تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في مادة التربية الإسلامية، وفي مقرر الآداب الإسلامية في أكاديمية زاد.

وموضوع حلقتنا في هذا اليوم أدب عظيم من الآداب التي خليق أو حقيق بكل مسلم أن يعتني بهذا الأدب، وأن يحرص عليه، وأن يتنبه لكل ما يخالف هذا الأدب لخطورته على الإنسان؛ والمقصود بذلك الأدب في التعامل مع الناس، في الكلام وفي الاستماع.

التعامل مع الناس كلاما واستماعا هنا أيها الأحبة، الإنسان لابد أن يتعامل مع غيره، والنسان كما يقولون مدني بطبعه، فهو يتعامل مع أهل بيته، مع إخوانه، مع أقاربه، مع جيرانه، مع زملائه وأصدقائه، ومع الآخرين جميعا. فهو يتعامل ويتكلم ويتخاطب ويستمع في تعامله مع الناس، فهو بحاجة إلى هذه الآداب، بحاجة إلى حسن الكلام، وإلى حسن الاستماع الذي يتقيد فيه بهدي نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

الكلام خصوصا قبل الاستماع، الكلام له شأن عظيم في ديننا، خصوصا هذه الآلة اللسان؛ هذه الآلة خطيرة جدا، هي إما ترفع الإنسان أو تهوي به إلى أسفل سافلين. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العبد يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا عياذا بالله، كلمة واحدة تخرج من لسانه يقولها لأحد إخوانه أو زملائه أو أصدقائه أو غيرهم، كلمة تخرج من لسانه أو يتخاطب فيها مع ربه عز في علاه فيسيء الأدب فتهوي به في النار سبعين خريفا عياذا بالله من ذلك.

وفي المقابل يتكلم العبد بالكلمة من رضوان الله يرتفع بها درجات عند ربنا ومولانا، فهذه أمور يحسن بالمسلم أن يعتني بها، خصوصا قضية اللسان وقضية الكلام وما يخرج من الإنسان. لأن الكلمة أيها الأحبة إذا تكلم بها الإنسان ملكته، وإذا لم يتكلم بها هو يملكها، يعني قبل أن تخرجها من فمك فانت تملك هذه الكلمه، أما إذا أخرجتها فإنها تملكك، وعليك التبعة إما لك أو عليك. ولهذا يقولون: المرء مخبوء تحت لسانه، والشاعر يقول: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

فلسان له شأن عظيم، ولهذا جاء في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان؛ يعني تجعل اللوم عليه، تقول الأعضاء كلها: اتق الله فينا، اتق الله فينا، فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوجنا.

فلسان أيها الأحبة هو الذي يدل على ما في الإنسان من خير أو شر، ولهذا يقولون: الألسنة مغارف القلوب؛ مغارف القلوب بمعنى أن اللسان يخرج ما في القلب، إذا كان ما في القلب طيبا فإن ما يخرج من الإنسان يكون طيبا أيضا، وإذا كان ما في القلب خبيثا فإن الذي يخرج من الإنسان يكون خبيثا أيضا عياذا بالله من ذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الطيب من الكلام، ولا يخرج منه إلا الطيب، ويوصي الصحابة بذلك، بل قبل ذلك القرآن في آيات عظيمة الله عز وجل يقول: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].

فالانسان يحرص على ألا يخرج من لسانه إلا الطيب، وكما يقال: إن المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيبا ولا يخرج إلا طيبا، النحلة تأكل زهورا وتخرج عسلا. وكذلك المؤمن الموفق المسدد الذي يتقيد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وفي كل شؤونه.

من اعظم الآداب أيها الأحبة التي يحسن بالمسلم أن يتقيد بها في قضية الكلام والخطاب مع الناس غض الصوت وعدم رفعه، لأن هذا من صفة الحمقى وأهل الجهل والسفه؛ أنه يرفع صوته في كل مكان وفي كل مناسبة، ويتكلم بصوت مرتفع ويصيح على الناس بأعلى صوته في كل مكان، هذا ليس من أخلاق العقلاء الذين فيهم الحكمة والرزانة والحلم. الإنسان يكون دائما في غالب أحواله إلا إذا احتاج إلى ذلك في مناداة أو في غيرها، لكن الاصل فيه هو غض الصوت، ولهذا الله عز وجل ذكر من وصايا لقمان العظيمه، وهذه والله من الوصايا الجليلة التي يحسن بالمسلم أن يتدارسها مع نفسه ومع أيضا مع أبنائه، مع أهل بيته، مع إخوانه، لما فيها من الآداب العظيمه. يقول لقمان كما حكى الله عز وجل على لسانه في وصيته لابنه قال: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].

المسلم لا يرفع صوته بدون سبب، وحتى الكلام مع الخطاب مع الناس يتضايقون من الذي يتكلم بصوت مرتفع لأنه يدل على شيء من التعالي أو الكبر أو غير ذلك من الأمور التي يدل عليها رفع الصوت أثناء الخطاب.

أيضا أثناء الكلام يتجنب الإنسان التشدق في الكلام والتكلف فيه، المؤمن يتكلم بطبعه، يتكلم بشكل طبيعي جدا، بدون تكلف، بدون تقعر في الكلام، وإنما يكون ببساطة جدا وبسهولة ويسر، يعني هذه طبيعة الإنسان التي يحبها الناس، يحبون من يتكلم على سجيته وعلى طبيعته، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا».

وهذا يدل على فضيلة حسن الخلق وعظم مكانته، وأنه يكون سببا في محبه النبي صلى الله عليه وسلم له، وأيضا يكون قريبا من مجلسه يوم القيامة. ونحن نعلم حبيبنا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنان، فهنيئا لمن كان قريبا من نبينا صلى الله عليه وسلم بامر يسير وهو حسن الخلق.

وحسن الخلق يعني ليس بالامر الصعب، كما قال بعض السلف: حسن الخلق شيء هين، وجه طلق وكلام لين. وجه طلق مبتسم، يعني فيه السماحه مع في التعامل مع الناس، وكلام لين. عندما يتخاطب مع الناس لا يرفع صوته ولا يؤذي بالفاظ بذيئه او قبيحه، وإنما يتكلم بكلام لين. ونواصل الحديث عن بقية هذا الأدب بعد الفاصل إن شاء الله.

توقفنا قبل الفاصل عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا». فهنيئا لمن حسن خلقه بهذه المنزله وهذه المكانه العاليه والرفيعه مع نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة هذا الحديث: «وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسواكم أخلاقا». لاحظوا في مقابلة، هناك أحب هنا أبغض، هناك أقرب هنا أبعد. فقضية حسن الخلق ليست بالامر الهين. قال: «أسواكم أخلاقا»، الذي فيه سوء خلق في تعامله مع الناس. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف هؤلاء السيئين: «المتشدقون والمتفيهقون والثرثارون»، وصفهم بثلاثة أوصاف: متشدق، متفيهق، ثرثار؛ وهذه كل واحدة أقبح من الأخرى.

فالثرثار الذي يكثر الكلام، يكثر الكلام بداع وبدون داع، بسبب وبغير سبب، يعني انسان يتكلم في كل شيء، وهذا ليس من صفات العقلاء والحكماء أنه يتكلم فيما لا يعلم ويهرف بما لا يعرف، يتكلم في كل شيء.

أيضا المتفيهق؛ جاء في بعض روايات الحديث أنه المتكبر، وهذا ولا شك أنه يخالف تماما حسن الخلق، يخالف تماما حسن الخلق التكبر والتعالي والترفع على الناس بأشياء تافهه وحقيره لا قيمه لها عند الله، إما بثراء مال زائل، أو بمناصب زائلة أيضا، أو بأنساب وأحساب لا قيمه لها عند الله عز وجل، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فهذا المتكبر على الناس بطبعه وبكلامه هذا بعيد عن الله عز وجل، بعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبغض الناس إلى النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضا المتشدق؛ من الصفات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتقعر في كلامه، يعني يتكلم بتكلف في كلامه إما تفاصحا أو تعاليا وتكبرا وترفعا، ومحاولة أن يظهر نفسه بشيء من الأشياء التي يحاول أن يظهر فيها علوه وارتفاعه على الآخرين، هذا أيضا يفتقد إلى هذا الخلق العظيم وهو حسن الخلق، الذي يكون سببا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم وفي قربه من النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الذي يتصف بهذه الصفات يكون من أبغض الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن أبعدهم منه مجلسا يوم القيامة كما قال صلوات ربي وسلامه عليه.

والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث عظيم أن الله حرم عليكم عقوق الأمم ومنعا وهات ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال وكثره السؤال وإضاعه المال. يكره النبي صلى الله عليه وسلم ويكره ربنا عز في علاه القيل والقال، يعني كثرة الكلام، قالوا وقلنا ونقل الكلام والحديث في هذه الأمور التي لا تعني الإنسان ولا تقربه عند الله عز وجل وليست هي من المباحات، وإنما هي كلام في الناس وغيبة ونميمة، هذا هو القيل والقال الذي يكرهه الله عز وجل ويككره النبي صلوات ربي وسلامه عليه في نقل أخبار الناس وغيرها من الأمور غير المحمودة.

أيضا من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في قضية الخطاب والكلام مع الناس: البعد عن الغيبة والنميمة. وهذه ليست فقط آداب، وإنما هي أيضا محرمات؛ محرمات يجب على المسلم الحريص على خير نفسه وعلى نفعها وعلى نجاتها أن يبتعد عن هذه المحرمات، وهذه من الكبائر.

النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الغيبة وعرفها بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره». هذه من الغيبة المحرمة في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. ثم مثل بأقبح مثال، قال: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه؟ يعني هذا الذي يغتاب أخاه المسلم كأنه يأكل من لحم أخيه بعد موته جثة، هذا المسلم جثة بعد أن يموت وهو يقطع من هذه الجثة ويأكل، هل هذا يتصور عقلا؟ أبدا، يعني هذا الشيء لا يتصوره عاقل، هذا هو المثال الذي ذكره الله عز وجل ليشنع هذا الفعل في أعين الناس: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.

أيضا النميمة؛ النميمة أيضا من الكلام القبيح الذي يجب على المسلم أن يبتعد عنه. والنميمة هي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد. النميمة هي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد، وهذا يعني من أخطر ما يكون، من أخطر ما يكون، وهو الذي يقضي على حسنات الانسان. وهو أيضا من أسباب عذاب القبر، ليس فقط عذابه في الآخرة، وإنما في البرزخ قبل الآخرة يعذب الإنسان بهذه الفععلة القبيحة والشنعية وهي النميمة.

النبي صلى الله عليه وسلم عندما مر على القبرين في الحديث الصحيح قال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فإنه كان يمشي بالنميمة بين الناس»، يمشي بالنميمة، ينقل كلاما من شخص إلى شخص آخر ثم يعيد من شخص إلى آخر الكلام بقصد الإفساد، هذا قال فيك وهذا تكلم.

وهذا شتمك وهذا ذكرك بما يسوءك، ليففسد العلاقة التي بين الناس، وهذا والله من أقبح الصفات؛ لأن الله عز وجل حريص -في الآيات وفي الأحاديث التي جاءت عن نبينا صلى الله عليه وسلم- على التلاحم والأخوة والمحبة بين المسلمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. فالذي يفسد هذه العلاقة وهذه الأخوة هو نمام خبيث يعذب في قبره قبل يوم الحشر وققبل يوم الحساب لشدة وشناعة هذا الأمر.

والله عز وجل يقول في سورة القلم: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11]. من أقبح الصفات التي تكون في الإنسان: هماز ومشَّاء بنميم بالنميمة بين الناس، فلا ينبغي للمسلم الذي يتخاطب ويتكلم مع الناس ويتحاور معهم في مجالسهم أن يقع في هاتين المعصيتين والكبيرتين العظيمتين؛ وهما الغيبة والنميمة.

أيضا مما يحرص عليه الإنسان في أدبه في الخطاب وفي الكلام مع الناس، التأنّي في الكلام وعدم الاستعجال في كلامه مع الناس. تقول عائشة رضي الله عنها عن نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحدِّث إذا تحدث وإذا تكلم، يُحدِّث حديثاً لو عده العاد لأحصاه. بمعنى فيه تأنٍّ، فيه إفهام للسامع، وهكذا كلام نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

وأيضا ذكر أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه. طبعا هذا يكون في مجال التعليم والتوجيه وغيرها من الأمور التي يريد النبي صلى الله عليه وسلم إيصال المعلومة بدقة وبشكل جيد للسامع، يعيدها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً. وهذا أدب عظيم أيها الأحبه يحرص عليه المربون والمعلمون الذين يوجهون الناس، أن يحاولوا إيصال هذه الكلمة -خصوصا لصغار السن أو الذين يقل عندهم الفهم- بأن يكرر عليه الكلام حتى يستقر في ذهنه بإذن الله.

الحمد لله ما غرد بلبل وصدح، وما اهتدى قلب وانشرح، وما عم فينا سرور وفرح، الحمد لله ما ارتفع نور الحق وظهر، وما تراجع الباطل وتقهقر، وصلاة وسلاما طيبين مباركين على النبي المطهر، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، صلاة وسلاما طيبين إلى يوم البعث والمحشر.

أما بعد، فقد قال الله تعالى في قرآنه الكريم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وقال أيضا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]. فاذا قطعت الحبال وأظلمت السُّبُل، أتت الصلاة بفيض من الرحمة، فتشرق الروح وتصفو النفس.

ت الله لمنظر المسلم وهو ساجد جامعاً نفسه، واضعاً أرنبة أنفه على الطين، طارحاً جبهته على التراب؛ لمنظر يهز في النفس الصادقة والضمير الحي كل ذرة من ذرات الزيف. وأيم الله إنها لصورة العظمة في أبها حللها. ت الله ما أعجبني حفل إمبراطور في مسرحية عابثة، ولكن أعجبني مؤمن تقطر أعضاؤه من ماء الوضوء، وتفيض عيناه بالدموع، وقد رفع يده وصاح: الله أكبر.

حلفت برب البروج ومزين المروج، ما أشجتني حلية المواكب، ولكن أشجاني انسان بكى ساجداً يردد: سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره. فما أحوجنا أيها الأحبة أن نتلذذ بالصلاة لنسعد في الحياة. اللهم اجعل الصلاة قرة أعيننا ونوراً لصدورنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند حال النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه الذي وصفته عائشة رضي الله عنها، وكذلك أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بكلام فيه هدوء وسكينة، وأيضا يُفهم السامع، ويكرر الكلام احيانا إذا أراد أن يوصل المعلومة بشكل جيد ومركز إلى السامع، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثا حتى تفهم عنه.

أيضا من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يعتني بها في قضية الخطاب والحوار والكلام: أن الإنسان يحاول أن يكون كلامه فيما ينفع ويفيد، وما ينفعه ويرفعه عند ربه، أو على الأقل أن يكون في المباح الذي لا ضرر فيه. فاما أن يكون في المباحات وهو حديث الناس مع بعضهم في المجالس العامة، أو أن يكون الكلام فيما ينفعه ويرفعه عند ربه، يكون في ذكر لله عز وجل، في توجيه، في نصح، في إرشاد، في تعليم، في غير ذلك من الأمور التي تنفعه وترفعه عند ربه.

ولهذا يقول الله عز وجل في هذه القضية -وهي آيات عظيمة أيها الأحبة وآداب جميلة يتحلى بها الإنسان الذي يتدبر القرآن-: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ [النساء: 114] -يعني من كلامهم- ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. يعني هذا فيه خير وينفع الإنسان. إلا من أمر بصدقة -يعني يحث الناس على التصدق، على الإنفاق، على البذل- أو معروف -أو يحث الناس أو يدلهم على شيء معروف، إما يكون معروف بين الناس أنه خير، أو يدلهم على معالي الأمور- أو اصلاح بين الناس، أن يمشي بالإصلاح، وهذا والله من اعظم الأعمال وأحبها الى الله عز وجل أن يصلح بين متخاصمين، أن يؤلف بين القلوب.

لا شك أن هذا من اعظم واجمل ما يفعله الإنسان، حتى في هذه الحالة أيها الاحبة -مما يدل على حب الله للإصلاح- أنه يُباح شيء من الكذب في حال الإصلاح، الكذب الذي ليس فيه مضرة، وإنما تقول: أثنى عليك فلان وتكلم فيك بخير، تريد فقط أن تجمع وأن تؤلف بين القلوب، فهذا يدل على عظمة هذا الأمر الذي يُباح فيه شيء محرم أصلا وهو الكذب. يُباح في جانب الإصلاح، ولهذا جعله الله عز وجل من الأمور التي تنفع الإنسان ويكون فيها الخير العظيم له.

والنبي صلى الله عليه وسلم نبه على قضية الكلام، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». هذا الذي ينفع الإنسان، ولو تربى كل واحد منا أيها الأحبة أن يكون كلامه في الغالب فيما ينفعه، أو يكون على الأقل كما قلت قبل قليل في المباحات، فإن وجد أن الكلام قد يوصله إلى محرم، فليتقيد بالصمت، ليحفظ على نفسه دينه وايمانه وتقواه، وأيضا يحافظ على حسناته حتى لا تذهب الى غيره ويقع ويكون مفلسا يوم القيامة.

والذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أتى بحسنات عظيمة، لكنه ضرب هذا، وتكلم في هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا؛ فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه وطرح في النار عياذا بالله من ذلك.

ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر على الصحابة هذا الأمر، كان عليه الصلاة والسلام يقول لمعاذ رضي الله عنه: «كف عليك هذا» -يعني لسانك-. فتعجب معاذ رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، أو مؤاخذون نحن بما نقول؟ -يعني ما نقول كل شيء نؤاخذ به؟-. هذا طبعا ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا على عظم هذا الأمر: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». هنا النبي صلى الله عليه وسلم بدأها بهذا الدعاء «ثكلتك أمك يا معاذ»، طبعا هذا الأسلوب أيها الأحبة من أساليب العرب الذي لا يراد به حقيقة اللفظ؛ طبعا «ثكلتك أمك» يعني أصبحت ثكلى بفقدك بموتك، وهذا ليس مقصودا وليس هو المراد، بل هذا أسلوب من أساليب العرب لشد انتباه السامع وبيان أن الكلام مهم وخطير والامر عظيم.

مثل ما تقول: فلان قاتله الله ما أشجعه! هنا لا تريد أن تدعو عليه بالقتل، لكن هو أسلوب من أساليب التعظيم أو التنبيه التي تكون في كلام العرب، وهذا من فقه كلام العرب، والذي لا يفهم هذه المعاني قد يقع في خطأ جليل عندما يشرح هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على معاذ بان يموت وأن تفقده أمه، هذا معنى بعيد جدا وسوء فهم لكلام النبي صلى الله عليه وسلم بل لكلام العرب عموما.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم». يعني ما يورد الناس المهالك يوم القيامة إلا هذا اللسان، إلا هذا اللسان الذي يتكلم ويحصد به الإنسان إما الحسنات وإما السيئات، وإذا أطلق الإنسان لسانه على ما يشتهي فإنه يورده المهالك.

ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه -الذي هو خير الأمة بعد نبيها صلوات ربي وسلامه عليه- يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني المهالك. فإذا كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه وهو خير من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء والرسل يقول هذا الكلام، فكيف بغيره من المساكين الضعفاء من الذين يخطئون في الليل والنهار ويطلق اللسان عنانه في كل وقت وفي كل حين؟

فهذا أيها الأحبة من الآداب العظيمة التي يحسن بالمسلم أن يعتني بها، أن يحافظ على كلامه، ألا يقع فيما حرم الله عز وجل. وأيضا من الآداب التي تتعلق بهذا هو اختيار الكلام الطيب، فكما قلنا قبل قليل: المؤمن كالنحله، لا يأكل إلا طيبا ولا يخرج إلا طيبا، فيختار الكلام الطيب. والله عز وجل يقول في عباده في كتابه الكريم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83] -يعني كلاما هينا لينا طيبا- الذي فيه الحسن والطيب والجمال.

هذا هو المسلم الموفق، وهذا الذي يحبه الناس، الذي يتكلم دائما بالكلام الطيب الجميل، وقد وعده الله عز وجل صاحب هذا الكلام الحسن، وعده الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يقول عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها». لمن يا نبي الله أو يا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام». وفي رواية: «لمن ألين الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام».

أولها أول هذه الصفات: لمن ألين الكلام، ألين الكلام مع إخوانه، مع أصدقائه، مع أهله؛ دائما يتكلم بالكلام الهين اللين الطيب، يحافظ وينتقي ألفاظه، كما تنتقى أطايب الثمر. هذا والله هو المسلم الموفق المسدد الذي يكون قريبا من الله، قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قريب حتى في مجلسه من نبينا صلى الله عليه وسلم، وأيضا هو حبيب إلى الناس، تحب صاحب اللسان الطيب العفيف البعيد عن الفاحش والبذيء من الكلام.

وبقيت أيها الأحبة أمور تتعلق بهذا الأدب العظيم الكبير الجليل في أدب الخطاب والمحاوره والكلام مع الناس، نؤجل جله إلى الحلقة القادمة. أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يطيب ألسنتنا وكلامنا، وأن يجعلنا من المؤمنين الموفقين الصادقين المتقين القانتين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.