تسجيل الدخول

اليقين عند طالب علم السنن والآثار

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم. فهذا اول مجلس لنا في مخيم ابي ذر الغفاري في دراسة كتاب علل الترمذي الذي اصطلح عليه بانه علل الترمذي الصغير، تمييزا له عن العلل الاخر الذي هو كتاب مفرد.

وقبل ان نبدأ، احب ان نذكر مقدمة مهمة جدا، ولكني احب ان استفتح بايات من سورة هود، ثم ننفذ من هذه الايات الى تلك المقدمة، تفضل علي.

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ. لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوُا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.

احببت ان نبدا بهذه الايات المباركة من سورة هود، وسورة هود من اعظم السور التي ثبت الله تبارك وتعالى بها عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم. كل سورة يذكر فيها نبأ من انباء الرسل لابد ان تنتبه لما نزلت له السورة وما نزلت به السورة. فسورة هود تكرر فيها لفظ البينة كثيرا، وامر الله نبيه ان يقول للناس اني على بينه من ربي، كذلك جاء هذا الامر في سورة الانعام: قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي.

والله سبحانه وتعالى نهى نبيه ان يكون في مرية من امرين. الامر الاول ما جاء في اول السورة: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ، يعني لا تك في مرية من القران انه الحق حتى لو كفر به كل الناس فهو الحق. ونهاه في اخر السورة ان يكون في مرية مما يعبد المشركون، قال: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلَاءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ، يعني ليس عندهم حجة الا انهم وجدوا اباءهم.

اذا هذه السورة هي سورة البينة واليقين والامن والطمانينة والبصيرة، لان اساس الهدى ان يكون العبد على بينه وان يكون على هدى. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى ذكر كلام الرسل في هذه السورة، قول نوح ثم قول صالح انهم على بينه، وكذلك قول شعيب. لماذا؟ لان الرسول اول ما ينبغي ان يكون عليه البينه والبصيره قبل ان يبعث للناس، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى ارى موسى عليه السلام الايات الكبرى قبل ان يبعثه لفرعون، قال: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ. اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ.

فلا بد ان تعلم ان المؤمن يحتاج الى اليقين، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقال له: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. فبقدر ما يكون العبد موقنا بقدر ما يكون عاملا لله تبارك وتعالى سابقا بالخيرات.

ولذلك قال جندب رضي الله عنه: كنا ناتي النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، والحزور او الحزور له ضبطان: الذي قارب البلوغ او الفطن. قال: فيعلمنا الايمان قبل ان يععلمنا القران، فلما نزل القران ازددنا به ايمانا. لماذا؟ لان القران بما فيه من انباء وتشريع اذا ورد على قلب موقن لابد ان يزداد به العبد ايمانا.

ولذلك الله سبحانه وتعالى كما ذكر عن المؤمن هذه الالفاظ التي تدل على مدلولها: الامن، البينة، اليقين، الطمانينة، البصيره؛ ذكر في المقابل الفاظا تدل على الاضطراب. ذكر الحيرة كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران، ذكر كذلك مذبذبين بين ذلك، ذكر التردد والريب: فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. كذلك ذكر عنهم الخوف، فهؤلاء يعيشون قلقا وخوفا ليسوا مطمئنين.

ذكر الله سبحانه وتعالى صنفا من جملة عباد الله لكنهم ليسوا على اطمئنان ولا يقين ولا بينة، ويؤثر ذلك في عملهم، ويكونون عرضة للكفر بالله عند الابتلاء بتشريع يخالف اهوائهم او مصيبة تنزل بهم. قال الله تبارك وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ. ما معنى جعل فتنة الناس كعذاب الله؟ يعني بدلا من ان يتخذ الاسباب ليتقي عذاب الله، اتخذ الاسباب التي يتقي بها سخط الناس وعذاب الناس؛ فبدلا من ان يجعل اعظم ما يتقيه هو عذاب الله في الاخرة، جعل ذلك فتنة الناس.

قال الله سبحانه وتعالى ايضا في سورة الحج، ومن اعظم السور التي ذكرت اصناف الناس: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، لاحظ لفظ الاطمئنان، فاطمئنانه ليس منبعثا من يقينه بالاسلام وانما منبعث من المصلحة التي تناله اذا كان مسلما، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.

ايضا من الايات الكبرى في هذا الباب والتي تشرح نفسية هؤلاء، وهي اجمع موضع في القران عن هؤلاء وهو موضع سورة النور: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا، كلمة اطعنا تدل على ان الايمان بغير طاعة لا معنى له، وهذا معنى لن نؤمن لك، الايمان ليس مجرد تصديق وانما الايمان هو عمل واقرار، فالمفروض الايمان معناه انه تصديق واقرار وعمل، ولذلك كثيرا ما يقرن معه العمل الصالح وان كان منه للتنبيه على اهميته.

وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وان زعموا انهم مؤمنون. طيب، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ، اول ما يمتحن اذا فريق منهم معرضون، وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، اذا حتى في اتباعهم للحق لا يثابون لانهم ما اتبعوه لانه حق وانما لكونه في مصلحتهم. لاحظ هذا التحليل لنفسية هؤلاء، شوف هذا التقسيم: أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، الى اخر الايات.

اذا انت رايت ان الله سبحانه وتعالى بين ان اليقين اقدام وعمل، وان التردد والتذبذب والحيرة لابد ان تؤثر في العمل. ولذلك تفهم وبهذا تفهم هذه الاية في سورة التوبه: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.

اذا هذا الكسل عن العمل وهذه المماطلة سببها انهم ليسوا على يقين. اذا الموقن لا يصده احد باذن الله ولا يستخفه احد، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى ختم سورة الروم بماذا؟ بقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ. اذا المؤمن لابد ان يكون على يقين بان الاسلام حق، وان الله هو الحق المبين، وان القران هو الحق المبين، وان النبي صلى الله عليه وسلم رسول العالمين صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي ان يكون عنده ادنى مرية في هذا، ولا عنده ادنى مرية في ان كل من ليس مسلما فهو على باطل.

طيب، من الامور الكبرى في هذا الباب، وهو الذي بدات لاجله بهذه الايات، ان تعلم ان طلب علوم الاسلام من اعظم ما تكون به على هدى ان شاء الله تبارك وتعالى. يعني ربنا سبحانه وتعالى ماذا قال؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا، البرهان يورث اليقين باذن الله، والهدى هو الذي يجعلك على بصيرة تعرف كيف تعبد الله.

هل يكفي ان يكون الانسان موقنا بان الله حق وان القران حق، وهو لا يعرف كيف يصلي، كيف يصوم، كيف يتصدق، كيف يتاجر، كيف يعامل اهله؟ لا. فربنا قال عن القران وصفه بامرين عظيمين: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، فجهة لا ريب فيه هي جهة اليقين، وجهة هدى للمتقين هي النور الذي يهدي. ولذلك جاء في سورة البقرة معظم احكام الاسلام، ذكر الايمان والاسلام وذكر الاحسان وذكر التقوى وذكر البر وذكر الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمره وذكر النكاح والطلاق والايلاء والعدة والدين والنفقات، تقريبا اصول جميع العبادات ذكرت في هذه السورة، ولذلك ربنا ختمها: وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ.

اذا المؤمن كل طريق يجد فيه زيادة يقين وزيادة هدى لابد ان يطلبه وان يتعرض له. من اعظم هذه الابواب التي يسارع العبد فيها في الخيرات وتورثه اليقين والهدى: طلب علوم الاسلام. طلب علوم الاسلام هي التي تنقل العبد من دائرة انه انسان مجرد مثقف يتوضا كما علمه ابوه، يصلي كما راى الناس يصلون، الى انسان على هدى وبينة ونور وبصيرة، يعرف كيف يتوضا، كيف يغتسل، كيف يصلي، كيف يصوم، كيف يحج، كيف يعتمر، كيف يبيع، كيف يشترى، كيف يعامل الناس، كيف يدعو، مراتب الدعوة الى الله، كيف يسابق الى الله. ربما كان الانسان يتعب جسده في عمل مبتدع، او ربما يتعب جسده في عمل يمكنه خير منه، كما تكلمنا عن اصول السبق الى الله تبارك وتعالى.

من اعظم علوم الاسلام: علوم الحديث، العلم بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. اول رواية في الاسلام هي نبأ غار حراء الذي اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ام المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ثم اخبرت هي ورقة بن نوفل، فاول ما ظهر هو الرواية التحمل والاداء. والله تبارك وتعالى هيا للنبي صلى الله عليه وسلم ما تحفظ له به سنته وهديه وعمله وخلقه. فالله تبارك وتعالى جعل الايمان في قلوب الصحابه، وحرصوا على تعلم الهدى وملاحظة اقواله وافعاله وتقريراته، وسبق ان ذكرت ذلك مفصلا في محاضرات كثيرة.

لما حفظ الصحابه ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم ادبهم بادب التحري والتثبت، وقال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وجاء في القران ايات كثيرة جدا: فَتَبَيَّنُوا، وفي القراءة الاخرى: فَتَثَبَّتُوا. وجاء في نبأ سليمان: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. والله سبحانه وتعالى علمهم هذا الادب، وعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم.

فالصحابه الكرام حفظوا هذه السنن، وامرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغها، قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب. وفي حديث مالك بن الحويرث لما، وهو من اجمل الاحاديث التي احبها ويعني اقتديت بهذا الحديث يعني على يعني قرابه ربع قرن بحمد الله تبارك وتعالى مع الشباب، وهو الاجتماع على طلب علوم الاسلام. قال مالك رضي الله عنه: مالك بن الحويرث اتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فبقينا عنده عشرين ليلة، يعني تصور يعني اقاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة يرون هديه ويسمعون كلامه، كيف يكون هذا الهدى والايمان الذي خرجوا به. قال رضي الله عنه: فلما راى اننا اشتقنا الى اهلينا قال: ارجعوا الى اهليكم فمروهم وعلموهم وصلوا كما رايتموني اصلي. وقال في حديث وفد عبد القيس: اخبروا به هم انفسهم، قالوا: دلنا على امر ندخل به الجنه نخبر به من وراءنا. فهذا يدل على ان التحمل والاداء والضبط هذا اول ما ظهر من هذه العلوم.

ثم قدر الله سبحانه وتعالى الاسباب التي حفظ بها هذه السنن، كما قدر ذلك للصحابه الكرام المكثرين: ابو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر وابو سعيد الخدري وانس وجابر، هؤلاء الذين حفظوا هذه السنن وبثوها في الامصار. ثم الله سبحانه وتعالى في كل عصر لا يخلي زمانا من هؤلاء الذين صبروا على تعلم السنن واهتدوا بها وبثوها بين الناس. فلذلك كل مسلم يحرص على تعلم هذا العلم ويصبر عليه، وينوي ان يكون من حفظة السنن الذين يهتدون بها اولا قبل كل شيء ثم يبثها بين الناس، فهو والله من خير الناس علما وعملا.

يعني بالامس تكلمت عن قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ. والله سبحانه وتعالى كثيرا ما يذكر اكابر المجرمين، ويذكر هؤلاء الذين يسعون في الارض فسادا، سماهم الله المفسدين، المجرمين، الكافرين، الظالمين، الذين يصدون عن سبيل الله، الذين قالوا: لَا تَسْمَعُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ، وهم ينهون عنه ويناون عنه.

في المقابل ذكر: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وذكر هؤلاء كثيرا في القران وخصهم بالذكر والرفعة، وسياتي الحديث عنهم ان شاء الله في موضعه من سورة سبأ. ولذلك كل مسلم يحفظ وقته للعلم بكتاب الله، وبهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكل ما يتعلق بهذا بهذين العلمين، فهو على هدى ونور.

يعني ليس المراد من تعلم السنن او تعلم القران قبله ان الانسان فقط يقرا القران ويقرا في صحيح البخاري، لا. وانما يتعلم العلوم التي بها يعرف قصة السنة ونشاتها، وكيف كان يحدث النبي صلى الله عليه وسلم.

وكيف حفظ الصحابة الحديث؟ وكيف تفرقوا في الأمصار؟ ويعرف أمصار الرواية: مكة والمدينة، وأمصار العراق: الكوفة والبصرة، ثم الشام واليمن ومصر، ثم خراسان والأندلس. أن يعرف كيف حفظ الصحابة الروايات، وكيف بثوها، وكيف جمعت بعد ذلك الروايات في الكتب، وما هي شروط مصنفيها؟ ما الفرق بين الموطأ والجامع والسنن والمستخرج والمصنف والمستدرك؟ هل يستوي عند الله سبحانه وتعالى عبد لا يعرف القرآن والحديث مع عبد يعرف الآية فيما نزلت؟ وأين نزلت؟ وما وجوه التفسير فيها؟ وما هي أعظم ما جاء في القرآن من البينات والهدى والنور والبصيرة؟ يعرف قصة السنة، يعرف كتب الحديث، ويعرف الرواة، ويعرف علل الحديث، ويعرف كيف كان يحكم الرواة؟ لا يمكن أبداً.

لا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور. أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ. إذا طلب حديث، هو من أعظم الأمور التي تعطيك هذين؛ البينة والهدى. البينة؛ لأنك موقن. لما يخرج إنسان تافه سفيه يشكك في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سنته بشبهات، إذا كنت على بينة ويقين لا يمكن أن تبلغ منك الشبهة شيئاً بإذن الله، لا يمكن. لماذا؟ لأنه ليست المشكلة في قوة الشبهة، ولكن في ضعف المتلقي. الشبهة هواء ولا شيء، ولذلك أول آية في القرآن ما هي؟ لَا رَيْبَ فِيهِ. بقدر ما يكون القرآن عندك لا ريب فيه، بقدر ما يكون هدى لك؛ فقبل أن يقول هدى للمتقين قال لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. يبقى أنت تحتاج إلى هذا اليقين، ولذلك كثير من الشباب وهم في زهرة الشباب وفي قوة يكسلون عن هذا العلم؛ أما لظنهم أن هذا العلم لا حاجة له بعدما دونت الكتب، خلاص يقول لك: احنا انت عندنا صحيح البخاري وعندنا صحيح مسلم، لماذا نتعلم هذا العلم؟

تتعلم العلم حتى تكون حلقة في هذه السلسلة التي حفظت هذه السنن وعملت بها وبثتها بين الناس؛ يكفي أن تكون هكذا، لو لم يكن لك من هذا العلم إلا أنك تحملت وعملت وبثت كنت على خير. ولذلك ماذا قال عبد الله بن المبارك؟ كان يعيب عليه بعض يعاتبونه أنه يفرق المال في الأمصار، يعني لا يعطي أهل بلده، وإنما يتفقد مشايخه وأقرانه وطلابه، ينفق على كل من يعلمه يحتاج وهو طالب علم جاد، ينفق عليه لا يفكر تمام. قال حبان بن موسى: عوتب ابن المبارك كثيراً على ما يفرق من المال في الأمصار. فماذا قال؟ إني لأعلم قوماً طلبوا الحديث لله، والناس محتاجون إليهم، وعندهم ذراري وهم محتاجون إلى أنفسهم، فإن أضاعناه تركناهم، يعني لم نهتم بهم ضاعوا وضاع علمهم، وإن أعناهم يعني فرغناها بثوا العلم في أمة محمد.

لا أعلم بعد النبوة خيراً من بث العلم. هذا الفرق بين طالب العلم وبين المصلح؛ المصلح يفكر في الإسلام ويعلم أن طلبه لهذا الكتاب ودراسته لهذه المسألة هي جزء من صفقته‌ مع الله، مش مجرد أن هو انسان بيحفظ متناً، لا، هو ينظر إلى الإسلام. ولذلك قال ابن القيم: من تعلم العلم ليحيي الله به الإسلام فهو من الصديقين ومنزلته بعد النبوة. إذاً، طالب العلم الشاب الذي يصبر على طلب السنن وتعلمها وفقهها، وعلى علم الرجال والعلل، ويعرف كيف كان يحكم العلماء على الأحاديث؟ وكيف جمعوها؟ وما شروطهم؟ وما الفرق بين الجامع والمصنف والمسند والمستخرج والمستدرك؟ ويصبر على ذلك، وينوي به أن يكون هو على بينة وعلى هدى، ثم ينشر هذا العلم حتى يبقى حياً بين الناس، فهو والله من أعظم الناس عملاً، ولكن أكثر الناس لا يطلبون هذا الطريق.

لماذا؟ لأن هذا الطريق طريق شاق، حق، يحتاج العلم والإخلاص والصبر. تكلمنا قبل ذلك عن ثلاثية جاءت في القرآن كثيرة: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا. تكلمنا عنها في أكثر من موضع؛ الإيمان والهجرة؛ هجرة ما نهى الله عنه، ومجاهده النفس لفعل ما يرضي الله. لكن أعمدة هذه الثلاثة؛ العلم والإخلاص والصبر. لا يمكن أن يبلغ انسان المعالي إلا بالصبر. قال الله تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا، وفي قراءة لِمَا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. إذاً، علم الحديث أو علوم الحديث هو العلم الذي يجعلك على بينة من أكثر من جهة؛ الجهة الأولى أنه علم مرتبط بسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، يكفي أن تعيش في هذا العلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأنا كثيراً حينما أتفكر في إنسان أخلد الله عمره للآيات والأحاديث وكل ما يعين عليها، كيف تكون منزلته عند الله؟ يعني إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك. فلما ربنا تبارك وتعالى يشغلك بكلامه وبهدى رسوله صلى الله عليه وسلم، أي فضل أعظم من هذا؟ ولذلك من القصص الجميل أن عبد الله بن المبارك كان يخالط الناس في الخير ويعينهم على دينهم ومعاشهم، ويعني أول ترجمة درسناها مع هذه المجموعة قبل ثلاث سنوات بالضبط كانت عن عبد الله بن المبارك، وتاثرنا جداً به، وما تزال هذه الترجمة ينفعني الله سبحانه وتعالى بها إلى يومي هذا، وهي ترجمة حافلة عظيمة حقاً يعني.

فعبد الله بن مبارك كان إذا يعني انتهى من مصالح الناس عكف على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فهو عتب في ذلك وقيل له: ألا تستوحش؟ هكذا يظن الإنسان الذي لم يهدى للخير، يظن أن الإنسان المشغول بالعلم والدراسة يستوحش، بالعكس، الإنسان إنما يأنس بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ثم كلام صحابته. فقال: كيف استوحش وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ اقتبس البخاري منه هذه الكلمه فوعظ تلميذه الفربري؛ الفربري كان يصحب البخاري في آخر عمره وكتب عنه الصحيح.

وكان الفربري وغيره يحكون أنهم يعني يحكون عن صبر البخاري في التصنيف والعبادة؛ والله أمور ترفع الهمة. يعني في واحد من طلابي بيقول: قل لم استيقظ مرة قط إلا وجدته قائماً يصلي. يعني كان رحمه الله يمضي النهار في يعني بعد ما مضى السنوات كلها تقريباً في تعلم علم الرجال ورحل البلدان وكتب التاريخ الكبير، ثم صنف الصحيح وصنف كتباً وبقي يصنف إلى أن لقي الله تبارك وتعالى. فكل من كان معه من الطلاب الذين كان يخصهم بكتابة الحديث يحكون أنهم كان يمضي يومه في الإملاء، وفي الليل يمضيه قائماً بين يدي الله تبارك وتعالى. فالفربري ماذا قال؟ قال: أملى البخاري يوماً علي حديثاً كثيراً قال حتى خشي ملالي؛ يعني شعر أن هو زهق أو مل. فماذا قال له؟ قال له: اصبر، إن أهل الملاهي في ملاهيهم، والتجار في تجارتهم، والصناع في صناعتهم، وأنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. نقله من التصبر إلى الشكر.

فالإنسان إذا رأى ربه تبارك وتعالى يملا يومه بالطاعة فليحمد الله عز وجل، فأكثر الناس في غفله عن هذا. فمن شرح الله صدره للطاعة والاشتغال بالقران وهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقدر النعمه وليتخذ الاسباب التي تبقيها محفوظه والا فالنعم فيها نفور اذا لم تجد قلبا شاكرا فانها تنفر عنه كما قال ابن زريق البغدادي اعطيت ملكا فلم احسن سياسته وكل من لا يسوس الملك يخلعه ومن غدى لابسا ثوب النعيم بلا شكر عليه فان الله ينزعه فالمسلم الذي هدي الى كتاب الله والى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والى صحبه خير يتدارس معهم هذا الملك وهذا النعيم فليحمد الله عز وجل وليكن شاكرا وليسال ربه تبارك وتعالى الثبات.

علوم الاسلام كلها ترجع الى كتاب الله تبارك وتعالى ولكن جميع العلوم ترجع الى اصلين كل منهما يعين على تعلم كتاب الله الاصل الاول هو الروايات يعني احنا عندنا الان كتاب الله وعندنا فرعان ان شاء الله غدا تكون عندنا السبوره ونرسم هذه الرسمات المهمه الفرع الاول كل ما يخص الروايه والفرع الثاني حسن التعاطي والتفاعل مع هذه الروايات. أي علم في الدنيا فيه هذان الأمران؛ الطب، الهندسة، الطبخ، الرياضة. أي علم في الدنيا فيه معطيات وفيه حسن تفاعل مع هذه المعطيات.

رجل ترزي خياط هذا الرجل إذا كان عنده قماش جيد وعنده صنعة يخرج أجمل ثوب. امرأة تحسن الطبخ تمام، كنت دائماً ضرب مثال بالمراه فواحد قال لي والله يا شيخ كل الطباخين في المطاعم رجاله فانت ليه دايما بتضرب مثال بالمراه في الطبخ؟ فاهم خلينا نعممها تمام يعني هو زعلان ان هو يعني طباخ فايه عايزني اذكره يعني، فلو واحد طباخ أو واحدة طبّاشة عشان ما يزعلوش، هو يحسن الطبخ واحنا اعطيناه لحمة جميلة والأدوات وعنده سكين وعنده أطباق وعنده سفيرة سيخرج أجمل وجبه، يبقى أنت عندك معطيات وحسن تفاعل.

المعطيات في الإسلام هي ثلاثة؛ كتاب الله تبارك وتعالى، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أثر عن أهل العلم بعده وأولهم الصحابة. يبقى هذه هي المعطيات، هذه هي الدائرة التي يتفكر فيها. يبقى بقى الشق الثاني؛ ما هو القلب الذي يعقل ويفهم ويتدبر؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرب مبلغ أوعى من سامع. وعلي بن ابي طالب لما ادعي أن النبي صلى الله عليه وسلم خصهم بشيء من الوحي ماذا قال؟ قال: ليس عندنا الا كتاب الله تمام، أو فهماً يؤتيه الله عبدا من عباده. آه، الفهم بقى هذا هو الذي يجعله يستخرج من القرآن ما لا يستخرجه غيره.

يبقى إذا يا شباب، عندنا معطيات وعندنا حسن التفاعل في المعطيات، أنا سأضرب لكم مثلاً واحداً. في صحيح البخاري أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله فاختار ما عند الله وسكت النبي صلى الله عليه وسلم. هذه اسمها معطيات؛ رواية. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو سعيد: فعجبنا، ما يبكي الشيخ؟ عبد خير بين زهرة الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، لماذا يبكي يعني؟ وما ما فطن يعني لا أبو سعيد ولا غيره.

قال: فكان العبد المخير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أنت رايت أن هذا الفهم رزقه الله أبا بكر، وهذا معنى فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ. القضية عرضت على من؟ عرضت على داود وعرضت على سليمان نفس المعطيات سمعها داود وسمعها سليمان عليهما السلام، قال الله: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ. إذاً، الفهم أمر زائد على مجرد الرواية، يبقى كل علم من علوم الاسلام لابد ان يندرج الى صنف تحت صنف من هذه الاصناف، اما الرواية الماثور واما الفهم والاستنباط والتفسير لهذا الماثور.

اذا انت كطالب علم تحتاج ان تسير في هذين. قبلتك كتاب الله هو الذي تتعلم كل شيء لاجله. طيب أنت في باقي العلوم لابد أن تعرف أن العلوم إما علم يخص الرواية، ويدخل في العلم الذي يخص الرواية ما هو؟ مصنفات السنة التي جمعت الأحاديث، يدخل علم الرجال، التاريخ، العلل، التصحيح والتضعيف، كل هذا تحت الرواية. طيب وفقه الرواية؛ يدخل فيه تفسير القرآن، يدخل فيه شرح الأحاديث، فقه الأحاديث، كتب الفقه، كتب مشكل الحديث، غريب الحديث، كل هذا يدخل تحت هذا الفرع. فبقدر ما كان المؤمن يطلب كتاب الله ويطلب العلوم التي تعين على كتاب الله تبارك وتعالى فهو مهتدي. لماذا أنبه على هذا؟ لأن كثيراً من الشباب ضاعت أعمارهم؛ لا في القرآن ولا في الرواية ولا في فقه الرواية، ضاعت أعمارهم في أمور كثيرة جداً، وتاهوا في هذا الطريق.