الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في قناة زاد وفي أكاديمية زاد في مادة التربية ومقرر الآداب الإسلامية.
الحديث أيها الأحبة في هذه الحلقة متصل بالحلقه الماضية الذي تكلمنا فيه عن آداب البيع والشراء، والآداب التي يشترك فيها البائع والمشتري، وما يتعلق أيضا باداب السوق. في هذا اللقاء سنتكلم خصوصا عن آداب البائع، فللبائع آداب وللمشتري أيضا آداب تتعلق به، فيحسُن بالمسلم الذي يذهب إلى الأسواق، سواء كان بائعا أو مشتريا، أن يراعي هذه الآداب الإسلامية حتى يكون في بيعه وفي شرائه في تعامله يكون على وفق الشريعة الإسلامية، وأيضا يكون سائرا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد أن يتبع السنة في كل أحواله وفي كل شؤونه.
لا شك أيها الأحبة كما ذكرنا سابقا أن البيع والشراء والذهاب إلى الأسواق من الأمور المباحة، بل هي من الحاجات التي يحتاجها المسلم في يومه وفي ليله، فلهذا جاءت هذه الآداب في هذه التعاملات التي بين البائع والمشتري. والقضية الكبرى التي يتعامل فيها البائع مع المشتري أن هذا المال مما حرمه الله عز وجل على العباد إلا إذا كان بحلال أو عن طيب نفس، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، فجعل المال مع الدم والعرض، وهذا يدل على أهمية هذا الأمر وأن الأمر ليس بالهين، فقضية الأموال قضية خطيرة ومهمة جدا، فلا بد أن يراعيها الانسان.
من أجل وأعظم هذه الآداب التي ينبغي ويجب على المسلم الذي يتعامل بالبيع أن يراعيها في تعامله هي قضية الحلف في البيع، وهذا مع الأسف مما عمت به البلوى، فقل أن تجد الآن بائعا إلا وهو مباشرة إذا ذكر أسعار السلع مباشرة يبدأ: والله كذا، والله راس مالها كذا. فمباشرة يحلف في بيعه وشرائه، خاصة النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث عظيم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». لاحظوا عظم البلاء والمصيبة والعناء والشقاء الذي يحل بالإنسان إذا كان يتعامل بهذا الحلف في البيع والشراء.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم»، وهذا والله من اعظم العقوبات التي تكون في يوم القيامة، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أربع عقوبات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال الراوي وهو أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه لما سمع هذا الكلام قال: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ يعني من هم الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، مع أن الإنسان في ذلك اليوم هو فقير ومحتاج، وهو يتعرض لنفحات الله عز وجل، وينظر إلى الجنة والنار، ومع ذلك ينال هذا العقاب الأليم العظيم من ربنا ومولانا عز في علاه.
فقال أبو ذر راوي الحديث: خابوا وخسروا يا رسول الله، من هم؟ من هم حتى نعرفهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم -ذكر ثلاث أصناف-: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصناف في هذا الحديث: المسبل الذي ينزل إزاره عن كعبيه، هذا هو الإسبال، وهو من المحرمات التي جاء فيها الوعيد الشديد، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تحت الكعبين في النار»، وهذا أيضا مما عمت به البلوى. والمنان الذي يمن بعطائه للناس عندما يعطي يتصدق ينفق يشفع فهو يمن بهذا العطاء، والمن لا يكون إلا لله عز وجل فهو المنان عز في علاه.
ثم الثالث الذي هو موضع الشاهد: والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، الذي يبيع يشتري بالحلف وهو كاذب في حلفه. إذا كان الحلف منهي عنه، كثره الحلف منهي عنه حتى ولو كان صادقا، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، ﴿وَلَا تجعلوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]. يعني لا ينبغي للإنسان حتى في تعامله العادي مع الناس لا ينبغي له أن يكثر من الحلف، لا ينبغي له أن يكثر من الحلف؛ لأن الله عز وجل أمرنا بأن نحفظ أيماننا؛ لأن حفظ اليمين فيه تعظيم لله عز في علاه، لا يجعل الإنسان دائما الحلف على لسانه، هذا قد يكون فيه شيء من عدم تعظيم الله عز في علاه، فينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عن كثرة الحلف.
والطامة والمصيبة العظمى والكبرى أن يكون هذا الحلف كذبا، وهنا تاتي الطامة الكبيرة التي ينالها الإنسان في بيعه وشرائه إذا حلف على شيء وهو كاذب، فيدخل في هذا البلاء وهذا الشقاء وهذه العقوبه العظيمة التي لا يعلم مداها إلا الله عز في علاه: لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، ولهم عذاب أليم. فيحذر الانسان من كثرة الحلف في البيع وفي الشراء.
أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحلف منفق للسلعة ممحق للربح». يعني هذا الحلف قد ينفق السلعة، يعني قد يصدق المشتري فيشتري، فهي قد تكون منفقه للسلعة يعني يبيع الإنسان، لكنها في الوقت نفسه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ممحق للربح، والمحق أيها الأحبة هذا لفظ شرعي جاء في القرآن، جاء مع الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 276]. المحق أيها الأحبة قد يكون عند الإنسان المال الوفير، قد يكسب في تجارته، لكن المحق ياتي في ابتلاء الانسان في نفسه، في ولده، في ماله، امور كثيرة قد لا يتصورها الإنسان، يذهب المال في المستشفيات، في اصلاح السيارات، في اي امر من الأمور، وهذا هو المحق الذي لا يتخيله ولا يتصوره الإنسان الذي يقيس الأمور بالأشياء المادية: كسب كذا وربح كذا. لكن ليس هذا هو التعامل مع الله عز وجل، هناك محق ذكره الله عز وجل في الربا، وهذا أيضا هو نوع آخر من المحق الذي يكون في الحلف الكاذب، فيجب على التاجر الذي يبيع ويشتري أن يراعي الله عز وجل في هذا الامر، ولا يكثر من الحلف؛ لأنه يمحق بركة بيعه ويمحق بركة ماله أيضا.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه اجمعين وبعد: تقدم الحديث قبل الفصل عن أدب عظيم يجب أن يراعيه البائع في تعامله التجاري وهو أن يحذر من كثرة الحلف، خصوصا إذا كان هذا الحلف كذبا، وهذا ينال به الإنسان العقوبة الأليمة العظيمة الشديدة التي ذكرناها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم»، ذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم: «والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
وأيضا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم وكثرة الحلف»، هذا تحذير: «إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق»، فإنه ينفق يعني يجعل السلعة تباع بسبب قد يصدق المشتري، قد يصدق هذا البائع، ثم هذا البيع يكون فيه المحق الذي ذكره النبي صلوات ربي وسلامه عليه. وفي المقابل، إذا كان التاجر صادقا، البائع إذا كان صادقا في كلامه، في تجارته، في بيعه، في إخباره عن السلع البضائع الموجودة عنده، فهذا ينال درجة عظيمة ومرتبة عالية، كما أن هذا الكاذب نال هذه العقوبة العظيمة من الله، فالصادق في المقابل ينال الأجر العظيم عند الله عز في علاه، وهذا لو تخيله الإنسان لشعر بقيمه الصدق وقيمة أيضا التجاره التي يصدق فيها الإنسان.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء». التاجر الصدوق الأمين الذي لا يغش، صادق لا يكذب، أمين لا يغش ولا يخادع، «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء». انظروا إلى هذه المنزلة العالية الرفيعه التي نالها هذا التاجر بسبب صدقه وبسبب أمانته.
أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يحذر التجار من هذا الامر، يقول: «إن التجار يبعثون يوم القيامه فجارا»، عياذا بالله، «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق». إلا استثناء من هؤلاء الذين يبعثون فجارا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا من اتقى الله» يعني تعامل بتقوى الله والخوف من الله في بيعه وشرائه، «وبر» يعني أحسن في تجارته وتعامل بالأمور الشرعيه، «وصدق» صدق في بيعه وفي شرائه، فهنيئا للتاجر الصادق.
أيضا يحرم الغش، مصيبة عظيمة إذا حلت بالإنسان وتعامل في بيع وشراء بالغش، فهذا والله على خطر عظيم، وهو وقع في أمر محرم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم مر في يوم من الأيام على تاجر يبيع أو في السوق كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صُبْرَةِ طعام، يعني مر على رجل يبيع طعاما قمحا أو حبوبا أو أي أمر من هذه الأطعمة، قال: مر على صبرة طعام، والصبرة هي الكومة، الكومة من الطعام كومة من الحبوب أو غير ذلك، مر على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت اصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» يعني ما هذا البلل؟ فقال: اصابته السماء يا رسول الله، يعني نزل المطر ودخل الماء داخل هذه الكومة من الحبوب أو غيرها: اصابته السماء يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟» يعني هذا البلل الذي في الطعام كان جعلته في الفوق في الأعلى حتى يرى الناس أن فيه بللا. فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني».
وهنا تاتي الخطورة وياتي العقاب في كلام الصادق المصدوق صلاة ربي وسلامه عليه: «من غش فليس مني»، هذه قاعدة عظيمه له ولغيره: «من غش فليس مني». وفي رواية: «من غشنا فليس منا»، من غشنا فليس منا، من غشنا يعني من غش المسلمين فليس منا، يعني ليس هو من اهل الإسلام الذين يتمسكون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فعنده خلل في تقواه وفي إيمانه. وفي هذه الروايه: من غش عموما، ولهذا قال العلماء إن المسلم لا يغش حتى غير المسلمين، حتى غير المسلمين لا يتعامل بالغش، ولا يجوز للمسلم أن يغش ولا يتعلل بذلك أن هذا غير مسلم، لا يجوز، ويحرم عليه ان يتعامل بالغش حتى مع غير المسلمين، ولهذا في هذا الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غش» عموما، ما قال: من غشنا، هناك رواية: من غشنا، وهذه الرواية تفيد أمرا آخر أن الغش محرم حتى مع غير المسلمين، «من غش فليس منا».
أيضا والغش أيها الأحبة أنواع، الغش أنواع، مثل ما ذكر في النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة: أن يجعل الرديء من الطعام في الأسفل والجيد في الأعلى، وهذا مع الأسف نراه كثيرا الآن في الفواكه والخضروات وغيرها، يجد يضع التاجر الاشياء الرديئة في أسفل الصندوق والاشياء الجيدة في أعلاه، وهذا نوع من أنواع الغش، نوع من أنواع الغش، ويقع في هذا البلاء وينطبق عليه هذا الحديث: «من غش فليس منا».
أيضا ذكر العلماء أنواعا من الغش الذي يقع في التجارة: أن يغير مثلا اسم المصنع أو اسم البلد المنتج لهذا الامر لتختلف من مكان إلى مكان قيمة السلعة، أيضا الذي يضع اسماء شركات عالمية.
على بعض السلع، هذا أيضاً من الغش المحرم الذي يضع لوحات يخالف فيها -يعني يخادع بها الناس- يغير كلمة، يغير حرفاً عن -يعني اسماً عن- اسم مشهور ومعلوم، وهذا أيضاً يعني فيه بلاء آخر يحل بالتاجر، وهو أنه لا يتوكل على الله، وإنما يتوكل على هذه اللوحة، يتوكل على هذا الاسم، وهذا أيضاً يعني فيه عدم تعلق بالله عز وجل، حتى في باب الرزق.
أيضاً من الآداب أيها الأحبة التي يراعيها الإنسان في هذه القضية في الغش؛ قضية الميزان خصوصاً؛ لأنه جاء بها النص؛ قضية الميزان الذي يزن للناس فيما هو موزون ومكي، فيحتاج الإنسان في قضية الوزن، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُۨ أَوْ وَّزَنُوهُۨ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].
المطفف هو الذي يأخذ حقه كاملاً، وإذا باع على الناس فإنه ينقص من حقهم، هذا هو المطفف الذي يأخذ حقه كاملاً وينقص من حقوق الناس، ولهذا الله عز وجل توعده بالويل والعذاب: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، من هم؟ ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾؛ إذا كان الكيل له يستوفي حقه ولا يرضى بأن ينقص منه شيء، ﴿وَإِذَا كَالُوهُۨ أَوْ وَّزَنُوهُۨ يُخْسِرُونَ﴾؛ إذا كالوا للناس وباعوا على الناس فإنهم يخسرون، أي ينقصون من هذا المكيل، هذا هو المطفف الذي توعده الله عز وجل بالعذاب الشديد.
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 4-6]، تهديد ووعيد واضح جداً لهذا الذي يقع في هذا النوع من أنواع الغش، وهو التعامل في الوزن والكيل.
أيضاً من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يراعيها؛ الاعتدال في التجارة وعدم الاحتكار، لا ينبغي للإنسان أن يحتكر البضائع ويرفع الأسعار -يعني فوق الشيء المعقول- هذا فيه ظلم للناس، ولا ينبغي للتاجر أن يتعامل، بل يكون ليناً هيناً مع إخوانه، يحب لأخوانه ما يحب لنفسه: «ورحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون فيه السماحة، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه، ويحب الخير لإخوانه، ولا يرفع الأسعار بغلاء فاحش يضر بالمسلمين، هذا لا ينبغي، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك -يعني قضية أن يحتكر البضاعة حتى ترتفع أسعارها- النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من احتكر فهو خاطئ».
من احتكر؛ يحتكر بضاعة نقصت في السوق ليرتفع سعرها أكثر من السابق، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فهو خاطئ»، وسنقف مع كلمة خاطئ بعد الفاصل إن شاء الله.
من صمت نجا، كف عليك هذا، فليقل خيراً أو ليصمت؛ توجيهات نبويه كريمة بحفظ اللسان وامساكه عن الشر والأذى، فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده، لذا فإن من كمل عقله أمسك لسانه إلا من خير، فاللسان كالنفس إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل، فمن أشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم والدعوة إلى الله تعالى، وإلا فسينشغل بالغيبة والنميمة والكذب وقول الزور ونشر الباطل والقول بغير علم، ولكل الانشغال جزاء.
قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم».
فكل ما يخرج منه يرصد ويكتب ويجمع ويحفظ لينشر يوم الدين، فإما خيراً يجازى عليه أجراً وثواباً، وإما شراً يجازى عليه إثماً وعذاباً، قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذراً من زلات لسانه، فانه مما يورث الندامة يوم القيامة، فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
بعد أيها الأحبة؛ تحدثنا قبل الفاصل عن أمر ينبغي للتاجر أن يبتعد عنه لما فيه من الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً بيان أن هذا الأمر لا يصح ولا ينبغي للمسلم أن يفعله في تجارته.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ»، من احتكر البضاعة التي قلت في السوق ليرفع بعد ذلك السعر ويضر بالناس، هذا لا ينبغي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو خاطئ».
وفرق أيها الأحبة بين خاطئ ومخطئ، النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال خاطئ؛ أن هناك حتى في لغة القرآن خاطئ ومخطئ، الخاطئ وهي من خطئ، هذا الذي يفعل الأمر وهو آثم يفعله متعمداً وهو يأثم على فعله، أما المخطئ فهي من أخطأ، وهو الذي يفعل وهو لا يقصد ولا يتعمد، هذا معفو عنه عند الله عز في علاه.
الله عز وجل يقول من أخطأ التي بدون عمد: يقول ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، والله عز وجل يقول أيضاً: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بهِ﴾ [الأحزاب: 5]، فهذه من أخطأ فمعفو عنه؛ لأنه ليس فيه تعمد، أما الخاطئ فهو متعمد وهو يأثم في فعله، ولهذا الله عز وجل يقول عن الكافر يوم القيامة، يقول: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا المخطئون﴾ [الحاقة: 35-37] قال: ﴿لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾، الخاطئ يعني بمعنى المتعمد.
وأيضاً يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا﴾ ما قال مخطئين، قال: ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8]، خاطئين يعني متعمدين للذنب، فالله عز وجل يعاقبهم يعاقبهم، فالذي يتعمد مثل هذا الذي يحتكر، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «خاطئ»، ولم يقل مخطئ؛ لأنه متعمد الإضرار بالناس، ولذا كان العقاب له.
وأيضاً هذا الإثم من الآداب أيضاً التي يحسن بالتاجر الذي يبيع للناس يتعامل بها؛ أن لا يبيع إلا ما أحل الله عز وجل، ألا يبيع إلا ما أحل الله عز وجل، لا يجوز له أن يبيع، والحرام كارثه ومصيبه على الإنسان، سياتي معنا إن شاء الله في الحلقات القادمة في أدب الدعاء أن الإنسان إذا أكل حراماً فإنه يمنع إجابة الدعاء يمنع، وهذا والله من أعظم البلاء، يدعو ولا يستجاب له.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يرفع يديه؛ أشعث أغبر يرفع يديه يقول: يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ فهذه كارثة، وأيما جسد نبت من الحرام فالنار أولى به، فيحذر التاجر المسلم من البيع المحرم أياً كان، سواء كان محرماً لذاته أو لكسبه، يعني لابد أن يفرق الإنسان لذاته مثل الخمور لحوم الخنزير وغيرها من التي حرمها الله عز وجل لذاتها، أو لكسبها كالتعامل بالربا وغيره.
ولهذا الله عز وجل يعني نعى عن اليهود أو أو توعد اليهود، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها»، يعني هذا من التحايل على الله عز في علاه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه»، يعني شيء محرم؛ خمر، لحم خنزير، أي أمر من هذه الأمور، فإن ثمنه حرام ولا يجوز.
حتى لو قال التاجر مثلاً: أنا أبيع لغير المسلمين -كما يحصل مثلاً في البلدان الغربية تاجر مسلم يتعامل- لا يجوز ويحرم عليه حتى ولو باعه لغير المسلمين.
أيضاً من الأمور التي يحرص عليها التاجر المسلم؛ ألا يبيع على بيع أخيه، هذه أيضاً مما حرمه الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبع الرجل على بيع أخيه حتى يذر أو يأذن له».
نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الإنسان على بيع أخيه؛ انسان أو تاجر اتفق مع تاجر آخر على بضاعة معينة، وانتهى الاتفاق بينهما، هنا لا يجوز للإنسان أن يأتي وأن يزايد في السلعة، إلا إذا كان في وقت البيع والشراء فلا باس، لكن إذا قضي الأمر واتفق فلا يجوز، وهذا هو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه.
وهذا مع الأسف يقع أحياناً في سوق العقار كثيراً؛ البيع على بيع أخيه، والبيع على بيع أخيه هنا يقع فيه الإنسان أحياناً، إما أن يزايد في السلعة، أو أن يأتي بإنسان ويجعله يشتري -مثل ما يفعل أصحاب السمسرة وغيرهم- أن يزيد في السلعة من تاجر آخر، وهذا ينبغي للإنسان أن يجتنبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، يعني هذا يخالف الأخوة بين المسلمين ومحبه الخير للناس.
اتفق الرجلان على بيع فلا ينبغي للإنسان أن يدخل وأن يزيد في السلعة ليضر باخيه المسلم، ليضر باخيه المسلم، وهذا الذي نهى عنه النبي صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا كما قلت يقع في العقar كثيراً وهو مما ينبغي على الإنسان أن يتجنبه وأن لا يقع فيه.
أيضاً يحذر التاجر المسلم من التعامل بالبيوع المحرمة؛ البيوع المحرمة كبيع الربا، والبيع بالنجش، وبيع العينة، وغيرها من البيوع المحرمة التي يقع فيها بعض الناس، بالذات الربا، والربا كارثة ومصيبة إذا حلت بالتاجر فهو على خطر عظيم، على خطر عظيم إذا وقع في هذا الأمر.
ومع الأسف الآن أصبح من أيسر ما يكون التعامل بالربا، قل الخوف من الله عز وجل في هذا الأمر لسهولته ويسره ووجود من يعين على ذلك من البنوك وغيرها، يعني التعامل فيه من أيسر ما يكون، سواء في بيع السيارات أو غيرها، وحتى أحياناً في الأراضي فيقع التعامل بالربا الصريح الواضح، أو أحياناً الإقراض؛ الإقراض الصريح الذي ليست هناك لا بضاعة ولا سلعة مقابل هذا القرض، وإنما يعطيه مئة ألف ويأخذها مئة وعشرين ألفاً، وهذا لا ينبغي ولا يجوز ويحرم على البائع أن يتعامل بهذا الأمر.
فالإنسان يحتاط لدينه، يحتاط لدينه، وخطوره المال الحرام أيها الأحبة ليست بالهينة، ليست بالهينة هذه البيوع وهذه الأحكام الشرعية التي جاءت في ديننا والتحريم الذي ذكره الله عز وجل في قضية الأموال ليست بالامر الهين، ليست بالامر الهين.
والإنسان إذا أكل مال أخيه المسلم بدون وجه حق، أما بغش أو خداع أو ببيع محرم، فإن الله عز وجل يقتص منه يوم القيامة، وياخذ هذا المظلوم حسنات يوم القيامة عندما لا يكون هناك يوم القيامة لا دينار ولا درهم، وهذا هو المفلس؛ المفلس الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال للصحب في يوم من الأيام، قال: «أتدرون من المفلس؟» يقول للصحابة في تصور الناس جميعاً أن المفلس الذي لا درهم عنده ولا متاع، وهذا هو ما أجاب به الصحابة رضوان الله عليهم؛ المفلس ما عنده مال.
فصحح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم، قال: «المفلس الذي يأتي بحسنات يوم القيامة؛ عنده أعمال؛ صلاة، صوم، صدقة، حج، عمرة، عنده أعمال صالحة، لكن يأتي وقد ضرب هذا، وشتـم هذا، وأخذ مال هذا» -انتبهوا أيها الأحبة- «وأخذ مال هذا» أي بغير وجه حق، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته»؛ الآن أخذ منه مال بالغش بالخداع بالتعامل المحرم، أكل مال هذا المسلم بغير وجه حق.
في يوم القيامة لا دينار ولا درهم، وإنما حسنات وسيئات، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته، انتهت حسناته وزعها على الناس الذين ظلمهم وأكل أموالهم بالباطل بالغش والخداع والنصب والاحتيال.
فإذا فنيت حسناته يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أخذ من سيئاتهم»؛ لأنه في ميزان عدل الآن، انتهت الحسنات هل خلاص يعني هذا يضيع حق هذا المسكين يوم القيامة؟ لا يظلم أحد وما ربك بظلام للعبيد، ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، وصدق الله: وكفى بنا حاسبين، حتى الحبة من خردل يوم القيامة تؤخذ من هذا الإنسان.
ولهذا إذا فنيت حسناته اخذت من سيئاتهم وطرحت عليه، فطرح على وجهه في النار عياذاً بالله، فما هو البلاء والعناء والشقاء الذي يحل بهذا التاجر أو هذا البائع الذي يتعامل بهذه المحرمات وياكل أموال الناس بالباطل؟ فهو المفلس الذي أخبر عنه النبي صلوات ربي وسلامه عليه.
هذا ما يتعلق ببعض الآداب التي يحسن بالبائع المسلم أن يراعيها، يبقى الآداب التي تخص المشتري نتحدث عنها في الحلقة القادمة بإذن الله.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني