تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية وفي مقرر أعمال القلوب.

والحديث في هذه الحلقة هو تبع للحلقة الماضية؛ بدأنا في الحلقة الماضية الحديث عن عمل عظيم من أعمال القلوب، وهو الرضا بالله، والرضا عن الله، والرضا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. تحدثنا في الحلقة الماضية عن الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا، وسنتحدث في هذه الحلقة عن الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.

هذا نوع من أنواع الرضا الذي لابد أن يتحقق في قلب العبد ليرضى الله عنه. فلا بد أن يقر الإنسان وأن يعترف وأن يتيقن حقا وصدقا أن هذا النبي صلوات ربي وسلامه عليه هو النبي الخاتم، هو خاتم الأنبياء، والذي لا يمكن أن نصل إلى الجنة إلا عن طريقه، وعن طريق الإيمان به صلوات ربي وسلامه عليه. فكل طريق لا يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضلالة وغواية وعدم توفيق وعدم هدى.

فلا بد أن يكون الإنسان سائرا في هذه الدنيا في طريقه إلى الله عز وجل تبعا لنبيه، وهذا هو معنى تحقيق الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. لابد أيها الأحبة أن يمتلئ قلب الإنسان بحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون حب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أي حب لمخلوق في هذه الدنيا. حب نبينا صلى الله عليه وسلم هو تبع لحب الله عز وجل في علاه؛ أعظم حب هو حب الله، ثم حب نبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو تبع لحب الله، ولا يكتمل أصلا في قلب العبد حب الله عز وجل إلا إذا أحب النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

فلا بد أن يكون حب نبينا صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا، ومن آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا ومن الناس أجمعين. هذا الحب هو الذي يجعل الإنسان ينقاد لشرع الله، ينقاد لسنة النبي صلى الله عليه وسلم إذا امتلا قلبه بهذا الحب. ولهذا لو نظرنا إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم وراينا ما في قلوبهم من حب للنبي صلى الله عليه وسلم، نتج عن ذلك أن فدوه بأرواحهم، قدموه على أنفسهم صلوات ربي وسلامه عليه.

ولهذا كانت لهم هذه المنزله العالية والرفيعة، والتي لا يمكن لأحد أن يبلغها؛ منزلة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم مهما عمل الإنسان ومهما فعل ومهما قدم. لن يصل إلى منزلة صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم الذين أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسهم، وفدوه بأنفسهم وبأموالهم وبأهليهم وحققوا ذلك على أرض الواقع. نحن الآن ندعي ذلك بالأقوال، نسال الله عز وجل أن نكون محقين صادقين فيما نقول، لكن الصحابة فعلوا ذلك وقدموا وبذلوا وأرخصوا أرواحهم فداء لنبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه.

هذا جزء من الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم: أن تعظم محبته في قلوبنا، وأصلا لا يكتمل إيمان الإنسان إلا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين»، قال عمر رضي الله عنه وهو صادق في مقولته: يا رسول الله، انك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! وهذه والله فضيلة ومزية لعمر أنه كان صادقا في كلامه لم يدعي المحبة وإنما ذكر ما في قلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يا عمر»؛ يعني لن يكتمل الإيمان في قلبك حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك.

فقال عمر بعد ذلك ممتثلا خاضعا لهذا الأمر في محبة النبي صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله، انك الان أحب إلي من نفسي، وهو صادق رضي الله عنه وأرضاه فيما يقول، ولهذا صدقه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الآن يا عمر، الآن يا عمر»؛ أي الآن اكتمل الإيمان في قلبك، الآن اكتمل الإيمان في قلبك. وحق لعمر رضي الله عنه أن ينال هذه المنزله الرفيعه، وهو ثاني رجل في الإسلام بعد أبي بكر الصديق من صحابه نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو دائما في صحبه نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أيضا من كان معه في حياته وهو أيضا جاره في قبره صلوات ربي وسلامه عليه.

فهذا هو من الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم: أن تعظم محبته في قلوبنا، وأن يكون أحب إلينا من أنفسنا. أيضا من الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم والامتثال لهذا الأمر: أن يحب الإنسان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والقراءة فيها، والتفكر والتدبر في غزواته وفي حياته كلها صلوات ربي وسلامه عليه، وأن يحب أن يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. الإنسان الآن يحب أن يقرأ في سير من يحبهم من العظماء والقاده والكبار، ولا ياتون شيئا أمام نبينا صلى الله عليه وسلم.

فالذي فعلا يريد أن يطبق هذه المحبة وهذا الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم فليكن له حظا من قراءة سيرة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه؛ أن يعرف حياته، أن يعرف تعامله، أن يعرف معيشته، أن يعرف كيف كان تعامله مع أهله، مع جيرانه، مع أصدقائه، مع أعدائه، كيف كان يغزو، كيف كان يجاهد، كيف كان يعبد الله عز وجل. هذا لا يكون إلا بقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليتأسى الإنسان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كلما تعرفت على النبي صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر كلما أحببتَهُ أيضا أكثر وأكثر، وايضا كان ذلك مدعاة للاتساي به والسير على هديه وعلى سنته في حياته كلها، حتى في الأمور العامة.

انظروا في ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان يحاول أن يطبق السنة حتى في الأمور الدنيوية، في الأمور التي ليست هي من العبادات، وهذا ولا شك دلالة على عظم محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلب ذلك الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه. أيضا من الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى الإنسان بحكمه وبشرعه، وهذا ما سنتكلم عنه إن شاء الله بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فما زال الحديث أيها الأحبة عن الرضا بنبينا صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. وهذه المرتبة وهذه المنزلة وهذه الدرجة الرفيعة العالية التي إذا تحققت في قلب العبد ذاق حلاوة الإيمان وذاق طعم الإيمان.

تكلمنا قبل الفاصل عن حب النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون مقدما على كل حب، حتى حب النفس. وأيضا من تحقيق هذا الأمر: أن الإنسان يقرا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرف أحواله، ويشغل وقته بالقراءة في سيرته، في تعامله، في هديه، في كل شؤونه صلوات ربي وسلامه عليه. فالقراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي عبادة، مجرد القراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي عبادة إذا أخلص الإنسان النية.

أيضا من الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم: الرضا بحكمه؛ بكل ما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن يسلم الإنسان ويطيع ولا يجادل ولا يمانع ولا يعترض بأحكام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يقول سمعنا وأطعنا. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. هنا الله عز وجل نفي الإيمان عن الذي لا يرضى بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لا يجد الإنسان في قلبه شيء من الحرج -وهو عدم الرضا، عدم القبول، عدم الاقتناع-: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

هذا هو حال المؤمن: أنه يسلم، يقول سمعنا وأطعنا، ويرضى بحكم الله وحكم رسوله صلوات ربي وسلامه عليه، هذا الذي يريد أن يصل إلى هذه المرتبة العالية من مراتب الإيمان. أيضا من محبة النبي صلى الله عليه وسلم والرضا به: الوقوف عند سنته وعدم الافتراء عليها. يعني الإنسان الذي يريد أن يتعبد الله عز وجل، يتعبد بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يسير على خطاه؛ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وما اجتنبه النبي صلى الله عليه وسلم يجتنبه، وما نهى عنه ينتهي عنه. هذا هو الذي يريد فعلا أن يرضى بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن ينظر في سنته عليه الصلاه والسلام، سواء كانت السنة القولية أو الفعلية أو التقريرية. هذه السنن الثلاث إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فالمسلم الموفق المسدد الذي يريد أن ينفع نفسه، فانه يتشبث ويتمسك بهذه السنن الثلاث: القولية التي جاءت على لسانه صلوات ربي وسلامه عليه وهو الصادق المصدوق، أو الفعليه الأشياء التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ونقلت عنه، أو التقريرية التي فعلها أحد الصحابه وأقره عليها النبي صلى الله عليه وسلم. هذه أنواع السنن الثلاثة؛ من رضي بنبينا صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا فانه يمتثل لهذه السنن الثلاث.

أيضا من الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحقيق هذا الأمر في حياة الإنسان: أن يبتعد عن كل ما يخالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من بدع، من خرافات، من منكرات في الاقوال والأعمال وغير ذلك. والقضية ليست دعاوي يدعيها الإنسان أنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخالف شرعه، والدعاوى إن لم تكن عليها بينات أصحابها أدعياء. فما يقول الإنسان أني أحب النبي صلى الله عليه وسلم ويفعل بعض الأشياء التي يرى أنها من حب النبي صلى الله عليه وسلم وهي مخالفة لشرعه، كان يحتفل بالمولد أو ذكر بعض الأهازيج والاشعار التي جاءت في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم. ليست هذه فقط، ليست هذه هي يعني محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيق الرضا به نبيا ورسولا، بل هو الامتثال لشرعه صلوات ربي وسلامه عليه، والاهتداء والاقتداء بسنته صلوات ربي وسلامه عليه.

يعني الإنسان لو كان حبك صادقا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. الذي فعلا يمتثل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحب النبي صلى الله عليه وسلم، ويرضى به نبيا ورسولا، هو الذي يأخذ ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتسليم والرضا والقبول، وأيضا يبتعد ويجتنب عما عن كل ما خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ينظر: هل جاء هذا الأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل فعله عليه الصلاة والسلام؟ لا يقول: «إنا وجدنا آباءنا على أمة» كما يفعل كثير من الناس الآن في بعض المنكرات والبدع التي يرون أنها من مظاهر حب النبي صلى الله عليه وسلم وهي ليست كذلك وهي ليست.

كذلك الحب الحقيقي هو في اتباع سنته، هو في امتثال هديه والسير على طريقته. هذا هو الحب الحقيقي، أما أن يكون الإنسان فقط بالكلام وببعض البدع والخرافات التي تنتشر عند بعض الناس ويقول: هذا هو دليل حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم! لا والله، ليس هذا هو حب النبي صلى الله عليه وسلم. إذا فعلت شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأنت لست بمحب، أنت مخالف للنبي صلى الله عليه وسلم، أنت مخالف للنبي صلى الله عليه وسلم، ويخشى الإنسان -يخشى الذي لا يحقق الرضا بالنبي صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا- يخشى أن يكون ممن يذاد عن الحوض يوم القيامة؛ عندما يأتي الناس إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيذادون، بعض الناس هناك من يذاد عن الحوض تدفعه الملائكة، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أمتي أمتي، فتقول الملائكة: ما تدري ما فعلوا بعدك أو ما غيروا أو ما بدلوا بعدك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: سحقا سحقا بعدا بعدا. يخشى الإنسان والله من هذا الأمر، يخشى أن يفعل شيئا لم يأت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من اجتهادات باطلة ومن أفعال بدعية ليست في ديننا وليست في شرعنا ولم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بها ولم يقرها، فيفعل الإنسان تعبدا ويقع في الضلال عياذا بالله من ذلك.

وينطبق عليه قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. هو يظن أنه يحسن صنعا، ويظهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر بالتواشيح والاحتفال وغير ذلك من الأمور التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله عنهم الجميع ولم يفعلها أحد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءت في عصور متأخرة من البدع والخرافات والمنكرات التي تفعل في بعض الأماكن وهم يظنُونَ أن هذا من إظهار وإشهار حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ولا شك من تسويل الشيطان وتزيينه للناس وإضلاله لهم. الشيطان يحرص على صرف الناس عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]. يزين له سوء العمل البدعة تزين، الخرافة تزين، الضلالة تزين، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. والله هذا من الضلال وعدم التوفيق.

ويرى الإنسان أحيانا من هذه المنكرات والبدع ويحزن ويعتصر القلب ألما عندما يرى الإنسان يعني هذه الأخطاء في أناس يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، لكن خالفوا الطريق الصحيح وخالفوا المنهج، فلعلهم بذلك ممن يذاد عن الحوض عياذا بالله من ذلك، بسبب عدم اتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم السير على طريقه ومنهجه وعدم الأخذ بهذه السنة القولية أو الفعلية أو التقريرية التي جاءت عن نبينا وحبيبنا وقدوتنا وإمامنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

ونواصل إن شاء الله بقية الحديث بعد الفاصل.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشا ضعيفا؛ جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمراه الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأته على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.

فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك، فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فقد تحدثنا قبل الفاصل عن أركان الرضا؛ الرضا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. هذه الأركان الثلاثة التي جاءت في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: أن من تحقق فيه هذا الرضا فقد ذاق طعم الإيمان وذاق حلاوة الإيمان، ومن قالها في أذعاره في الصباح والمساء ثلاث مرات: رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، من قالها ثلاث مرات في الصباح وثلاث مرات في المساء يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كان حقا على الله أن يرضيه»، وهذا يعني يجعل الإنسان يحرص أشد الحرص على تحقيق هذا الأمر بقلبه وبلسانه.

أيضا هناك نوع رابع من أنواع الرضا، وهو الرضا بالقضاء والقدر. والمقصود به التسليم؛ التسليم لكل أقدار الله عز وجل، التسليم والرضا عن الله عز وجل وطمأنينة القلب وسكونه لكل ما قدره الله على العبد. وهذا الرضا بالقضاء والقدر هو ركن من أركان الإيمان؛ من أركان الإيمان الستة: الإيمان بالقدر خيره وشره. الإنسان يكون راضيا مسلما، يعلم أن ما آتاه من خير فمن الله نعمة وفضل، وما آتاه من ابتلاء فهو اختبار وتمحيص له ورفعة لدرجاته. فالإنسان يتعامل مع الله عز وجل بهذا الأمر ليكون الرضا بالقضاء والقدر مرتبة في قلبه عالية جدا توصله إلى رضا الله عز وجل عنه.

والإنسان الآن حتى يصل إلى هذه المرتبة لابد أن يعرف أن كل ما في الدنيا هو مكتوب عند الله، وكل ما جاء من خير وشر فهو مقدر عند الله عز وجل ومكتوب للعبد في كتابه قبل أن يخرج من بطن أمه. إذا عرف الإنسان أن هذه المقادير تسير بأمر الله عز وجل وأن أمر الله عز وجل كله خير، فالإنسان يرضى ويقنع ويسلم ويطمئن قلبه بأقدار الله عز في علاه.

والرضا بالقضاء والقدر لا ينافي أحيانا الحزن أو الدعاء بأن يرفع الله عز وجل هذا البلاء، هذا لا ينافي ذلك. وهنا قد يحصل عند بعض الناس خلل، أنه عندما يصاب انسان بمصيبة ويراه يبكي فكأنه يعني يشنع عليه أن هذا من عدم الرضا، وهذا نراه أحيانا في بعض المقابر عندما يحضر الإنسان جنازة ويرى أهل الميت منهم من يبكي فتجد من يتكلم وهو يظن أنه على علم: لا تبكي، اتق الله! هذا ليس بصحيح وهذا خطأ. بل البكاء رحمة؛ البكاء الذي ليس فيه جزع وتسخط هو رحمة. نبينا صلى الله عليه وسلم عندما مات ابنه إبراهيم بكى، دمعت عينه عليه الصلاة والسلام، وأخبر أن هذه رحمة في قلوب العباد، هذا أمر طبيعي جدا. لكن لا يكون فيه تسخط ولا جزع ولا ألفاظ تغضب الله عز وجل، بل مجرد بكاء العين هذا أمر طبيعي بل هو مستحب لأنه يغسل القلب ويريحه، فالبكاء شيء طبيعي.

ولهذا من الخطأ بعض الناس تراهم في المقابر أنه عندما يرى أحدا من أهل الميت يبكي فانه ينهاه، يأمره بعدم البكاء: اصبر وكذا! اتركه يبكي، طالما أنه راض ومسلم وليس عنده جزع ولا تسخط فهذا أمر طبيعي وهذه رحمة في قلوب العباد. والنبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا لما مات إبراهيم دمعت عينه عليه الصلاة والسلام وقال: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». هذا هو الأصل؛ أن الإنسان لا يتجزع ولا يتسخط، وإنما يسلم ويرضى بقضاء الله عز وجل وقدره، حتى ولو حصل عنده شيء من البكاء من الحزن هذا أمر طبيعي جدا وهو رحمة في قلوب العباد.

أيضا الشكوى وبث هذا الأمر وذكر هذا الأمر أن الإنسان يعني إذا أصيب ببلاء أو أصيب بمرض أو عناء أنه يذكر هذا الأمر، هذا أيضا ليس إذا كان ليس على سبيل التسخط فليس فيه شيء، ولا يعد من مخالفة الرضا وعدم الصبر. الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم -وهذا من تدبر القرآن- ذكر عن أيوب عليه السلام الذي أصابه البلاء هذه السنين الطوال التي أصيب بها أيوب عليه السلام حتى فقد أهله وماله وولده ولم تبق إلا زوجته معه، ما يقارب من ثماني عشرة سنة عليه السلام وهو صابر صابر ومحتسب. الله عز وجل أثنى عليه بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. الله عز وجل قال: إنا وجدناه صابرا راضيا لا يتسخط. ومع أن أيوب عليه السلام نقل الله عز وجل في كتابه عن أيوب أنه نادى ربه وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. ألم البلاء! ومع ذلك الله عز وجل وصفه بأنه صابر وأنه نعم العبد وأنه أواب، مع أنه ذكر هذا أنه مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فهذا ليس من التجزع وليس من التسخط وليس من عدم الرضا.

ومن الخطأ أن يذكر الإنسان مثل هذا الأمر لبعض الناس ويكلفهم ويشق عليهم في هذا الأمر، بل الإنسان حتى ولو دمعت عينه، حتى ولو بكى، ولو حزن، ولو ذكر ما أصابه من بلاء، لكن هذا لا يكون بتسخط أو عدم رضا أو باخراج كلمات قد تكون أحيانا فيها هذا الأمر، وهنا الخطورة! هنا الخطورة، كما يقول بعض الناس: ما يستاهل، ليه يا رب؟! كلمات خطيره جدا قد يقولها الإنسان تخرج من لسانه أثناء البلاء فيه أو في أحد من أهله أو ولده، فيقول مثل هذه الكلمات التي لا ترضي الله عز وجل وهي لا يتحقق فيها الرضا بالقضاء والقدر.

كيف يصل الإنسان بإذن الله إلى هذا الأمر؟ يعني يجتهد حتى يصل إلى مرتبة الرضا بالقضاء والقدر، هناك أمور يفعلها الإنسان أو يستحضرها في قلبه وفي عقله ليتحقق في هذا الأمر، وهو أن يعلم أن الله عز وجل حكم عدل، وأنه لا يكون شيء في الكون إلا بأمره وبعلمه وبمشئته وبخلقه عز في علاه. فهنا الإنسان يعرف أن ما أصابه من مصيبة فمن الله، ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهَ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. فالإنسان إذا عرف هذا الأمر أن كل ما يحصل في الدنيا هو من أقدار الله وبامر الله، ولا يكون شيء إلا بعلم الله، فإذا استقر هذا الأمر في قلب الإنسان فانه بإذن الله يكون سببا في رضاه عن الله عز في علاه.

أيضا مجاهده النفس على الصبر؛ يحتاج الإنسان إلى مجاهدة ومصابرة ليصل الإنسان إلى هذه المرتبه ومرتبه الرضا؛ أن يراجع نفسه، أن يحاسب نفسه إذا حصل عنده شيء من عدم الرضا أو التسخط، مباشرة الإنسان الموفق هو الذي يرجع وينوب ويؤوب إلى الله عز وجل ويتوب، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. يرجع ويستغفر ربه إذا خرج منه ما يغضب الله عز وجل أو ما فيه دلالة على عدم الرضا عن الله عز في علاه في قضائه وقدره، فانه يرجع ويتوب إلى الله عز في علاه.

أيضا مما يعين؛ الدعاء، كثره الدعاء في الرخاء أن الله عز وجل إذا ابتلاه أن يرزقه الصبر، ولهذا جاء من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «أسألك اللهم الرضا بعد القضاء». والدعاء كله خير، وهو مما يعين الإنسان على الثبات في الشدائد وفي المصائب. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الثبات على الدين، وأن يرزقنا الرضا بالقضاء والقدر، وأن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.