تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فحياكم الله أيها الأحبة في اللقاء الثاني من هذه السلسلة المباركة في الحديث عن أعمال القلوب. بدأنا في اللقاء الماضي في العبادة القلبية الأولى، وهي الإخلاص، وسنواصل إن شاء الله في هذه الحلقة الحديث عن بقية ما يتعلق بهذه العبادة القلبية العظيمة، وهي الإخلاص. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. تحدثنا في اللقاء الماضي عن معنى الإخلاص، وعن ثمرات الإخلاص، وكيف يكون الإخلاص في العمل. سنتحدث إن شاء الله في هذا اللقاء عن عواقب ترك الإخلاص.

ما الذي يجنيه الإنسان من ابتغاء الأجر أو ابتغاء غير الله عز وجل في عمله، أن ينظر إلى غير الله؛ ألا يتمحض الإخلاص في قلب العبد في عمله؟ ما الذي يجني من هذا الأمر وهذه النية التي أشرك فيها مع الله عز وجل غيره؟ أعظم وأشد وأنكى مصيبة يحصلها الإنسان أن هذا العمل يكون وبالاً عليه يوم القيامة، ويكون سبباً في دخوله النار عياذاً بالله من ذلك. وهذا جاء نصاً في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الثلاثة الذين ذكرهم: المتصدق، والمجاهد، والعالم القارئ لكتاب الله عز وجل في علاه. هؤلاء عملوا أعمالاً عظيمة جليلة في نظر الناس؛ إنسان يجاهد في سبيل الله، إنسان يتصدق ابتغاء ما عند الله، إنسان يحفظ ويطلب العلم ويحفظ القرآن أيضاً لما يرجوه من الله عز وجل. لكن هؤلاء الثلاثة عملوا هذه الأعمال التي في ظاهرها هي من أعظم الأعمال عند الله عز في علاه، لكن بسبب ما وقر في قلوبهم من عدم الإخلاص لله عز في علاه وعدم الابتغاء ابتغاء الأجر من الله، حصل لهم هذا البلاء العظيم والمصيبة والطامة الكبرى يوم القيامة، نعوذ بالله من الخذلان.

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، أعوذ بالله! أول من تسعر بهم النار، لماذا؟ لأنهم لم يرجوا ما عند الله، لم يتمحض الإخلاص في قلوبهم، إنما هذا جاهد ليقال: بطل مقدام شجاع، وقد قيل؛ حصل ما يريده وما يرجوه من الثناء عند الناس وما أراد ما عند الله، وإنما أراد هذا الثناء وهذا المدح. وكذلك المتصدق ليقال: جواد سخي كريم منفق، وقد قيل؛ حصل الأجر الذي يريده وهو الثناء من الناس حصله في الدنيا. وكذلك العالم والحافظ لكتاب الله عز وجل ليقال: حافظ، ليقال: قارئ، ليقال: عالم، وقد قيل؛ أثني عليه، وهو ما يريده حصل الأجر في الدنيا وقد قيل، ثم يسحب على وجهه إلى النار عياذاً بالله من ذلك.

فهذا أمر خطير أيها الأحبة، وضرب المثل بهؤلاء الثلاثة له دلالة عظيمة أن الإنسان يحرص حتى في أعمال الخير الكبيرة؛ يعني لا يظن أنه إذا عمل عملاً عظيماً كحفظ القرآن أو الجهاد في سبيل الله أو النفقة أو الحج أو العمرة أو غيرها من الأعمال الجليلة يظن أنها تقبل عند الله مباشرة. لا، هذه الأعمال لابد أن يتمحض فيها الإخلاص، لابد أن يتحقق فيها شرط الإخلاص وإلا لما قبلت. لابد من تحقق هذا الشرط، وهو شرط الإخلاص. أما أن يعمل هذا الإنسان ويعمل هذا العمل ولو كان جليلاً ولو كان عظيماً في نظر الناس، لكنه يرجو نظر الناس، يريد الثناء من الناس، يريد السمعة، الرياء؛ فانه لا يحصل الأجر من الله عز في علاه، لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً له عز في علاه.

وهنا يحرص المسلم دائماً ويحذر من هذا الأمر، وخصوصاً هذا الحديث العظيم الذي تجثو له الركب حقيقه عندما ينظر الإنسان فيه؛ هؤلاء الذين عملوا هذه الأعمال الجليلة الكبيرة العظيمة التي يتصور الإنسان أنها من أجلِّ وأعظم الأعمال في ديننا: حفظ القرآن، الجهاد، النفقة والصدقة وبذل المال، أعمال عظيمة جليلة، لكن في الأخير تكون سبباً في دخوله النار، أعوذ بالله من الخذلان وعدم التوفيق! والله كارثة ومصيبة، وتجعل الإنسان يحذر أشد الحذر من قضية النية والإخلاص لله عز وجل، وهذا العمل القلبي العظيم الذي هو محط نظر الرب عز في علاه. قد يخادع الإنسان، قد يخادع الخلق، قد يرائي، قد يسمع، لكن الله عز وجل لا يخادع، الله عز وجل لا يخادع، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى، ويعلم السر وأخفى ويعلم ما وقر في قلب هذا العبد من حب لله وتعظيم لله وابتغاء الأجر من الله عز في علاه.

فلا ينظر الإنسان إلى ثناء الناس ولا إلى مدحهم، ولا يقيس هذه الأعمال بما ينظر إليه الناس، وإنما هو أعلم بنفسه، وهو طبيب قلبه وهو طبيب نفسه، ويععلم ما وقر في قلبه. ولهذا الإنسان دائماً يراجع نفسه ويصحح هذه النية، كما قال الفاروق رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. يراجع الإنسان نفسه دائماً ويصحح النية ويحاول دائماً أن يجدد هذه النية وأن يبتغي دائماً بأعماله وجه الله.

الشيطان لن يترك الإنسان؛ سيدخل عليه، ويحاول أن يوسوس، يحاول أن يشغله، يحاول أن يصرف هذه النية عن الله عز وجل، لكن الإنسان في جهاد، وهذا هو الجهاد الحقيقي: جهاد الهوى والنفس والشيطان. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. هذا الجهاد العظيم هو يكون مع أعظم عدو وهو الشيطان، الذي ذكره الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. لابد أن نعرف أن هذا العدو لن يترك الإنسان في عمله أن يكون خالصاً لله، لأنه يعرف أنه سيثاب على هذا العمل أعظم الثواب، والشيطان لا يريد من الإنسان أن يبتغي أن يحصل الأجر من الله، بل يريد أن يصرفه عن طاعة الله. والشيطان أقسم أمام ربنا عز في علاه أنه سيغوي بني آدم: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]. هو أقسم أمام الله عز في علاه أنه لن يتركنا نعيش في هذه الدنيا ونحن نعبد الله عز وجل بدون أي وساوس وبدون إضلال. لكن الموفق والمسدد هو الذي يعينه الله عز وجل ويصحح هذه النية ويخلص العمل ويتعوذ من الشيطان الرجيم، فإن كيد الشيطان ضعيف: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].

كما أخبر ابن عباس رضي الله عنه في تفسير سورة الناس؛ عندما قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]. يقول ابن عباس رضي الله عنهما يقول: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم. ولاحظوا يا إخوان جاثم أين؟ على القلب، لأنه يعرف أن القلب هو محط نظر الرب عز في علاه، وانه هو البوصلة التي تووجه العمل. فالشيطان جاثم على قلب ابن آدم؛ إذا غفل العبد وسوس، دخل عليه وعلى نيته، وإذا ذكر الله عز وجل خنس هذا الشيطان. فنسأل الله عز وجل أن يصرف عنا وساوس الشيطان، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. نواصل أيها الأحبة بعد الفاصل إن شاء الله.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نواصل أيها الأحبة الحديث عن هذا العمل العظيم وهذه العبادة الجليلة، وهي عبادة الإخلاص. وتحدثنا قبل الفاصل عن عواقب ترك الإخلاص، وعن انصراف القلب عن غير الله عز وجل؛ فهذا الأمر له عواقب وخيمة على الإنسان في دينه وفي دنياه، نسأل الله السلامة والعافية. فيحرص المسلم أشد الحرص على إخلاص العمل وابتغاء ما عند الله عز وجل، وعدم النظر في كلام الناس وثناء الناس وفي التزين للناس، فإنهم لن يغنوا عنه من الله شيئاً. فالله عز وجل هو الغني، وهو الكريم، وهو المعطي، وهو الذي نبتغي الأجر من عنده، وهو الكريم عز في علاه.

من العواقب الوخيمة التي يجنيها العبد إذا عمل عملا لغير الله عز وجل أو ابتغى في عمله غير الله عز وجل، فإن هذا العمل لا يقبل. يعني في الحالة الأولى التي ذكرناها قبل قليل في قصة الثلاثة: المجاهد والمتصدق وحافظ القرآن، هؤلاء كان هذا العمل سببا في دخولهم النار. هناك أيضا طامة أخرى تحصل للعبد في أعماله: أن هذا العمل لا يقبل، لا ينفعه عند ربه، يصبح هباء منثورا، لا يدخل في ميزان حسناته ولا يثقل هذا الميزان، وإنما يكون هذا التعب وهذا الشقاء وهذا العناء بدون مقابل عياذا بالله!

والإنسان يرجو يوم القيامة ما قدمه من أعمال وما عمله من أعمال سابقة؛ الإنسان في هذه الدنيا هو يزرع، يزرع في هذه الدنيا ليحصل الثمره يوم القيامة، فكون الإنسان يتعب ويجتهد ثم لا يجد شيئا، فهذا والله هو الخسران المبين عياذا بالله من ذلك. ولذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». فلا بد أن يكون العمل متمحضا فيه الإخلاص لله عز في علاه؛ يحرص الإنسان بقدر المستطاع، بقدر ما يدخل الشيطان في قلب العبد ويضعف النية الخالصة لله، بقدر ما يضعف هذا الثواب وهذا الأجر، قد يمحو تماما هذا العمل إذا نظر إلى غير الله عز وجل، أو أن يكون مع الله عز وجل الشريك في غيره. فبقدر ما يكون في قلبه من حب الثناء وابتغاء غير الله عز وجل، بقدر ما ينقص من أجوره.

ولهذا يقول الفضيل رحمه الله يقول: إنما يريد الله عز وجل منك أيها العبد نيتك وإرادتك. الله عز وجل ما يريد منك كثرة العمل، ما يريد منك كثرة العمل، وإنما يريد هذه النية الخالصة الصادقة. فإذا رافق هذه النية الصادقة والخالصة العمل الكثير، فهذا عمل فهذا شيء عظيم وبركة كبيرة. لكن الهدف والأساس والمقصد الأول الذي يبحث عنه الإنسان هو أن يكون هذا العمل خالصا لله عز في علاه، ويبتعد عن الشهرة والثناء ومدح الناس وابتغاء السمعة من الناس والثناء عليه وحمده وشكره؛ هذا لا ينظر له الإنسان، وإنما ينظر إلى ما عند ربنا عز في علاه.

والأمثله كبيرة وجليلة في تاريخنا الإسلامي وفي سير السلف الصالح، الذين ابتغوا ما عند الله عز وجل وكانت أعمالهم خالصة لله عز في علاه. من اعظم هؤلاء وأجلهم: السبعة الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ذكر منهم اثنين: الأول قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». لاحظوا هذا الإخلاص لله عز في علاه، كان هذا الأمر اليسير -وهو صدقة، وقد يكون بمال بسيط، بريالات معدودة، بدرام معدودة- لكن لان فيها من الإخلاص لله عز في علاه وتجنب نظر الناس فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، كانت هذه الصدقة سببا في أن يكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

والآخر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء السبعة قال: «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عينه». ولاحظوا كلمة (خالياً) ضع تحتها أكثر من خط، لأن تعطيك هذا السبب وهذا وهذه الثمره العظيمة التي جناها، أنه كان خالياً لأنه لا يرجو من أحد. الآن الإنسان في غرفته عندما يقوم الليل، عندما يسجد لله، عندما يذكر الله، ثم تخرج هذه الدمعة التي لا يراها أحد أصلاً ولا يرجو من أحد لا جزاء ولا شكوراً، فيتم فيها الإخلاص؛ فقد تكون هذه الدمعة هي سبب لنجاته يوم القيامة، وأيضاً هي سبب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون من السبعة الذين في ظل الله عز في علاه.

أعظم الأمثلة التي تذكر في كتب التاريخ؛ قصة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي عندما مات وغسل وجدوا في ظهره آثاراً لندوب، فكانت هذه الآثار التي كانت في ظهره من حمله للطعام وللدقيق. علي رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده، وصلى الله على من كان هذا بضعةً منه. ولا يستغرب ولا يتعجب الإنسان من هذا، فهذا من سلالة مباركة وهذا ليس بغريب. وكما قال الفرزدق: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلهم: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم»

وليس بعجيب على من كان من سلالة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أن يكون في هذه المكانة وفي هذه المنزلة العالية، وأن يتمثل الإخلاص في عمله بأن يتصدق وينفق على بيوت في المدينة دون أن يعلم أحد منهم أن المتصدق والمنفق هو هذا الرجل، وهو زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه.

أيضاً مما يتعلق بهذه العبادة العظيمة عبادة الإخلاص لله عز في علاه، وهي عبادة جليلة كبيرة عظيمة؛ هناك أمور لا بد أن ينتبه لها المسلم ولا بد أن يحذر منها، أنه قد يبدأ بالعمل لله عز وجل ثم يدخل الشيطان عليه؛ يعني مثلاً: إنسان يبدأ الصلاة لله عز في علاه يتنفل في المسجد فوجد أناساً في المسجد ينظرون إليه، فقد يدخل الشيطان إليه فيبدأ يحسن في صلاته ويزين في صلاته لنظر الناس. لأن الرياء -أيها الأحبه- إما أن يكون في ابتداء العمل فهذا يحبط تماماً ولا يقبل عند الله، وغني الله عز وجل عن عمل هذا العامل أن يكون منشأ العمل لغير الله؛ بداية العمل أصلاً ما تصدق إلا لكون الناس ينظرون إليه، ما صلى إلا لكون الناس ينظرون إليه، فهو في بداية عمله أصلاً بدأ لابتغاء الثناء من الناس، فهذا لا يقبل ويحبط عمله، وقد يكون من الذين ذكرهم الله عز وجل أو ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة؛ المتصدق والمنفق والمجاهد، فهذا أصل العمل لغير الله ويكون سبباً في دخوله النار -عياذاً بالله-.

وحالة أخرى؛ أن الرياء يطرا على العمل، يبدأ الإنسان العمل خالصاً لوجه الله، ثم بعد ذلك من نظر الناس إليه يبدأ يزين ويحسن في العمل، ولا شك أن هذا أمر خطير جداً أيضاً، ولا بد الإنسان يراجع نيته، لأنه قد يكون سبباً في حبوط عمله إذا استمر وتمادى في هذا الرياء، لكن إن كان من الموفقين ورجع وأناب إلى الله عز وجل واستغفر وجدد النية فإن الله عز وجل غفور رحيم، لكن الكارثه إذا استمر في هذا الأمر فهذه هي الخطوره، وإن شاء الله نكمل الحديث عن هذه القضية بعد الفاصل إن شاء الله.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً؛ جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. المرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأته على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة؛ فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبجهلها تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبجهلها وقع كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذه. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وأن لا يمنعها الحياء من ذلك، فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نواصل الحديث -أيها الأحبه- عن بعض الأعمال التي قد ينقص الأجر فيها بسبب ما دخل في قلب العبد من النظر إلى غير الله عز في علاه في عمله. وهذه القضية تدخل في باب الرياء، وهو باب خطير جداً، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر والشرك الخفي، وهو من أخطر الأشياء التي يوسوس بها الشيطان في قلب العبد، والموفق والمسدد والذي أعانه الله عز وجل هو الذي سلم من هذا، وليس بالامر الهين، هذا يحتاج إلى جهاد عظيم جداً للنفس والهوى.

قضية الرياء والسمعة والنظر إلى ثناء الناس؛ هذا يحتاج إلى مجاهده عظيمة جداً جداً، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إني في عملي هذا خالصاً لله عز وجل ويتيقن بذلك، بل الإنسان يخشى ويوجل ويخاف: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60] وهم الذين يعملون يتصدقون ويصومون ويحجون ومن أهل الإيمان، لكن في قلبه من الخوف من عدم القبول أو من دخول شيء من حظوظ الدنيا، فيحذر الانسان من هذا الامر اشد الحذر.

فذكرنا قبل الفاصل أن الرياء قد يكون في بداية العمل، في منشأ العمل، فإن هذا يحبط العمل تماماً، وقد يدخل أحياناً أثناء العمل، فالذي يتمادى فيه قد يكون سبباً لحبوط عمله كاملاً، لكن إذا جاهد الإنسان نفسه وجدد هذه النية وراجع إخلاصه فباذن الله أن الله عز وجل يعفو عنه ويتجاوز، والله عز وجل غفور رحيم.

هناك مسألة أيضاً مهمة جداً -وقبل هذه المسألة يعني قضية تجديد النية- أن الإنسان يحرص أشد الحرص على ألا ينظر في عمله إلا لله، على ألا ينظر في عمله إلا لله، ويحاول أن يربي هذه النفس على هذا الأمر، ويطبق ما قاله الله عز وجل في سورة الإنسان عن المتصدق، قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. نريد ما عند الله عز وجل، لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً، لا نريد لكم مقابل، يعني مقابل ما يعطيه الإنسان أو ما يبذله الإنسان من عمل، لا يريد مقابل لهذا العمل وأجر، ولا يريد أيضاً حتى الشكور والثناء، لا يريده من الناس.

ولهذا ذكر بعض العلماء لفته جميله؛ عندما يتصدق الإنسان أحياناً على بعض الفقراء ويقول: ادع لي، فهذا أيضاً يحاول الإنسان أن يتركه حتى يتمحض الإخلاص ويطبق قول الله عز وجل: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. لا تطلب إلا ما عند الله، لا تطلب حتى الدعاء من هذا، إن دعا وأثنى فخير وبركة، لكن أنت لا تطلب شيئاً حتى الدعاء؛ لأنك لا تريد إلا ما عند الله، لا تريد إلا ما عند الله. وهذا ملحظ دقيق وجميل ينتبه له الإنسان، لأنه فعلاً يكون فيه الإنسان خالصاً في عمله لله عز وجل، لا يريد حتى من هذا المسكين ولا من هذا الفقير، لا يريد أي شيء، سواء شكر أم لم يشكر، دعا أم لم يدعو؛ فعند المخلص الأمر سيان، لأنه لا ينظر إلى هذا الأمر نهائياً، وإنما ينظر إلى ما عند الله عز في علاه.

هناك أمر أيضاً أو قضية في قضية الإخلاص في العمل، وهو أن الإنسان قد يكون العمل خالصاً لله عز وجل، لكن يدخل مع هذا الإخلاص ابتغاء أمر آخر؛ يعني الإنسان أحياناً قد يذهب إلى مسجد بعيد مشياً ويترك المسجد القريب؛ لأنه يريد أيضاً مع ابتغاء الأجر في الخطوات الكثيرة يريد أن يكون له رياضة المشي، أو يخرج للحج ويتاجر أيضاً في حجه. فهذا إذا كان الأصل والقصد والنيه كلها لله، وجاءت هذه تَبَعاً لا قيمة لها، فبإذن الله أن الإنسان يحصل من الأجر ما يريده من الله، لكن قد ينقص الأجر بقدر ما يكون في قلب هذا العبد في عمله، بقدر ما يكون من نيته في هذا الأمر الذي هو لغير الله، بقدر ما يكون في قلبه له، فإن الأجر ينقص في عمله هذا.

هناك أمور -أيها الأحبه- يظن بعض الناس أنها من الرياء وليست من الرياء، حتى لا يطغى الإنسان في هذا الجانب أو يتسلط عليه الشيطان في هذا الجانب، فيكون عنده تصور لهذا الأمر حتى لا يدخل ما ليس منه فيه، فلا بد أن يحرص الإنسان، لا إفراط ولا تفريط.

يعني أحياناً الإنسان قد يعمل العمل خالصاً لله ولا نظر ولم ينظر إلى ثناء الناس أبداً، لكن بعد ذلك أثني عليه في هذا العمل، فهذا لا يعني أن الإخلاص عند هذا الرجل قد نقص أو أجره قد نقص أبداً، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر له أن الرجل يعمل لنفسه ويحب الناس أو يثني عليه الناس -ليس لأنه هو في الأصل لم يبحث عن هذا الأمر، لكن أثني عليه لكون هذا العمل عملاً فاضلاً عملاً جليلاً عملاً يحبه الناس فأثنى عليه الناس- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك عاجل بشرى المؤمن». يعني إذا أثنى عليك الناس دون أن تبحث عن هذا أو تتقصد وتعمده، فإن هذا من عاجل بشرى المؤمن، فهذا من الثناء الحسن الذي يكون للانسان في هذه الدنيا.

أيضاً قد يكون هناك من الثناء أو من الشهرة ما لم يطلبه الإنسان، لكن لا يمكن أن يكون العمل إلا بذلك؛ كمن يتصدر للفتوى وتدريس الناس وتعليمهم وخطب الجمعة والدعوة والوعظ في المساجد. هؤلاء يتصدرون، قد يثنى عليهم، قد يمدح، لكن هو لا يريد في عمله الثناء ولا الشهرة، لكن هذه جاءت تَبَعاً، إنه لا يمكن الخطيب يقول: أنا لا اريد أن أشتهر وأعرف بين الناس، كيف يكون ذلك؟ لابد أن يصعد المنبر ولا بد أن يتحدث إلى الناس. المفتي كذلك، العالم، الداعية، لا بد أن يخرج للناس، لكن هو في خروجه هذا إن كان خالصاً في عمله لله ولم يقصد لا الثناء ولا يريد ما عند الناس، وإنما يريد فقط ما عند الله عز وجل، يريد أن ينشر العلم، يريد أن يدعو إلى الله عز وجل على بصيرة، يريد أن يحصل من الأجور من الناس في أعمالهم، أن يدلهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يدلهم على الخير؛ فيكون هؤلاء في ميزان حسناته. لا شك أن هذه ننية عظيمة وصالحة وإخلاص كبير عند هذا العبد، باذذن الله أنه يوفق، ولو حصل له من الشهرة أو من الثناء الذي يأتي تَبَعاً، وهذا ليس -إن شاء الله- قادحاً في إخلاص العبد.

والإنسان أدرى بنفسه وهو أعلم، ولا يتوقع أن يجد هذا الثناء ثم بعد ذلك يدخله من العجب والرياء إذا لم ينتبه لهذا الأمر ويجدد هذه النية، فانه قد ينجرف في هذا المسار، وهو أمر وطريق خطير جداً.

أيضاً ليس من الرياء أن الإنسان إذا رأى جماعة أو كان في رفقة وراهم يتعبدون الله عز وجل فنشط للعبادة معهم؛ هذا أيضاً ليس من الرياء. يقول: أنا ما ذكرت الله، ثم إذا جلست مع قوم يذكرون الله ذكرت الله، أو في جماعة جلسوا يقرؤون القرآن فجلس يقرأ معهم فيقول: أنا لم أفعله لذلك. لا، قد ينشط الإنسان للعبادة مع الرفقة الصالحة، وهذا شيء طبيعي جداً. الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وهو المسدد والمؤيد بالوحي، يقول له في سورة الكهف: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]. فإذا كان الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: واصبر نفسك، أيضاً الإنسان إذا كان مع إخوانه -ولا شك أن هذه الرفقة الصالحة التي تدل الإنسان على الخير وتعينه عليه-.

أيضاً ليس من باب العجب والرياء والسمعة وعدم الإخلاص أن الإنسان يعتني بملابسه، يعتني بمظهره، يعتني بطيب رائحته؛ هذه كلها أيضاً ليست من الرياء، وليست من السمعة، وليست من عدم الإخلاص لله عز وجل، فهذه أمور؛ إن الله جميل يحب الجمال. والانسان إذا كان يهتم ويعتني بنظافته ورائحته، لا شك أنه له مثال وله سلف في ذلك، وهو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً كتم الذنوب؛ عندما يخطئ الإنسان يظن أنه من الرياء أو من السمعة وعدم الإخلاص أنه لابد أن يتكلم عن هذه الذنوب، هذا أيضاً من الخطا الجليل العظيم، فإن كل الأمة معافى كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا المجاهرين، فيستر الإنسان على نفسه، وهذا ليس من باب الرياء والسمعة.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يثبتنا على دينه، وأن لا يميتنا إلا وهو راض عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.