بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك في أعمالنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
ما زال الحديث أيها الأحبة في هذه المادة؛ مادة أعمال القلوب في التربية الإسلامية في أكاديمية زاد، وقد تكلمنا في الحلقات السابقة عن عملين عظيمين من أعمال القلوب، وهما الإخلاص والتقوى. واليوم سنتحدث عن عمل قلبي عظيم، له مكانة عظيمة في ديننا، بل هو أصل عظيم من أصول الدين، ألا وهو الخوف؛ الخوف من الله.
هذه العبادة الجليلة العظيمة التي هي من أعمال القلوب التي يحبها الله عز وجل، والتي تكون سبباً لنجاة العبد في الدنيا وفي الآخرة إذا تحقق هذا الخوف من الله عز وجل في قلب العبد. الخوف هو فزع واضطراب في القلب من توقع حدوث مكروه أو فوات محبوب. الإنسان الخائف هو الذي يفزع، هو الذي يضطرب قلبه خوفاً من حدوث مكروه له أو فوات محبوب له، فهذا هو الخوف بمعناه العام الذي يكون في قلب العبد.
وهو عبادة عظيمة لله عز وجل، عبادة قلبية يتعبد بها العبد لربه عز في علاه بأنه يخاف من الله، يخاف من مقام الله عز وجل، يخاف من عقاب الله عز وجل. فهذا الخوف إذا تحقق في قلب العبد فقد أفلح ونجا وفاز هذا العبد في الدنيا وفي الآخرة بإذن الله. ولا شك أيها الأحبة أن الخوف واجب عظيم من واجبات الدين أن يتحقق في قلب العبد، لابد أن يكون هذا الخوف من الله في قلب العبد وإلا لهلك، أو أمن من مكر الله عز وجل ووقع في الفواحش ووقع في الذنوب والمعاصي.
والذي يعصم الإنسان من الوقوع في المحرمات وفي الوقوع في المنهيات هو الخوف من الله، ولذا كان هذا الأمر عظيماً جداً في قلب العبد. فالعبد لابد أن يكون خائفاً من الله في كل أحواله وفي كل شؤونه، لابد أن يستحضر هذه العظمة في قلبه لتردعه عن معاصي الله عز وجل. لو لم يكن هذا الخوف في قلب العبد فانه سيجرم على معاصي الله، لو لم يتحقق هذا الأمر في قلبه فانه سيكون في تعامله مع ربه يقع في الفواحش يقع في المنكرات، لأنه لم يعظم الله عز وجل في قلبه.
ولهذا كان بعض السلف يقول: القلب الذي ليس فيه خوف من الله قلب خرب، لماذا؟ لأن الخوف إذا انعدم في القلب فإن الإنسان يجرؤ على هذه المعاصي، يجرؤ على هذه الذنوب لأنه لا يراقب الله عز وجل، ولا يخاف الله عز وجل، ولا يعظم الله عز وجل. فضعف هذا الخوف وضعف هذا التعظيم في قلب العبد فكان سبباً في جرأته على المعاصي وعلى الذنوب، لذا كانت هذه العبادة العظيمة في قلوب أهل الإيمان.
وهناك درجة أعلى قليلاً من الخوف وهي الخشية، فهي مرتبة أعلى من الخوف. الخوف هو أن يخاف الإنسان في أحواله العادية، يخاف من عقاب الله، يخاف من عذاب الله. والخشية أعظم وأجل، فهي تتحقق في قلب العبد إذا عرف الله حق المعرفة، إذا قدر الله عز وجل حق التقدير، فهنا يعظم هذا الأمر في قلب العبد. ولهذا كانت الخشية في قلوب الأولياء، وفي قلوب الأتقياء، وفي قلوب الأنبياء، وفي قلوب العلماء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
فالخشية مرتبة أعلى من الخوف، الخشية خوف لكن يكون معها شيء من العلم والمعرفة والتعظيم لمن يخافه. فالذي يعرف الله عز وجل، ويقدر الله عز وجل حق قدره، ويعظم الله عز وجل حق التعظيم، فانه ينتقل من مرتبة الخوف إلى مرتبة الخشية، التي هي مرتبة عظيمة وعالية. من أعظم وأجل من تحققت في قلبه هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه القائل: «إني لأتقاكم لله وأخشاكم له». فالانسان إذا تحققت هذه الخشية في قلبه فهذه ناتجة عن معرفة بالله، عن تعظيم لله، عن توقير لله عز وجل، وهذه مرتبة عالية وعظيمة وجليلة يحرص المسلم على أن تتحقق في قلبه.
الله عز وجل أمر بالخوف منه ومن خشيته ومن رهبته في كتابه الكريم، ولهذا هي عبادة مأمور بها العبد لماذا؟ لأنها هي سبب نجاته. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. هنا إن شرطية، إن تحقق الإيمان في قلبك فلا بد أن تخاف من الله، وهذا أمر من الله عز وجل والأمر يقتضي الوجوب. وايضاً يقول الله عز وجل: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]. والرهبة هي الخوف والخشية من الله عز في علاه.
وهنا لفتة بلاغية ذكرها العلماء في اللغة وفي التفسير، أنه إذا تقدم المفعول به على الفعل فانه يقتضي الاختصاص والاهتمام والتأكيد، ولهذا فقال الله عز وجل: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، قدم المفعول به كما قال الله عز وجل في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 4]، هذا يدل على الخصوصية والاهتمام والتأكيد على هذا الأمر.
أيضاً الله عز وجل جعل هذه العبادة من اعظم العبادات وأجلها، بل الله عز وجل يريد هذا التخويف وهو مقصد من مقاصد الله عز وجل في كتابه الكريم للعباد، فهي عبادة مقصودة لذاتها. فالله عز وجل في كتابه الكريم خوفنا من أشياء كثيرة، خوفنا من عذابه، من عقابه، من سوء الخاتمة، خوفنا من يوم القيامة ومن مقامنا بين يدي ربنا عز في علاه، فهي مقصودة لذاتها. لابد أن يتفكر الإنسان ويتدبر في كتاب الله عز وجل، ويعرف أن الله عز وجل جعل كثير من الآيات ليكون الإنسان خائفا من الله. ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
فالله عز وجل يرسل هذه الآيات وهذه النذر لهؤلاء الاقوام، وايضاً نحن عندنا كتاب ربنا الذي نقرأ فيه هذه الآيات وهذه النذر لنخاف من ربنا عز وجل ونحقق هذه الآية: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. نواصل إن شاء الله الحديث عن هذه العبادة العظيمة بعد الفاصل بإذن الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ما زال الحديث عن هذه العبادة العظيمة الجليلة الكبيرة، وهي عبادة الخوف من الله التي هي أصل كثير من العبادات التي يتعبد الإنسان بها إلى الله عز في علاه. ذكرنا قبل الفاصل أن الخوف عبادة مقصودة لذاتها، والله عز وجل أورد في كتابه الكريم الكثير من النذر والآيات ليخوف العباد. وذكرنا الآية في كتابه الكريم: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، الله عز وجل أرسل هذه الآيات وهذه النذر ليخاف العباد من ربنا عز في علاه.
وهذا الخوف ليأمن الإنسان في الآخرة، الذي يخاف في الدنيا يأمن في الآخرة، فإن الله عز وجل لا يجمع على العبد خوفين ولا أمنين، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، ومن أمن في الدنيا خاف في الآخرة، وهذا نص عليه ربنا عز وجل في الحديث القدسي. أيضاً يقول الله عز وجل لهم عن الكفار في نار جهنم: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]. ذلك يخوف الله به عباده، يذكر الله عز وجل حال أهل النار لماذا؟ لنخاف أن نكون منهم، لنخشى لنتقي هذا الأمر، واتقوا النار. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم، فلابد أن نفهم هذه الآيات ونتدبر هذه الآيات، وأن نقف مع معانيها حتى يعرف الإنسان هذا العذاب أنه حاصل لا محالة فيخاف ويوجل فيستعد وبذل الأسباب لينجو من هذا العذاب الذي وعده الله عز وجل الكفار.
أيضاً حتى في الآيات الكونية في الخسوف والكسوف أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده. الخسوف والكسوف في القمر والشمس هما آيتان يخوف الله بهما عباده، عندما يحصل الخسوف أو الكسوف هي آية تخويف للعباد، ولهذا السنة إذا حصل الخسوف أو الكسوف أن يفزع الناس إلى الصلاة، وإلى ذكر الله والاستغفار والتسبيح، ليكون ذلك سبباً في نجاتهم وأمنهم في الدنيا وفي الآخرة. فهذه عبادة أيها الأحبة عبادة عظيمة.
والآن مع الأسف بعض الناس عندما يتحدث عن هذه العبادة أو يخوف الناس من عقاب الله عز وجل، يريد أن يبتعد الوعاظ أو الدعاة عن هذا التخويف رغبوا الناس، يعني اجعلوا أكثر الوعظ وأكثر الدروس هي في الترغيب وترك جانب الترهيب، وهذا خطأ. لابد أن يكون في الدعوة إلى الله عز وجل بالترغيب وبالترهيب، والتخويف مقصود لأن بعض الناس لا يردعه إلا الخوف من الله عز وجل إذا حذرته من عقاب الله، أما إذا استمر في مسألة الترغيب ذكر الأشياء الجميلة فإنه قد يأمن من مكر الله عز في علاه.
فلما يعرف أن هذا الأمر مقصود في كتاب ربنا عز وجل، ويقرع هذه القلوب، ويخوف بالله عز وجل، فلا شك أن هذا قد يكون سبباً في بعده عن معاصي الله. ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]. نبئ عبادي أخبرهم أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم، فلابد من الامرين.
لكن لابد أن يعرف الإنسان الخوف من الله، لأن هذا ينتج عن تعظيم الله في قلب العبد، وهو الذي يدفعه إلى الزيادة في الطاعات، إلى المسارعة في الخيرات، إلى البعد عن المحرمات، هذا الذي ينفعه ويرفعه عند ربه. ولهذا يقول الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: من خاف الله دله الخوف على كل خير. الذي يخاف الله عز وجل يبتعد عن معاصي الله، الذي يعرف أن الوقوع في المحرمات لها تبعة وعاقبة في الدنيا وفي الآخرة فإنه ينحجز عن هذه المعاصي وعن هذه الذنوب بسبب خوفه من الله عز في علاه.
أيضاً الخوف من أهوال يوم القيامة ومن عذاب يوم القيامة يجعل الإنسان يكثر من الطاعات، يكثر من الحسنات، لعلها تكون سبباً في نجاته وفي تثقيل موازينه يوم القيامة. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، الا أن سلعة الله غالية، ألا أن سلعة الله الجنة». هنا النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن من خاف أدلج، يعني سار في الليل وأسرع، وبدأ يبذل الأسباب التي تعينه على الوصول إلى الطريق الذي يريده ويبتغيه.
فمن خاف أدلج يعني سار وواصل الليل والنهار في سيره إلى الله عز في علاه، ومن أدلج بلغ المنزل، يعني الإنسان إذا واصل السير في الليل وفي النهار فانه سيصل سريعا إلى مبتغاه وإلى المكان الذي يريده. وأعظم مبتغى للمؤمن في هذه الدنيا هي الجنة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». فسلعة الله غالية وهي الجنة، فلابد أن يأخذ الإنسان في طريقه إلى الله عز وجل أن يتحصل هذا الخوف في قلبه الذي يحجزه عن المعاصي والذنوب، الذي يدفعه إلى العمل بالطاعات والمسارعة في الخيرات.
فهذا هو الخوف الذي ينفع الإنسان، الخوف الذي يكون سبباً لنجاة الإنسان، الخوف الذي يكون وقوداً في قلب المؤمن ليصل إلى مبتغاه وأعظم مطلب في هذه الدنيا وهي جنة ربنا عز وجل التي هي أعظم سلعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». فهذا الخوف أيها الأحبة خوف عظيم، عبادة جليلة كبيرة يحرص المسلم على أن تتحقق في قلبه، وأن يستحظر عظمة الله.
بين عينيه في كل أحواله وفي كل شؤونه. إذا استَحضر هذه العظمة وعَرَف عظمة من يعصي، فإنه ينحجز وانه يرتدع عن التمادي في هذه الذنوب وفي هذه المعاصي التي هي من تسويل الشيطان.
كيف يجرؤ الإنسان على معصية الله؟ يجرؤ على معصية الله إذا ضَعُف الخوف من الله في قلبه، إذا ضَعُف تعظيم الله في قلبه، إذا ضَعُفت المراقبة في قلبه، فإن الإنسان يجرؤ على معصية الله. وإلا فالإنسان الذي يعرف أن الله عز وجل يراه ويطلع عليه ولا تخفى عليه خافية عز في علاه، فإن الإنسان لا يمكن أن يعصي الله عز وجل سواء أمام الناس أو لوحده، فإنه يعرف أن الله مطلع عليه لا تخفى عليه خافية. الله عز وجل يرى الإنسان في سره وفي علنه، وهو معنا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: 7].
فالإنسان إذا استَحضر هذه المعية لله عز وجل في كل أحواله وفي كل شؤونه، لا يمكن أن يجرؤ على معصية الله. هذا الإنسان أمام الناس لماذا يبتعد عن الأخطاء والذنوب الكبيرة أو التي يشعر أنه قد يُحتقر أمام الناس بسببها؟ لأنه يراقب الناس، ويعلم أن الناس مطلعون عليه، ولهذا يبتعد عن هذه المعاصي وهذه الذنوب.
فكيف بالله عز وجل الذي لا تخفى عليه خافية، الذي يعلم السر وأخفى؟ فإذا استشعر الإنسان هذا الأمر، وأن عين الله لا تنام، وأن الله عز وجل مطلع عليه ويعلم سره وعلانيته، أن هذا يكون سبباً للبعد عن المعاصي وعن الذنوب، وأيضاً يكون فيه دحر للشيطان، دحر للشيطان لأنه هو الذي يسول هذه المعصية، هو الذي يحاول أن يخوف الإنسان.
ولهذا يقول الله عز وجل عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: 175]؛ يعني يخوفكم بأوليائه، أو يخوفكم من أوليائه، فيقع الإنسان في هذه الذنوب وهذه المعاصي.
أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: علموهم وأدبوهم. فنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إنِي أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك».
ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى. قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن. قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عنهم».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد؛ ما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادة العظيمة الجليلة، وهي عبادة الخوف من الله عز في علاه. ذكرنا قبل الفاصل أن هذه العبادة إذا تحققت في قلب العبد، فهي سبب عظيم في بعده عن المعاصي والذنوب، فهي الحاجزة له عن الوقوع في المحرمات، إذا استحضر عظمة الله عز في علاه، وأن الله مطلع عليه، وانه لا تخفى عليه خافية.
الله عز وجل يريد منا أن نخاف في هذه الدنيا، يريد منا أن نخاف في هذه الدنيا لعلمه عز في علاه أن الخوف إذا تحقق في القلب أحرق الشهوات والشبهات، ولا يزيل هذه الشهوات وهذه الشبهات من قلب العبد إلا الخوف من الله، إلا الخوف من الله. والله عز وجل قد يختبر العباد، يختبرهم بهذه الذنوب وهذه المعاصي ليعلم الصادق من الكاذب، ليعلم الذي يخاف الله ويخشاه ويراقب في السر والعلن من الذي لا يراقب الله عز وجل ولا يخافه ولا يخشاه إلا أمام الناس.
كما قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء: 108]. وهو معهم؛ هذه كلمة عظيمة تهز القلب: وهو معهم. فالله عز وجل معنا في كل وقت وفي كل حين، لوحدنا، مع الناس، في سفر، في حظر، في أي مكان، فالله عز وجل معك، والله عز وجل مطلع عليك، والله عز وجل يراقبك ولا تخفى عليه خافية.
فهذا الأمر إذا استحضره الإنسان في قلبه، فإنه يرتدع ويبتعد عن المعاصي. ولهذا يقول الله عز وجل في آية عظيمة في كتاب الله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]؟ ألم يعلم هذا العبد بأن الله عز وجل يراه ومطلع عليه ولا تخفى عليه خافية؟
أيضاً يقول الله عز وجل: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهَ وَقَاراً﴾ [نوح: 13]؛ تعظيماً، ما لكم لا توقرون الله عز وجل، تعظمون الله عز وجل؟ بأن تجترئ على معاصي الله، إذا كان الإنسان بنفسه أو كان لوحده، فإنه يجترئ على معاصي الله، هذا ولا شك دلالة على عدم التعظيم في قلب هذا العبد وعدم وجود الخوف في قلبه من الله عز في علاه.
ولهذا الله عز وجل ينادي الناس عموماً: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]؟ فالله عز وجل هو الذي خلقك وهو الذي يعلم حالك وهو الذي مطلع عليك، وجعل الله عز وجل عليك الرقيب والحسيب، فلا بد للإنسان أن يستشعر هذا الأمر ليبتعد عن معاصي الله عز وجل.
ولاحظ؛ الله عز وجل ذكر لنا أمثلة في كتابه الكريم من الابتلاء والاختبار والامتحان لمعرفة هذا الخوف الذي يتحقق في قلب العبد. الله عز وجل ذكر في قضية الصيد للمحرم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94]. هذا مثال ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، والمسلم الذي يتدبر القرآن يقيس على بقية المحرمات.
الإنسان إذا كان محرماً أو كان في الحرم وهو غير محرم، حتى ولو كان غير محرم، فانه يحرم عليه الصيد، فالحرم لا يجوز الصيد فيه. ولهذا الله عز وجل قد يبتلي العبد بأن يجعل هذا الصيد في متناول يده وفي متناول رمحه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] قريب منكم؛ هذا اختبار وابتلاء عظيم جداً.
وليس كما الحال كما هو الآن؛ قديماً لا يوجد وسائل من المعينات على التزود مطاعم وغيرها، وإنما هم يعتمدون على ما يحملونه من زاد أو ما يصيدونه في طريقهم. فالله عز وجل جعل هذا الصيد في متناول أيديهم ورماحهم اختباراً وابتلاءً، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94]. قد يكون الإنسان يمشي لوحده مسافراً لوحده داخل الحرم والصيد في متناول يده، فهذا اختبار وابتلاء امتحان من الله عز في علاه.
ولهذا من تدبر هذه الآية أيها الأحبة وطبقها على واقعنا الآن المعاصر، يجد أنها قريبة جداً ورادعة للمسلم. الله عز وجل قال عن الصيد: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94]، يعني أنه قريب منكم ومتيسر. وكذلك الآن أيها الأحبة، كثير من المحرمات الآن في متناول أيدينا، وهذه والله آية عظيمة: تناله أيدينا، الآن عندنا من الجوالات، عندنا من الأجهزة الحديثة ومن التقنية، ما تناله أيدينا وميسرة جداً وبوسعنا أن نفعل ما نريد، لكن ما الذي يمنع الإنسان؟ يمنع الإنسان هو الخوف من الله، مراقبة الله عز وجل.
ولهذا قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿لِيَعْلَمَ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94]. هنا يأتي الاختبار والامتحان الحقيقي للإنسان؛ الاختبار الحقيقي عندما يكون هذا الأمر متيسراً له وبين يديه، كما يحصل الآن من هذه الوسائل التقنية الحديثة، فإن المعصية ميسرة وقريبة جداً وفي كل مكان، حتى في غرفة نومه وعلى سريره وفي مكتبه وفي أي مكان وفي سيارته، فإن هذا الأمر متيسر جداً الوقوع في المحرمات أو الدخول إلى مواقع محرمة، هذا اختبار وابتلاء وامتحان.
فإذا كان الله عز وجل قد اختبر الصحابة ومن نزلت فيهم هذه الآية، اختبرهم وابتلاهم وامتحنهم بالصيد الذي هو محبب إلى قلوبهم وهو وسيلة من وسائل العيش عندهم، فالله عز وجل قد يبتلينا بهذه الوسائل الحديثة التقنية، ليعلم الله عز وجل أيضاً من يخافه ويخشاه بالغيب، فهذا اختبار وابتلاء وامتحان من الله عز وجل.
لا بد أن ينتبه العبد لهذا الأمر، وأن يعظم الخوف من الله في قلبه، وأن يستشعر هذه العبادة وأن يبحث عنها. يعني خوف الإنسان، قد يبحث عن هذه العبادة في قلبه، فإذا وجد أن هناك ضعفاً في قلبه، أن الخوف قل في قلبه، فإنه يبدأ يبحث عما يزيد هذه العبادة في قلبه؛ من القراءة في عظمة الله، في أسماء الله، في صفات الله، في الإكثار من ذكر الله، في استشعار ما عند الله عز وجل من عقاب، استشعار القبر ويوم الحساب والعقاب والنار وما فيها من سعير ومن عذاب أليم. فهذا كله مما يزيد الخوف من الله عز وجل في قلب العبد، ليصل إلى درجة الإيمان الذي يريده الله عز وجل من العبد، ويترقى في هذه المراتب ليصل إلى مرتبة الإحسان، التي هي قمة الخوف من الله، قمة تعظيم الله عز وجل، قمة خشية الله عز وجل: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
هي قمة الخوف من الله عز وجل، أن يشعر الإنسان أن الله يراه ومطلع عليه في كل وقت وفي كل حين، لا يمكن أن يجرؤ إنسان بفضل الله وتوفيقه ومعونته، لا يمكن أن يجرؤ على هذه المحرمات وهذه المنكرات، ما يغضب الله وما يسخط الله عز في علاه. إذا وصل إلى هذه الدرجة، فقد أفلح وفاز ونجا في الدنيا وفي الآخرة، وهي مرتبة عظيمة ومنزلة عالية جداً، وهي منزلة الخوف من الله عز في علاه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الخوف منه، وندعو الله دائماً أن يعظم خشيته في قلوبنا، وأن يعظم الخوف منه في قلوبنا، فهذه مرتبة جليلة وعالية وكبيرة، نسأل الله أن يرزقنا إياها. نقف عند هذا الحد في هذه الحلقة، ونواصل بقية الحديث عن هذه العبادة العظيمة في الحلقة القادمة. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، والحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني