بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في هذه المادة، في مادة الآداب الإسلامية، في مقرر التربية في أكاديمية زاد؛ التي أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفع بها، وأن يجعل ما فيها من الخير نافعاً لإخواني المسلمين أجمعين، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص في القول والعمل.
نعيش اليوم أيها الأحبة في هذه الحلقة مع أدب عظيم من الآداب الإسلامية القويمة، التي يحسن بالمسلم أن يراعيها وأن يتأدب بهذا الأدب القويم الذي جاء في كلام الله وسنة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وفي كلام أهل العلم الناصحين. وأعني بذلك آداب عيادة المريض. المرض ابتلاء من الله عز وجل يصاب به العبد، وهذا الابتلاء قد يكون من حب الله للعبد رفعةً في درجاته وتكفيراً لسيئاته.
المريض الذي يصاب بهذا المرض ويبتلى به، له حقوق على إخوانه المسلمين؛ ولذا كانت عيادة المريض من حق المسلم على المسلم. هذه العيادة وهذه الزيارة لها آداب يحسن بالمسلم أن يراعيها، وقبل ذلك أن يعرف المسلم أن هذه الزيارة هي حق للمسلم على أخيه المسلم، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حق المسلم على المسلم خمس»، وذكر منها عليه الصلاة والسلام عيادة المريض، فهي حق للمسلم على أخيه. وهل هي واجبة أو غير واجبة؟ خلاف بين العلماء، لكن المشهور وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن زيارة المريض هي فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل؛ فهذا حق إذا أداه بعض المسلمين، فانه بإذن الله يكون فيه أداء لهذا الحق الواجب لهذا المسلم.
عيادة المريض هي من حق المسلم على المسلم. أيضاً الذي يزور المريض يحصل أجراً وخيراً عظيماً، وهذه نعمة من الله عز وجل أنه يؤدي الحق الذي عليه، وأيضاً هو عبادة يتعبد الله عز وجل بها إذا احتسب الأجر، وعرف الخير الذي في هذه الزيارة، ويحتسب الخطوات التي يسير بها إلى هذا المريض زائراً له، وهذا من توفيق الله للعبد. النية عندما يستحضر الإنسان النية الصالحة، وإنما الأعمال بالنيات؛ فإذن هناك من يزور من باب أنه قريب، أنه صديق، أنه جار، للعرف فقط لأنه يعتب عليّ إذا لم أزره، ولكن هناك من يستحضر مع هذه النية، يستحضر أيضاً ابتغاء ما عند الله من الأجر في زيارته هذه، وهذا أمر عظيم أيها الأحبة.
إذا احتسب الإنسان الأجر فانه يحصل الخير العظيم، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في خرفة الجنة». ما معنى خرفة الجنة؟ يعني في الثمار وفي جني الثمار التي تكون في الجنة، كأنه الآن يجني من ثمار الجنة، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، كأنه يرتع في نعيم الجنة في حدائقها وفي ثمارها وفي أزهاره وهو في زيارته هذه. وهذا والله من العجب في ديننا، ومن عظمة هذا الدين، أن الإنسان يزور مريضا في مكان قد يكون في مستشفى، أو في مكان غير مناسب للجلوس، ولكن مع ذلك هو يستشعر وهو يزور هذا المريض في أي مكان كأنه الآن في خرفة الجنة، في نعيم الجنة، في ثمار الجنة. وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد إذا استحضر هذه النية وهذا الأجر والفضل من عند الله عز في علاه.
أيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضا، ناداه مناد من السماء» أي من الملائكة: «أن طبت وطاب ممشاك وتبوبت من الجنة منزلا». هذه والله من اعظم النعم أن الله عز وجل يقيض لهذا الزائر للمريض يقيض له ملكا ينادي في السماء ويدعو له: «أن طبت وطاب ممشاك وتبوبت من الجنة منزلا».
حديث عظيم أيضاً أيها الأحبة يستحضر الإنسان هذا المعنى في زيارته لإخوانه المسلمين المرضى؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من عاد أخاه صباحاً، يعني في وقت غدوه، يعني في وقت الصباح، إذا عاده في الصباح فإن الله عز وجل يقيض له سبعين ألف ملك يدعون له حتى يمسي، واذا زاره في المساء فإن الله عز وجل يقيض له سبعين ألف ملك يدعون له حتى يصبح. وهذه والله من اعظم النعم ومن أجبرها، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي إذا زاره في الصباح، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح إذا عاده في المساء. وهذه والله من اعظم النعم، يعني لو يستشعر الانسان إذا كان دعاء ملك واحد هذه يعد نعمة عظيمة وجليلة كبيرة، فكيف بسبعين ألفاً يدعون للإنسان، وليس في لحظة واحدة، وإنما طوال الوقت إذا عاده في الصباح حتى يمسي، وإذا عاده في المساء حتى يصبح وهم يدعون له. وهذه من نعم الله العظيمة على عباده، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. وهذا فضل الله أيها الأحبة، فضل الله واسع، والإنسان عندما يقرأ هذه الأحاديث يتعجب من كرم الله، ومن فضل الله، ومن رحمة الله بالعباد، ومن عظم هذا العطاء الذي لا يحده حد، نعم عظيمة لا يحصيها الا الباري عز في علاه.
هذه الزيارة أيها الأحبة مع ما يحتسب الإنسان فيها من الأجر من الله عز وجل، لكن هناك آداب لابد أن يراعيها الإنسان في زيارته لإخوانه، لأن ليست زيارة المريض كزيارة غيره، هو لا يزور صديقاً لتهنئة أو لجلوس واستئناس بالحديث، وإنما هو يزور مريضا له أحوال خاصة. أما يزوره في المستشفى أو يزوره في البيت، سواء كانت هذه الزيارة للمريض في المستشفى أو في البيت، فإن هذا المريض يختلف عن بقية الناس، له أحوال خاصة وآداب خاصة لابد أن يراعيها الإنسان في زيارته لهذا المريض، لأن زيارة المريض تحتاج إلى مراعاة لشيء من الآداب والسلوك، وأيضاً الأقوال والأعمال التي تختلف عن زيارة بقية الناس الأصحاء، المريض له خصوصية سنتحدث عنها ان شاء الله بعد الفاصل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فتكلمنا ايها الأحبة قبل الفاصل عن فضل زيارة المريض، ويحتسب الإنسان الأجر عند الله عز وجل، ثم بعد ذلك لابد أن يراعي الزائر بعض الآداب التي ينبغي له أن يتحلى بها في زيارته لهذا المريض، لأن كما ذكرنا قبل الفاصل أن المريض له خصوصية في أحواله وفي وضعه، فلا بد أن يراعي الزائر هذه الخصوصية.
نبدا ايها الأحبة بأعظم ما يكون عندما يذهب الإنسان الى ذلك المريض، أن يستحضر النية. كما ذكرنا قبل قليل الفضائل التي يجنيها الإنسان، وهذا لا يكون إلا باستحضار النية، أن يكون في زيارته هذه مخلصاً لوجه الله، أن تكون زيارته هي خالصة لوجه الله، لا يريد ثناء ولا سمعة ولا مدحاً من الناس أنه يزور وأنه يفعل، وإنما هو يبتغي ما عند الله عز وجل. فيستحضر الأجر، ومن استحضار الأجر أيها الأحبة وهذا أمر عظيم، أنه يعلم أن هذه الزيارة هي جزء من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها الى ربه ومولاه.
وناخذ فائدة واحدة فقط حتى لا نطيل، لأنه هناك آداب كثيرة، فائدة أيها الأحبة جاءت في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهذا أوصي نفسي واخواني بأن يطبقها الإنسان ولو مرة واحدة، ولو مرة واحدة في يوم من الأيام. النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابه يقال إنه بعد صلاه الفجر قال للصحابة رضوان الله عليهم: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى اليوم على جنازة؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تصدق اليوم على مسكين؟» قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أنا يا رسول الله. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عاد منكم اليوم مريضاً؟» فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أنا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».
ما اجتمعن يعني هذه الأربع: أن يصبح صائماً، وأن يصلي على جنازة، وأن يتصدق على مسكين، وأن يعود مريضا، ما اجتمعن في عبد في يوم إلا دخل الجنة. وهذه ايها الأحبة من احتساب الأجر؛ أحيانا الإنسان يزور مريضا، وقد يكون صائماً، يتصدق على مسكين، ويحرص على أن يذهب الى بعض المساجد التي فيها الجنائز، فيجمع هذه الأربع وينال هذا الخير العظيم. وكما قلت ايها الأحبة أن يحاول الإنسان ولو مرة واحدة، ولو أكثر، فالله عز وجل عنده من الخير الكثير، فيحرص الإنسان أن يطبق، لأن إذا اجتمعت في العبد في يوم واحد دخل الجنة، هذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكون من أهل الجنة إذا فعل هذه الأربع في يوم واحد.
من الآداب التي تاتي بعد ان يصل الإنسان وهو محتسب الأجر عند الله ومخلص في نيته، أن يراعي الوقت المناسب للزيارة، لأن المريض لابد أن يراعى في ذلك، هناك وقت أخذ الدواء، هناك وقت الأكل، وقت النوم، قد يكون يتأتلم في بعض الأحيان، قد يكون يحتاج إلى تنظيف وغسيل، فلا بد أن الإنسان يراعي هذه الأوقات. المشكلة أيها الأحبة أن بعض الناس الآن عندما يزور المريض، يراعي الوقت المناسب له هو للزائر وليس للمريض، يعني هذا الوقت ما يناسبني، عندي عمل، عندي شغل، فأخلع مشواراً مثلاً أذهب وأزوره في مشواري، فهو يراعي وقته وحاله، ولا يراعي وقت وحال المريض، وهذا ليس من أدب الزيارة. لابد أن تراعي الوقت المناسب في الزياره لهذا المريض، يعني وقت معروف، مثلاً في العصر، في المغرب، وقت متعارف عليه بين الناس يكون وقت زيارة. لكن بعض الناس يأتي بعد صلاة الظهر، بعضهم يأتي في الساعة بعد صلاة العشاء بوقت طويل، أحيانا يأتي في الصباح وقد يكون في وقت الراحة أو وقت أخذ العلاج، فهنا لابد أن يراعي الإنسان هذا الأمر.
من الآداب أيضاً أن يخفف الزيارة، ولا يطيل الجلوس عند المريض. وهذه طبعا تختلف بحسب حال الزائر وحال أيضاً المريض؛ أحياناً يكون المريض لا يريد الجلوس الطويل عند الناس، يتألم، عنده أشياء يريد أن يقضي حاجته أكرمكم الله أو شيء من هذه الأمور، أو لا يريد حاله نفسية لا تسمح بالكلام، فيجب على المسلم أن يخفف الزيارة. لكن إذا كان المريض ممن يانس بالزيارة ويانس أيضاً بهذا الشخص، أما يكون صديقاً له مقرباً إليه حبيباً له، فانه يجلس عنده ويانس، وهذا لا باس به، ليست القضية قضية محسومه بانه لا يطيل، فهي تختلف من شخص إلى شخص، والعاقل هو الذي يعرف وضع المريض وحال المريض، ولا يكون ثقيلاً على هذا المريض.
طبعا حديث يشتهر عند الناس أنبه عليه أيها الأحبة: بارك الله في من زار وخفف. ويظنه بعض الناس أن هذا حديثاً ويوصي الناس به، وهذا ليس بصحيح، هذا ليس بحديث أبداً ولا يصح عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضاً من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يراعيها في زيارته، في تخفيف الجلوس، أيضاً في تخفيف السؤال؛ أن بعض الناس يكثر على المريض في سؤاله: وعن مرضه وماذا بك؟
يريد أن يشرح له، قد يكون متعباً، قد يكون لا، لا يريد أن يتكلم، قد يخفي أحياناً المريض يعني بعض الأشياء التي عنده لأنها لها خصوصية، فلا يريد أن يبوح بها. بعض الناس يلح عليه يريد أن يعرف كل التفاصيل وكل يعني ما يتعلق بهذا المرض، وهذا ليس بصحيح، وهذا ليس من الأدب، يعني الإنسان يسأل: كيف الحال؟ ما هي أخبارك؟ يعني أسئلة عامة أسئلة عامة.
أما أن يريد أن يدخل في التفاصيل، ويريد من المريض أن يشرح له كل ما به من علة، والله من الجهل والحمق والسفه وقلة العقل وقلة العقل. ولو نظرنا أيها الأحبه يعني تخيل كم يعني من أناس يزورون المريض، فلو كل واحد يريد من المريض أن يشرح له، أصبح المريض معلماً وليس مريضا، يريد أن يتكلم كل من زاره يريد أن يعطيه الأمر بالتفصيل، فهذا يطول الحديث فيه والكلام فيه، وهذا لا ينبغي ولا يليق وليس من الأدب.
أيضاً الكلام الطيب الذي يقال عند المريض: التشجيع والثناء والمدح، ويعني الوصف له بالأوصاف الجميلة ليررفع من معنوية هذا المريض ويحفزه بإذن الله على تقبل العلاج، وبالتالي يكون الشفاء بتوفيق الله عز وجل. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم -هذا من الأدب النبوي العظيم-: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون».
يؤمنون على ما تقولون، يعني الإنسان لا يجعل المريض يعني يتسخط بكثرة الكلام عنده، وإظهار يعني أن به الألم والشدة، وأن وجهه مصفر، وغير ذلك من الكلام الذي لا ينبغي؛ لأن الملائكة تحضر هذه المجالس وهذه الأماكن وتؤمن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضاً دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أم السائب رضي الله عنها فقال: «مالك يا أم السائب تزفزفين؟» تزفزفين يعني ترتعد أو تنتفض من شدة الحمى. فقالت الحمى -تقول أم السائب رضي الله عنها-: الحمى لا بارك الله فيها. الحمى لا يعني سبب هذه الرعده وهذا الانتفاض الذي في الجسم هو الحمى الحرارة شدة الحرارة، فقالت الحمى: لا بارك الله فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسب الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد». فما يسب الإنسان لا المرض ولا يتسخط ولا يجزع، وإنما يرضى بما قسم الله عز وجل له، ولا يقول إلا خيراً، وهذا من الرضا بقضاء الله وقدره.
فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته، وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج؛ ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاويه، وهكذا سائر العلوم، ويسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين، ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية. يحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلةمراراً، وليستفيد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، ويسخر ذكائه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].
توقف الحديث أيها الأحبة قبل الفاصل عند الثناء على المريض والدعاء له، وأيضاً الكلام الطيب الذي يجعل المريض أيضاً يرد بكلام طيب حتى لا يتسخط؛ لأن كما ذكرنا قبل قليل أن الملائكة تؤمن على هذا الكلام الذي يقال عند المريض.
أيضاً من الآداب العظيمة أيها الأحبة أن يذكر المريض بفضل الله عليه ونعمته وعطائه وكرمه، وما تفضل الله عز وجل عليه بنعم كثيرة، يعني لا يقتصر نعم الله عز وجل في هذا المرض، هناك نعم كثيرة، قد يكون عنده أعمال صالحة، قد يكون ممن يتصدق رجل من أهل الصف الأول أو من أهل الصيام، يعني يذكر بهذه الأعمال الصالحه التي تجعله يستشعر نعمة الله عز وجل عليه، ولا يزدري نعمة الله أو يتسخط بسبب هذا المرض، وإنما ينظر أيضاً إلى الوجه المشرق الآخر في نعم الله عز وجل عليه.
هذا إذا كان المريض مسلما، وذكر العلماء أن المريض إذا كان غير مسلم، وهذا ذكر العلماء أنه يجوز زيارة المريض غير المسلم لتذكيره ونصحه وأيضاً دعوته إلى الحق لعل الله عز وجل أن يهديه قبل موته، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عندما زار ذلك الغلام اليهودي وهو في النزع الأخير، فزاره النبي صلى الله عليه وسلم ولما رآه في هذا الحال قال النبي صلى الله عليه وسلم أو دعاه إلى الإسلام، فنظر هذا الغلام إلى أبيه كأنه يستشيره في هذا الأمر، فقال له الابد: أطع أبا القاسم صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذا يدل على شفقة النبي صلى الله عليه وسلم وحب الناس له حتى من غير المسلمين بسبب الرحمة والرأفة والشفقة وما جعل في قلبه عليه الصلاه والسلام من حب الخير للناس أجمعين. فشهد هذا الغلام ودخل في الإسلام، ثم بعده بقليل قبض الله عز وجل روحه ومات، فقال النبي خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». فكانت الزيارة خير لهذا الغلام بأنه مات على التوحيد ومات على الإسلام.
أيضاً عندما يصل الإنسان إلى المريض يشرع له أن يقول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في زيارته للمرضى؛ النبي صلى الله عليه وسلم إذا زار مريضا يقول له: «لا باس، طهور إن شاء الله»، يعني لا بأس عليك في هذا المرض، إن شاء الله تشفى منه، طهور إن شاء الله يعني أن الله عز وجل باذن الله يدعو له بان يجعل هذا المرض طهورا له من الذنوب والخطايا، ويدعو له بهذا الدعاء أو هذا الذكر الذي جاء عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضاً يحرص الإنسان على أن يقول الأدعية الواردة التي جاءت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أنه إذا زار مريضا يقول عنده: «النبي صلى الله عليه وسلم إذا زار مريضاً جلس عند رأسه، ثم يقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك». يقولها سبع مرات، أما يقولها بصوت مرتفع أو يقولها بينه وبين نفسه إذا خشي أن المريض يتضايق من هذا الأمر لأي سبب من الأسباب؛ لأنه أحياناً ليس كوهاً في السنة أو كرهاً في الدعاء، لكن أحياناً المريض قد يكون فيه من الألم والشدة ما يجعله في نفسية لا يتقبل أي شيء، فالمسلم الموفق الزائر هو الذي يعرف حال المريض، ويعرف هل يقولها بصوت عال أو يقولها بصوت منخفض.
أيضاً إذا كان المريض ممن يطلب الرقية فانه يرقيه، والرقية أيها الأحبة ليست خاصة بالامراض الروحية: الحسد والعين والسحر وغيرها، حتى في الامراض العضوية، حتى في الأمراض العضوية فتشرع الرقية ويقرا الإنسان، ولا يخفى عليكم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي قرأ الفاتحة على اللديغ، على من لدغته العقرب، فخرج السم من جسده، هذا ليس بمرض روحي، ليس بعين ولا سحر ولا حسد، وإنما هو سم دخل في الجسد فخرج ببركة قراءة الفاتحة.
وأيضاً الأذكار التي يقولها أو جاءت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً»، «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك»، وغير ذلك من الأذكار التي جاءت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضاً يحذر المريض من التداوي بما حرم الله عز وجل، قد يكون هذا المريض ابتلي بشيء من العين أو السحر أو الحسد أو غيرها، فانه يحذر من الذهاب إلى الكهنة والعرافين والسحرة، وأن هذا أمر خطير جداً، والإنسان مع المرض قد يضعف أحياناً قد يضعف ويتسلط عليه الشيطان بسبب شدة المرض، فيفعل ما حرم الله عز وجل، وقد يكون سببا في كفره عياذا بالله. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: «أنه من أتى كاهناً أو عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً»، هذا إذا أتاه فقط، فإذا صدقه دخل في كارثة أخرى أعظم أطم، ولهذا جاء في الحديث: «فصدقه بما قال» يعني من أتي كاهناً أو عرافاً فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد صلوات ربي وسلامه عليه.
وهنا أمر خطير جداً أيها الأحبة لابد خصوصاً إذا زار مريضا مبتلى بعين أو بحسد أو بسحر فإنه لابد أن يذكره بهذا الأمر إذا شعر منه شيء من الضعف أو من أقاربه أو ممن حوله ويريدون أن يذهبوا به إلى هؤلاء السحرة أو الكهنة فإنه يحذرهم من هذا الأمر، وهذا الأمر ليس بالامر الهين فهو شرك وخروج عن دين الله عز في علاه.
أيضاً يذكر المريض بأجر الصبر وما عند الله عز وجل من الأجر للصابرين؛ الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن ربِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. فيذكر الإنسان بهذا الأمر، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه».
وهذه نعمة من الله عز وجل يذكر بها المريض، يذكر بها المريض لترتفع معنوياته وأيضاً ليحث على الصبر واحتساب الأجر عند الله والرضا بقضاء الله وقدره، وهذا والله من أعظم النعم حتى لا تجتمع على الإنسان مصيبتان: مصيبة المرض، والجزع والتسخط وعدم الرضا بقضاء الله وقدره. لكن حتى يوفق العبد أن يحول هذه المحنة إلى منحة، المرض يصبح فيه هذه الفضيلة العظيمة بأن تكفر له الخطايا والذنوب، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله وولده حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». أي نعمة إذا عرف الإنسان هذه الأحاديث فإنه يصبر ويرضى بقضاء الله وقدره.
الرضا بقضاء الله وقدر والإيمان به هو أحد أركان الإيمان الستة، أحد أركان الإيمان الستة الرضا بقضاء الله وقدره. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». يعني في حال السراء حال النعمة يشكر فهو خير له، وفي حال الضراء والبلاء والمحنة والمرض يصبر وهو خير له، وهذا لا يكون إلا للمؤمن كما قال النبي صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضاً من الآداب العظيمة أيها الأحبة أن الإنسان إذا زار مريضا أن لا يذكر له مساوئ المرض وآفاته، ويتكلم في هذه الأحوال والابتلاءات، هذا لا ينبغي أيها الأحبة، بل ارفع من معنويات المريض، ولا يتكلم عن الطبيب ولا يصلح والمستشفى لا ينفع هذا، ويبدأ يتكلم بكلام لا قيمة له، ولست أنت أحرص على المريض من أهله وأقاربه، فلابد أن يكون الإنسان عاقلا يزور المريض في مستشفى: هذا المستشفى ما يصلح، هناك ما هو أفضل منه. لست بأحر ولا أكثر اهتماماً بالمريض وأحرص على صحته من أهله وأقاربه، فيكون الإنسان عاقلاً، ولو أراد أن يقدم نصيحة فيقدم بعيداً عن المريض حتى لا يؤثر على نفسيته.
ومن الطرائف أن رجلاً زار عمر بن عبد العزيز رحمه الله في مرضه فسأله عن علته، سأل عمر رضي الله عنه ما هي علته، فأخبره عمر رضي الله عنه، فقال هذا الرجل هذا الزائر: إن هذه العلة ما شفي منها فلان ومات منها فلان. فقال عمر رضي الله عنه وهو الحكيم: إذا عدت مريضا فلا تنع إليه الموتى، وإذا خرجت عنا فلا تعد إلينا، أعوذ بالله منك. وهذا ليس من التشاؤم أيها الأحبة، لكن هذا من العقل ومن الحكمة أن يقول هذا، لا تأتي مرة أخرى؛ لأن هذا جاهل الذي يذكر أن هذا المرض مات منه فلان وابتلى فيه فلان وما شفي منه فلان، هذا ليس من الأخلاق وليس من الآداب وليس من العقل وليس من الحكمة أيضاً أن يقال هذا عند المريض.
بل المريض يذكر برحمة الله وبفضل الله وبقرب الشفاء بإذن الله، وهذا من فضل الله عز وجل على العبد إذا وفق إلى هذا الأدب وهذا الخلق. هذه أيها الأحبة جملة من الآداب والأخلاق التي يعتني بها المسلم في زيارته لأخيه المريض، أسأل الله عز وجل أن يجملنا بالأدب في كل حياتنا، وأن يجعلنا من الموفقين في أعمالنا كلها متبعين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة.
وكبيره، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا نوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان.
زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليغوي غلة الظمآن، كالأخلاق ندرسها معا أدب وتربية على الإحسان.
أنشر لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني