تسجيل الدخول

آداب يوم الجمعة المحاضرة 21- التربية الإسلامية - المستوى الثالث - د. عبد العزيز الجهني

عبد العزيز بن محمد الجهنيد. عبد العزيز بن محمد الجهني
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية ومقرر الآداب الإسلامية. ومعنا في هذا اليوم أدب عظيم من الآداب الإسلامية التي يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في تعامله مع ربه؛ وفي هذا اليوم خصوصا الذي سنتحدث عنه -وأعني بذلك- آداب تخص يوم الجمعة.

يوم الجمعة يوم عظيم، وهو عيد المسلمين، وهو الذي هدى الله عز وجل له أو إليه هذه الأمة؛ فاليهود كان لهم السبت، والنصارى لهم الأحد، والله عز وجل هدى هذه الأمة لأفضل الأيام وخير الأيام وهو يوم الجمعة. فيوم الجمعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو خير يوم طلعت عليه الشمس»، وايضا قال عليه الصلاة والسلام: «خير ايامكم يوم الجمعة». فيوم الجمعة يوم عظيم، وهو سيد الأيام وأفضلها عند ربنا ومولانا عز في علاه.

وهذا اليوم أيها الأحبة فيه عبادة عظيمة، بل عبادات عظيمه يحسن بالمسلم أن يراعي الآداب الإسلامية التي تتعلق بهذه العبادات. من الشعائر العظيمه جدا في هذا اليوم هي صلاة الجمعة، التي لها خصوصية في ديننا بشعائرها، بالخطبتين اللتين تكونان في يوم الجمعة مع صلاة الجمعة، وخصوصية أيضا الصلاة التي تختلف عن صلاة الظهر بكونها ركعتين، وأيضا يجهر بهما. هذه الصلاة أيها الأحبة، والقدوم إلى صلاة الجمعة، يحتاج الإنسان أن يتعلم أو يعرف شيئا من الآداب المتعلقة بهذه العباده الجليلة التي يحسن بالمسلم أن يعتني بهذه الآداب عندما يقدم على هذه الشعيرة العظيمة التي يحبها الله عز وجل والتي هي في أعظم أيام الدنيا وهي في عيد المسلمين أيضا.

ولذا جاءت هذه الآداب أيها الأحبة في ديننا في كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، ومن أول هذه الآداب: الغسل يوم الجمعة، والاغتسال، والتطيب، والسواك، ولبس أحسن الثياب. هذه كلها آداب يعتني بها المسلم، ولا ينبغي للمسلم الذي يعظم الله عز وجل، ويعظم شعائر الله، يعرف فضل هذا اليوم وما فيه من عبادات جليلة وعظيمة، ويعرف أنه من اعظم أيام الدنيا، ويعرف أيضا أنه عيد المسلمين، فيعتني بالغسل والتطيب والسواك ولبس أحسن الثياب في هذا اليوم.

هذه جاءت في كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فيقول عليه الصلاة والسلام في حديث عظيم: «من اغتسل يوم الجمعة فاحسن غسله، وتطهر فاحسن طهوره، ولبس من احسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب اهله -يعني هذا كله فعله قبل أن يصل إلى المسجد- ثم اتى الجمعة، ولم يلغ، ولم يفرق بين اثنين» يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى»، يغفر له من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة الأخرى، وهذا فضل عظيم من الله عز في علاه إذا يتقيد الانسان بهذه الآداب وهذه السلوكيات وهذه الأخلاق العظيمة الجليلة التي جاءت في كلام نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

من اغتسل يوم الجمعة، هذا غسل يتعبد الانسان الله عز وجل فيه، وغسل يوم الجمعة يكون بعد اذان الفجر، ولا يكون في الليل، ولا يكون قبل الأذان؛ لأن المقصود به في يوم الجمعة، واليوم يبدأ من أذان الفجر، فهذا هو الغسل الذي يكون موافقا لسنه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون بعد فجر يوم الجمعة.

هذا الغسل، أما أن يكون غسلا يدخل فيه غسل الجمعة أو هذه السنة تدخل في غسل الجنابة أو في غسل النظافه والتبريد، فالإنسان إذا اغتسل للجنابة ونوى به أيضا غسل الجمعة أو قصد بذلك غسل الجمعة، يكون غسل نظافة وتبريد فيحصل الأجر والمتابعة التي جاءت في حديث نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. «وتطهر فاحسن طهوره»، أيضا توضأ لصلاته، «ولبس من احسن ثيابه»، يعتني الإنسان في ذلك اليوم بأن يلبس أجمل الثياب، ويستشعر أن هذا هو عيد المسلمين، أنه عيد للمسلمين؛ فأعياد المسلمين أعياد سنوية: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد أسبوع وهو عيد الجمعة، فهذا من الأعياد العظيمة التي يستشعر فيها الإنسان هذا الأمر، ويتخلق بهذه الأخلاق، ويقتدي بهذا الهدي النبوي العظيم الذي حث فيه النبي صلى الله عليه وسلم على لبس احسن الثياب في ذلك اليوم.

ثم يمس شيئا من الطيب، من طيب أهله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والطيب كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه في عموم حياته: «حبب الي» يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب». فهذا الطيب يحبه النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة خصوصا، يحرص الإنسان على هذا الأمر لوجود النص فيه، فالطيب محبوب في كل الأوقات، لكن يحرص الإنسان لأنه في يوم عيد من أعياد المسلمين، فيحرص على أن يتطيب في ذلك اليوم.

ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولم يلغ ولم يفرق بين اثنين»، يعني هذان شرطان إذا فعلهما الإنسان حصل ذلك الأجر العظيم الذي في آخر الحديث: «غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» يعني يغفر له ذنوب أسبوع كامل، هذا فضل من الله عظيم، لكن يتقيد الإنسان بما جاء في هذا الحديث. «لم يلغ» بمعنى أن يتكلم في أثناء الخطبة، والمقصود باللغو هو الذي يكون أثناء الخطبة فقط عندما يبدا الخطيب وإلى أن ينتهي هنا جاء النهي عن الكلام، «ولم يلغ» يعني لم يتكلم أثناء الخطبة، «ولم يفرق بين اثنين» وهذا مع الأسف يحصل عند بعض الناس ياتي متأخرا فيفرق بين الصفوف، وسياتي معنا إن شاء الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى»، فهذا فضل عظيم أيها الأحبة يحصله الإنسان إذا تقيد بهذا الأدب النبوي العظيم.

وغسل يوم الجمعة أيها الأحبة، غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة من سنن النبي صلوات ربي وسلامه عليه، بل جعله بعض العلماء من الواجبات، يعني من الأمور الواجبة على المسلم أن يغتسل في يوم الجمعة، وجاء في ذلك بعض النصوص التي سنتحدث عنها بعد الفاصل إن شاء الله.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيِرْ حِسَابٍ﴾. هذه تحية من الله للصابرين، الذين يؤدون عملهم بصبر، ويجتنبون المعاصي بصبر، ويستقبلون القضاء المر بصبر. فما أجمل الصبر، وما اعظم الصابرين! نحن بحاجة إلى صبر: ربنا أفرغ علينا صبرا. صبر في طريق الحياة الطويل الشاق، صبر على جفاء القريب وهجر الصاحب وكراهية الحاسد، صبر على بؤس الفقر والم المرض وسوء أدب الجاهل. فإذا هجاك سفيه ونال عرضك رعديد فاصبر. اصبر إذا تاخر المطلوب، وقل المساعد، وتعطل المقصود. اصبر على هذه الحياة الدنيا التي كدرت بالمغصات ومزجت بالمكروه. قال الحريري: دار متى ما أضحت في يومها أبكت غدا، قبحا لها من دار!

إخوتي، من عنده صبر فقد ملك أغلى كنز في العالم، وأعظم ثروة في الدنيا، فتجده يضحك وهو في وجه الازمات، يبتسم وهو في عين العاصفة؛ فالصبر حبيب الله؛ لأن الله يحب الصابرين. اللهم اجعلنا من الصابرين! اللهم اجعلنا من الصابرين! وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اما بعد، فقد توقف الحديث قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن غسل يوم الجمعة. غسل يوم الجمعة جاء فيه حديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم، بل جاءت فيه أحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم أخذ بعض العلماء منها وجوب غسل يوم الجمعة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» على كل محتلم، يعني على البالغ الذي احتلم، فهو واجب في نص هذا الحديث على كل محتلم. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء احدكم الجمعه فليغتسل»، فهذه أحاديث تدل على الوجوب. لكن بعض العلماء يعني جعل الحكم في غسل يوم الجمعة جعله مسنونا، أخذا أو جمعا بين أحاديث أخرى يعني لم يكن فيها هذا الوجوب الذي جاء في هذين الحديثين.

من الآداب والسنن أيضا -لكن الإنسان في كل الأحوال يحرص أيها الأحبة- يحرص سواء كان يعني على رأي بعض العلماء واجبا، أو كان على رأي الآخرين أنه سنة مؤكدة عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، لكن هو فضيلة وسنة مؤكدة من سنن يوم الجمعة: يتطهر الإنسان، ويتطيب، ويغتسل، وياتي بأحسن الثياب، ويمس من الطيب، ويستخدم السواك، ليكون فعلا متبعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ومعظما لهذه الشعيره العظيمة من شعائر الدين.

أيضا من الآداب أيها الأحبة التي تكون في هذا اليوم اليوم العظيم، وهو يوم الجمعة: التبكير إلى الصلاة، إلى صلاة الجمعة. التبكير إلى صلاة الجمعة والتبكير إلى صلاة الجمعة فيه اجر عظيم جدا، ومع الأسف هذا من الأشياء التي يقصر فيها كثير من المسلمين: التبكير إلى يوم الجمعة. ولو سمع الإنسان ولو أدرك ولو تيقن بهذا الفضل العظيم الذي جاء عن نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم لحرص أشد الحرص على التبكير إلى صلاة الجمعة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة» يعني غسلا كاملا مثل غسل الجنابة الذي يطبق فيه سنن النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الجنابة «ثم راح في الساعة الأولى مبكرا، فكانما قرب بدنة -فكانما ذبح بعيرا أو نحر بعيرا وقسم لحمه على الناس تصدق به الذي يأتي في الساعة الأولى- ومن راح في الساعه الثانيه، فكانما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكانما قرب كبشا أقرن وهذا يكون في الساعة الثالثة، ومن راح في الساعة الرابعة، فكانما قرب دجاجه، ومن راح في الساعه الخامسة فكانما قرب بيضة».

هذه الساعات الخمس الأوقات الخمس التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، ويحصل فيها الإنسان أجر من تصدق بهذه الأشياء؛ في الساعة الأولى فكانما قرب بدنة، كانما نحر جزورا وتصدق بلحمه، وفي الساعة الثانية الذي يأتي بعده في الساعة الثانية كانما قرب بقرة نحرها وتصدق بلحمها، وفي الساعة الثالثة الذي يأتي في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا أقرن تصدق بلحمه للناس وكان في ميزان حسناته، ومن جاء في الساعة الرابعة فكانما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكانما قرب بيضا.

هذه الأوقات أيها الأحبة، اختلف العلماء هل المقصود به الساعة بعينها التي هي ستون دقيقة، أم هي الأوقات واللحظات التي يقسم عليها النهار؟ لكن في كل الأحوال يحرص الإنسان على التبكير. ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاذا خرج الإمام -صعد إلى المنبر- فاذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر». إذا صعد الإمام إلى المنبر الملائكة تطوي صحفها وتدخل إلى المسجد، بمعنى أن الذي يأتي بعد صعود الإمام إلى المنبر لا ينال من هذه الأجور التي جاءت في هذه الأحاديث، لا ينال حتى البيضة، مع الأسف! وهذا والله حرمان أن يحرم الإنسان حتى البيضة في ذلك اليوم العظيم الذي هو من أعظم أيام الدنيا؛ فيحرص الإنسان على التبكير لينال هذه الأجور وهذه الفضائل العظيمة.

أيضا من السنن: أن يمشي الإنسان في ذلك اليوم إلى المسجد؛ يعني يحرص على أن يصلي في أقرب مسجد إلى بيته، ويذهب مشيا؛ لأنه جاء فيه فضل عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في حديث عظيم يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام -اقترب من الامام- واستمع ولم يلغ» انظروا أيها الأحبة ما له من الأجر العظيم! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كان له بكل خطوة عمل سنة، اجر صيامها وقيامها». كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها! خطوة واحدة يأخذ اجر سنة كاملة ما فيها من صيام وقيام، الخطوة الثانية سنة، لو مشى مئة خطوة له أجر مئة سنة بصيامها وقيامها، وهذا فضل عظيم لا يحيط به إلا ربنا ومولانا عز في علاه، لكن الإنسان يستشعر هذا الفضل وهو يمشي إلى مسجده إلى صلاة الجمعة، ويطبق هذا الحديث: «من غسل واغتسل ثم بكر وابتكر».

وهذا ذكر العلماء فيه عدة أقوال، يعني غسل واغتسل، بكر وابتكر؛ لكن من أشهر الأقوال إنه من باب تأكيد الكلام، ويدل عليه قوله أيضا في هذا الحديث: «ومشى ولم يركب» قضية مشى واضحة، «لم يركب» هو تأكيد لقضية المشي، كذلك «غسل واغتسل، وبكر وابتكر» يعني بادر وأسرع وعمل بهذا الأمر احتسابا لهذا الأجر. أيضا من السنن العظيمة التي يحرص عليها المسلم

إذا دخل إلى المسجد ألا يتخطى رقاب الجالسين عند دخوله إلى المسجد. وهذا مع الأسف يحصل أحياناً من بعض الناس؛ يأتي متأخراً والإمام يخطب، ويريد أن يصلي في الصف الأول أو في الصف الثاني أو الثالث. وهذا والله من الجهل حقيقة بدين الله عز وجل، يعني هو وقع في خطأ أنه جاء متأخراً، ويريد أيضاً أن يتقدم ويتخطى الصفوف، وهو بهذا يؤذي المسلمين، وأذية المسلمين محرمة.

ولذا لما دخل أحد الصحابة في يوم من الأيام إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وبدأ يتخطى الصفوف يريد أن يتقدم -لو كان الإنسان حريصاً على الصفوف الأولى فليأت مبكراً، أما أن يأتي متأخراً ويؤذي الناس ويتخطى الصفوف هذا من الخطأ- ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم له قال: «جلس فقد آذيت وأنيت». يعني كان في كلامه عليه الصلاة والسلام نهراً لهذا الرجل وزجراً له: «اجلس فقد آذيت وأنيت». آذيت؛ يعني آذيت الناس، آذيت المصلين الذين تتخطى رقابهم. وأنيت؛ بمعنى أنك تأخرت، يعني جئت متأخراً ثم تؤذي المصلين بهذا التخطي.

فالنبي ينبه الإنسان إذا جاء متأخراً أن يصلي حيث انتهى به الصف ولا يؤذي إخوانه المسلمين. ولهذا قال العلماء إن تخطي الرقاب يوم الجمعة محرم أخذاً من هذا الحديث.

أيضاً من السنن التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها في يوم الجمعة أو يتنبه لها، أنه إذا دخل المسجد فيبدأ بتحية المسجد. وهذا معروف ومشهور عند المسلمين، تحية المسجد صلاة ركعتين. تحية المسجد لكن أحياناً قد يأتي الإنسان وقت الأذان، أو قد يأتي والإمام يخطب، فهنا بعض الناس إذا أتى وقت الأذان فانه ينتظر حتى ينتهي الأذان ثم يصلي. ذكر بعض العلماء أن الأولى أن يصلي الإنسان حتى ولو كان المؤذن يؤذن، لماذا؟ لأن فضيلة استماع الخطبة أولى من استماع الأذان، فيبادر إلى الصلاه حتى يتفرغ للخطبة، حتى يتفرغ لسماع الخطبة.

فإذا جاء والإمام يخطب فانه يصلي أيضاً تحية المسجد ولا يجلس، ويصلي ركعتين خفيفتين ويتجوز بهما، كما قال النبي صلوات ربي وسلامه عليه: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز بهما». يعني يخفف هاتين الركعتين.

أيضاً من السنن العظيمة التي جاءت في كلام نبينا صلى الله عليه وسلم: الإنصات للخطبة. وهذا الإنصات عظيم جداً، ونتكلم عنه بالتفصيل بعد الفاصل إن شاء الله.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أول مراتب تعظيم الحق عز وجل تعظيم أمر ونهيه.

توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبه عند أدب عظيم بدانا به وتوقفنا، وهو الإنصات إلى الخطيب يوم الجمعة. يعني الإنسان مأمور بالانصات يوم الجمعة، يأتي ويصلي ويقرا القرآن، فاذا بدأ الخطيب في خطبته فهنا يجب على الإنسان أن يتخلى عن كل شيء يشغله عن هذه الخطبة، بل هو مأمور بالسكوت والإنصات والاستماع، وأن لا ينشغل بشيء عن هذه الخطبة.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة»؛ يعني والامام يخطب: «أنصت، فقد لغوت». مجرد الكلام يوم الجمعة يعتبر لغواً ويبطل أجر الجمعة، يكتب للانسان أجر الصلاة صلاة الظهر، أما أجر الجمعة وما فيها من فضل عظيم جداً عند الله فان الإنسان يحرم هذا الأجر عياذاً بالله. ولهذا لا ينبغي، حتى السلام لا يسلم الإنسان إذا جاء والإمام يخطب، وإذا سلم عليه لا يرد، وإذا عطس أحد المسلمين بجواره فلا يشمته، وتشميت العاطس هو من حق المسلم على المسلم، لكن في هذا الوقت خصوصاً لا يفعل شيئاً، لا يرد سلاماً ولا يشمت عاطساً ولا يتكلم مع أحد، وإنما يلزم الصمت.

حتى لو رأى شخصاً يتكلم فانه لا يقول له أنصت، فلو قال له أنصت فقد لغى أيضاً. فيحرص الإنسان على ترك الكلام نهائيا. وهنا أنبه أيها الأحبة أن بعض الناس يأتي معه بطفل، يأتي معه بابنه الصغير، فتجده يتعامل مع ابنه ولا كأن هناك خطبة ولا صلاة ولا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالإنصات، أحياناً يتكلم مع الصبي، يسكت الصبي، فهذا مسكين ضاعت جمعته، الأولى ألا يؤتى بالصبيان في صلاة الجمعة حتى لا يحرم الإنسان هذا الفضل.

أيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مس الحصى فقد لغى». يعني الانشغال حتى باليد لا ينبغي. طبعا هذا الكلام الحصى، كانت المساجد قديما من الحصباء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مس الحصى فقد لغى». يعني ينشغل ويلعب الإنسان ويلهو بالحصا الموجود في الأرض، هذا لا ينبغي. أيضاً الآن احنا عندنا مثلاً السبحة أو الجوال، ينطبق عليه هذا الحديث، فمن مسه فقد لغى، لأنه يأخذ حكم مس الحصى. فيحرص الإنسان على ألا ينشغل عن الخطبة بشيء، لا بالكلام ولا باليد ولا بأي أمر، وإنما ينصت ويلقي سمعه وقلبه وعقله لهذا الخطيب في هذه الشعيرة العظيمة من شعائر الإسلام.

أيضاً من السنن العظيمة أيها الأحبة: قراءة سوره الكهف يوم الجمعة. فهذه من السنن العظيمة التي يحرص عليها الإنسان أن يقرا سورة الكهف. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين». يعني يجعل للإنسان نوراً من الجمعة إلى الجمعة. وهذا النور ليس نوراً حسياً، وإنما هو نور معنوي يكون بالنور الذي في القلب، الطمأنينة، السعادة، الراحة، حب العبادة، الإقبال عليها، أمور عظيمة يشعر بها الإنسان في قلبه من حلاوة الإيمان، من لذة الإيمان، من حلاوة الطاعة ولذه العبادة، يشعر بها المسلم إذا وفق إلى مثل هذه الأعمال الصالحة. وقراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، واليوم كما قلنا في الغسل ويبدأ من بعد أذان الفجر.

أيضاً من السنن: الإكثار من الصلاة على النبي صلوات ربي وسلامه عليه. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عبادة عظيمة يحرص عليها الإنسان في كل وقت، في أي يوم، لكن في يوم الجمعة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي». أيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً». فيحرص الإنسان أصلاً، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أجلّ واعظم العبادات والتي تقرب الإنسان من ربه ومولاه، وأيضاً يكون قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فيحرص الإنسان على أن يكون له ورد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل أيامه، لكن يخص يوم الجمعة بالإكثار لورود الفضل أو الحث من النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة»، فيكثر الإنسان ويعلم أن صلاته معروضة على النبي صلى الله عليه وسلم كما قال عليه الصلاة والسلام: «فإن صلاتكم معروضة علي»، فهي صلاتنا تعرض على نبينا وحبيبنا وامامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم. فيحرص الإنسان على الإكثار، ليس فقط الصلاة كذكر وإنما الإكثار من الصلاة على النبي صلوات ربي وسلامه عليه في يوم الجمعة وفي ليلة الجمعة.

أيضاً من العبادات أو من السنن التي يحرص عليها الإنسان: الدعاء يوم الجمعة. والذي يكون في آخر ساعة من عصر يوم الجمعة، كما هو أرجح الأقوال عند العلماء؛ قبل أذان المغرب بنصف ساعة بساعة يحرص الإنسان على أن يتفرغ للدعاء في ذلك الوقت. وسياتي معنا في أوقات الدعاء المستجابة إن شاء الله في الحلقات القادمة، لكن يحرص الإنسان في يوم الجمعة أن يتفرغ قبل أذان المغرب بساعة أو بنصف ساعة ويعلم أن الدعاء في هذا الوقت مستجاب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل عطاء، يسأل الله عز وجل خيراً إلا أعطاه إياه»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده يقللها، يعني كأنها وقت قليل. فيحرص الإنسان قبل أذان المغرب على الاجتهاد في هذه الطاعة، وحقيقة ينظر الإنسان إلى حال الناس الآن قبل أذان المغرب يوم الجمعة، يرى الانشغال، يرى الاتصالات، يرى رسائل الجوال، يرى أمور حتى من بعض الأخيار، المفترض حقيقة أن يتفرغ الإنسان ويغلق جواله ويتفرغ للدعاء، لانه يعلم أن الدعاء مستجاب بإذن الله في هذا الوقت، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التمسوها»؛ أي هذه الساعه، «التمسوها في آخر ساعة بعد العصر»، فيحرص الإنسان على هذا الوقت.

من السنن أيها الأحبة في ذلك اليوم: سنة الجمعة. وسنة الجمعة تكون بعدية وليست قبلية، لا يوجد للجمعة سنة قبلية، وإنما يصلي الإنسان ما شاء إذا جاء إلى المسجد. ومن خصائص يوم الجمعة أنه لا يوجد فيه وقت نهي كبقية الأيام الذي هو وقت الزوال، وقت الزوال وقت نهي، الذي هو قبل أذان الظهر بشيء قليل، وقت الزوال هذا وقت نهي، لكن من خصوصية يوم الجمعة ومن خصائص يوم الجمعة أنه لا يوجد فيه وقت نهي، يصلي الإنسان ما شاء إلى أن يصعد الخطيب إلى المنبر.

الصلاه سنة الجمعة هي بعدية، يصلي ركعتين، يصلي أربع ركعات في المسجد أو ركعتين في بيته، لورود حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ الأول حديث ابن عمر يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف لبيته فيصلي ركعتين، هنا ذكر ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بيته ركعتين. وفي حديث أبي هريرة يقول أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلي بعدها أربعاً». فجمع العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء، جمعوا بين هذا، أن الإنسان يصلي إذا صلى السنة في المسجد فانه يصلي أربعاً، وإذا صلاها في البيت فيصلي ركعتين سنة بعدية.

أما سنة قبلية فلا يوجد للجمعة سنة قبلية، وإنما يصلي ما شاء في ذلك الوقت، مثنى مثنى إلى أن يصعد الخطيب إلى المنبر.

من الأمور التي يحرص عليها الإنسان أو ينتبه لها الإنسان، الدعاء الذي يكون في آخر الخطبة، وأنبه على هذا الأمر، أن الخطيب إذا دعا في آخر الخطبة هناك أيها الأحبة أمر لابد أن يحرص عليه الإنسان، ألا يرفع يديه، وإن كان رفع اليدين من سنن الدعاء، لكن في هذا الوقت خصوصاً، لا للخطيب ولا للمأموم يرفع يديه في وقت الدعاء أو عند الدعاء في آخر الخطبة.

من السنن أيضاً التي يحرص عليها الأئمة وهي قراءة سورة السجدة والإنسان في صلاة الفجر، في صلاة الفجر يحرص الإنسان عليها لأن كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويكثر من قراءه هاتين السورتين في صلاة الفجر.

أنبه أيها الأحبة إلى أمر يقع فيه بعض الأئمة هداهم الله، وهو أنه يحرص على قراءة سورة الجمعة في ليلة الجمعة، يعني في صلاة العشاء ليلة الجمعة، كثير من الأئمة مع الأسف يقرا سورة الجمعة أو يقرا آخر سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]. وهذا إذا تعود عليه الإنسان ولازمه وظن أنه فضيلة، فهو قد يدخل في باب البدعة، لأنه يفعل شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فلا، يجب على الإمام أن يطبق السنة وأن يحرص على السنة. شيء لم يفعله النبي صلوات ربي وسلامه عليه لا يفعله. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرا سورة الجمعة والمنافقون، يقراها في صلاة الجمعة، في صلاة الجمعة كما يقرا سبح والغاشية، هذه سنة وهذه سنة، أما في ليلة الجمعة فليس هناك سنة، ولا كذلك في فجر الجمعة من يقرا سورة الجمعة في فجر الجمعة هذه أيضاً ليست بسنة. فيحرص الإمام والخطيب على تطبيق السنة في ذلك اليوم العظيم الذي هو عيد من أعياد المسلمين.

أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا اتباع السنة، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يدلنا على كل خير، وأن يصرف عنا كل شر. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.