بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في مقرر الآداب الإسلامية في مادة التربية في أكاديمية زاد.
سبق الحديث في الحلقة الماضية عن أدب عظيم من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في خطابه وحواره وكلامه مع الناس، في قضية حفظ اللسان ومراعاة الكلام الطيب البعيد عن الفاحش والبذيء الذي يكرهه ويبغضه الله عز وجل ويبغضه نبيه صلوات ربي وسلامه عليه. من الآداب التي توقفنا عندها في اللقاء الماضي أن الإنسان ينتقي الألفاظ الطيبة الجميلة في تخاطبه مع الناس. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: 24]. فهذا هداية من الله وهذا توفيق من الله للعبد أن يكون كلامه طيبا هينا لينا جميلا يراعي مشاعر الآخرين. هذا والله توفيق من الله وسداد ونعمة عظيمة يمن بها الله عز وجل على العبد.
النبي صلى الله عليه وسلم بين خطورة ترك هذا الأمر وهو اللين في الكلام، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث العظيم الذي ذكرناه في الحلقة الماضية أن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله عز وجل لمن؟ أول صفة من صفات أهل هذه الغرف التي هي في الجنة -أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهلها- من أول صفاته أنه لين الكلام. طيب الكلام. هين لين سمح في كلامه، فهذا الذي وعد بإذن الله بهذه الغرف التي يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها. في المقابل يحرص الإنسان على أن يبتعد عن كل ما يشين الإنسان في ألفاظه في كلامه في أسلوبه. يحرص على أن يبتعد عن ذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء». يعني هذا ليس من صفات أهل الإيمان أن يطعن دائما في الناس في أخلاقهم في أنسابهم في أي أمر من أمورهم. ولا باللعان كثير اللعان، واللعن ليس بالهين إذا تعود الإنسان عليه والله هذا من الخذلان وعدم التوفيق. والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من هذا، قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». وايضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن المؤمن كقتله». يعني أمر ليس بالهين، الحرمة فيه شديدة.
والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك يقول: «وإن الله ليبغض الفاحش البذيء». الفاحش الذي يتكلم بالفحش من القول، والناس تعرف ما هو الفاحش من القول، والبذيء أيضا السخيف من الكلام الذي فيه سفه ونقص عقل وعدم معرفة حكمة، هذا أيضا يبغضه الله في علاه. فلابد أن يعتني المسلم بألفاظه ألا يخرج مثل هذه الأمور التي تنافي صفات أهل الإيمان. صفات أهل الإيمان لا يمكن أن يكون الإنسان من أهل الإيمان والتقوى والخوف من الله ويكون في كلامه الطعن واللعن والسب والشتم والبذاءة والسفاهة وقلة الأدب، لا يمكن. لا يجتمعان في قلب مؤمن.
المؤمن دائما في كلامه في أسلوبه في خطابه يكون في جمال الأدب والأخلاق التي يتحلى بها فعلا حقا وصدقا أهل الإيمان. ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». لا يستقيم إيمان عبد يعني لا يكتمل ويكون على الطريق الصحيح حتى يستقيم قلبه يكون فعلا القلب مخبتا لله، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه. لأن هذا الكلام الذي يخرج بكثرة الطعن واللعن والسب والشتم هو يؤثر في القلب، ويؤثر في إيمان الإنسان، ويؤدي أيضا إلى قسوة القلب، وهذا بالتالي يؤدي إلى ضعف الإيمان. فهذا أدب أيها الأحبة يحسن بالمسلم أن يراعيه وأن يعتني به في خطابه وفي كلامه.
أيضا يراعي حال الناس ومكانتهم ومنزلتهم عندما يتخاطب مع الآخرين. النبي صلى الله عليه وسلم لما جيء بسعد بن معاذ رضي الله عنه، لما أراد أن يحكم في بني قريظة بعد غزوة الخندق وكان مصابا سعد رضي الله عنه، فأتوا به يحملونه، فلما جاء إلى مجلسه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم». هذا فيه دلالة على... تخيل، ما هو موقف سعد رضي الله عنه عندما سمع هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم؟ يشعر بالفخر والاعتزاز، ويشعر الإنسان بالتقدير والاحترام. وكذا عندما نتخاطب مع الآخرين نقدر أصحاب المكانة أصحاب المنزلة أصحاب العلم، يقدرون بالكلام الهين واللين والطيب الذي يقال لهم.
والله عز وجل ذكر في قصة موسى مع الخضر وفيها من الفوائد التربوية والتعليمية الشيء الكثير، مليئة هذه القصة بالفوائد التربوية والتعليمية. موسى عليه السلام يقول للخضر، قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف: 66]. تخيل! أفضل أهل الأرض موسى عليه السلام نبي من أولي العزم من الرسل وهو أفضل من الخضر ولا شك، ثم يقول بخطاب هين لين: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ انظروا إلى هذا الجمال في هذا الأسلوب من موسى عليه السلام.
أيضا الإنسان الموفق في كلامه في خطابه وفي حواره هو الذي يعرض عن الكلام البذيء ويعرض عن الكلام الذي فيه مخالفات شرعية في مجلس أو في مكان، في المناسبة أو غيرها. فإذا بكل ما في هذا المجلس بكلام يخالف شرع الله، فإن المؤمن الموفق المسدد لا يضرب بسهم معهم في الباطل، وإنما يقف ويحفظ لسانه، وأيضا يترك ويبتعد عن هذه المجالس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ يعني بالباطل يحرمون يحللون يتكلمون في العلماء يتكلمون في الدين بلا علم ولا فقه ولا وعي ولا عقل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]. سماهم الله عز وجل ظالمين لأنهم يرتعون إما في أعراض العلماء أو في دين الله عز وجل تحريما وتحليلا بدون علم بدون فهم. فهنا حال المسلم أن يتجنب هذه المجالس ولا يجاري أهل الحماقة والجهل في جهلهم وفي ظلمهم لدين الله عز في علاه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقد توقف الحديث أيها الأحبة قبل الفاصل عند الإعراض عن الكلام فيما يغضب الله عز وجل في بعض المجالس التي ترتع في أعراض العلماء أو في الطعن في الدين أو الكلام في آيات الله وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم دون علم أو فقه أو عقل. فهنا على المسلم أن يعرض ولا يجاري هؤلاء ويبتعد عن هذه المجالس، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]. قد يكونون أقارب وأصدقاء، فيريد الإنسان أن يجلس معهم إما يتودد أو يتألف قلوبهم أو ليكون هو أصلا من صلة الرحم ومن غيرها. فلابد من هذا المجلس، فهو يعرض عن هذا الكلام ويغير دفة الحديث إلى أمر آخر أو يكون ممن يوجه وينصح في هذا الباب. ولهذا الله عز وجل سماهم ظالمين، قال: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68] الذين يفعلون هذا الفعل.
أيضا من الأشياء التي يحرص عليها المسلم في كلامه وهي قريبة من هذا الأمر أنه لا يتكلم في دين الله عز وجل بجهل، وإنما يتكلم بعلم. ولا ينبغي للانسان أن يتجرأ على دين الله عز وجل وأن يتكلم بكل شيء ويهرف بما لا يعرف، هنا الخطورة. لهذا الله عز وجل قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: 36]. ستسأل عن ذلك كله، فلا تتجرأ على شيء لا تعرفه.
ومن الحماقة أيها الأحبة أن الإنسان يريد أن يتكلم في كل شيء، يريد أن يتكلم في كل شيء ويظهر التعالم والتفاصح، ويظهر أنه شديد الفهم والادراك لكل الأمور. هذا والله من الغباء. العاقل الموفق المسدد الذي يتكلم بعلم، الشيء الذي لا يعرفه يتوقف، لا يتكلم ويتجرأ في شيء لا يعرفه. كان من ديدن العلماء أنهم حتى في مسائل الحلال والحرام إذا ليس عنده علم في المسألة يقول: لا أدري، ولا يستحي من ذلك. الآن قد يكون من بعض صغار طلبة العلم أو صغار الشباب الذين بدأ يقرأ آية أو آيتين أو حديثا أو حديثين، فيستحي في مجلسه إذا سئل أن يقول لا أدري، فيرتع ويتكلم ويفتي ويحلل ويحرم في دين الله عز وجل، وهذا والله من الخطورة بمكان.
ولهذا كان يقول بعض السلف: من أخطأته لا أدري فقد أصيبت مقاتله. يعني الذي ليس عنده القدرة على قول لا أدري فقد أصيب بمقتل، لأنه سيتكلم في دين الله عز وجل بغير علم، وهذا مما حرمه الله في كتابه الكريم وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]. الله عز وجل سماه كذبا. تفتي بغير علم وتتكلم في دين الله عز وجل بغير علم سماه الله عز وجل كذبا، ولا ينبغي للإنسان أن يفترى الكذب على الله، وهذا من اعظم الكذب.
أيضا الله عز وجل جعله من المحرمات وقرنه بالفواحش والكبائر. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. لاحظوا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. قرنها الله عز وجل بالفواحش وقرنها بالإشراك بالله، وهذا يدل على عظم هذا الأمر، أن الإنسان لا يتجرأ على دين الله عز وجل وأن يتكلم بغير علم. هذا والله من قلة العقل ومن السفاهة والحماقة التي يصاب بها بعض الناس أن يتجرأ بهذا الكلام وينطق بما يخالف شرع الله عز في علاه. وكما قلنا في الآية التي قبل قليل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾، فسماه الله عز وجل كذبا.
والكذب أنواع أيها الأحبة وكله محرم، الكذب كله محرم، بل هو من أقبح الصفات التي تكون في الإنسان، والمؤمن لا يكون كذابا. ولهذا يقول الشاعر في بيت جميل: لا يكذب المرء إلا من مهانته أو عادة السوء أو من قلة الأدب
يذكر الشاعر هنا الذي يكذب ثلاث أسباب تؤدي إلى الكذب عند الإنسان: لا يكذب المرء إلا من مهانته، هو مهين، هو أصلا مهزوم في نفسه فيكذب ليظهر نفسه في مكانة أعلى، أنا أفهم، أنا أعرف، أنا كذا، يتكلم دائما عن نفسه بالكذب فيريد أن يعلي من نفسه ومن شأنه بالكذب. لا يكذب المرء إلا من مهانته هو يرى الدناءة في نفسه ولهذا يكذب، أو عادة السوء تربى على هذا من صغره، وهذه والله اشكالية كبيرة يا إخوان.
الان تجد بعض الكذابين الذي جعله يقع في هذا الأمر وهو كبير ويفهم ويدرك ويعرف أحياناً أن الناس لا يصدقونه، لكنه تعود على ذلك من صغره. وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه، يكذب من صغره فيضحك الأهل أنه يكذب ولا يعاقبون الصغير، فينشأ ويتربى على هذه العادة القبيحة. الواجب على الوالدين الأخذ على يد الصغار؛ يعتبرون الكذب من أكبر الخطايا فلا يسمحون بالكذب نهائياً، ويعاقبونه أشد العقاب على الكذب.
لا ينبغي أن يتساهل الوالدان في قضية الكذب لأنه ينشأ الطفل على هذا الأمر أو من عادة السوء أو من قلة الأدب؛ هو لا يحترم الناس ولا يهمه مشاعر الآخرين، يكذب ويتكلم بالكذب في كل مجلس وفي كل مكان. والكذب أيها الأحبة درجات كما قلنا: كذب على الله وهو أخطرها وأشدها ومن كبائر الذنوب، وكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قريب من هذا ومتعلق به، وكذب على الناس. الإنسان الموفق المسدد والذي يحرص على الابتعاد عن هذا الأمر، طبعا الكذب على الله قد لا يكون صراحة عند اهل الإسلام وكذلك الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن أحياناً نقل الكلام وفيه كذب، أو في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في نقل الأحاديث التي لا تصح عن نبينا صلى الله عليه وسلم. وخصوصاً أيها الأحبة في وسائل التقنية الحديثة وسائل التواصل الآن الهواتف النقالة في المواقع في الواتساب وفي غيرها، يتناقض الناس بعض الناس الأحاديث ويسارع في نقل الأحاديث وهو لم يتثبت أنها صحيحة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا من نقل الكذب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». الأمر ليس بالهين ولا يعذر الإنسان يقول هي رسالة وجاءتني. أنت الآن لما جاءت إلى هاتفك أنت لست ملزماً بأن تنقلها إلى الآخرين، فأنت محاسب؛ قد يكون العقاب الأول على الذي نقلها أولاً، لكن إذا أشعتها فانت مشارك له؛ لأنه لم يضرب على يدك ويقول لك ارسل لغيرك، وهنا أنت المسؤول وأنت المكلف، فلا تفعل ذلك وهو انسان يميت الباطل عنده ولا يتجرأ على إرساله.
وهنا خطورة، خصوصاً بعض الناس قد يرسل الكذب تورعاً، وهذا والله من الورع البارد. يعني تأتي في الرسالة أسألك بالله أن تفعل ذلك، لا أسامحك أمام الله. دعه، دعوا لا يسامحك والله ليس له شيء عندك ولن يحاجك ولا بشيء ولا يسير أبداً، كان هذا كلامه باطل. استحلافه بالله باطل، وعدم المسامحة باطلة، وهذه والله من الرسائل التي تأتي استحلفك بالله هذا من الخطأ والذي لا ينبغي ولا يتقيد به ولا يقبل، سواء استحلف بالله أو بغيره فهذا لا يقبل أبداً وانشر تؤجر كما يقولون، وفي حقيقتها كثير منها يصدق عليها مقولة أنشر تؤزر ولا تؤجر. ونواصل الحديث بعد الفاصل إن شاء الله.
روي أن مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. إنه الإيثار أعلى منازل الكرم والسخاء وأسمى مراتب والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمة ويدل على الصفاء والنقاء. امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة، منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير وتحقيق التكافل المادي في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبة بين الناس، البعد عن صفات الشح، وترى من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار، فهنيئاً لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.
وقد تقدم الحديث أيها الأحبة قبل الفاصل عن صفة قبيحة وهي الكذب في الكلام وهذا لا ينبغي، والكذب أخطر ما يكون عندما يكون كذبا على الله أو كذب على النبي صلى الله عليه وسلم أو على بقية الناس. هناك أيضاً عادة قبيحة جداً أن الإنسان يتجرأ في الكلام على دين الله عز وجل بالتحريم والتحليل وهذا أيضاً يدخل في الكذب على الله عز وجل في علاه. الواجب على المسلم أن يكون صادقاً في كلامه، أن يكون صادقاً في خطابه، أن يكون صادقاً فيما يخبر، هذا الصدق من صفات أهل الإيمان، والإنسان يجاهد نفسه على الصدق قدر المستطاع.
يجاهد نفسه حتى في المزاح، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه زعيم -يعني ضامن- ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً. يعني يحاول الإنسان قدر المستطاع أن يبتعد عن الكذب ويلتزم الصدق حتى في مزاحه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقاً. ويقول عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً». والصديقية منزلة عالية التي هي منزلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
وفي المقابل يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» عياذاً بالله، وهذا أمر خطير جداً يحرص المسلم على الابتعاد عنه قدر المستطاع.
أيضاً من الآداب العظيمة والجليلة التي يحسن بالمسلم أن يتعامل بها في خطابه وحواره: تقديم الأكبر سناً، يعني عندما يكون هناك من هو أكبر منك سناً يتكلم فإنك تقدمه بالكلام، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبعض الصحابة أراد أن يتكلم وهو صغير السن فقال: «كبر، كبر» يعني في الناس من هو أكبر منك يتكلم. هذا أدب جميل في مجالس المسلمين.
أيضاً من الآداب الجميلة والتي نحتاجها حقيقة في مجالسنا، ومع الأسف الآن في المجالس تكثر مخالفة هذا الأدب وهي مقاطعة المتحدث، وهذا لا ينبغي وليس من الأدب وليس من الأخلاق القويمة والكريمة أن الإنسان يقاطع المتحدث في كلامه دوماً. ولهذا انظروا إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الكافر وليس مع المسلم، مع الكافر لما جاءه عتبة بن ربيعة في القصة المعروفة لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه ماذا تريد؟ في بداية دعوة المكي لما جاء: إن تريد مالاً أعطيناك، زوجة زوجناك، ملكاً ملكناك. تكلم عتبة بما عنده وبما أرسله به كفار مكة، فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ استمع له حتى انتهى، فقال: «أفرغت يا أبا الوليد؟». نحو هذا الأدب من النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاطعه وهو يقول باطلاً ولا يقول حقاً، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استمع له حتى فرغ ثم قال: «أفرغت؟» وكناه أيضاً، فيها احترام وفيها تقدير للمخاطب حتى ولو كان من غير المسلمين. يعني الاحترام والتقدير ليس شرطاً أن يكون للمسلم؛ حتى في الخطاب لمن تريد أن تألف قلبه وتدعوه إلى الإسلام لا يمنع أن تكنيه، لا يمنع أن تخاطبه بالكلام الهين اللين.
المقاطعة صفة قبيحة في الإنسان، وهي حقيقة تكثر الآن في المجالس مع الأسف، وهذا لا ينبغي أن يكون في مجالس العقلاء من الناس أن يكون فيه كثرة المقاطعة. والأشد والأنكى والأبلَى أن تكون المقاطعة للوالدين؛ في بعض المجالس تجد الأب يتكلم وإذا بالابن يقاطعه لا كذا لا ليس بصحيح، والله هذا من قمة قلة الأدب وسوء الأدب والعقوق الذي يكون في هذا الابن مع أبيه. يسكت حتى ولو أخطأ، طبعا ليس خطأ شرعياً؛ لو أخطأ في الكلام في الوصف في الحديث عن قصة معينة لست ملزماً بأن تصحح لوالدك في كلام الناس الدارج في القصص العامة الكلام العامي، لست ملزماً، ومن سوء الأدب أن يقاطع الابن أباه في كلامه في المجالس. وهذا مع الأسف حقيقة من الآداب التي يفتقدها بعض الأبناء في تعاملهم مع والديهم، أصلاً مع كبار السن مع من تحترمهم المقاطعة لا تنبغي، فكيف بالوالدين؟
أيضاً من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في حديثه وخطابه وحواره في المجالس: ألا يتناجى اثنان دون الثالث. يعني إذا كان في مجلس ثلاثة أشخاص لا ينبغي ولا يصح أن يتكلم اثنان دون الثالث، وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كنتم ثلاثة»، لاحظوا هذا التوجيه النبوي الذي يراعي نفسية الإنسان يراعي شعور الإنسان، وهذا والله من عظمة هذا الدين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر»، لا يتناجى بمعنى أن يتكلموا سراً يتكلمون سراً ولا يسمعهم الثالث، طبعا هذا مقيد إذا كانوا ثلاثة في المجلس، إذا كانوا أربعة فأكثر لا بأس. فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ يعني تكون أربعة خمسة أن يزيد العدد، أما أن إذا كان لوحده فلا ينبغي ولا يجوز أن يتكلم اثنان دون الثالث. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن ذلك يحزنه»، يعني يدخل الحزن لأنه ما يدري هم يتكلمون عليه يعني يذمونه يصفونه بشيء معين، لماذا يتكلمون سراً في حضوره؟
هنا النبي صلى الله عليه وسلم وجه بأن لا يفعل المسلم هذا الأمر، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، أما إذا كان في مجلس فيه عدد من الناس فلا بأس. هذا مقيد بأن يكون في المجلس ثلاثة أشخاص فلا ينبغي أن يتكلم اثنان دون الثالث سراً بينهما وهو لا يسمع، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: 10]، يعني الذي يدخل الحزن والسوء في قلب هذا المؤمن فهذا الذي لا ينبغي ولا يكون من أهل الإيمان. وهذا أدب عظيم أيها الأحبة في المجالس يراعي حال الناس يراعي شعور الناس، وهذا والله من طيب التعامل والأخلاق الكريمة والقويمة التي تكون عند المسلم أن يراعي مشاعر الآخرين، هذه والله من الأخلاق الكريمة العظيمة التي جاء بها ديننا وحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وفي رواية: «صالح الأخلاق»، هذا ما جاء به نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
أخيراً أيها الأحبة، ذكر العلماء لفتة جميلة في هذا الباب في هذا الحديث خصوصاً في واقعنا الآن المعاصر، أن إذا تكلموا حتى ولو لم تكن مناجاة، حتى لو تكلموا بصوت عالٍ لكن بلغة أخرى لا يفهمها؛ يعني مثلاً ثلاثة يتكلم اثنان باللغة الإنجليزية مثلاً وهو لا يعرف الثالث هذه اللغة، فيدخل في هذا النهي لأن هذه من المناجاة حتى ولو كانت بصوت مرتفع أنه لا يعرف ما يقولون، يدخل في نفس الحكم.
أخيراً، أن الإنسان يحفظ أسرار إخوانه الذين يسرون إليه بها، فلا ينبغي للمسلم الذي يتكلم مع إخوانه ويأخذ شيئاً من أسرارهم ويعلم شيئاً من أسرارهم أن يشيع هذه الأسرار، وهذا ليس بهدي النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة»، بمعنى أنك مؤتمن على هذا الكلام. ويقول الحسن البصري رحمه الله: إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك، فلا ينبغي للمسلم أن يكون ممن يفشون أسرار إخوانهم الذين أسروا بها إليه، فهذا لا ينبغي وليس من أخلاق أهل الإيمان وأهل الإسلام.
هذه أيها الأحبة جملة من الآداب التي يتقيد بها المسلم في حواره وخطابه وكلامه مع إخوانه، وما أجملها من آداب وما أعظمها وما أجلها وما أرفعها وأقومها في ديننا. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن يحسنون الكلام ويحسنون الخطاب وممن يتكلمون بالكلام الطيب الجميل ويبتعدون عن الفاحش البذيء من الكلام، نسأل الله عز وجل أن يسددنا في أقوالنا وفي أعمالنا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني