تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ونواصل بإذن الله في هذه الحلقة ما بدأنا به من الحديث عن أعمال القلوب. وحلقة هذا اليوم عن عبادة عظيمة جليلة من العبادات القلبية التي يحسن بالمسلم أن يعتني بها أيما عناية، لكونها تتعلق بجانب عظيم من جوانب الإيمان بالله عز وجل في علاه، ألا وهو المحبة.

المحبة لله؛ حب الله عز وجل عبادة قلبية عظيمة يجب على المسلم أن يعتني بها، وأن يبادر في كل ما يقربه من هذه المحبة، ويجعله بإذن الله يحصل على هذه الفضيلة العظيمة والمزية الكبيرة التي تقربه من الله عز وجل وترفعه أيضا عند ربه. فمحبة الله عز في علاه هي وسيلة لشيء أعظم وأجل وأكبر، وهي أن يحبنا الله، كما قال بعض السلف: ليس الشأن أن تحب الله، ولكن الشأن أن يحبك الله. فنحن نتقرب إلى الله عز وجل بهذه العبادة أننا نحب الله ونعظم الله في قلوبنا، لنحصل على ذلك الشرف العظيم أن نكون ممن يحب الله، أن نكون ممن يحبهم الله عز وجل.

فمحبة الله للعباد هي الغاية العظمى التي يتمنى الإنسان ويرجو أن يصل إليها في هذه الدنيا. فمحبة الله لعباده هي صفة عظيمة من صفات ربنا عز وجل في علاه، وذكرها في كتابه الكريم، وذكرها أيضا رسوله الكريم في أحاديث عدة. فالله عز وجل ذكر في كتابه الكريم أنه يحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب المتطهرين، ويحب المقسطين، وهذا كله جاء في كتاب ربنا عز في علاه.

أيضا جاء في المقابل نفي المحبة عن بعض العباد؛ الله عز وجل لا يحب الظالمين، ولا يحب الكافرين، ولا يحب المستكبرين، ولا يحب الخائنين. هذه كلها أيضا وردت في كتاب ربنا عز في علاه. فهذه الصفة العظيمة من صفات الله عز وجل، وهي محبته لعباده، هذه صفة عظيمة تجعل القلب يتشوق إلى هذا الأمر، تجعل أيضا القلب يطمئن إلى هذا العظيم جل في علاه، الذي يتفضل ويمن على عباده المساكين الضعفاء بمحبتهم. فأي شرف وأي عز وأي كرامة ينالها العبد إذا حصل على هذا الشرف وهذا العز وهذه الكرامة أن يحبه الله؟ أن يحبه العظيم الكريم عز في علاه. والله إنه لمنتهى الشرف والفضيلة في هذه الدنيا أن يصل الإنسان إلى هذه المحبة العظيمة.

هذه المحبة، محبة الله لعباده، لا تكون إلا بعد أن يصل الإنسان إلى أن يمتلئ قلبه بمحبة ربه عز وجل، فالإنسان يحب الله ليحصل على محبة الله له، ليحصل على محبة الله له. فمحبة الله عبادة نتقرب بها إلى الله، نتقرب بها إلى الله، وهذه من أعظم العبادات وأجلها وأكبرها وأعظمها؛ أن يمتلئ هذا القلب حبا لله، أن يمتلئ تعظيمًا لله عز وجل في علاه، أن يتعلق هذا القلب بالله، يتعلق بربه ومولاه الذي أنعم عليه وأكرمه وأعطاه.

الله عز وجل هو المنعم، هو المتفضل، هو الكريم عز في علاه، هو الذي خلقنا من العدم، هو الذي خلقنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ولا نعرف شيئا، وتفضل علينا بالسمع والبصر وبهذه النعام والفضائل التي لا تعد ولا تحصى. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. لا يمكن للإنسان أن يحصي هذه النعم التي من الله عز وجل بها عليه.

فالله عز وجل حقيق بهذه المحبة، بل محبة الله عز وجل يجب أن تكون فوق كل محبة، يجب أن تكون فوق كل محبة. ولهذا ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم ذكر محبته في مقابل أعظم محبوبات عند الإنسان في هذه الدنيا، وهي التي تسمى المحبوبات الثمانية. فالله عز وجل بين للانسان أن هذه المحبوبات إذا نافست أو غلبت على محبة الله عز وجل، فإن هذا الإنسان على خطر عظيم وهو في خسران مبين.

الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]. فالله عز وجل ذكر محبته مقابل هذه المحبوبات الثمانية التي هي أعظم ما يحب في هذه الدنيا؛ الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن. هذه إذا نافست محبة الله عز وجل فالإنسان على خطر عظيم، فلا بد أن يعظم الله، وأن يحب الله، وأن يقدم الله عز وجل على كل شيء، أن يقدم الله على كل شيء.

إذا كانت محبة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي تبع لمحبة الله لابد أن تكون فوق كل محبة، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكتمل إيمان الإنسان حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. لا يمكن أن يكتمل هذا الإيمان في قلب العبد حتى تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم فوق هذه المحبوبات جميعا، فكيف بالله عز في علاه الذي محبة نبينا صلى الله عليه وسلم هي تبع لمحبته؟ هي تبع لمحبته.

فمحبة الله عز وجل يجب أن تكون فوق كل محبة، وأعلى من كل محبة، وأجل من كل محبة. لابد أن يظهر في حال الإنسان، وفي عبادته، وفي عمله، وفي حياته كلها، ليس فقط هي مجرد دعوة يقولها الإنسان: إني أحب الله. الجميع يدعي ذلك؛ كل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك. الإنسان قد يدعي شيئا معينا، لكن الأفعال والأعمال هي التي تصدق ذلك أو تكذبه.

ولهذا جاءت هذه الآية العظيمة في كتاب الله عز وجل التي تسمى آية الامتحان، هذه الآية التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. يققال إن هذه الآية سبب نزولها أنه كان هناك أقوام ادعوا محبة الله عز وجل بأفواههم، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بهذه الآية، ولهذا سماها بعض السلف آية الامتحان أو آية المحنة، لأنها تختبر الإنسان. قل: إن كنتم تحبون الله، إن ادعيتم محبة الله عز وجل بألسنتكم، فهناك اختبار وهناك امتحان لابد أن يدخله الإنسان ليتمحص هذا الحب ويظهر على حقيقته، أن القضية ليست مجرد دعوة يقولها الإنسان، فلابد أن يظهر هذا بالأعمال.

الله عز وجل يقول: قل -أي يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه- قل لهؤلاء الاقوام الذين يدعون محبة الله عز وجل أو يقولون بألسنتهم إنهم يحبون الله عز وجل، أخبرهم بهذه الآية التي فيها اختبار لهذه المحبة. ونواصل إن شاء الله الحديث عن هذه الآية بعد الفاصل.

مصداق محبة الله عز وجل أن يكون الإنسان متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم. القضية ليست دعاوى يدعيها الإنسان؛ والدعاوى إن لم تكن عليها بينات أصحابها أدعياء. فليس القضية أن يتكلم الإنسان بلسانه، كل يقول: أنا أحب الله وأحب الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن لابد من العمل الذي يصدق هذا القول، لا بد من العمل الذي يصدق هذا القول. ولهذا يقول الشاعر: تعصي الإاله وأنت تزعم حبه ذاك لعمرى في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

لابد أن يظهر هذا الحب في طاعة الإنسان، في امتثاله لأوامر الله، في اتباعه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن يترجم هذه المحبة، أن يترجمها بالعمل ويطبق فعلا. ويطبق هذه الآية التي هي اختبار وامتحان لمحبة الإنسان لربه أو لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه.

فهذا أمر عظيم أيها الأحبة، لابد أن يعتني به الإنسان، وهو محبة الله، وأن تكون هذه المحبة مترجمة في واقع الإنسان، في عمله، في عبادته، في طاعته، في امتثاله لأوامر الله، في اجتنابه لمَحارم الله عز في علاه. هنا تتحقق المحبة الحقيقية التي يريدها الله عز وجل من العبد، والتي تكون سببا بإذن الله لمحبة الله للعبد. وهي الغاية العظمى التي يرجوها الإنسان من محبته لله. نحن نحب الله لنرجو بإذن الله أن يحبنا الله، لنحصل على هذه الفضيلة والمزية العظيمة التي هي من أعلى وأجل المراتب في ديننا.

هناك أيها الأحبة أسباب يفعلها الإنسان ليصل إلى هذه المحبة. هناك أسباب جعلها الله عز وجل في هذه الدنيا تكون سببا في الوصول في وصول الإنسان إلى هذه المحبة. وهذا من فضل الله علينا ومن كرمه ومن نعمته ومن منه علينا أن جعل لنا هذه الأسباب ويسرها لنا، أيضا جعل هذه الأسباب ويسرها لنا فهي ميسرة من فضل الله عز في علاه يفعلها الإنسان ليصل إلى هذه المحبة العظيمة.

من أعظم هذه الأسباب، من أعظمها: كثرة قراءة القرآن والتدبر لمعانيه. فالقرآن هو كلام الله، والذي يحب القرآن هو يحب الله، لأن القرآن هو كلام ربنا عز في علاه. والذي يقرأ القرآن هو الذي يناجي ربه، بقدر ما يحب الإنسان أن يناجي ربه بقدر ما تكون هذه المحبة في قلبه. ولهذا يقول ابن مسعود: من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله. يعني هو دليل على محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم. فتجد الإنسان الذي ينشرح قلبه لقراءة القرآن ويأنس التلاوة والتلذذ بهذه العبادة العظيمة، هذا ولا شك هو سبب موصل لمحبة الله، وهو دليل أيضا على محبة الله أو محبة العبد لله، هو دليل على محبة العبد لله. الذي يحب كلام الله هو يحب الله، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

فبقدر ما يأنس الإنسان بكلام الله عز وجل، وبقدر ما يسعد ويشغل وقته بقراءة القرآن، بقدر ما يكون هذا بإذن الله سببا في وصوله إلى محبة الله عز في علاه. والله عز وجل سمى كتابه الكريم أحسن الحديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. فهذا والله من أعظم النعم، من أعظم النعم التي ينعم الله عز وجل بها على العبد في هذه الدنيا؛ أن يكون متصلا بكتاب الله، أن يكون مكثرا لتلاوة القرآن، أن يعيش مع القرآن الذي هو سبب النور والهداية والخير والبركة في هذه الدنيا.

فهنيئا لمن أشغل وقته بالقرآن وأكثر من قراءة القرآن، وأيضا تدبر القرآن وفهمه وطبقه في حياته. فالقرآن لم ينزل فقط لمجرد التلاوة -وإن كانت عظيمة- لكن أيضا هناك أمر آخر لابد أن يعمله الإنسان في حياته مع القرآن. الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. يعني هو تلاوة وأيضا تدبر، وهذا التدبر هو الذي ينتج عنه رقة القلب وتعلق بالله عز وجل والشوق إلى لقاء الله عز في علاه، وأيضا التلذذ والأنس بالله عز في علاه. هذه كلها نتيجة تلاوة القرآن والعيش مع القرآن والحياة مع القرآن.

فهذا سبب عظيم أيها الأحبة، سبب عظيم في الوصول إلى محبة الله، أن الإنسان يكثر من تلاوة القرآن، يروض هذه النفس على أن تكون مع القرآن في يومه وليلته، أن لا يخلي يومه من تلاوة القرآن، أن يجعل له وردا ثابتا. إذا كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه الذي نزل القرآن على قلبه كان لا يترك ورده من القرآن، بل كان يقرأ طوال الليل. في ليلة من الليالي قام بسورة البقرة والنساء وآل عمران، وهذه لا شك منزلة عظيمة وعالية.

الآن، بعض الناس قد يقرأ صفحة صفحتين ويبدأ يشعر بالملل، لماذا؟ لضعف محبة الله في قلبه. وهذا دليل يا إخوان ومؤشر لهذا الأمر، فالإنسان يحرص وينتبه لهذا الأمر، لأن هذا فيه دلالة على ضعف محبة الله في قلب هذا العبد، إذا كان لا يأنس ولا يتنعم ولا يتلذذ بقراءة القرآن، فهنا لابد أن يراجع الإنسان نفسه، لابد أن يراجع الإنسان نفسه في علاقته بربه، وإلا لو كان هذا القلب ممتلئا بحب الله وتعظيم الله.

محب كلام الله شعر بالأنس والسعادة وهو يتلو كتاب ربنا عز في علاه. أيضاً من الأسباب التي توصل الإنسان إلى محبة الله عز وجل أن يحب الله ثم يحبه الله عز وجل؛ والتقرب إلى الله عز وجل بالنوافل بعد المحافظة على الفرائض، أن يكثر من النوافل بعد محافظته على الفرائض؛ لأن الفرائض هي التي يبدأ بها.

والله عز وجل أحب الأعمال إليه وأحب ما يتقرب إليه هو الفرائض، وما افترضه الله على عباده. ثم إذا حافظ الإنسان على هذه الفرائض بدأ في الإكثار من النوافل. هذه النوافل هي التي توصل الإنسان إلى أن يكون محباً لله وبالتالي يحبه الله عز في علاه، وهذا أمر لا بد أن نستشعره. كثرة الصلاة كثرة النوافل بعد الفرائض هذه من الأسباب الموصلة لمحبة الله للعبد.

والله عز وجل شرع لنا هذه الصلاة لتكون صلة بيننا وبينه عز في علاه، فكلما أكثر الإنسان من هذه الصلة هو ارتباط هو يكون دائماً مرتبطاً بالله عز في علاه، والصلاة عظيمة وشأنها عظيم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: «أرحنا بها يا بلال». فالإنسان إذا بدأ يصلي هو هنا بدأ في الاتصال مع الله، في الارتباط مع الله عز وجل في أعظم عبادة وأجلها وهي الركن الثاني من أركان الإسلام.

فالنوافل التي تأتي بعد الفرائض هي سبب عظيم لمحبة الله عز وجل للعبد. ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». ولا يزال عبدي يعني لا يزال مستمراً مداوماً، ليس مرة أو مرتين أو فارق السنة أو سنتين، وإنما ديدنه في هذه الحياة أنه دائماً يكثر من النوافل: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل». النتيجة ما هي؟ «حتى أحبه». يعني أن يصل إلى أن يحبه الله عز وجل، حتى هنا بمعنى إلى أن.

فهنا الإنسان يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله عز وجل، وهذه منزلة عالية وعظيمة. ولهذا يحرص الإنسان على كثرة النوافل، يحرص على السنن الرواتب التي بعد الفرائض، يحرص على قيام الليل، يحرص على سنة الضحى، هذه النوافل العظيمة هي التي تقربه من الله عز وجل وتكون سبباً في محبة الله عز وجل للعبد. ويتذكر دائماً هذا الحديث: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». ولا شك أن هذه المحبة ينتج عنها أيضاً فضائل عظيمة جليلة سنذكرها إن شاء الله بعد الفاصل.

لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة سنية ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أُسراً وأفراداً. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. توقفنا قبل الفاصل عند ذلك الحديث القدسي العظيم الذي يقول فيه ربنا عز في علاه: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فهو مستمر في يومه وليلته محافظ على هذه النوافل العظيمة التي جاءت في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم من السنن الرواتب، من صلاة الضحى، من قيام الليل.

وهذه العبادات العظيمة والنوافل العظيمة والصلوات التي تأتي بعد الفريضة يحصل على هذا الشرف الذي لا يدانيه شرف: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». لكن انظر إلى النتيجة، انظر إلى الثمرة العظيمة التي يجنيها العبد بعد هذه المحبة، ليست فقط محبة، وإنما حب محبة ينتج عنها ثمرة عظيمة.

الله عز وجل يقول في هذا الحديث القدسي: «حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». فيسدده الله عز وجل في جوارحه فيصرفها في طاعة الله دوماً، اللسان واليد والرجل والسمع كلها تكون مسددة في طاعة الله عز وجل، ممتثلة أوامر الله، مبتعدة عما حرم الله.

ثم تأتي أيضاً منقبة عظيمة وعالية وجليلة في آخر هذا الحديث، ثم يقول الله عز وجل في هذا الحديث القدسي في آخره: «ولئن استعاذني لأعيذنه، ولئن سألني لأعطينه». بمعنى أن الإنسان بعد هذه الفضائل العظيمة التي جاءت بسبب محافظته وكثرة النوافل عنده، بعد أن سدده الله عز وجل في هذا العبد الذي وصل إلى هذه المرتبة العالية، إذا استعاذ بربه أعاذه من كل شيء؛ من شياطين الإنس والجن، من كل ما يهمه في هذه الدنيا: «ولئن استعاذني لأعيذنه».

أيضاً من المناقب العظيمة التي ينالها العبد أنه يكون مستجاب الدعوة بإذن الله: «ولئن سألني لأعطينه». وهذا كلام ربنا عز في علاه الذي هو أصدق حديثاً، ومن أصدق من الله حديثاً؟ فالله عز وجل يقول هذا الكلام في هذا الحديث القدسي العظيم ليرغب العباد بكثرة النوافل. فهذه أيها الأحبة منقبة عظيمة للذي يكثر من النوافل، وهذا يجعل الإنسان يحرص على أن يحافظ على كل نافلة سمع بها من صحيح حديث نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، يسارع ويبادر في هذه النوافل ليصل إلى هذه المنقبة العظيمة.

أيضاً من الأسباب الموصلة لمحبة الله عز وجل دوام ذكره. وهذا ولا شك دليل عظيم على أن الإنسان يحب الله عز وجل، أن لسانه رطب بذكر الله عز في علاه. ولهذا لما جاء ذلك الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فدلني على عمل أتشبس به أتمسك به ليكون سببا في نجاتي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله».

الذكر أيها الأحبة الذكر عظيم، ولهذا الله عز وجل أمر بالإكثار منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب: 41]. لماذا؟ لأن له فضائل لا تعد ولا تحصى، وخيره عظيم وجليل، وهو عمل يسير لا يكلف الإنسان ولا يشق، وإنما فقط يحرك هذا اللسان بذكر الله عز في علاه. الذكر له شأن عظيم عند ربنا من الاستغفار، من أحب الكلام إلى الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله، بقدر ما يكثر الإنسان من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه الأذكار العظيمة تعلق القلب بالله عز وجل وتجعل الإنسان دائماً قريب من الله. وهناك أيضاً فضائل يجنيها الإنسان لا يمكن أن يتصورها. الإنسان الذي يكثر من الذكر هو يشغل لسانه بذكر الله، فينشغل هذا اللسان عن معاصي الله عز وجل، وهذه والله من أعظم الغنائم التي يجنيها الإنسان من ذكر الله عز وجل، أنه يشغل اللسان بذكر الله عن ذكر غير الله وعن الذكر الذي لا ينفعه، فيتقرب إلى الله ويشغل هذا اللسان حتى لا يشغله اللسان؛ لأن اللسان هو الذي يورد الإنسان المهالك.

فإذا شغل هذا اللسان بذكر الله عز وجل فهو أُشغل فيما ينفعه ويرفعه عند ربه. فهذه فضيلة عظيمة كبيرة في ذكر الله عز وجل، وهي تكون أيضاً من أسباب محبة الله للعبد.

أيضاً إيثار محاب الله عز وجل على غيره، وهذا يظهر إذا تعارض أمران: أمر فيه رضا الله عز وجل، وأمر فيه شهوة للانسان في دينه في دنياه، وهنا تظهر محبة الله عز وجل. يتعارض الأمران ما يحبه الإنسان لكن يخالف شرع الله، يخالف ما يحبه الله عز وجل، هنا يأتي الاختبار الحقيقي، عندما يتعامل الإنسان في الدنيا بالربا أو بغيره، هناك تأتي محبة المال لكن في مقابل ما حرم الله عز وجل.

هنا يأتي فعلاً الاختبار الحقيقي للإنسان: هل هو يحب الله صدقاً وحقاً أم هي مجرد دعاوى فقط لا تظهر؟ فهذه نوع أو هذا سبب من أسباب محبة الله عز وجل للعبد، أن يقدم محبة الله دائماً على محاب نفسه، هذا قد ذكرناه في المحاب الثمانية التي جاءت في الآية السابقة التي ذكرناها قبل قليل.

أيضاً النظر في أسماء الله عز وجل وصفاته، كثرة القراءة في أسماء الله عز وجل وفي معانيها. الإنسان عندما يقرأ في أسماء الله عز وجل وصفاته: الرحيم، اللطيف، الكريم، الرزاق، المنعم، هذه الأسماء تجعل الإنسان يتعلق بالله ويعرف من هو هذا الرب العظيم الذي يتعبد إليه ويحبه ويعظمه. هذه الصفات العظيمة لله عز وجل تجعل القلب يتعلق بربنا ومولانا عز في علاه عندما نعرف هذه الصفات العظيمة من الرحمة ومن اللطف ومن الرزق ومن الكرم والجود والتفضل.

وهذه أسماء عظيمة، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. عندما يشعر الإنسان أو يستشعر معنى هذه الأسماء ويدعو الله عز وجل بهذه الأسماء، لا شك أنها تكون مقربة له إلى الله عز وجل، وأيضاً تكون سبباً في محبة العبد لربه.

أيضاً النظر في النعم التي أنعم الله عز وجل بها على العبد، ننظر الآن في أنفسنا هذه النعمة البصر، نعمة السمع، نعمة الكلام، نعمة المشي، هذه انعام نتقلب فيها، نعمة الصحة، أنعام والله نتقلب فيها كثيراً. هذه تقربنا من الله وتجعلنا نحب هذا المنعم عز في علاه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. فبقدر ما ينظر في هذه النعم بقدر ما يحب المنعم عز في علاه.

أيضاً الانكسار بين يدي الله، هذا سبب لمحبة الله، أن الإنسان يتضرع ينكسر بين يدي الله، خصوصاً في السجود، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]. إذا سجد الإنسان فقد اقترب من ربه، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. ولهذا لما سأل ربيعة رضي الله عنه وأرضاه سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة قال: «أعني على نفسك بكثرة السجود». فكثرة السجود تقربك من الله، تكون سبباً في رفعتك عند الله، أيضاً تكون محباً لله ورسوله صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً مجالسة الصالحين الذين يتخيرون أطايب الكلام كما يتخير الناس أطايب الثمر. مجالسة الصالحين وسماع كلام الله عز وجل وكلام النبي صلى الله عليه وسلم من أفواه هؤلاء الصالحين الذين يجالسهم ويحب مجالستهم هم يقربونه من الله، وهذه نعمة عظيمة. كان بعض السلف يتشوق إلى مجالسة أصحابه الذين يذكرونه بالله عز في علاه، وأيضاً يبتعد عما حرم الله عز وجل، وهذا أيضاً يكون سبباً في وصوله إلى محبة ربنا الكريم المنعم المتفضل.

هذه أيها الأحبة بعض الأسباب التي توصل الإنسان إلى محبة الله عز في علاه، أسأل الله رب العرش الكريم أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يا راغبات في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.