبْقِ إِلَيْهِ وَنُصْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: دُورُ بَنِي النَّجَّارِ هُمْ أَخْوَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ عِنْدَهُمْ فِي أَوَّلِ قُدُومِهِ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَ: ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الأَنْصَارِ، وَطَبْعاً كَانَ كَبِيرُهُمْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَمِنْ فُضَلَائِهِمْ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا. قَالَ: ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، يَعني وَاضِحٌ أَنَّ هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، نَنْظُرُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، نَعَمْ هَذَا هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، قَالَ: وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ، يَعني كُلُّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي هَذَا الفَضْلِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنُونَ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ سَبْقِهِمْ إِلَى الإِسْلَامِ وَبِحَسَبِ مَا فَعَلُوا فِي الإِسْلَامِ مِنْ نُصْرَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
طَبْعاً هَذَا الحَدِيثُ الشَّاهِدُ مِنْهُ خَرْصُ التَّمْرِ عَلَى النَّخْلِ لِيُعْرَفَ قَدْرُهُ وَلِتُقَدَّرَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَفِيهِ طَبْعاً مَشْرُوعِيَّةُ الخَرْصِ فِي الزَّكَاةِ، وَفِيهِ كَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ بِالغَيْبِ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ، وَفِيهِ كَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الهَدِيَّةِ وَالمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ كَذَلِكَ فَضْلُ جَبَلِ أُحُدٍ، وَفِيهِ كَذَلِكَ فَضْلُ دُورِ الأَنْصَارِ، وَفِيهِ فَائِدَةُ أَنَّ المَدِينَةَ مِنْ ضِمْنِ أَسْمَائِهَا طَابَةُ.
الحَدِيثُ الثَّانِي عِنْدَنَا اليَوْمَ فِي بَابِ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالمَاءِ الجَارِي؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». يَعني هُوَ يُقَدِّرُ هُنَا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ، يَعني العُشْرَ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ يَعني يُسْقَى بِلَا مَشَقَّةٍ، بِلَا مُؤْنَةٍ، قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ أَوْ يُسْقَى عَثَرِيًّا يَعني النَّبَاتُ نَفْسُهُ لَهُ عُرُوقٌ تَشْرَبُ مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ سَقْيٍ، العَثَرِيُّ هُوَ مَا شَرِبَ مِنَ المَاءِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى سَقْيٍ، فَمَا كَانَ يُسْقَى بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا مَاءِ هَذَا فِيهِ العُشْرُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَطَبْعاً بِالمَاءِ الجَارِي يَعني الأَنْهَارَ وَالعُيُونَ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّقْيَا بِمُؤْنَةٍ وَتَعَبٍ وَتَحَمُّلٍ لِلْمَاءِ فَهَذَا لَهُ حُكْمٌ آخَرُ وَهُوَ نِصْفُ العُشْرِ. قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ» أَمَّا العَيْنُ الجَارِيَةُ أَوِ المَاءُ الجَارِي وَالأَنْهَارُ أَوِ المَاءُ الَّذِي هُوَ المَطَرُ، «أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا» وَهُوَ يَعني كَمَا قُلْنَا النَّبَاتُ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنَ الأَرْضِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ تَسْقِيَهُ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سَاقِيَةٌ وَتَعْمَلَ فِيهَا البَقَرُ أَوْ يَعْمَلَ فِيهَا البَعِيرُ أَوْ تَعْمَلَ فِيهَا الآلَةُ، فَهَذَا يَكُونُ فِيهِ العُشْرُ. «وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ» فِيهِ تَعَبٌ وَأَنْتَ الَّذِي تَجْتَهِدُ وَتَرُوحُ تَجِيبُ المَاءَ أَوْ مَثَلًا فِي بَقَرَةٍ تَعْمَلُ عَلَى السَّقْيِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا يَكُونُ فِيهِ نِصْفُ العُشْرِ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَحِكْمَتِهِ وَمُرَاعَاةِ الشَّرِيعَةِ لِأَحْوَالِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِ الفُرُوضِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ.
يَبْقَى كَلِمَةُ سُقِيَ بِالنَّضْحِ مَا مَعْنَاهَا؟ يَعني يُسْقَى بِاسْتِخْدَامِ الإِبِلِ أَوِ البَقَرِ أَوِ الآلَةِ. طَبْعاً كَمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا فِيهِ وُجُوبُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عَلَى مَا تُنْتِجُهُ الأَرْضُ، وَكَذَلِكَ فِيهِ تَقْدِيرُ الشَّرِيعَةِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ العِبَادِ، وَفِيهِ كَذَلِكَ وُجُوبُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى بِلَا كُلْفَةٍ أَوْ مُؤْنَةٍ، وَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى بِكُلْفَةٍ.
الحَدِيثُ يَسِيرٌ وَلِلَّهِ الحَمْدُ. قَالَ: بَابُ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فِي مَسِّ ثَمَرِ الصَّدَقَةِ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟».
طَبْعاً هَذَا الحَدِيثُ البُخَارِيُّ يَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وَهَذَا هُوَ المُرَادُ بِهِ الَّذِي هُوَ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ؛ الصِّرَامُ هُوَ القِطَافُ أَوِ الجِدَادُ، يَعني لَمَّا بَنِي جَنِي المَحْصُولَ. فَبَابُ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ هُوَ مُوَافِقٌ تَمَامًا لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قَالَ: وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فِي مَسِّ ثَمَرِ الصَّدَقَةِ؟ النَّبِيُّ البُخَارِيُّ لَمْ
يقطع بالحكم أن هو ينهى الصبي؛ لأن هذا الحكم خاص بآل البيت. آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين لا يأكلون الصدقة، فاختلف بعد ذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو موالي النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله.
قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالتمر عند صرام النخل، الذي هو كما قلنا موافق لقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، عند الجداد أو عند القطاف، عند جني الثمار، فيجيء هذا بتمره، وهذا من تمره حتى يصير عنده كوماً من تمر، عارفين الكوم؟ الكوم طبعا، الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر.
يلعبان يعني بيمسوا، يمسكوا التمر، لكن مش معناه أن هم بيلعبوه، بيرموا بعض به، زي ما بعض الناس بيعمل، لا. قال: افتقد أحدهما في رواية أن هو الحسن بن علي رضي الله عنه، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، يعني وضعها في فمه. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخرجها من فمه، أو من فيه يعني، ثم أعلمه.
وهذا فيه فائدة: أنك إذا نهيت الولد أو نهيت أي أحد، لابد أن تذكر له العلة، وهذا سبب يعينه على ذلك. يعني مثلاً بعض الناس -علينا أن نأخذ فائدة- يعني بعض الناس ينهى ولده مثلاً عن الإكثار من الألعاب الإلكترونية مثلاً، أو ينهاه عن مشاهدة أشياء معينة، أو ينهاه عن لعبة معينة مثلاً اللي هي الألعاب المشهورة دلوقتي لعبة مش عارف ببجي ولا لعبة إيه؟ من غير ما يبين للولد لماذا نهاه، أو ينهاه عن أكلة معينة، بينهاه عن الشيبسي مثلاً أو أي أكلة من غير ما يقول له السبب.
ده غلط، المفروض أنك أنت إذا نهيت الولد تذكر له السبب، وتحاول أن تأتي له ببديل قدر الإمكان. كلما كان نهيك مع ذكر السبب، أولاً يكون النهي بلطف، وثانياً يكون النهي كذلك مع ذكر السبب وذكر الأثر، أنك تبين له لماذا نهيته، والثالث أن تذكر له، أن تأتي له ببديل، هذا من أحسن ما يكون.
مثلاً بدل ما هو بيلعب ألعاب إلكترونية ويتعب عينيه ورقبة أو رقبته وغير ذلك، ممكن تعلمه ازاي يصنع؟ ازاي يزرع؟ ازاي يلعب ألعاب ذكاء؟ ازاي مثلاً يتعلم شيء نافع؟ يتعلم كمبيوتر، يتعلم لغة. فكلما اجتمعت هذه الثلاثة كان أفضل. النبي صلى الله عليه وسلم علل له النهي هنا، قال: «أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة»، يعني لا يحل لهم أخذ الصدقة.
طبعاً هذا فيه منع الأطفال من المحرمات. بعض الناس مثلاً يترك أولاده يشاهد أشياء محرمة، يقول لك: أصل هو غير مكلف. نعم هو غير مكلف، لكن أنت مكلف، أنت مكلف أن تعلمه، وأن تأمره، وأن تنهاه. وطبعاً هذا الحديث عند صرام النخل، قلنا يعني عند جني الثمار من النخل.
وهذا الحديث فيه وجوب الزكاة في الزروع والثمار عند الحصاد، وفي كذلك حرمة مال الصدقة على آل النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك تأديب النبي صلى الله عليه وسلم لأحفاده، وفيه أن يؤدب الولد أبناءه وأن يعلمهم، ولا يعتذر عنهم فيما يقومون به من المخالفات أنهم غير مكلفين.
باب: هل يشتري صدقته؟ ولا بأس أن يشتري صدقته غيره. يعني هل الرجل -خلينا نقرأ الأول الحديث ثم نشرحه إن شاء الله- عن عمر رضي الله عنه قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فاردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاك بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه».
هذا الفصل عقده الإمام البخاري ليبين أنك إذا تصدقت على شخص، طبعا أنت تصدقت على شخص مثلاً بسيارة أو بهاتف مثلاً، تمام؟ فهذا الشخص طبعا تملك هذه هذا الشيء، تملك السيارة أو الهاتف، ثم أراد بعد ذلك أن يبيعه، يجوز له أن يبيعه، بخلاف بعض الناس اللي بيقول لك إن الصدقة لا تباع، أو لو هو أهداها لك لا تباع، لأ عادي، إذا أنت تملكتها من وجه مشروع يجوز أن تبيعها إذا احتجت إلى ذلك، أو يجوز أن تبيعها عموماً.
فقال: هل يشتري صدقته؟ يعني أنت تصدقت بهذه السيارة، ثم عرضها الرجل الذي تصدقت عليه، هل تشتريها؟ يعني يطرح البخاري هذا السؤال. قال: ولا بأس أن يشتري صدقته غيره، يعني لو أنت تصدقت على شخص بسيارة مثلاً أو بفرس، وهو عرضه للبيع، يجوز أن يشتريه غيره، غيرك؛ لأن ليس هو المتصدق، إنما أنت تنهى أن تشتري، تمام.
قال عن عمر رضي الله عنه قال: حملت على فرس في سبيل الله. حملت يعني أن عمر تصدق على شخص بفرس ليجاهد عليه في سبيل الله، تمام؟ فهذا الشخص الذي تصدق عليه ملك الفرس، ثم بعد ذلك قال: فأضاعه، يعني الرجل أهمل هذا الفرس ولم يعتن به، فصار الفرس هزيلاً ضعيفاً، قيمته قلت، ورجل عرضه للبيع.
قال عمر: فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص؛ لأن خلاص الحصان بقى ضعيف. فعمر بن الخطاب يعني رأى أن هذا الحصان يعني الرجل سيبيعه برخص؛ لأنه خلاص لم يعد قوياً كما كان، فأراد أن يشتريه، لكنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه فائدة كبيرة: أن تسأل عما يحيك في صدرك، أو عموماً تسأل في حالك.
بعض الناس الآن بعد ما يذهب إلى الحج هناك يبدأ يسأل عن أحكام الحج، وأنا قابلت كثيراً منهم، وممكن يدخل في شركة ويكون فيها أنواع من البيوع ومع ذلك لا يسأل إلا بعد ما يحصل، أو واحد مثلاً يطلق امرأته، يعني في واحد طلق امرأته عشرين ثلاثين مرة وكلها طلقات واقعة، وهو مع ذلك لم يسأل إلا بعد، يقول مثلاً: أنا طلقت امرأتي عشر مرات، وهكذا. المؤمن يجب أن يسأل عموماً، ويجب أن يسأل خصوصاً فيما يحيك في صدره.
فعمر بن الخطاب؛ لأنه يعلم النهي عن العود في الهبة، أنا مثلاً وهبت إنسان شيئاً أو تصدقت عليه بشيء أن أنا أرجع فيه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم. نلاحظ هنا عمر بن الخطاب لم يرد أن يرجع في هذه الهبة أنه يأخذها بلا ثمن، لأ، أراد أن يشتريها، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهاك أن تعود في هبتك بأي وسيلة كانت، سواء أنك تبدلها بغيرها، أو أنك أنت تأخذها بغير عوض، أو أنك أنت حتى تشتريها، تمام.
يبقَى هذا يشمل كل عود، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاك بدرهم». لماذا قال له ذلك؟ لان الذي حمل عمر رضي الله عنه على أن يشتريه هو ظن أن الرجل يبيعه برخص، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: حتى لو أعطاك هذا بدرهم واحد يعني لا تشتره. قال، أو ثم علل له ذلك: «فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه».
ويعني هذا يدل على شدة النهي؛ لأن الإنسان لا يريد أن يعود في قيئه. وفي الحديث: «ليس لنا مثل السوء». المهم أن هذا الحديث فيه جواز شراء الإنسان من صدقة غيره، يعني مثلاً واحد تصدق على شخص، وعرض هذا الشخص المتصدق عليه، فيجوز أنك أنت تشتري هذا، لكن أنت نفسك لا يجوز أن تشتري صدقتك، وهذا كذلك فيه عدم جواز الرجوع في الصدقة بعد إخراجها.
طبعاً قلنا فيه جواز أن يبيع الرجل ما تصدق عليه به لينتفع به؛ لأنه ملكه، طبعا وهذا يدخل في البيوع، من البيوع المحرمة أن يشتري، أن يبيع أحد الصدقة لمن تصدق بها عليه، أو أن يشتريها المتصدق.
باب: الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجد النبي صلى الله عليه وسلم شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة رضي الله عنها، أعطيتها مولاة لميمونة رضي الله عنها من الصدقة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل انتفعتم بجلدها؟». قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها».
طبعا هذا الحديث فيه الكلام عن حرمة ما للصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم. البخاري هنا تكلم عن الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. الموالي لفظ يطلق على أكثر من صنف، منها مثلا لو واحد أسلم على يد واحد فيكون مولى، يعني مثل البخاري مثلا، نحن نقول ما اسم البخاري؟ يعني كنيته أبو عبد الله، وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم. لماذا؟ لأنه أسلم على يعني بيقولوا عليه مولى الجعفيين لأنه أسلم على يد رجل فنسب إليه، يعني جد جد البخاري أسلم على يد رجل فنسب إليه، فهذا صنف من المولى. صنف آخر من المولى اللي هو الحليف، وصنف آخر اللي هو العتيق لو أن رجلا أعتق عبده أو أمته بيكون مولاه.
فهو الآن يتكلم عن: هل تجوز الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؟ مثلا زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، أم المؤمنين رضي الله عنها عائشة، أو أم المؤمنين ميمونة. مثلا عائشة، بريرة؛ هل يجوز الصدقة على بريرة؟ نعم. فهو البخاري يريد أن جعل هذا الباب لهذا الأمر.
فما فائدة ذلك؟ طبعا البخاري لم يخرج أحاديث في الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحاديث في الصدقة على موالي النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا في هذا الباب حديث معروف، وهو حديث رواه الترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم من أنفسهم». فهذا الحديث استدل به عدد من أهل العلم أن موالي النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسهم، يعني لا تحل لهم أيضا الصدقة.
فالمهم أنك أنت فقط هنا تفرق بين موالي النبي صلى الله عليه وسلم وموالي أمهات المؤمنين، هم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. البخاري يريد أن يقول هنا أن موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تحل لهم الصدقة. استدل هنا بحديث ابن عباس قال: وجد النبي صلى الله عليه وسلم شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة؛ يبقى هذه مولاة ميمونة، ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه كانت مولاة لميمونة وأعطيت من الصدقة، يبقى إذا تجوز الصدقة عليها.
والنبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل انتفعتم بجلدها؟». يعني هم تركوها ميتة ولم ينتفعوا بجلدها. قالوا: إنها ميتة، لأنهم يعلمون أنها ميتة ظنوا أنه لا ينتفع منها. قال: «إنما حرم أكلها». يعني حرم لحمها، لكن الجلد مباح. هذا فيه فائدة مهمة جدا للداعي أو العالم أو أي إنسان عنده علم عموما، أن تنبه الناس على المباح الذي يظنونه حراما. كثير من الناس يتورع عن أمور، مثلا كثير من الناس لا يعرف أنه يجوز له أن يصلي في النعل، أو يجوز له أن يمسح على الخف، أو مثلا يظن أنه لا يجوز له أن يصلي قصرا وهو مسافر، أو يفطر وهو مسافر؛ فأنت يجب أن تدله على ذلك لأنه قد يفعل ذلك جهلا بجوازه، فهذا فيه فائدة كبيرة. وقال: «ألا انتفعتم بجلدها؟». يعني دبغتموه وطهرتموه ونظفتموه، الجلد يوضع عليه ماء وملح أو أي وسيلة للتنظيف ويجفف ثم يستعمل، يستعمل مثلا كفرش أو تدفئة أو نحو ذلك.
يبقى هذا فيه مشروعية الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. كأن البخاري يريد أن يقول: وإن وقع خلاف في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فانه لا خلاف في جواز الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا هذا الحديث فيه فائدة تحريم تضييع المال بغير فائدة، وفيه جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد دبغها.
باب إذا تحولت الصدقة. عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بلحم تصدق به على بريرة، فقال: «هو عليها صدقة وهو لنا هدية». تحولت الصدقة؛ يعني الصدقة تحولت فأصبحت ملكا للمتصدق عليه. شخص تصدق مثلا بطعام على شخص، فاصبح هذا ملكا للشخص المتصدق عليه، فهذا الشخص المتصدق عليه عزمك على الغداء مثلا، فيجوز أنك أنت تأكل من هذا حتى لو كانت الصدقة أصلا محرمة عليك كنت من أهل البيت مثلا، فيجوز لأنه هو له صدقة ولك أنت هدية. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بلحم تصدق به على بريرة. بريرة هي مولاة عائشة رضي الله عنها، وهذا أيضا شاهد على جواز الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. تصدق به على بريرة، فقال -كأن القائل بيقول له هذا من الصدقة- فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا، هو عليها صدقة، بالنسبة لي هدية». فهذا يجوز، فهذا فيه تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وفيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية.
باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا. هذا الحديث طبعا حديث طويل نحن أخذناه قبل ذلك، ولكن نقرأه مرة أخرى لأنه موجود عندنا هنا مختصرا جدا ونحن نحاول أن نأتي بالرواية الكاملة حتى يكون فيه فائدة. خلينا نقرأه من صحيح البخاري نفسه، لأن هو هنا ذكر موضع الشاهد فقط. البخاري رواه من حديث عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».
عن هذا الحديث أراد أن يستدل به البخاري رحمه الله على أن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد على الفقراء أينما كانوا. يعني يجوز أن تنقل الصدقة، لأن فيه خلاف بين العلماء: هل يجب أن تتصدق، تخرج الزكاة على فقراء أهل بلدك أو على مصارف الزكاة، اللي هو ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] إلى آخر الآية في سورة التوبة؛ هل يجب أن يكونوا في نفس البلد ولا يجوز أن تنقل إلى بلد غيره؟ مثلا ننقلها لإفريقيا، ننقلها لأي مدينة أخرى؟ فالبخاري يرى أنه ترد في الفقراء حيث كانوا.
طبعا هو لا يقصد حصر الزكاة في الفقراء، وإنما يقصد أنها ترد إلى أي مصرف من مصارف الزكاة، فهذا هو وجه استدلال البخاري. قال: «على فقرائهم»، يعني أي فقير مادام هو من فقراء المسلمين. ثم قال: «واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»، يعني أنها دعوة مقبولة، وهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من الأسباب التي توقعك في سيئات عملك.
منها أنك أنت تظلم، فإذا ظلمت أحداً ودعا عليك؛ فهذه الدعوة ليس بينها وبين الله حجاب.
باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما؛ لأن عبد الله بن أبي أوفى وكلاهما صحابي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل على آل فلان»، فأتاه أبي -اللي هو أبوه يعني اللي هو أبو أوفى رضي الله عنه- قال: فاتاه أبي بصدقتي فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى».
طبعا البخاري رحمه الله افتتح هذا الباب بقول الله تبارك وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103]. ذكر بعده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ويدعو لمن يأتيه بالصدقة، وهذا من أحسن ما يفعله الإمام، أو طبعا هذا فيه عناية الإمام؛ يعني نحن لو لاحظنا باب الزكاة نجد أن الإمام يعتني عناية بالغة بتتعليم الناس للصدقة، وبتعيين السعاة على الصدقة، وبمحاسبة الأغنياء على الصدقة، وبنزع هذه الصدقات منهم إذا منعوها، وأبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة، وهذا أهمل كثيراً في هذه الأيام؛ يعني لا من جهة التعليم، ولا من جهة تعيين السعاة، ولا من جهة جلب هذه الزكوات.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو، وهذا فيه فائدة أن بعض الناس يقول: الشخص الذي يقوم بالواجب عليه لا تثني عليه؛ لأنه ما فعل إلا الواجب! هذا ليس صحيحاً؛ كل من أدى الواجب هو أحق أن يثنى عليه، وهو أحق أن يثنى عليه ممن قام بالنافلة؛ الذي قام بالواجب أولى، والله سبحانه وتعالى ما تقرب إليه بأفضل من أداء ما افترض تبارك وتعالى. فهذا فيه الدعاء، ويجوز أنك أنت تصلي عليه؛ يعني تقول: اللهم صل على فلان، يعني كأنها بمعنى الدعاء، أو يعني أن يصلي الله عليه، وهذا فيه تكريم الإسلام لمن يطيع الأمر.
باب ما يستخرج من البحر، طبعا هذا الحديث ذكره مختصرا، لكن هذا الحديث يعني هو أجمل حديث عندنا اليوم، فلا بد أن نذكره كاملا؛ خلينا نأتي بالرواية الكاملة؛ لأنه حتى عندي في صحيح البخاري ذكر الرواية مختصرة، فأنا سأحاول أن آتي بالرواية كاملة، وحديث الرجل الذي أسلف رجلاً من بني إسرائيل.
حديث الرجل الذي أسلف رجلاً من بني إسرائيل من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، طبعا أنا أقرأ الحديث الآن من صحيح البخاري نفسه من الموضع الكامل؛ لأن هذا الحديث صراحة أنا أحبه كثيراً، وأحب أن تقرأه مع من تجالسه كاملاً وليس فقط على موضع الشاهد. طبعا البخاري فرق هذا الحديث في كتابه، في كتاب الزكاة جعله تحت باب ما يستخرج من البحر؛ يعني كأنه يقول: هل ما يستخرج من البحر تجب فيه الزكاة؟ سواء ما استخرجته أنت بنفسك أو ما ألقاه البحر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: أتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيداً؛ يعني يقول له: أنا يكفيني أن يكون الله شاهداً عليَّ، وأنا سأحفظ هذا. قال: فأتني بكفيل؛ يعني من يتكفل لك بذلك يضمنك عندي. قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى؛ يعني إلى وقت معين، قال له مثلاً بعد سنة.
فخرج في البحر فقضى حاجته، الرجل ده كان شكله تاجر أخذ هذا المال وسافر به، ثم التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي سجل. الرجل بعد ما تاجر وخلاص انتفع من المال، رجع ثاني معه المال، فأراد أن يرجع المال إلى صاحبه بعد الأجل المسمى. عند الأجل المسمى قال: فلم يجد مركباً، طبعا كان في بينهم بحر، فحاول أن هو يجد البحر -طبعا أنا أعلّق خفيفاً على الحديث؛ لأني لن أرحه بتوسع؛ لأن ليس هو المراد في هذا الباب-.
قال: ثم التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فادخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم زجج موضعها؛ يعني سوى موضع النقرة وأصلحه بحيث أن ما حدش ينتبه للايه؟ زي واحد مثلاً مخبي فلوس تحت البلاطة ويبدأ بقى يعني يساوي البلاطة كده عشان ما حدش ينتبه، أو مخبيها في الحيطة مثلاً. كان لي صديقي في بلد معينة -بلاش ذكر اسمها- وكان الشرطة فيها بيخشوا ياخدوا المال رغماً عنه، كان شغال في الصرافة، فبيقول لي: والله كنت بخبي الفلوس في السقف؛ يعني عامل في السقف يعني كأنها كورنيشة كده في السقف أو زخرفة، وبيخبي جواها الفلوس.
المهم أن هذا الرجل زجج هذه النقرة بحيث أن هي لا تظهر، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر. شف هذا الرجل، هذا الحديث حديث عظيم من كل وجه، سنذكر إن شاء الله فوائده في آخر الحديث.
ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار، استلفت منه، فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً فرضي بك، واني جاهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، واني أستودعكها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده. ومع ذلك لم يتوقف، فضل برضه يبحث على مركب؛ يعني لم يقل: خلاص انتهى الأمر وقضي الأمر.
فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فاذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهلي حطباً الم ناخدها ندف بها؛ طبعا لم ير ما فيها. فلما نشرها وجد المال والصحيفة. ثم إن الرجل الذي كان أسلفه فاتى بالألف دينار؛ يعني الرجل الذي أسلفه وجد مركباً؛ يعني قال: لا بد أنا ليس عندي يقين أن المال وصل، فأتى بالمركب ومعه الألف دينار. فقال: والله ما زلت جاهدة في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة. فانصرف بالألف دينار راشداً.
هذا الحديث أقسم بالله من أعظم الأحاديث في التوكل والصدق مع الله وإيمان العبد أن ربه تبارك وتعالى على كل شيء قدير. هذا الرجل أولاً خلينا نأخذ هذا الحديث نعتبر به في أنفسنا؛ أولاً هذا الرجل لم يتسلف المال إلا لحاجة شديدة، هذا أول فائدة أن أنا لا أتسلَّف لأمور كمالية، مش أتسلَّف عشان أجدد البيت وأشتري موبايل يعني ما لوش فايدة معي، أو أجدد سيارتي وهي شغالة معي. لماذا أنا أتدين؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من المأثم والمغرم، وسئل في ذلك، قال: إن الرجل إذا غرم -إذا كان الرجل عليه دين- حدث فكَذَبَ، ووعد فأخلف. يبقى هذا أول شيء، الرجل استلف لحاجة.
الأمر الثاني أن الرجل يعني لما التمس الرجل الشهداء طبعاً الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نكتم الدين بلا شك، لكن نحن نتكلم هنا عن معنى آخر. الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نشهد وأن نأخذ كل الضمانات، لكني أتكلم هنا عن المعنى الإيماني أن هذا الرجل جعل الله كفيلاً عليه وشهيداً عليه. فهذا الرجل كان صادقاً في قوله وكان عازماً على أن يرجع المال، فلذلك أعانه الله ووفقه. والرجل الآخر كذلك رضي بالله كفيلاً ورضي بالله شهيداً، فأتم الله لهما الخير وكتب أجرهما الجميل جداً في هذا الحديث هو أن علم الرجل بالله تبارك وتعالى كان سبباً في تفريج الله تبارك وتعالى عنه. وهذا ما أقوله كثيراً، خير علم في هذه الدنيا أن تعلم عن الله عن ربك تبارك وتعالى، كلما علمت عن الله أكثر كلما ازدات إيماناً كما قال هود عليه السلام لما قالوا له: ﴿إِنَّا نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 54-56].
فكلما علمت عن الله علمه، حكمته، ورحمته، ولطفه، وجماله، وكماله تبارك وتعالى، كلما علمت أن الله جميل وخبير ولطيف وطيب، كل هذا يزيدك علماً ويزيدك عملاً، لابد أنه سيؤثر في عملك. مثال الرجل الذي أذنب تماماً؟ ثم بادر بالاستغفار، في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عبداً أذنب ذنباً فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفر لي، قال: علم عبدي أن له ربّاً يأخذ بالذنب ويغفر الذنب غفرت لعبدي». يبقى هذا الرجل علم أن الله قد يعاقبه بذنب وأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً، فهذا العلم جعله يبادر بالاستغفار ولا يرضى عن نفسه وهو مذنب، وفي نفس الوقت يكون عنده يقين أن ربه سيقبل استغفاره ويغفر له ذنبه، فهذا العلم كان سبباً في أن يستغفر وفي أن يغفر الله تبارك وتعالى له. لذلك الله سبحانه وتعالى في القرآن كثيراً ما يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 98]، اعلموا أنما الحياة الدنيا كذا، اعلموا أن الله شديد العقاب، لتعلموا كل هذا لماذا؟ لأن العلم بالله هو أعظم علم في هذه الدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية».
أنت الآن قد تجد مسلما عنده تبحر وتدقيق في مثلاً في الطب، في الهندسة، في الفلك، وهو والله لا يعرف كيف يصلي، لا يعرف كيف يصوم، لا يعرف عن الله تبارك وتعالى ما يجعله يخلص له العبادة. لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]. فخير علم لك ولزوجك ولأبنائك ولمن تخالطهم أن تكلمهم عن الله تبارك وتعالى، لا تجلس مجلساً إلا وأنت تكلمه عن الله. وطبعا هل العلم بالله فقط محصور في العلم بأسمائه وأفعاله؟ لا، حتى العلم بالإسلام، العلم بالإسلام علم، والعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم علم بالله.
فشوف هذا الرجل كيف جعل علمه هو عالم بالله أن الله على كل شيء قدير وأن كل هذه المخلوقات مسخرة، وأن الله إذا قال للشيء كن فيكون، وأن الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، فنظر إلى هذا البحر. الرجل خلينا نذكر الفوائد: الرجل اجتهد في جمع المال قال ليرده، يبقى هذا الرجل لم يستلف لتتلف الأموال. كم إنسان الآن بيستلف الفلوس ولا ولا يعني ولا يجتهد في ردها؟ كم إنسان يماطل مع أن معه الفلوس دي؟ كم إنسان يساوم الذي أقرضه؟ يقول له: بص أنت لك مثلاً ميت ألف جنيه خلاص وكاتبين شيكات، تنازل عن نصف المبلغ عشان أديه لك، يا إما بقى تروح للمحاكم وورينا بقى هتعمل إيه! إنما هذا الرجل لم يفعل أي شيء من ذلك، اجتهد فجمع المال ثم اجتهد ليلتمس مركباً في الميعاد المحدد لم يجد، فلم يجد شيئاً. فما ما وجد أمامه إلا التوكل على الله، والتوكل على الله أعظم الأسباب، بعض الناس بيقول: آخذ بالأسباب وأتوكل على الله، لا، التوكل على الله أعظم الأسباب.
والإنسان كثيراً ما يكون في موضع لا يجد فيه أي سبب إلا التوكل على الله، إنسان مثلاً سقط في الماء سقط في الماء وهو لا يحسن السباحة ولا يوجد مركب، ماذا أمامه؟ ليس أمامه إلا أن يعقد قلبه بالله خالصاً لله. والله تبارك وتعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 2-3]. يبقى أنت علمك بأن ربك بالغ أمره، الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون فعال لما يريد. الإنسان ليس له ما يتمنى، كلنا نتمنى أشياء في الدين وفي وفي الحياة والله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: 24-25]. ليس لك ما تتمنى تماماً؟ وأصلآ كثير مما تتمناه فيه في هلاكك، لذلك أنت في دعاء الاستخارة تقول: «فإنك تعلم ولا أقدر وتعلم ولا أعلم». يبقى إذا الله عليم قدير، بقدر ما أتيقن بهذه المقدمة بقدر ما يفتح الله تبارك وتعالى عليك في العلم والعمل.
يبقى هذا الرجل ذهب إلى البحر وراح مسك خشبة ونقر هذه الخشبة وضع المال ووضع الصحيفة، وعلم أن هذا البحر مسخر من الله تبارك وتعالى، فشوف الكلمة اللي قالها، شف كيف توسل إلى الله بعمله الصالح. والله من أجد ما يكون: اللهم إنك تعلم. شف أن هو زج الخشبة يعني عشان ما يبانش موضع النقر، يعني شف الأسباب! والله هذا الحديث عظيم علمه لأبنائك علمه، اخطب به خطبة جمعة، أعط به درساً إذا كنت مثلاً لكي جارة أجلسي مع الجارة واحكي معها هذا الحديث وتعلمي منه وتأثري به. قال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار، استلفت من واحد ألف دينار، أنت تعلم ذلك، فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي.
شوف هذا التوسل الجميل، كما تقول مثلاً لله ولا يغفر الذنوب إلا أنت، شوف هذا التوسل بأسمائه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، ارزقنا وأنت خير الرازقين. هذا من أعظم ما يكون أنك، لأن الدعاء فيه ثلاثة أمور: الثناء على الله وعرض حالك تماماً والطلب والسؤال. تمام؟ أنك أنت بتثني على الله، مثلاً مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، يبقى أنت ذكرت حالك تماماً، وفي نفس الوقت أثنيت على الله، وممكن يكون فيها كذلك الآية الطلب: ارزقنا وأنت خير الرازقين. كما في دعاء عيسى عليه السلام، كذلك ممكن يكون فيها كل هذه الآية الأمور. اللهم إني ظلمت نفسي ظُلماً كثيراً هذا فيه وصف الحال، ولا يغفر الذنوب إلا أنت هذا فيه الثناء على الله وذكر أسمائه وأفعاله تماماً، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
هذا الرجل فعل كل ما يمكنه، قال: فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً فرضي بك، واني جاهدت أن أجد مركباً. أنا كمان اجتهدت، ممكن واحد يقول إيه، واحد مثلاً كان مشغل عنده عمال فيقول لي: أنا العمال دول صراحة أكلت عليهم فلوسهم وعايز أرجعها لهم. أقول له: طيب اجتهد، بيقول: والله أنا اتصلت عليهم كذا مرة ما ردوش. يا سلام! بس كده؟ يعني يعني هل هذا هو الاجتهاد؟ واحد تاني سافر والله العظيم أنا والدي أذكر أن كان في رجل شغال عنده أو والدي كان شغال مقاول يعني عنده ناس يعني واحد نقاش وواحد بيشيل الأسمنت والحاجات دي مقاول بناء، ورجل من الناس كان يعني كأنه تقريباً في عقله شيء، كان شغال حمال وأنا نفسي كنت شغال مع والدي في هذه الفترة، فالراجل ده مشي ساب الشغل ومشي، طبعا المفروض بياخد فلوسه في آخر الأسبوع.
والدُّ تعب جداً جداً عشان يوصل للراجل. طبعا الراجل ده ولا كان عندنا تليفون له ولا كان عندنا أي شيء، ولا كان فيه بقى موبايلات ولا الحاجات دي، الكلام من قبل من قبل عشرين سنة فأكثر، من قبل حوالي ثلاثة وعشرين سنة. فالشاهد أنّه قعد يجتهد ويبحث ويحاول عشان يوصل للراجل، وفي الآخر تصدق بها عنه.
إنما دلوقتي واحد ممكن يقول لك: ده ما ردش عليّ في التليفون! وفي الآخر يتساهل ويتصدق بها. لا، شوف هذا الرجل تعب واجتهد، يبقى هذا الرجل توسل إلى الله أيضاً بتعبه: واني جاهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، واني استودعك.
خلاص يا رب أنا تركتها في أمانتك! يا سلام على هذا! ثم وطبعاً لن نتكلم عن إيمان هذا الرجل بقدر ما نتكلم عن إيمان الآخر الذي أسلفه. ثم بعد ذلك رضي بالله كثيراً ورضي بالله شهيداً، فبارك الله لهما. الصدق والبيان، الصدق والبيان. الصدق معنى عظيم، ليس الصدق مجرد الإخلاص، وإنما الصدق هو الإخلاص وهو الاجتهاد في بذل الأسباب، صدق عمله قوله.
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. شف هذا الرجل كيف صدق؟ هذا صدق وهذا صدق، فبارك الله لهما. الرجل مع أهل بيته، الرجل مع ولده، الرجل مع صديقه، المرأة مع صديقتها؛ كل علاقة تقوم على الصدق والبيان يبارك الله فيها، وكل علاقة تقوم على الغش والخيانة والكذب والكتمان تمحق منها البركة، تمحق حتى الطلاق.
إذا الإنسان اتقى الله في طلاق أهله واتقت المرأة زوجها في هذا الحال، فإن الله يبارك لها ويبارك له. ولذلك كانت سورة الطلاق من أولها لآخرها تتكلم عن التقوى، من أولها لآخرها: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَهْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] -عفواً- ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. فهذا الحديث حديث عظيم.
نكمل؛ وجه الشاهد من هذا الحديث: اختلف العلماء لماذا ذكر البخاري هذا الحديث؟ فقال بعضهم: موضع الشاهد أن الرجل أخذ خشبة وهي حطب من البحر، يعني إيه؟ فهذا يستفاد منه أننا نستفيد مما يلقيه البحر، لو البحر ألقى علينا شيئاً يجوز أننا نلتقطه وننتفع منه.
قال: باب في الركاز الخمس. قال: وعنه، يعني عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». الركاز اللي هو الأشياء التي دفنت في الأرض، وبعضهم خصها بدفن الجاهلية، يعني جاي من كلمة أركزه يعني غرزه في الأرض.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جبار». العجماء اللي هي البهيمة تمام؟ جبار يعني هدر، يعني لا عوض فيها، يعني هذه البهيمة مثلاً واحد بيسوق البهيمة، والبهيمة دي مثلاً كسرت شيئاً فلا يضمنه، إلا إذا كان الرجل متهاوناً؛ يعني الراجل سايبها كده، كان مهملاً فيها، كان مفرطاً، فهذا له أمر له شأن آخر. أما في الأصل هي جبار لأنها لا تعقل، كلمة جبار يعني هدر، هدر بمعنى أن ما أصابته البهيمة فلا عوض له.
قال: «والبئر جبار». البئر يعني واحد مثلاً استأجر أجرافاً يحفرون بئراً، والبئر ده اتهدم عليهم فليس عليه شيء، أو مثلاً استأجر شخصاً يصلح البئر فسقط فيه، أو واحد كان يريد أن يشرب من البئر فسقط فيه، فهذا لا يضمنه صاحب البئر.
قال: «والمعدن جبار». نفس الشيء؛ واحد استخرج استأجر أجرافاً ينقبون عن المعادن أو نحو ذلك، فهم خاطروا بأنفسهم، فإذا مات أحد منهم لا يضمنه.
قال: «وفي الركاز الخمس». يعني ما يخرج من الأرض، وبعضهم خصها بدفن الجاهلية، لابد أن يكون عليه ما يثبت أنه من دفن، فهذا يكون فيه الخمس. وطبعاً هذا كثير، لماذا؟ لأن الرجل لم يتعب فيه، واحد يحفر مثلاً تحت بيته مسلاً كنوزاً من دفن الجاهلية، من دفن الفراعنة مثلاً أو غيرهم، فهذا أخذه بغير تعب وبغير مؤنة، فلذلك كانت الزكاة فيه عالية، وبعضهم قال: إنه شبه الغنيمة، فلذلك فيه الخمس.
طبعاً البئر المقصود به من سقط في البئر، والمعدن المقصود فيه من سقط في المنجم الذي يستخرج منه المعادن، والركاز هو الكنوز التي تدفن منذ زمن بعيد، عثر عليها بعد زمن بعيد.
يستفاد من الحديث أنه لا شيء فيما تجنيه البهيمة بغير تفريط من صاحبها، وكذلك لا شيء فيمن مات في بئر غرقاً، ولا شيء فيمن انهدم عليه منجم الذي فيه المعادن، ومن وجد كنزا لا يعلم صاحبه، واحد وجد كنزا مثلاً من زمان جداً شكله مثلاً من ألف سنة ولا حاجة لا يعلم صاحبه، فهذا فيه زكاة الخمس.
باب قول الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]، ومحاسبة المصدقين مع الإمام؛ أن من مصارف الزكاة العاملين عليها، اللي هي الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] إلى آخر الآيات. العاملون عليها هم السعاة الذين يعينهم الإمام ليجنوا هذه الصدقات.
ومحاسبة الإمام هذا عظيم للإمام، كما أنه يعلم الناس الصدقة؛ يعني يعين من يعلم الناس الصدقة، ويعين من تجمع الصدقات، كذلك يجب أن يحاسبهم. وهذا عظيم جداً، يعني بعض الناس الآن يعطي أموالاً طائلة في حفر الآبار، أو مثلاً في الإنفاق على طلاب علم، أو في شراء الكتب، أو في بناء المستشفيات، ولا يحاسب من يعطيه الصدقات أو الزكوات! يقول لك: خلاص بقى خليها في رقبته!
لا يا حبيبي، يجب أن تتابعه وتحاسبه حتى لو كان أميناً، وهذا ليس فيه شيء، هذه المحاسبة لا ينبغي أن يغضب منها المؤتمن أبداً، ولا ينبغي أن ينحرج منها صاحب الزكاة أبداً، هي تثبيت للأمانة، بل هي تجعله يقطع الظنون وتجعله كذلك يقطع الوساوس، لأن المال السايب علم السرقة.
وأنا قبل أيام عملت منشوراً طويلاً عن شخص كنت أعرفه بعينه سرق مئات الآلاف من الدولارات، برضه بسبب كده، أن لا أحد يحاسبه، قال لك: ده ثقة! إيه يا حبيبي، دي أموال زكاة أنت جامعها من ناس عشان تعطيها لشخص، هذا الشخص يجب أولاً ألا يكون المال معه وحده، ويجب أن تعرف كل درهم أنفق في إيه، ويكون فيه محاسبة، وفيه لجنة محاسبة، وتعمل عليه مراقبة شديدة، وإلا أنت بذلك تعينه على السرقة!
ربما يكون هذا الشخص في أصله ليس سارقا، لأنه إن وجد أموالاً آلافاً طائلة بين يديه ولا أحد يحاسبه أبداً، فماذا فعل؟ سرق مئات الآلاف، وكان يمضي مكان الناس، يمضي يعني يعمل كأن فيه طلاب علم والناس مسلاً بيعملوا عمليات خطيرة ويمضي مكانهم! وفي الآخر اكتشف أن كل ده سرقة وكذب، وأنه كان نصاباً ومحتالاً.
يبقى من جهة أولاً أنت طبعا لا نعلم الغيب، تمام؟ لكن مع ذلك ربنا جعل هناك علامات وآيات وأسباب؛ لازم يكون المال مع أكثر من شخص، تمام؟ ويكون فيه لجنة، ما فيش حاجة اسمها واحد ياخد لوحده والمال كده ياخده من غير ما يمضي على إيصال، ومن غير ما يجيب لنا يقول لك: أنا صرفت المال ده في دورة على طلاب علم، وصرفته في كم عملية، وصرفته في... لا يا حبيبي، لازم تجيب كل حاجة.
وببعض الناس يقول لك: المسلمين ساعات بيصوروا الصدقات، مش مشكلة، هذا فيه توثيق إذا لم يكن فيه إهانة للشخص المتصدق عليه. أنت مسلاً حفرت آبار في أفريقيا؛ لابد تكون في لجنة بتراقبك، حتى لو اللجنة دي أخذت جزءاً من المال، المهم أن ده هيضمن أنك أنت ما سرقتش.
الشيء، ويضمن الأشياء يعني أنفقت في محلها؛ يبقى ده مهم جداً. هذه المراقبة وهذه المحاسبة مهمة من جهتين: هذه تثبيت لأمانة المؤتمن، وقطع للظنون التي تحوم، وكذلك قطع للوساوس التي قد تأتي له ويقول له ما فيش حد بيحاسبك، اسرق. وهذا هو الذي حصل بالفعل لكثير من هؤلاء الذين يدعون الاحتساب، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدي كيد الخائنين.
كل إنسان يتاجر بدين الإسلام في أي باب من الأبواب؛ كم من إنسان ممكن يدعي أنه بيكتب مثلاً محاضرات أو منشورات مثلاً لصالح النساء والكذا، ويكون هو غشاشاً يستعمل ذلك للتعرف عليهن ومراقبتهن، كل هؤلاء لا يفلحون. أو شخص آخر يعمل أنه بيجمع صدقات ويتصدق بها وهو حرامي يأخذ منها جزءاً؛ نفس هذا الشخص اعتراف بنفسه أنه كان بيأخد فلوس لحفر الأبار في أفريقيا وكائر أفريقيا، وكان بيأخد ثلاثين بالمائة من كل بئر. ثلاثين بالمية! نقول له كيف تستحل أنك تاخد هذا وأنت مجرد موصل للمال؟ قال: تجارة! فواحد من اللي معنا قال له: تجارة بالدين، نصاب ومحتال! كم من إنسان بينصب على الناس باسم الدين، لكن الله سبحانه وتعالى لن يصلح عمله. وهذا عقوق مضاعفة؛ لأنه نصب بالدين واتخذ يمين الله دخلاً، يعني غشاً وخيانة، أن الإنسان أئتمنك لدينك ثم أنت تكون خائناً.
ونعوذ بالله من ذلك، قال عن أبي حميد الساعدي قال: «استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه». والحديث طويل مشهور جداً، والشاهد هنا فلما جاء حاسبه أنه حاسبه فين؟ تعال! وطبعا المحاسبة دي لازم تكون عامة دائماً وتتحقق عند موضع الشبهة، إذا مثلاً سمعت كلاماً حاسبه وحقق معه، فهذا ليس فيه أي إشكال، لا ينبغي أن تغضب إذا قال لك أحد أين انفقت المال؟ لأنه مش مالك يا حبيبي.
باب وسم الإابل؛ باب وسم الإام إابل الصدقة بيده، الوسم اللي هو الكي، أنه يعمل علامة عليها حتى تميز أن هذه من إابل الصدقة، لماذا؟ حتى يردها من أخذها، لو واحد التقطها يعرف أن هي من الصدقة فيراجع، أو حتى لا يشتريها صاحبها، لو واحد تصدق بها وبعد كده أراد أن يشتريها يعرف أن هي من الصدقة، لا يجوز أن هو يشتريها وهكذا، يعني أن هي فيها أكثر من فائدة. قال عن أنس رضي الله عنه قال: «غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه». يحنكه يعني معروف أنه يضع التمر في فيه. والأظهر والله أعلم أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، يعني لا يصح أنك أنت تذهب إلى انسان مثلاً عالم أو كذا تتوسم فيه الخير فتقول له حنك لي ولدي، وإنما تقصد به التبرك، إذا قصدت التبرك فهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا قصدت أنه أنت لا تعرف كيف تحنكه فهذا جائز، لكن الأفضل أن تحنكه أنت بنفسك.
قال: «فوافيته في يده الميسم»، الميسم اللي هو حديد يكوى بها، الميسم هو الآلة التي تستعمل في الكي، طبعا هذا الكي إيلام لكنه للحاجة، يعني أنه يعلم به الصدقة، يضع إابل الصدقة يضع عليها علامة. لكن هل إذا تم هذه العلامة بغير الكي يجوز؟ ربما يجوز ذلك إذا وجدت وسيلة أخرى والله أعلم. قال: «فوافيته في يده الميسم يسب إابل الصدقة»، يعني يضع عليها علامة. طبعا هذا فيه جواز تأخير توزيع القسمة أو قسمة الصدقة، لأنه لو كان عجل بها فما بقي حاجة لاستغنى عن الوسم.
إذن هذه الأحاديث فيها فائدة محاسبة الإمام العمال على الصلاة، وفيها كذلك مراجعة العامل، يعني هذه تعينه على أمانته، وفيه كذلك تمييز ماشية الصدقة، وفيه كذلك التبرك بريق النبي صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك، كما كان الصحابة يتبركون بوضوء النبي صلى الله عليه وسلم.
باب فرض صدقة الفطر؛ عن ابن عمر رضي الله عنه: صدقة الفطر هي زكاة الفطر التي هي في نهاية شهر رمضان، وطبعا هي طهرة للصائم، وهي شكر لله تبارك وتعالى، وهي طعمة للمساكين، يعني أنها تجبر نقص الصيام. قال عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». فرض الفرضة يعني هي واجبة، تمام؟ هي من الزكاة المفروضة، وصاعاً من شعير وصاعاً من تمر ونحو ذلك، وعلى الحر والعبد، يعني كله، هذه الصدقة تخرج عن هؤلاء يخرجها من تلزمه نفقتهم، واحد مثلاً يخرج عن زوجته وأبنائه يخرج عن عبيده وهكذا، على الكبير والصغير لو مثلاً عنده والده وهو ينفق على والده فكذلك يخرج عن والده، وهكذا.
طبعا قبل غروب شمس ليلة العيد، يعني هي قال: «وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، يعني من غروب شمس ليلة العيد إلى قبيل الصلاة. وبعض السلف كان يخرجها قبلها بيوم أو يومين، رأى أن ذلك جائزاً، المهم أن هي قبل صلاة العيد. طبعا في خلاف كبير جداً في مسألة إخراج الزكاة، كل سنة في رمضان يحصل خلاف كبير؛ هل تخرج طعاماً أو تخرج مالاً؟ خلينا نذكر الحديث القادم إن شاء الله ثم نذكر تعليقاً.
باب الصدقة قبل العيد؛ هذا يتكلم في الموعد، يعني قبل صلاة العيد. قال عن أبي سعيد الخدري قال: «كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام»، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر. والحديث في هذا الحديث أنهم كانوا يخرجون طعاماً، ثم ذكر طعامهم في هذا الوقت. أنا أذكر هنا تعليقاً أحد مشايخي الكرام، وهو الشيخ صالح المصري، وهذا التعليق جميل جداً في رأيي في التعليق على هذه المسألة وهذا الخلاف الكبير فيها.
قال الشيخ أكرمه الله: وكل عام في رمضان يختلف الناس في زكاة الفطر، يقول بعضهم لا يجوز إخراج القيمة، ويقول آخرون بل يجوز إخراج القيمة. وكلا هذين القولين: يجوز إخراج القيمة، ولا يجوز إخراج القيمة، كلاهما رأي واجتهاد، وكلاهما فيه أجر لمن صدق واتقى، ولا يقطع بقوله على الآخر، ولا يجهل على غيره، ولا يتهمه في دينه. يعني هو يريد أن يقول في قدر متفق عليه أنها تخرج طعاماً، لكن القول بأنه يجوز مع يجوز كذلك أن تخرج قيمة، والقول الآخر لا يجوز أن تخرج قيمة، كلاهما اجتهاد.
يبقى فيه قدر متفق عليه، وفيه قدر مختلف فيه، فما دام هذا القول الذي هو يجوز أو لا يجوز قيل بعلم، وكان فيه صدق وفيه تقوى، وأنت لم تقطع به على الله وتجهل على غيرك تتهمه في دينه -بعض الناس أحياناً يتهم مثلاً لو فيه عالم من العلماء افتى بشيء معين-.
وهو خلاف سائغ يتهمه في دينه، والآخر قد يتهمه بالتشدد. هذا يتهمه بالتمييع وهذا يتهمه بالتشدد. فإذا كان الأمر سائغاً فلا يحل لك أن تتهم المجتهد في دينه، تمام؟ وإنما ترد عليه وتنكر عليه، يعني تنكر عليه ما تراه أخطأت فيه.
لكن إذا كان الخلاف سائغاً فلا يحل لك أن تطعن في دينه بهذا الخلاف، وإن شاء الله ربما يأتي لنا الكلام عن هدف دروس أصول الفقه. قال الشيخ: والذي يقول لا يجوز إخراج القيمة والذي يقول يجوز إخراج القيمة كلاهما حريص على طاعة الله ورسوله، وليس متجانفاً إلى إثم، يعني ليس متعمداً أن يخالف الله ورسوله، وليس عمداً أن يعصي، ولكنه اجتهد في الأيسر على الناس أو في الأنفع للفقير، تمام كده؟
قال: وليس متجانفاً إلى إثم ولا يعصي الله ورسوله، ولا يرضى بمعصيته وهو يعلم، لا يرضى بذلك، بل قد يكون الذي يقول جواز إخراج القيمة هو أحْرَص على طاعة الله ورسوله، وأحسن نظراً في الأدلة وجمعاً بينها وتفسيراً لها.
يعني أنت مثلاً تقول إيه: هذه الأحاديث قاطعة بوجوب إخراج الطعام وأنه لا يجوز غيره، فممكن الآخر يقول لك: بالعكس، أنا أنظر في الحديث نظراً آخر، وأجمع الأحاديث والروايات، وأجمع كلام الصحابة والتابعين، فأرى أنه يجوز من وجه ما أن نخرج قيمة، يعني أموالاً، ربما يكون هذا أنفع للفقير ونحو ذلك.
ليس المراد هنا أن نصوب هذا القول أو هذا القول. خلينا نتفق يا شباب على شيء: أن احنا عندنا الأصل أن تخرج الزكاة طعاما كما كان يخرج على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن محل البحث هنا: هل يجوز في حال من الأحوال أن نخرجها قيمة؟ بس، هذا هو الكلام، إنما نحن متفقون على الأصل، تمام؟
قال: والأحاديث ذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من طعام، وذكر فيها أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعطونها صاعاً من طعام من البر والشعير والحنطة والتمر والزبيب والأقط وغيرها. وتلك الأحاديث كلها ليس فيها ذكر لإخراج القيمة: لا إثبات ولا نفي ولا رضا به ولا نهي عنه.
وروي عن بعض التابعين أنهم كانوا يخرجون القيمة، وذلك القول أخذ به أبو حنيفة وأصحابه من أهل الكوفة، وأخذ به أقوام من العلماء من بعدهم. وأبو حنيفة وأصحابه من أهل الكوفة يقولون: يجوز إخراج القيمة في الزكاة عموماً، ولا يجوز إخراج القيمة في الكفارات. واحد عليه كفارة فلا يجوز أن يخرج فيها القيمة، مثل الكفارة: عتق رقبة أو غير ذلك.
وهو كأنهم كانوا يرون أن الزكاة فيها قربة وطاعة خالصة وهي مبنية على التخفيف والتيسير ورفع الحرج. وأما الكفارة فهي طاعة وقربة ولكن فيها عقوبة، والعقوبة تبنى على الشدة. يبقى كأنه يعني يريد أن يفرق، لماذا هم قالوا في الكفارات لا يجوز إخراج القيمة وقالوا في الزكاة يجوز إخراج القيمة تمام؟
ولو أنهم قالوا لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر خاصة دون غيرها لكانوا يجعلون فيها شبهاً في الكفارة والعقوبة، يعني معنى كده شبهاً من الكفارة والعقوبة، وكانوا يفرقون بينها وبين غيرها من الزكاة من غير حجة. يعني يريد أن يقول: هم طردوا قولهم، قالوا إن القيمة تخرج في الزكوات عموماً.
تمام كده؟ واحد مثلاً وجب عليه شاة في الزكاة مثلاً فخرج قيمتها تمام لم يخرج نفس الشاة، وهذا هو الذي ذكره البخاري قبل ذلك، اللي هو العرض في الزكاة. فهو الشيخ بيقول: لو أنهم استثنوا زكاة الفطر من باقي الزكوات لقيل لهم: ما الفارق بين هذه الزكاة وهذه الزكاة؟ فلذلك قولهم، وقالوا بجواز إخراج القيمة في الزكاة.
قال: وقد جاء إخراج القيمة في زكاة الإبل والبقر والغنم وهي أكبر من زكاة الفطر، يعني جاء جواز ذلك أننا نخرج فيما في زكاة الإبل والبقر والغنم وهذا مر معنا، تمام؟ وليس هناك ما يتبين منه أن إخراج القيمة خاص بموضعه الذي ذكر فيه دون غيره.
وقد كانوا حينئذ لهم دنانير ودراهم، لكن قيمة الدرهم كانت أكبر كثيراً من قيمة صاع من طعام، وقيمة نصف صاع كانت أقل من معشار الدرهم. وقد كان الدرهم يشتري شاة، وقد كانت لهم حينئذ فلوس من النحاس وغيره، ولكن كان الطعام عندهم أكثر منها، وكانت قيمتها سريعة التغيير، فهي تقوم بالطعام ولا يقوم بها، يعني يقدر بالطعام ولا يقدر الطعام بها.
وزكاة الفطر واجبة على النفوس، وفيها من التخفيف على المعطي مثل ما فيها من النفع للأخذ، يعني هي تخفيف على المعطي من جهة ونفع للأخرى. ولذلك من هذا الباب تكلم العلماء في جواز أخذ القيمة في الزكاة، أن هذا إذا كان أيسر، بعض العلماء الذين أجازوا ذلك قالوا: هذا أيسر على المتصدق، اللي هو صاحب الزكاة، وكذلك أنفع للفقير، تمام في بعض الأحوال طبعا.
قال: والذي يقول إنه يجوز إخراج القيمة هو بذلك القول يقرر ويثبت أن الأصل هو إخراج الطعام. يبقى دي فائدة، ده اللي احنا اتفقنا عليه، أن كلهم متفقون أن الأصل هو إخراج الطعام، وهذا باتفاق. ولكنه يقول إن إخراج القيمة جائز، وهو نفسه يقول إن إخراج القيمة خلاف الأصل، وإنما خلاف الأصل عند الحاجة بقدرها، لما نحتاج إليه، ودي فكرة مهمة.
أن بعض الناس بقولا واحدا كده يقول للناس: تخريج القيمة في زكاة الفطر. لأ، حتى الذين قالوا بإخراج القيمة لم يجعلوا هذا أصلاً ولم يجعلوه فتوى مطلقة، وإنما قالوا هذا جائز عند الحاجة، يعني يجوز أحياناً، فهمنا كده؟
طيب قال: والذي يقول إنه يجوز إخراج القيمة هو بذلك يقرر ويثبت أن الأصل هو إخراج الطعام، وأن إخراج القيمة هو خلاف الأصل، وإنما يكون خلاف الأصل عند الحاجة بقدرها. وتلك الحاجة هنا هي التخفيف على المعطي أو النفع للأخذ.
فإما أن يكون السبب في ذلك هو التخفيف على المعطي أو النفع للأخذ. كل هذا تحليل لمقاصد من أفتى من أهل العلم أنهم جعلوا الأصل إخراج الطعام، وأنهم ما تعمدوا مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أولوا الجمع بين الأحاديث والنظر في مقاصد هذه الأحاديث، وأنهم كذلك لم يجعلوها الأصل وإنما قدرقوها بقدرها، وأنهم راعوا المعطي وراعوا الأخذ، وهكذا.
هو لا يتكلم هنا عن ترجيح هذا ولا ترجيح هذا، وإنما لتفهم مآخذ الاقوال، وهذا من أحسن ما يكون أن طالب العلم لا يهتم بالقول بقدر ما يهتم: ما الذي بني عليه هذا القول؟ ما هي حججه؟ ما أدلته؟ ما وجه الاستدلال من هذه الأدلة؟ تمام؟
طيب قال: ويتبين من ذلك أن الأصل في زكاة الفطر هو إخراجها صاعاً من طعام، ويجوز إخراج القيمة إذا كانت ثمة حاجة من التخفيف عن المعطي أو النفع للأخذ. قال: والحاجة قريبة من الضرورة تقدر بقدرها ولا تهدم أصلها، ولكن تستثنى منه بقدرها.
يعني كأن هذا استثناء منفي، لا يصير هو الأصل، وهذا يدل على أن من يجعل هذا هو الأصل ويقول للناس كده بكل بساطة: أخرجوا القيمة، أن هذا أصلاً قال قولا لم يقله غيره، تمام، أن هو يجعل لهم الأصل إخراج القيمة، لأ، ليس كذلك. قال الشيخ: وأرى في أيامنا هذه أن إذا علم، أو إذا علم أنه إذا أعطى أهل بيت طعاماً أنهم يبيعونه لحاجتهم،
فإن الأحسن أن يعطيهم القيمة، فإنهم يبيعونه بأقل مما اشتروا به، ولكن يقدر هذا بقدره. يقدر هذا بقدرك، ولا يؤمر بأن يكون عاماً يفعله الناس جميعاً. يعني بيقول لو أنت مثلاً هتدي للناس أشياء مثلاً إديتهم القوت، إديتهم مثلاً زبيب وإديتهم يعني الزكاة طعاماً، وأنت عارف إن هم هيرروحوا يبيعوها ومتأكد من ذلك، بقى الأول إنك أنت تعطيهم القيمة. لأن هم هيبيعوها بأرخص مما أنت اشتريتها.
لكن طبعا هذا لا يعمم على الناس. قال: وتلك الأصناف كلها من البر والقمح والشعير والتمر والزبيب كلها تجزئ في زكاة الفطر. وتلك كلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت متساوية القيمة أو متقاربة كأنها متساوية، وكانت كلها قوتاً يعيش عليه الناس ويدخرونه في بيوتهم، اللي هو أغلب ما تعيش عليه. زي مثلاً ناس بيعيشوا على الخبز، ناس بيعيشوا على الرز، ناس بيعيشوا مثلاً التمر، وهكذا القوت وبيدخر كمان بتقدر تعينه.
وأحسنها اليوم ليس هو أغلاها ثمناً، ولكن أحسنها ما كان قوتاً غالباً كثيراً يقتات ويدخر. يقتات يعني أنت تعيش عليه، ويعني يكون هو أصل البيت. في كده أنت عارف في ناس أصل البيت مثلاً المكرونة، ناس تانيين أصل الأكل الرز، ناس تانيين أصل الأكل الخبز، وهكذا.
قال: ويقتات يعني الناس يعيشوا عليه ويدخرونه. قال: وعندنا في بورسعيد -هو يتكلم عن بلده الشيخ- وفي مصر كلها الأرز. الأرز هو الأصل، يعني هذا هو الأصل عند الأغلب. قال: وبعض القرى يخبزون في بيوتهم فيكون القمح هو القوت الأصلي. يبقى فيه ناس الأصل عندهم القمح اللي هو يعني الدقيق يعني، وناس الأصل عندهم الأرز. قال: وإذا كان القمح قوتاً فإنه يجوز أن يعطى قمحاً ويجوز أن يعطى طحيناً وهو الدقيق.
يبقى ده خلاصة ما قال الشيخ، وأنا شايف إن هذا الكلام كلام جميل جداً في هذا الباب. في أولاً فهم مأخذ من أفتى بجواز إخراج القيمة أنه جواز، وكذلك فيه ألا يطعن أحد في دين أحد وألا يستخف أحد بأحد من أهل العلم. وللأسف يعني في هذه الأيام نشأة عدد من الناس يتكلمون يطعنون في أبي حنيفة رحمه الله وفي علمه وفي دينه، وللأسف كثير من الشباب استمع إليهم وصار هو كذلك يطعن في الأئمة ويلتمس أقوالاً موجودة في بعض كتب الآثار ويجعلها حجة في الكلام والقدح في دين هؤلاء.
ولعلّي إن شاء الله يعني أعمل حلقة في هذا الأمر بإذن الله تبارك وتعالى. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يحفظون لأهل العلم قدرهم، ويجمعون بين حفظ الإسلام وبين حفظ حق أهل العلم ولا يغنون في أحد، ولكنهم كذلك لا يبغون ولا يعتدون على أحد.
آخر حديث عندنا، باب صدقة الفطر على الصغير والكبير: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك». طبعا هذا فيه أن تخرج زكاة الفطر من غالب طعام البلد، وكذلك سبق الكلام في الخلاف فيها وأن الأصل فيها أنها تخرج من طعام البلد، وكذلك أنها تخرج عن الصغير والكبير والذي تلزمه النفقة هو الذي يخرج عن هؤلاء.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يهدينا وأن يسددنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يجعلنا من المصلحين الصادقين، ونعوذ بالله أن يجعلنا ظهيراً للمجرمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق