تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله وبياكم في هذه الحلقة في مقرر الآداب الإسلامية في مادة التربية في أكاديمية زاد، التي أسأل الله عز وجل أن ينفع بها العالم والمتعلم والملقي والمتكلم والسامع، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اليوم أيها الأحبه سنقف مع أدب عظيم من الآداب الإسلامية الجليلة التي يعتني بها المسلم في حال وقوع هذا الأمر، والذي لابد أن يقع؛ لابد أن يقع طال الزمن أو قصر، وأعني بذلك آداب التعزية، التعزية التي تكون في حال المصيبة، في حال الموت. والله عز وجل سمى الموت في القرآن، سماه مصيبة؛ فإذا أصابتكم مصيبة الموت، فالموت مصيبة تحل بالإنسان، لكن من فضل الله عز وجل ومن رحمته بالعباد أنه جعل لهم من الآداب والأعمال التي تهون عليهم هذه المصائب وتخففها أيضا، والله عز وجل يبتلي العبد، لكنه في نفس الوقت الله عز وجل لطيف بعباده، لطيف بعباده؛ فمع البلاء تنزل الرحمة والسكينة، والمسلم الموفق هو الذي يعتني بهذا الأمر.

والله عز وجل ذكر المصيبة، مصيبة الإنسان في نفسه وماله وأهله وكل شؤونه، ذكرها الله عز وجل وذكر ما يفعل في حيال ذلك، وأيضا النتيجة التي يجنيها. الله عز وجل قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتُْم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. فهذا من توفيق الله عز وجل للانسان أن يراعي الآداب الشرعية في حال المصيبة.

وهذا أيها الأحبه ليس بالأمر الهين، فأحيانا الإنسان قد يفهم هذا ويستحضره ويسمعه كثيرا، لكن في حال وقوع المصيبة قد يضعف الإنسان وينسى ويجزع ويتسخط وتغيب عنه هذه المعاني، ثم إذا ذهبت المصيبة يبدأ يتفكر، لكن المسلم الموفق هو الذي يستعين بالله عز وجل ويحرص على هذه الآداب، وأيضا من توفيق الله للعبد أن يكون ممن حوله من يذكره بهذا الأمر ويصبره ويثبته ويعينه على التقيد بهذه الآداب الإسلامية.

أول ما نتكلم عنه هو حال المصاب، أي نفسه؛ عندما يصاب الإنسان بمصيبة، الأكمل أيها الأحبه أن الإنسان يصبر ولا يتجزع ولا يتسخط، وإنما يرضى بقضاء الله وقدره، يرضى بقضاء الله وقدره، ويعلم أن هذا الأمر مقدر ومكتوب قبل أن يخلق. وهذا يجعل الإنسان يرضى بقضاء الله وقدره، وأن هذا مكتوب، ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: 11] يعني هذا الأمر سيحصل ولا شك يقينا، ولهذا الإنسان العاقل أحيانا يتفكر في هذا الأمر؛ بعض الناس لما لا قدر الله يحصل حادث ويتوفى أحد، يقول: لِمَ لم يسافر أو يذهب إلى المكان الفلاني، أو يشرب ويأكل الطعام الفلاني ويتسمم؟ يقول: لِمَ لم يفعل؟ هو سيفعل، وما كتب له سياتيه ولا شك، فعل أو لم يفعل، فهو مقدر. وهذا الأمر مكتوب عند الله عز وجل قبل أن يخلق هذا الإنسان، فهذا يجعل الإنسان يرضى بقضاء الله وقدره مع الحزن الذي قد ينتابه، لكنه يرضى ويعلم أن هذا مقدر ومكتوب عند الله عز وجل في علاه.

ولهذا في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]. ما معنى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؟ قال المفسرون: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى. وهذا والله من أكبر النعم، من أكبر النعم أن الإنسان إذا علم أنه إذا نزلت المصيبة فيعلم أنها يقينا من عند الله، يقينا من عند الله عز وجل، قد تكون ابتلاء، قد تكون رفعة لدرجاته، تكفيرا لسيئاته، لأي أمر من الأمور، لكن هي من عند الله ومقدرة ومكتوبة قبل أن يخلق. ولهذا عندما يرضى الإنسان، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ يعني يرضى عن الله في هذه المصيبة، ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يجعل قلبه مطمئنا، مستكينا، خاضعا لله عز وجل، يرضى بما قسم الله وقدره. وهذه والله من نعم الله عز وجل على العبد، حتى لا تجتمع على العبد مصيبتان؛ مصيبة هذا البلاء الذي حل، ومصيبة فقدان الأجر، وهذا والله من البلاء أن يحرم الإنسان مع المصيبة أن يحرم الأجر.

لكن من توفيق الله عز وجل للعبد أن ينال الأجر في مصيبته هذه، وهذا من توفيق الله للعبد، ولهذا يقول الشاعر في بيتين جميلين: يجري القضاء وفيه الخير نافلة لمؤمن واثق بالله لاهي إن جاءه فرج أو نابه ترح في الحالتين يقول الحمد لله فكلمة الحمد لله أيها الأحبه كلمة ليست بالهينه، وهذا من توفيق الله للعبد أنه إذا أصيب بمصيبة أن يقول الحمد لله، يحمد الله عز وجل في حال السراء وفي حال الضراء. ولهذا كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه إذا جاءه ما يسره سمع بذلك أو جاءه من الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإن جاءه ما يسوءه سمع خبرا غير سار، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله على كل حال»، فهو يحمد الله في الحالين، كما قال الشاعر في هذا البيت الجميل: إن جاءه فرج أو نابه ترح، في الحالتين يقول الحمد لله، وكانه يصف حال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضا من الآداب الإسلامية التي يتحلى بها المسلم في حال المصيبة ألا يصدر منه أي شيء يخالف الشرع من تجزع أو تسخط أو كلام غير لائق أو فيه اعتراض على قدر الله وعلى حكم الله، هذا لا ينبغي أبدا أيها الأحبه، هذا لا ينبغي، وهذا من عدم الرضا بقضاء الله وقدره، وهذا أيضا يخل بأيمان الإنسان؛ لأن الرضا بقضاء الله وقدره من أركان الإيمان السته، من أركان الإيمان السته التي هي دلالة على عظم الإيمان في قلب هذا العبد.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه، وبعد أيها الأحبه، تووقف الحديث قبل الفاصل عند الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، وألا يصدر من الإنسان ما يخالف شرع الله، ما يخالف شرع الله من الكلمات التي فيها تجزع، وفيها تسخط على الله عز وجل، تسخط من قدر الله ومن حكم الله عز في علاه، هذا لا ينبغي. ومع الأسف أحيانا قد تصدر من الانسان كلمات، يعني: لِمَ يا رب؟ وما يستاهل؟ وغير هذه من الكلمات التي لا ينبغي للانسان أن يقول هذا في اعتراض على حكم الله وعلى قدر الله وعلى شرع الله عز في علاه، وهذا يراعي الإنسان الألفاظ التي تخرج من لسانه في حال المصيبة. ولهذا من وفق هو الذي يتكلم بالكلام الشرعي، أما أن يحمد الله أو يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وانظروا أيها الأحبه إلى الحديث الذي روته أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرني في مصيبتي هذه واخلف لي خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلفه خيرا منها». فأم سلمة رضي الله عنها التي روت هذا الحديث حصل لها شيء من التطبيق العملي لهذا الحديث، وهذا من توفيق الله لهؤلاء الأخيار الفضلاء من الصحابه ومن أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن. فهذه المرأة الصالحه، أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، لما توفي زوجها أبو سلمة، وحيدها الذي هاجر معها من مكة إلى المدينة وليس لها أحد في المدينة إلا هو، فلما مات، مصيبة عظمى حلت بهذه المرأة، فقدت العائل، وفقدت الزوج، وفقدت الإنسان الذي يرعاها ويقوم بشؤونها، فهي مصيبة عليها، مصيبة كبيرة.

لكن انظروا إلى تطبيق السنة أيها الأحبه، تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرني في مصيبتي هذه. ثم لما أرادت أن تقول: واخلف لي خيرا منها، قالت في نفسها: ومن خير من أبي سلمة؟ وهو زوجها وحبيبها، وهو الذي لها بعد الله عز وجل في الغربة، لكنها امتثلت لكلام النبي صلى الله عليه وسلم وامتثلت لسنته وهديه صلوات ربي وسلامه عليه، فأكملت الحديث وقالت: واخلف لي خيرا منها. فعوضها الله عز وجل خيرا من ملء الأرض من أبي سلمة، وهو حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا من فضل الله ومن توفيق الله للعبد في بركة تمسكه بالسنة، وامتثال هذه المرأة الصالحة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعوضها الله عز وجل هذا الخير الذي لا يدانيه خير بعد التوحيد، أن تكون زوجا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأزواجه في الدنيا هم أزواجه في الآخرة، وهذا من اعظم النعيم الذي يكون لامرأة في هذه الدنيا.

هناك أيها الأحبه من الأمور التي قد يفعلها الإنسان وليس هي من التسخط ولا وليست هي من الجزع كما يظن بعض الناس؛ البكاء في حال المصيبة، يعني إذا أصيب الإنسان مصيبة بفقد عزيز أو حبيب له، إذا بكى الإنسان ودمعت عينه فليس هذا من التسخط وليس هو من الاعتراض على قدر الله عز وجل، بل هذه من الرحمة التي جعلها الله عز وجل في قلوب العباد، وفيها أيضا التنفيس والراحه للانسان من الكبت والضيق الذي يكون في صدره. هذه الدموع التي تنساب على خده هذه رحمة من الله، ولهذا من الخطا أيها الأحبه أن بعض الناس أحيانا لما يأتي مع مصاب بفقد عزيز في المقبرة ويراه يبكي، فانه: لا تبكي، اتق الله، والله هذا من الجهل ومن الحماقه ومن الغباء أن يقال مثل هذا كلام، اتركه يبكي دون أن يكون هناك عويل أو صراخ أو تسخط أو كلام لا ينبغي، لكن مجرد البكاء هذه رحمة تمنع عنه، رحمة الله هذا والله من الخطا وقله العقل والسفه والجهل بدين الله. البكاء أيها الأحبه تخفيف وراحة للمسلم الذي أصيب بهذه المصيبة، والذي يدل على ذلك أن نبينا وحبيبنا محمدا صلوات ربي وسلامه عليه بكى دمعت عينه عندما مات ابنه إبراهيم عليه السلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع, وإن القلب يحزن, ولا نقول إلا ما يرضي ربنا, وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». كلمات عظيمة وجليلة تدل على عظم الرحمة في قلب حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

فهذا أمر أيها الأحبه يعتنى به، أن الإنسان يفعل ما جاء في الشرع من الاقوال والأفعال التي جاءت في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، من الكلام الذي فيه رضا عن الله، يحمد الله، يقول هذا الذكر اللي ذكرناه قبل قليل في حديث أم سلمة، وأيضا الأفعال بأن يرضى يصبر مع دمع العين وحزن القلب، وهذا شيء طبيعي جدا وليس فيه مخالفة وليس فيه تسخط وليس فيه اعتراض على قدر الله عز في علاه.

هذا ما يتعلق أيها الأحبه بالانسان الذي أصيب بالمصيبة، المسلم الموفق هو الذي يقف مع أخيه المسلم في حال المصيبة، وهذا من حق المسلم على المسلم أن يقف معه، أن يعزيه في هذه المصيبة وفي هذا البلاء، والتعزية أيها الأحبه مستحبة.

ولها أجر عظيم وفضل عند الله عز في علاه. وبعض كثير من الناس قد يذهب ويعزي أخاه وهو لا يدري عن الأجر المترتب على هذه التعزية، قد يفعلها من باب الصداقة والزمالة والقرابة وغير ذلك من الأمور. لكن حبذا أيها الأحبة أن الإنسان عندما يفعل شيئاً من العادات أن يستحضر فيها الأجر من الله، وأن يحول هذه العادة إلى عبادة، وهذا بسيط جداً وفقط في النية، فقط في النية أن يستحضر هذه النية.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة». نعمة عظيمة يحصلها الإنسان وهو يفعل شيئاً من الأمور المعروفة والمحببة عند الناس؛ وهي الوقوف بجانب أهل العزاء وأهل المصيبة يقف بجوارهم ويعزيهم، فينال هذا الأجر أن يكسوه الله عز وجل حلل الكرامة يوم القيامة. فنسأل الله عز وجل ألا يحرمنا هذا الأجر.

وحبذا أيها الأحبة أن تكون التعزية في الوقوف مع الإنسان في حال الدفن في المقبرة، أن يحضر صلاة الجنازة ويحصل الأجر، ومن صلى على جنازة كان له قيراط من الأجر، ومن تبعها كان له قيراطان، والقيراط مثل جبل أحد، فيجمع الإنسان هذه الاجور كلها بأن يحصل هذا القيراط أو هذين القيراطين ويكون له أيضاً هذا الفضل بأن يكسى من حلل الكرامة. نعم كثيرة وعظيمة وجليلة يحصلها الإنسان وهو يفعل شيئاً من المعروف عند الناس ومن مكارم الأخلاق، ويزيد على ذلك بأن ينال هذا الأجر العظيم من الله عز في علاه.

هناك أيها الأحبة آداب يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في حال ذهابه مع أخيه المسلم في حال مصيبته عندما يعزيه، عندما يشارك في هذه المصيبة، فيحسن بالمسلم أن يراعي بعض الآداب التي جاءت في سنة نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. قبل ذلك ذكر العلماء قضية تعزية غير المسلم، تعزية غير المسلم طبعا ذكر العلماء فيها خلاف، لكن إن كان هذا الغير مسلم مثلاً جار له حق أو كان زميل أو قريب فانه يعزيه. لكنه لا يقول دعاء فيه ثناء على الميت الذي مات على غير الإسلام، لأنه لا يجوز أن يدعو لغير المسلم.

الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]. هذا لا يجوز، ولكن يقول الكلمات التي يجبر فيها مصابهم وأن يواسيهم في هذا الأمر. ونواصل الحديث بعد الفاصل إن شاء الله.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة.

من أهم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هِشّاً ضعيفاً؛ جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. بالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذه. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشه رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه اجمعين، أما بعد: فبقي معنا أيها الأحبة في هذا الأدب العظيم، وهو أدب التعزية، بقي معنا الآداب التي يتحلى بها المسلم في حال ذهابه لتعزية إخوانه الذين اصيبوا بهذه المصيبة. من الآداب أيها الأحبة التي يراعيها الإنسان أن يختار من الألفاظ ما يكون مناسباً لهذه المصيبة التي حلت بأخيه المسلم، بأن يعزيه إما بما ورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الخير والبركة والنور، أن يقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنته عندما توفي ابنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب».

فإن قال الإنسان هذا الذكر: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فليصبر الانسان وليحتسب، أو يقول من الألفاظ المتعارفة عند الناس كأحسن الله عزائكم وعظم الله اجركم وجبر مصابكم، يعني هذه الكلمات لا باس بها إذا قالها الإنسان والامر فيها واسع. أيضاً يدعو الانسان للميت، يدعو الإنسان للميت اجعله في عليين، اللهم نور له في قبره، يعني من الكلمات التي قد تدخل الراحة والطمانينة والانس بهذا الامر عند أهل المصاب عندما يسمعون هذه الدعوات لفقيدهم، هذا مما يدخل السرور في قلوبهم.

والنبي صلى الله عليه وسلم لما توفي أبو سلمة دعا له النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لغيره من الصحابه، لكن مما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لأبي سلمة أنه قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفَع درجته في المهديين، واخلُفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه». هذه دعوات من النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الإنسان بأي دعاء يكون فيه الخير والنفع لهذا الميت، والدعاء عظيم ايها الاحبه ومستجاب عند الله باذن الله.

أيضاً توصية أهل المصاب بالصبر والاحتساب وعدم الجزع والتسخط، فهذه من الأمور التي يوصي بها المسلم إخوانه أهل الميت، ومثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة رَآها تبكي عند قبر قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقي الله واصبري». يعني لا تتجزعي ولا تتسخطي ولا تكثري من النياحة التي هي مخالفة لجانب الرضا بقضاء الله وقدره، فهذا من الأمور التي يوصى بها أهل الميت.

من الأمور التي تراعى أيها الأحبة في ذلك الجانب بعد أن يعزي الإنسان أخاه المسلم، لا بأس أن يواسيه بشيء من المعونه في الطعام أو في غيره لأنه اتاهم ما يشغلهم. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أتى نعي جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم ما يشغلهم». فصنع الطعام لأهل الميت هذا من الأمور المستحسنة وهي من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يراعي الإنسان في ذلك أن يكون الطعام لأهل الميت، وليس كما يفعل عند الناس الآن أن تقام الولائم والدعوات في بيت الميت، هذا ليس من السنة وهو خلاف السنة، بل كان الصحابة رضوان الله عليهم يعدون ذلك من النياحة كما قال جابر رضي الله عنه وأرضاه.

هذا والله مع الأسف هو من المخالفات الشرعية المنتشرة بين الناس، ولا يحتج ولا يتحجج الإنسان ولا يعلل ذلك بكثره من يفعله، وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، فليست العبرة بالكثرة العبرة باتباع الهدي واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم. الطعام يكون لأهل الميت فقط، ولا يجوز للإنسان أن يجلس وأن ياكل في بيت أهل الميت هذا ليس من السنة أبداً، بل هو مخالف لسنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه، السنة أن يصنع الطعام لأهل الميت، ولهذا انظروا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً» وجعفر من هو؟ ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ما قال اصنعوا لنا قال اصنعوا لآل جعفر طعاما فانهم قد اتاهم ما يشغلهم.

فالطعام أيها الأحبة لأهل الميت، أما التوسع فيه كما يحصل الآن دعوات وعزائم وولائم وبيت الميت مفتوح كأنه وظيفة، هذا ليس من السنة وهو خلاف السنة، وقد يكون من البدع والمحدثات التي انتشرت بين الناس الآن. والطامة والكارثه الأشد والأنكى أحياناً أن يكون ممن يفعل هذه الولائم هم أهل الميت، وهذا مخالفة أشد وأصريح لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويوجد عند بعض القبائل عادات عندهم، اللي هو قطع العزاء يكون آخر ليلة في العزاء يصنع الطعام أهل الميت، مخالفة صريحة لدين الله لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي على المسلم أن يراعي هذه الأمور وأن يحرص أن يعزي، ولا بأس كما ذكر الشيخ ابن باز رحمه الله عليه لا بأس أن يجلس، وإذا كان هناك مثلاً قدمت له القهوة أو الشاي لا بأس في ذلك، أما الجلوس وأكل الطعام والانبساط والحديث في هذه الأماكن هو مخالف لسنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً إقامة الأماكن وكأنها حفل للعزاء، إقامة الخيام أو وضع اللمبات والكراسي في الأماكن المفتوحة أحياناً قد يكون في حاجة يكون البيت لا يتسع فهنا لا بأس، أما أن يكون هذا من باب المباهاة والمفاخرة وأن الميت من أهل الجاه من أهل المكانة، فهذا لا شك من المخالفة الصريحة لهدي النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً ما يقع من الناس عندما يجتمعون قراءة الفاتحة، وهذا من البدع المنتشرة خصوصاً في بعض المجتمعات منتشرة بكثرة عندما يجتمعون للعزاء، الفاتحة على روح الميت هذه بدعة، بدعة أيها الأحبة، ولا يؤجر الإنسان عليها ولا ينال الميت منها خيراً، بل هي بدعة ومخالفة لسنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه. قراءة ياسين، قراءة الفاتحة، يأتون أحياناً بمقرئ ويقرأ القرآن في العزاء، حتى ارتبط القرآن في بعض المجتمعات بالعزاء، عندما يسمع القرآن يقول ليه في عزا؟ وهذا والله من الخلل الكبير، وهذه هي نتيجة البدعة والمخالفة، أن يكون القرآن الذي هو النور والهداية والحياة والسعاده أن يرتبط بالموت ويرتبط بالمصائب.

هذه هي نتيجة البدعة والمخالفة لسنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه، أن يؤتى بمقرئ في العزاء هذه مخالفة شرعية لا تنبغي ولا تجوز، والمال الذي يدفع لهذا المقرئ هذا ليس من المال الذي يصح أن يدفع. والكارثة والمصيبة أن يكون من تركة الميت وهذا أشد وأنكى وأبلى إذا فعل مثل ذلك، وما يفعله بعض الناس مثلاً في الأربعين وفي غيرها هذه كلها بدع أيها الأحبة يجب على المسلم أن يجتنبها وأن يطبق شرع الله وأن يمتثل سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يغتر بكثرة من يفعل ذلك، فعل الناس ليس بحجه، والإنسان الموفق والمسدد هو الذي ينظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إما أن يسأل العلماء فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. لا تقول: هذا حال الناس، وهذا ما يفعله الناس، وهل تريد أن أخالف العادات والتقاليد؟ نعم العادات والتقاليد التي تخالف شرع الله تطرح خلف الإنسان ظهرياً يرميها خلف ظهره، ويكون قوياً في دينه والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

والله عز وجل حكى عن الأمم السابقة لما جاءهم الانبياء وعارضوا الأنبياء قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ، هذا هو الضلال، أن يكون الإنسان متبعا لفعل الناس والآباء والأجداد هذا ليس بسنه وليس بهدي وليس بشرع الله عز في علاه، بل الشرع ما جاء في كتاب الله وفي كلام رسوله صلوات ربي وسلامه عليه.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا اتباع السنة، وأن يحيينا على السنة، وأن يميتنا عليها، وأن يبعثنا عليها إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.