بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة من الطلاب والطالبات والمشاهدين أجمعين. حياكم الله في بداية الفصل الثالث من أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية، وسيكون بإذن الله المقرر في هذا الفصل هو الآداب الشرعية؛ وهو جانب عظيم ومهم جدا من جوانب التربية الإسلامية يتعلق بالآداب التي يحسن بالمسلم أن يتمسك بها وأن يلتزم بها في حياته؛ في أدبه مع الله، وفي أدبه مع نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في أدبه في عبادته، وفي سلوكه الذي يتعامل فيه مع الآخرين، من الوالدين أو الجيران أو الاقارب، أو في تعامل الإنسان في زيارته للمرضى، أو في جانب مواساته لإخوانه في التعازي وفي الأفراح وفي غيرها من الأمور.
كل هذه الآداب بإذن الله ستكون موضوع دراستنا في هذا الفصل، وهذا الجانب حقيقة من الآداب الشرعية جانب عظيم جدا، ويحسن بالمسلم أن يبدأ به -وخصوصا طالب العلم- أن يبدأ به قبل طلبه للعلم، وكان السلف يعتنون بهذا الأمر أيما عناية، كانوا يحرصون على تعليم أبنائهم هذه الأخلاق وهذه الآداب وهذه السلوكيات العظيمة التي جاءت في ديننا؛ في كتاب ربنا عز وجل أو في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما أُثِر عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذه الأخلاق وهذه الآداب وهذه السلوكيات التي يمتثلها المسلم في حياته، لا شك أنها تعلي من شأنه وترفع من درجته ومن مكانته. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان على خلق عظيم قبل الإسلام، ثم لما جاء الإسلام قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي رواية: «لأتمم صالح الأخلاق». فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قبل الإسلام يلقب بالصادق والأمين، وأحبه الناس لخلقه وادبه وكرمه عليه الصلاة والسلام، وهذا واضح جدا؛ وحديث خديجة لا يخفى علينا الذي كان في بداية الوحي عندما قالت: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتحصل الكل وتُقري الضيف وتغيث الملهوف وتعين على نوائب الدهر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان على هذه الأخلاق العظيمة قبل الإسلام، ثم لما جاء الإسلام عزز هذه الأخلاق في نفس نبينا صلى الله عليه وسلم أولا، ثم بعد ذلك علا في أخلاق من سار على درب النبي صلى الله عليه وسلم واقتفى أثره. فالقرآن مليء بهذه الأخلاق، فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. وهذه -لو وقف الانسان معها يعني هذه الآية وهذه الجمل القصيرة- هي منهج حياة، منهج حياة، إذا تدبرها الإنسان وعرف ما فيها من آداب ومن أخلاق ومن سلوك ومن تعامل مع الآخرين. خذ العفو؛ ما عُفي من أخلاق الناس وما زاد -يعني لا تتطلب ولا تتكلف أن يعطوك شيئا زائدا عن الآخرين- خذ العفو، وأمر بالعرف؛ أُمر بما يعرفه الناس من أخلاق من آداب من سلوك، لا تكلف الناس فوق طاقتهم، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.
وهذه والله قاعدة عظيمة في حياة الإنسان، كم يقابل الإنسان في ليله ونهاره من أهل الجهل ومن أهل السفه أو من أهل الحمق، فلا بد أن يتعامل الإنسان باخلاقه وليس باخلاقهم، بادبه وليس بادابهم، وإنما هو يتعامل بهذا المنهج الرباني الذي جاء في كتاب ربنا في مثل هذه الآية، وقوله عز وجل: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: 63]. والله عز وجل يامر عباده بان يقولوا التي هي احسن، وغير ذلك من الآيات العظيمة التي جاءت في كتاب ربنا.
وأيضا جاءت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أُعلى من شأن مكارم الأخلاق ومن الأدب ومن الخلق الحسن، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعزز هذا الأمر في نفوس الصحابه دوما بتكرار هذا الأمر على مسامعهم، وايضا استغلال المواقف التي كانت تحصل بين الصحابه بينهم وبين بعضهم، أو مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو مع أزواجهم، أو مع جيرانهم؛ كان يعزز النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر في نفوسهم ويبين لهم علو شأن حسن الخلق والأدب والكرم والفضل والإحسان والجود والعطاء في أخلاق الإنسان.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل كل موقف ليعزز هذه القيمة العظيمة في حياة الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، وفي رواية: «درجة الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر». فهذا يدل على عظم هذا الأمر.
وحسن الخلق هو الأدب الذي يتعامل به الإنسان مع الآخرين، هو الأدب. ولهذا قال بعض السلف في تفسير حسن الخلق بشيء يسير وتريف بسيط: حسن الخلق شيء هين؛ وجه طلق، وكلام لين. وجه طلق وكلام لين، هذا هو الأدب العظيم الذي يمتثله الإنسان.
أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا زعيم -أنا زعيم أي ضامن- أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». لاحظوا أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم يضمن لصاحب الخلق الحسن والأدب القويم والرفيع، يضمن له النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى- يقول: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها تقول: ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة؛ في الدنيا يحبه الناس ويكرمونه ويجلونه ويقدرونه، الناس تحب حسن الاخلاق، وفي الآخرة ينال هذه المنزلة العظيمة، ينال هذه المنزلة العظيمة.
بل هو ممن يكون قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: «إن من أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا». فالذي يريد أن يرتفع في الجنة في المنزلة والدرجة والمكانه، والذي يريد أيضا جوار النبي صلى الله عليه وسلم، ويريد أيضا أن يكون محبوبا من الناس، فليتمسك بهذه الأخلاق وهذه الآداب الرفيعة العالية الجليلة التي جاءت في الكتاب وفي السنة. أسأل الله أن يعيننا على التمسك بها والمحافظة عليها والمداومة والثبات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونواصل بعد الفاصل بإذن الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زال الحديث ايها الأحبة عن فضل الأدب والتمسك بالأخلاق الكريمة والحميدة في حياة الإنسان. وذكرنا قبل الفاصل ذلك الفضل العظيم الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، أن الإنسان يبلغ بحسن خلقه وادبه وكرمه وفضله أنه يبلغ درجة الصائم والقائم. وهو ضَمِنَ له النبي صلى الله عليه وسلم، ضمن النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الأدب والخلق الرفيع أن يكون ببيت في أعلى الجنة، وأيضا هو أقرب الناس منزلا من النبي صلى الله عليه وسلم.
الأدب أيها الأحبة جانب عظيم ومهم في حياة المسلم عموما، وفي جانب أخلاق طالب العلم يكون أهم وأولى، وطالب العلم هو أولى الناس بهذه الأخلاق العظيمة التي جاءت في كتاب ربنا وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن يكون الإنسان عنده الهمة في طلب العلم ولا يكون عنده الاهتمام بالآداب والسلوك والأخلاق التي جاءت في كتاب ربنا وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا بد من الاقتران بين الأدب والعلم. بل إن السلف كانوا يقدمون تعلم الأدب على تعلم العلم، كانوا يقدمون تعلم الأدب على تعلم العلم، كما قال عمر رضي الله عنه: تأدبوا قبل أن تعلموا، تأدبوا ثم تعلموا.
يعني يبدأ الإنسان بالأدب، يتعلم السلوك والأخلاق في تعامله مع العلماء، في تعامله مع أشياخه، في تعامله مع أقرانه وإخوانه، في تعامله مع كتب العلم، يتأدب الإنسان ثم بعد ذلك يتعلم. ولذا يقول ابن المبارك رحمه الله في كلمة وعبارة جميلة جدا يقول: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
ماذا ينفع العلم الكثير إذا لم يكن معه الأدب والأخلاق والسلوك؟ حتى الناس لا يقبلون من الإنسان إذا كان صاحب خلق سيء، لا يقبلون منه، حتى الحق لا يقبلونه منه. فالإنسان إذا لم يقترن علمه بأدب وأخلاق تزين هذا العلم، فانه لا يقبل منه، حتى الحق لا يقبل منه. فالأدب هو أول ما يبدأ به الإنسان ويعتني به ويدرسه ويبحث عن مظانه، ويتعلم ما يتعلق به، وينظر في سلوك وسير الكُمَّل من الرجال وعلى رأسهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم بعد ذلك ينظر في سير السلف الصالح الذين تمسكوا بهذه الأخلاق وهذه الآداب العظيمة والجليلة والرفيعة، فيمتثل الإنسان بقدر المستطاع، يمتثل هذه الآداب ويطبقها في حياته، يطبقها في حياته.
فمن أجمل ما يكون في حياة الإنسان أن ينظر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وينظر في حياته وفي سلوكه وفي أخلاقه وفي تعامله، فيمتثل هذا الهدي ويطبقه في حياته. ولهذا النبي لما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن. كان خلقه القرآن، أي أنه يمتثل آيات الله عز وجل ثم يطبقها في حياته، يطبقها في حياته.
ونحن الآن القرآن بين أيدينا، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أيضا بين أيدينا، وهذه من نعم الله عز وجل علينا؛ فيقرأ الإنسان ويمتثل ويطبق في حياته لينال الأجر الكبير والخير العميق بهذا السلوك وهذه الأخلاق. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. نحن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا نقتدي بأخلاق الأنبياء التي وردت في كتاب ربنا عز في علاه، فالقرآن مليء بهذه المواقف في تعامل الأنبياء مع ربهم، في تعاملهم مع أقوامهم، في تعامل الأنبياء مع الناس، سواء كان في الدعوة إلى الله عز وجل أو في الأخلاق والسلوك والتعامل الشخصي، فهذا موجود في كتاب ربنا، والقرآن مليء بهذه الأخلاق وهذه الآداب.
فالأدب أيها الأحبة خلق قويم يدل على فضل الإنسان وعلى أخلاقه العظيمة وعلى تمسكه بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. ما معنى أن يكون الإنسان صاحب أدب؟ معناه أن تجتمع فيه خصال الخير التي أمر الله عز وجل بها أو حث عليها أو أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم أو فعلها وطبقها في حياته أو كانت في أخلاق العلماء والصلحاء والفضلاء والأخيار من الناس. هذا هو معنى الأدب: أن تجتمع في الإنسان هذه الخصال العظيمة.
فمعنى الأدب هو الأخذ بهذه المكارم والأخذ بهذه الفضائل، فينظر الإنسان ما يراه من أخلاق قويمة ومن أخلاق جليلة وعظيمة وآداب وسلوكيات في القرآن أو في السنة فيتمسك بها، يتمسك بها ويبتعد عن سفاسف الأمور وعن أراذلها، وهو بهذا يزكي نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. قد أفلح -أي فاز ونجح- من زكى هذه النفس وطهرها بالأعمال الصالحة وبالأخلاق القويمة وبالابتعاد عن سفاسف الأمور.
قد ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم بيتا في أعلى الجنة، بيتا في أعلى الجنة. وهو أيضا يكون من أقرب الناس منزلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهل بعد هذا الفلاح من فلاح؟ وهل بعد هذا الفوز من فوز؟ هذه والله هي النعمة العظيمة التي يمن الله عز وجل بها على العبد.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للأحنف بن قيس قال: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». وهي دليل على مكارم الأخلاق عند ذلك الرجل وذلك الصحابي الجليل، ودليل على أدبه ورفيع أخلاقه، أنه فيه الحلم -التروي- والأناة -أيضا عدم العجلة-. فهذه أيضا من أنواع الأدب التي يتمسك ويتحلى بها الإنسان، فهي قد تكون مجبولة في الإنسان، يجبل عليها الإنسان، كما حصل مع الأحنف بن قيس عندما قال: أهما خصلتان يا رسول الله أجبلت عليهما أم هي اكتسبتهما؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل عليهما، يعني الله عز وجل خلق فيه أو جعل فيه هاتين الخصلتين فطرة من بداية نشأته، فحمد الله وأثنى عليه أن جعله أو جبله على خصلتين يحبهما الله ورسوله. فأي خلق وأي أدب يتجمل به الإنسان إذا تمسك بهذا الهدي وهذا الخلق القويم العظيم!
ابن القيم رحمه الله له كلمة جميلة يقول: الأدب هو الدين كله. وصدق والله، فعلا الأدب هو الدين كله إذا تمسك به الإنسان. فلو نظرنا، ذكر أمثله كثيرة: ستر العورة أدب، والطهارة أدب.
والاستنجاء أدب، والتجمل باللباس في الصلاة أدب، وأيضاً الوقوف بين يدي الله عز وجل هو أدب أيضاً، ويثبت الإنسان الأدب في هذا الأمر.
وأيضاً التعامل مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو أدب، وأيضاً التعامل مع الناس مع الوالدين هو أدب؛ بر الوالدين هو أدب، الصدق أدب، الأمانة أدب، كل هذه التعاملات هي آداب يتمسك بها الإنسان. يتمسك بها الإنسان فيفلح ويفوز في دنياه وفي أخراه، وهذه الأخلاق العظيمة التي حث عليها الإسلام يحبها الله عز في علاه، يحبها الله ويحبها النبي صلى الله عليه وسلم، فما أجمل الأدب وما أجمل التمسك بهذا الأدب.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم، قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.
وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمم مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق.
ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتاكدوا من تخلقه باخلاق العلماء وتحليه بادبه، ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزله الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالاخلاق والأدب، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: مر معنا قبل الفاصل أيها الاحبه كلام ابن القيم الجميل والجليل في وصفه بأن الأدب هو الدين كله، وفعلا والله صدق رحمه الله. فذكرنا ما يتعلق بهذا الأدب في كل عباداتنا، يتمثل الإنسان هذا الأدب وهذا الخلق القويم في اخلاقه، في تعامله مع ربه وفي عبادته، في صلاته في وضوئه في طهارته في كل هذه الأحوال.
أيضاً في تعامله مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيضاً تعامله مع والديه، مع جيرانه، مع إخوانه، مع أصدقائه، مع زملائه، كل هذا يتمثل الإنسان فيه الأدب في حياته كلها. لكن يبقى الأدب في حياة طالب العلم له مزية خاصة، ولهذا قيل: الأدب هو زينه العلم، وهو أيضاً زينة العمل. فالعلم إذا اكتنفه الأدب من كل جوانبه افلح الانسان ونجح باذن الله، واثر في غيره ووصلت رسالته الى الاخرين بحسن خلقه وبأدبه وبحب الناس له بهذا الأدب وتقبل الناس؛ فالناس يتقبلون من صاحب الخلق والادب القويم والرفيع.
ولهذا يقول حافظ إراهيم رحمه الله في أبيات جميلة: لا تحسبن العلم ينفع وحده، ما لم يتوج ربه بخلاقي. يتحلى صاحبه بالأخلاق القويمة حتى تصل هذه الرسالة ويصل هذا العلم للاخرين، لابد ان يحاط هذا العلم بالادب والاخلاق والتعامل الحسن. الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو المسدد والمؤيد بالوحي، يقول له الله عز وجل في كتابه الكريم وهو عبرة لنا، وحاشاه عليه الصلاة والسلام أن يكون فيه ذلك الخلق، لكن هو تربية لنا حتى نقرا هذا القرآن آناء الليل وأطراف النهار ونتدبر، ثم نعلم ما فيه من فوائد ومن عبر ومن دلالات عظيمة في هذه الآيات، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. وهو نبي الله وحاشاه صلوات ربي وسلامه عليه، لكن هو تربية لنا. من أراد أن يوصل ما عنده من علم، وأن يتخلق بأخلاق أهل العلم وآدابه، فعليه أن يعتني بجانب الأدب وأن يخصص وقتاً من طلبه للعلم في قراءة كتب الأدب ومعرفة هذه السلوك وهذه الأخلاق وهذه الآداب التي جاءت سواء في كتاب ربنا أو في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
أو ما تكلمت به من نور الله عز وجل بصائرهم من أهل العلم الأخيار الكبار الفضلاء الذين تحلوا بهذه الأخلاق، وذاقوا طعمها وذاقوا حلاوتها، ثم وصفوها بأجمل الأوصاف وأحلاها عندما تكلموا بهذه الأوصاف بعد أن طبقوها ولمسوا وشعروا بهذه الحلاوة وهذه اللذة، ثم بدأ الحديث عن هذه الأخلاق وهذه الآداب في كلامهم، فكان في كلامهم نور النبوة عندما تكلموا بهذه الأوصاف وهذه الأخلاق.
هذا البيت أيها الأحبة الذي ذكرناه قبل قليل لشاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله: لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاقي، هذا بيت من أبيات جميلة وقصيدة جميلة لحافظ إبراهيم وهي من عيون شعره، الذي ذكر فيه هذه الأخلاق. وذكر قبل هذا البيت أبياتاً أيضاً جميلة تدل على مكارم الأخلاق، يقول: إني لتطربني الخلال كريمةً طرب الغريب بأوبة وتلاقي وتهزني ذكرى المروءة والندى بين الشمائل هزة المشتاق فالناس هذا حظه مال وذا علم وذاك مكارم الأخلاق والمال إن لم تدخره محصناً بالعلم كان نهاية الإمالق والعلم إن لم تكتنفه شمائل تعلیه كان مطية الإخفاق لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاقي
وهذه القصيدة من أجمل قصائد حافظ إبراهيم ومن عيون شعره رحمه الله، وهي التي يقول فيها في أبيات في آخرها: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إوراق الأم أستاذ الأساتذة الأولى شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أبيات جميلة ورائع وصف بها حافظ إبراهيم رحمه الله وصف حال الأخلاق الكريمة عند أهل العلم، وأن التمسك بها حقيقه هو الذي ينفع الانسان ويوصل رسالته إلى الآخرين. فما أجمل الأدب وما أحلاه إذا تمسك به الإنسان وإذا طبقه في حياته، ليس العبرة أو ليس المهم أن يقرا الإنسان وأن يحفظ النصوص التي جاءت في فضل الأخلاق والآداب والسلوك؛ فكلنا يعرف ذلك، وما من أحد إلا وقد سمع بكثير من الأحاديث والفضائل والأخلاق والآداب.
لكن القضية ليست قضية فقط الحفظ وفهم ومعرفه هذه النصوص، القضية الكبرى والعظمى هي التطبيق في حياة الإنسان، أن يطبق أن يعمل. لابد أن يجعل الإنسان من تعامله مع هذه النصوص أو في تعلمه لهذه النصوص أن يمتثل هذا في حياته، فهذا الذي يوفق وهذا الذي يسدد وهذا الذي يعان، وبارِكْ له في حياته وفي علمه وفي عبادته وفي دعوته إذا امتثل بهذه الأخلاق.
فالناس ماذا تريد من هذا الشخص حتى لو كان صاحب علم كبير؟ إذا لم يكتنف هذا العلم شيء من الأدب والأخلاق وطيب الكلام، فإن الناس لا تقبل منه هذا الأمر. فالإنسان الذي يريد أن يفلح وأن ينجح سواء في حياته كلها أو في دعوته، فلا بد أن يمتثل هذا الأدب وأن يخصص جزءاً من دراسته ومن تعلمه لتعلم هذه الأخلاق وهذه السلوكيات. يتدبر الآيات التي جاءت في كتاب ربنا أو في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، أو يقرأ ما كتبه أهل العلم في هذا الباب وهو كثير.
كانوا يمتثلون هذا الأمر، جاء في ترجمة الإام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه كان يحضر في مجلسه أكثر من خمسة آلاف طالب؛ خمس مئة معهم المحابر والأقلام طلاب علم يسجلون ويكتبون، وأربعة آلاف وخمس مئة ينظرون إلى سمت الشيخ وهديه ودله وأدبه وأخلاقه وسلوكه، جاؤوا ليتعلموا من أدبه ومن أخلاقه. وهذا والله جانب عظيم جداً يستفيده الإنسان في جلوسه في مجالس العلم ورؤيته لأهل العلم، وطريقه تعاملهم، وطريقه أخلاقهم، وطريقه خطابهم وردودهم؛ يتعلم الإنسان ويمتثل هذا في حياته حتى يطبق فيما بعد ويؤثر في الآخرين بإذن الله.
إذا وفق وسدد وأعانه الله عز وجل على تشرب هذه الأخلاق ثم التعامل بها مع الآخرين، إذا وفق الإنسان لهذا الأمر فإنه يسعد بإذن الله في حياته ويوفق. والأدب جانب عظيم جداً في حياة الإنسان إذا وفق له، ويسأل الإنسان ربه أن يرزقه حسن الأدب وأن يرزقه الخلق الحسن دائماً في اوقات الإجابة، ليوفقني رب العرش الكريم أن يرزقنا حسن الخلق والأدب القويم الرفيع الذي يعلي شأننا عنده في جنات عدن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني