بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وما زال الحديث أيها الأحبة في أعمال القلوب، وذكرنا في الحلقة الماضية عبادة عظيمة، وهي عبادة التفكر، وبقي في هذه العبادة أمور لابد من الحديث عنها، وتكلمنا في هذه الحلقة عما يتعلق أيضاً بهذه العبادة العظيمة وعبادة التفكر وتقريب النظر في آلاء الله وفي نعم الله عز وجل التي لا تعد ولا تحصى، وفي مخلوقات الله عز وجل العظيمة التي قال الله عز وجل عنها: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88].
مما يحسن بالانسان معرفته، وهذا ذكرنا شيئاً منه في اللقاء الماضي، أن الإنسان يتفكر في أحوال الأمم السابقة التي باتت بكل ما فيها، مؤمنهم وكافرهم؛ يعني هؤلاء أهل الإيمان ماتوا، وأهل الكفر ماتوا، وأهل النفاق ماتوا، فلم يبق أحد على وجه الأرض. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
فهذا فيه عبرة عظيمة عندما يتفكر الإنسان فيه، يتفكر الإنسان فيكون عنده شيء من الإحساس بعظمه الله عز وجل، وأيضاً بالخوف من الله؛ الخوف من الله عز وجل، الإنسان لا يدري هل يختم الله عز وجل له بخير أم يختم الله عز وجل له بشر، فيعلق هذا القلب ويتفكر دائماً في هذه الأمور العظيمة، أن الإنسان سيخرج من هذه الدنيا ولا شك، ما خرجت الاقوام والأمم السابقة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالموت واعظاً».
الموت عبرة وعظة وآية، بل هو لله من أعظم الآيات؛ من أعظم الآيات، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]. يعني هذه والله من أعجب الآيات وأعظمها، أن الإنسان يعرف أنه سيموت ويهرب من الموت فسيلقاه؛ يعني لا يمكن الإنسان يهرب من هذا الموت، وهي نهاية محتومة لكل مخلوق، وكل مخلوق سيموت.
فإذا عرف الإنسان أن هذه الدنيا التي تزخرف بزخرفها وزينتها وأموالها ومناصبها وما فيها من بروج، فهذه كلها ستنقضي، ويموت الإنسان ويخلف هذا وراء ظهره، ولا يبقى معه إلا عمله الصالح، ولا يبقى معه إلا عمله الصالح. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».
كان أول الأمر في نهي عن زيارة القبور، ثم أذن النبي صلى الله عليه وسلم بزيارتها، ثم علل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «فإنها تذكركم الآخرة، فإنها تذكركم الآخرة». عندما يمر الإنسان على المقبرة، يمكن بيقين لا شك فيه أنه في يوم من الأيام سيكون من سكان هذه المقابر، سيكون من سكان هذه المقابر.
ولهذا الإنسان لما يدخل المقبرة يشعر بشيء من الوجل والخوف والرهبة لهذا الأمر؛ لأن الإنسان يتذكر ويتفكر أن مصيره سيكون في إحدى هذه الحفر، ولا شك، لا شك في ذلك، أنه سيكون في إحدى هذه الحفر في يوم من الأيام، متى؟ الله أعلم، هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه الإنسان، لكنه يستعد له، يستعد له.
وهذا هو ثمرة التفكر، أن الإنسان عندما يزور المقبرة وتذكر الموت، يعلم أنه مهما فعل في هذه الدنيا، مهما وصل إلى مناصب أو جاه أو سلطان، مهما حصل من مال، مهما اقتنى من قصور وأراض وغيرها ودور وعقار، آخر الإنسان وهو الموت؛ يعني كل هذا لن ينجيه من الموت، ولن ينجيه من الموت، وأن يفديه من الموت، مهما ملك الإنسان.
ولم يكن هناك أحد أغلى من قارون، ولم يكن هناك أحد أعظم ملكاً من سليمان عليه السلام. فإذا جاء الموت لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. فمن أعظم حقيقة ما يحيي القلب التفكر في هذا الأمر؛ التفكر في هذا الأمر، أن ينظر الإنسان في عاقبة أمره وفي نهايتها وفي خاتمة هذه الدنيا وانه سيخرج منها لا محالة.
والدنيا ليست دار بقاء، الدنيا دار ممر يمر الإنسان بها، دار اختبار وابتلاء وامتحان للإنسان. والدار كما قال العلماء ثلاثة؛ الدار الدنيا وهي أكثرها، وهي التي ينشغل بها الإنسان، ثم دار البرزخ وهي التي في القبر، وهذه اطول بكثير من دار الدنيا؛ يعني الإنسان يعيش في الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين وأقلهم من يجوز ذلك».
فهذه دار قصيرة جداً، قصيرة جداً، الدار التي تليها دار البرزخ، وهي أطول، قد تمتد إلى آلاف السنين، ثم تاتي الدار الآخرة وهي الدار الباقية التي لا تفنى، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107]، وهي التي المفترض أن الإنسان يعمل لها، تفكر وعقل هذا الأمر، يعمل للحياة الباقية.
ولهذا يقول الإنسان كما حكى الله عز وجل في سوره الفجر، الإنسان يوم القيامة يقول: يا ليتني قدمت، في آية أخرى قال: ﴿يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: 24]. سمي الآخرة هي الحياة لأنها هي الحياة الباقية، هي الحياة الباقية، أما الدنيا فهي الدار الفانية، الدار الفانية، فهذا يقول: ﴿يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾.
فهو يتمنى أنه قدم لحياته الباقية التي هي دائمة لا تزول، فالانسان يعمل لذلك ويجتهد ويجد لهذه الحياة الباقية التي لا تفنى. فنسال الله عز وجل أن يجعلنا من أهل الجنة في تلك الدار التي هي باقية لا تفنى.
أما دار الدنيا فالانسان لو عاش فيها في نكد وكرب وهم وغم، لكن القلب مطمئن بالله متعلق بالله يخرج منها، فان غمسة واحدة في الجنة تنسيه هذه الهموم والغموم والكرب والامراض والبلايا والفتن والمحن التي كانت في الدنيا، لكن اهم شيء أن يكون من أهل الايمان وقلبه معلق بالله وهو من أهل التوحيد.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى يوم القيامة بأسهل الأرض من أهل الإيمان؛ باسم فقير، مسكين، مريض ومبتلى، مصائب الدنيا تأتيه في جسده، في نفسه، في أولاده، في كل أموره، لكن هذا القلب متعلق بالله، مؤمن، فيغمس غمسه واحدة في الجنة، فيقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله. هذه الغمسة الوحيدة تنسى هذا البؤس الذي كان فيه.
فكيف بالبقاء والخلود والنعيم في هذه الجنة وفي الدار الآخرة؟ اسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهل الفردوس الأعلى من الجنة. نقف هنا ونواصل بعد الفاصل بإذن الله.
لأن يأخذ أحدكم أحبله، ثم يأتي الجبل، فياتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه. توجيه نبوي لعلاج أخطار المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر، وهي البطالة، وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجه عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي.
التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، ضعف نجوم التعليم والتدريب، وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها التي منها الإصابة بالاحباط وعدم الثقة ما يولد اكتئاب أو قلق أو شعوراً بالفشل، التوجه للجريمه والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.
ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل والإيجابية، تقديم القوات الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركة في سوق العمل، الإقراض الحسن للمشاريع الصغيرة أو الأعلى الفردية وإنظار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادة العظيمة عبادة التفكر، وكنا قد توقفنا قبل الفاصل عند التفكر في نهاية الدنيا وفي التفكر في حال الإنسان عند نزول الموت به، فهذا أمر عظيم يجعل الإنسان يحتقر هذه الدنيا، يحتقر هذه الدنيا، ويعرف أن حاله فيها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «كراكب استظل تحت ظل شجرة».
يعني هو مرتاح لولا شك؛ يعني هذا الذي قال جلس في وقت القيلولة تحت ظل الشجرة، لن يبقى فيها طوال حياته، وإنما هو ولا شك سيرحل، وهذا هو حالنا حتى ولو عشنا في البيوت، في القصور، في الدور العظيمة، هو مصيرنا سنرحل ولا شك. فهذا من أعظم التفكر والتدبر في هذا الأمر.
هناك أيها الأحبة أمور لا يحسن بالانسان أن يستطرد فكره في التدبر فيها؛ العقل له حدود، العقل له حدود، الله عز وجل أذن لنا في التفكر في مخلوقاته العظيمة، والتفكر في أنفسنا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي سَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: 8].
الله عز وجل جعل لنا هذه العبرة وهذه الآيات وهذه العبادة؛ التفكر في مخلوقات الله عز وجل. لكن هناك حدود يقف عندها العقل؛ العقل قاصر، لأن العقل حاسة لها حدود؛ البصر له حد، السمع له حد، الإنسان لا ينظر إلا ما هو أمام عينيه، لكن لا يرى الذي خلف الجدار، لا يرى الذي هو بعيد عنه، والسمع كذلك لا يسمع من مسافة بعيدة، لا يسمع، كما أن هذه الأعضاء لها حدود، العقل أيضاً له حدود، ويجب أن يقف عند حده، يقف عند حده، لأن العقل هو تبع للشرع، هو تبع للشرع.
ولهذا الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله عز وجل». تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله؛ يعني هذا مما يحرم على الإنسان أن يستطرد العقل فيه، عندما يتفكر في خلق الله، عندما يريد أن يعرف ماهو الله، هنا العقل يقف، لماذا؟ لأنه لا يمكن، لا يمكن أن يصل إلى شيء أقل من ذلك الإنسان لا يستطيع أن يصل إليه من مخلوقات الله، لا يستطيع الإنسان ولا يستطيع العقل أن يعرف كل هذا المخلوق، فضلاً عن فضلاً عن الخالق.
الجنة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ أيضاً يعني حتى ما لن يخطر على بالك، ولن ياتي على ذلك، ولن يمر بخيالك أبداً. النعيم الذي في الجنة كل ما تتصوره في عقلك فالجنة أعظم وأجل وأكبر من ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا خطر على قلب بشر». لا يمكن أن يخطر على بال كل ما تتصوره عندما تتصور الأشياء المحسوسة أو المرئيه أو تقيس على شيء معين.
ولهذا قال العلماء: إن الإنسان إذا أراد أن يعرف شيئاً أو يحكم على شيء هناك ثلاثة أمور؛ الأمر الأول: أن يكون رآه، أن يكون رأى هذا الشيء ليعرف حقيقة هذا الأمر، وهذا لا يمكن أن يكون في عظمه خلق الله عز في علاه أو التفكر في الله نفسي عز في علاه، لا يمكن مستحيل، لماذا؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103].
يعني لا يمكن لإنسان أن يرى الله خصوصاً في هذه الدنيا، أما في الآخرة فإن الله يرى؛ أهل الإيمان يرونه. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية، نص الله عز وجل عليها في كتابه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، تنظر إلى ربها عز في علاه.
فالانسان إذا ما رأى الشيء كيف يعرف وكيف يعرف؟ لا يمكن. هذه الحالة الأولى: أن يراه وهذا لا يمكن أن يكون في ذات في حق الله عز وجل في علاه، في حق من هو أقل من مخلوقات الله عز وجل التي كالجنة مثلاً، لم يراها الإنسان ولا يمكن أن يصل إلى كنفها.
الحالة الثانية: أن يقيس على مثله، أن يقيس على مثل، أن يرى شبيهه، وهذا أيضاً لا يمكن أن يكون في ذات الله عز في علاه، فالله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. ليس كمثله شيء، لا يمكن أن ترى مثيل أو شبيه أو نظير لله عز في علاه، تعالى الله عن ذلك.
فكيف كيف تقيس؟ أو كيف يستطيع الإنسان أن يرى أن يصل إلى كل ذات الله عز في علاه، إذا لم يرى الشبيه ولا النظير ولا المثيل؟ وهذا بعيد عن هذا عن ذات الله عز في علاه، وهو القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
الحالة الثالثة: أن يرى الإنسان آثار الخلق، أن يرى آثار الذي يريد أن يعرف كنهه، وهذه هي الحالة التي تعبدنا الله عز وجل بها، أن ننظر في آثار خلق الله عز وجل، أن ننظر في عظمه مخلوقات الله عز في علا، فنتعرف على الله من خلال مخلوقاته، من عظمه خلقه عز في علاه. هنا العقل يسبح في مثل هذا الأمر الذي أذن الله فيه، الذي أذن الله فيه.
ولهذا جاء في الحديث الذي صححه بعض أهل العلم: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق». تفكروا في الخلق، في المخلوقات ولا تفكروا في الخالق، لا يمكن ولن تستطيع أن تفكر في ذات الله عز وجل، فكل ما وصل العقل إلى هذا الأمر يجب على الإنسان أن يقف وأن يعظم الله وأن يقول: آمنت بالله، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن هذا من وساوس الشيطان، من وساوس الشيطان وأخبر.
إن هذا من تسلط الشيطان على العباد، أن يصل به وتدرج به في هذه الوساوس حتى يصل إلى أن يقول: من خلق الله؟ تعالى الله عن ذلك. هنا يجب أن يقف العقل، وأن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم، وأن يقول: آمنت بالله.
ولهذا لما جاء سفهاء قريش وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، انسب لنا -يعني هذا من عقولهم القاصرة، وهذا هو شأن الكافر- قالوا: انسب لنا ربك. فانزل الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. نفي الله عز وجل عن نفسه الوالد، ونفى عن نفسه الولد، ونفى عن نفسه المثل والشبيه والنظير.
ولهذا تسمى هذه السورة سورة الإخلاص وسورة الصمد، وهي من أعظم سور القرآن. ومن قرأها في ليلة فكأنما قرأ ثلث القرآن، لعظمة هذه السورة خالصة لتوحيد الله، ليس فيها أحكام ولا قصص ولا عبر وما أشبه، ليس فيها إلا توحيد الله عز وجل، ليس فيها إلا التوحيد. وهذا مما جعل هذه السورة من أحب السور وأعظمها.
هذه السورة التي من أحبها، كما فعل بعض الصحابة وأخبرنا وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، الذي كان يقرأها في كل صلاة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم -كانوا في غزوة- هذا الرجل كان يهمهم، ويقرأ بعد كل آيات يقرأ سورة الإخلاص. فلما عadوا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «سلوه لماذا يفعل ذلك؟». فقال: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حبه إياها أدخله الجنة». إن حب هذه السورة التي تتضمن صفة الرحمن عز في علاه، حب يدل على حب الله وعلى تعظيم الإنسان لخالقه ومولاه.
فالإنسان إذا دخل في عقله وتسلط عليه الشيطان في مثل هذه الوساوس، فلينته مباشرة، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول: آمنت بالله، ثم حبذا لو يقرأ هذه السورة ليعرف عظمة الله عز وجل وأنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد في علاه. نواصل الحديث بإذن الله عن بقية ما يتعلق بهذه العباده بعد الفاصل.
فقد توقف الحديث أيها الأحبه قبل الفاصل عند حدود العقل التي يجب أن يقف عندها في هذه العبادة وهي عباده التفكر. فهناك حدود العقل يجب أن لا يتعداها، ومن تعدى هذا الأمر فقد اشترى على الله عز في علاه، وتجاوز ما أذن الله عز وجل به، التفكر في ذات الله عز وجل. وهذا كما ذكرنا قبل الفاصل من مساويء الشيطان التي يدخل بها على الإنسان ليضله عن سواء السبيل.
لكن الإنسان يتفكر في أسماء الله وصفاته، يتفكر في أسماء الله وصفاته هذا الذي يحيي القلب، وهذا الذي يعلق الإنسان بالله عز وجل. يتفكر في هذه الأسماء وهذه الصفات وما تتضمنه من معان عظيمة جليلة كبيرة. يتفكر في معنى السميع البصير اللطيف الخبير -يعني مثل هذه الأسماء- في القلب وتعلق القلب بالله عز في علاه. ويعلم الإنسان من صفات الله عز وجل ما يكون دافعاً له للزيادة في الطاعة والعبادة والاقبال على الله، وما يكون أيضاً زاجراً له عن معاصي الله ومحارم الله، كان يعلم بأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافيه، وأن الله عز وجل شديد العقاب، وأن الله عز وجل جبار منتقم. هنا الإنسان يقف، يقف عند هذه الأسماء ويعرف معاني هذه الأسماء.
أيضاً في اسم السميع والبصير، عندما يعرف أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافيه، وأن الله عز وجل يعلم سرنا وجهرنا، وأن الله عز وجل مطلع علينا في كل أحوالنا، وأن عين الله لا تنام. فالإنسان إذا تفكر في مثل هذه الأسماء وهذه الصفات -وهذا هو الواجب على المسلم- ومن أعظم ما يعتني الإنسان في هذه الدنيا أن يعيش مع اسماء الله عز وجل والصفات، والله إنها من أعظم العبادات ومن أجل العلم واعظمه، وعظمه العلم من عظمه المعلوم، واعظم معلوم هو الله عز وجل.
والإنسان إذا عاش مع أسماء الله عز وجل وصفاته، كانت هذه الاسماء وهذه الصفات أو معاني هذه الاسماء وهذه الصفات كانت حياة لقلبه ونوراً له في حياته وسعادة وانس بالله، عندما يعرف هذه الاسماء وهذه الصفات، وتكون دافعاً له إلى الطاعات، وأيضاً تكون حاجزة له عن المحرمات. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، يربط الله عز وجل بين امرين كثير في القرآن كثير أو في السنه كذلك، يعني عندما يعيش الإنسان مع هذه الاسماء وهذه الصفات: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]. فهنا الإنسان يعيش مع صفات المغفرة والرحمة فيفتح له باب الامل، ويعيش أيضاً مع صفات الشدة والعذاب لأهل الكفر وأهل المعاصي، فيرتدع عن المعاصي والمحرمات.
وهذا كثير في كتابنا الكريم، فالله عز وجل بأسمائه وصفاته يفتح للناس أبواباً من الخير والرحمات والبركات في هذه الاسماء العظيمة الجليلة التي تجعل هذا القلب مخبتاً لله مستكيناً ذليلاً لله عز في علاه، عندما يتدبر ويتفكر في هذه الاسماء العظيمة الجليلة.
أيضاً مما يقف العقل عنده، أن يسرح في الغيبيات التي لا يمكن أن يعرف كنهه إلا من خبر الصادق المصدوق، أما أن يكون خبراً صادقاً في القرآن أو في كلام النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الامور الغيبية التي لا يمكن لأحد من البشر أن يجتهد فيها، كعذاب القبر وعرصات يوم القيامة، ما يحصل للإنسان وسؤال منكر ونكير في القبر. هذه الامور لا يمكن للانسان أبداً مهما وصل إلى درجات العلم، يتوقف العلم عندها، يتوقف عندها لأنها من الأمور الغيبية.
وهذه الأمور الغيبية أثنى الله عز وجل على أهل الإيمان بها، أثنى على أهل الإيمان به: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]. هذا الغيب الذي لا يمكن لأحد أن يعرفه إلا بالخبر الصادق في كتاب الله أو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه الأمور مثل الروح وكيفية دخولها في الجسد وكيفية خروجها عند الموت من الجسد، لا يمكن الإنسان مهما عملوا الآن من دراسات، كل هذا والانشغال به هو نوع من الدجل والخرافة التي لا يمكن لإنسان مهما بلغ من العلم أن يصل إليه. وهذا الله عز وجل نص عليه في كتابه الكريم في قوله في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. مهما حاول الإنسان هذه الأبحاث الآن التي تعمل لمعرفة هذه الروح التي في الجسد، هذا والله كله من العبث، كله من العبث وهذا من العلم الذي لا ينفع ولا فائدة فيه؛ لأنه لا يمكن هذا أمر نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم، لا يمكن الإنسان أن يصل إلى هذا الأمر.
كما هو العبث أيضاً مما يظن بعض الناس أنه من التطور في العلم وهو الوصول إلى الكواكب الأخرى العيش في... الآن يقولون أن هناك سيرسلون الرحلات إلى العيش في المريخ وفي غيرها من الكواكب، هذا لا يمكن وهذا والله من العبث الذي لا يمكن أن يحصل؛ لأن هذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]. يعني الله عز وجل قضى أن الله عز وجل خلقنا في هذه الأرض، سندخل في هذه الأرض ومنها نخرج يوم القيامة، لا يمكن للإنسان أن يخرج من هذه الأرض. فكل ما يفعل الآن وكل ما يصرف الآن من أموال لو وضعت في كبود جائعة والله لكان أولى من هذا العبث الذي يفعل باسم العلم والتطور والتقنية. وهذا إذا ابتعد الإنسان عن نور الوحي يقع في هذه المصائب وفي هذا الخلل.
وهذه خصوصاً الأمور التي نص الله عز وجل عليها في كتابه الكريم كحال الروح والموت وكيف تخرج هذه الروح من الجسد، وأيضاً القبر وعذاب القبر. هنا الإنسان إذا ابتعد عن نور الوحي يبدأ يفكر: طيب كيف مقابلة؟ طيب أنا أرى الميت أو يكون الميت في ثلاجة الموتى، وين السؤال؟ وين منكر ونكير؟ وين... هذه كلها والله من تلاعب الشيطان بالناس ومن أعمال العقل فيما لا يجوز، وتعدي العقل حدوده الشرعية. تعدي العقل هذه من الأمور الغيبية التي نؤمن بها ونسلم بها، وهذا والله مرتبة من درجات الإيمان عظيمة الله عز وجل نص عليها في كتابه الكريم، كما ذكر في أول سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 1-3]. أول صفة وصفها الله عز وجل من صفات المتقين: الذين يؤمنون بالغيب. الإيمان بالغيب علامة من علامات الإيمان، علامة من علامات التقوى في قلب العبد.
إذا ابتعد الإنسان عن هذا النور، انشغل بتوافه وبدا ينكر ما علم من الدين بالضرورة في كتاب الله وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا لابد أن يقيد هذا العقل بالشرع وبنور الوحي. هناك أمور لا يمكن للعقل أن يستوعبها؛ لأنها من الأمور الغيبية التي لم يأت بها خبر صادق، لا من كلام الله في القرآن ولا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله عز وجل حتى في خطابه للكفار، طلب منهم أن يتفكروا فيما يرونه وفيما هو أمام أعينهم وفيما يلمسونه ويستطيعون الوصول إليه. ولعل هذا الخطاب العظيم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]. هذا خطاب للكفار ويتبعه أهل الإيمان أيضاً.
هذا ما يتعلق أيها الأحبه بهذه النقاط التي لابد للعقل أن يقف عندها في حدود التفكر، في حدود هذه العبادة العظيمة. ويبقى شيء مما يتعلق بهذا الموضوع في ثمرات التفكر نرجئه إلى الحلقة القادمة. أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على أمور ديننا ودنيانا، وأن يجعلنا من أهل التوحيد الخالص، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني