بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله أيها الأحبة في مادة التربية في مقرر الآداب الإسلامية في أكاديمية زاد، التي أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفعنا جميعا بما يلقى فيها من علم نافع وعمل صالح بإذن الله.
معنا أيها الأحبة في الحلقتين القادمتين سنتكلم عن أدب عظيم من الآداب التي جاءت في عبادة جليلة عظيمة، هي من أجلِّ وأعظم العبادات، وهي التي تمثل حقيقة العبودية لربنا ومولانا وخالقنا عز في علاه.
وأعني بذلك أدب الدعاء، الدعاء الذي هو من أجلِّ وأعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه ومولاه، والتي يظهر فيها الفقر والحاجة والمسكنة والذل والخضوع والإنكسار بين يدي الله عز في علاه. هذه العبادة العظيمة التي حث الله عز وجل عليها في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. الله عز وجل طلب منا الدعاء فقط، أما الإجابة فقد تكفل بها ربنا ومولانا.
وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]. هنا لفتة ذكرها العلماء جميلة في هذه الآية: وإذا سألك يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، وإذا سألك عبادي عني ما قال: فقل لهم؟ هنا الله عز وجل خاطبنا مباشرة لقرب العبد من ربه: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. فالدعاء أيها الأحبة عظيم عظيم جدا، الإنسان إذا فتح الله عز وجل عليه في باب الدعاء فقد فتح عليه من أبواب الخير والرحمة والبركة ما لا يتصوره عقل.
ولذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما فهم هذا المعنى العظيم، وهو الملهم والمحدث رضي الله عنه وأرضاه والعبقري الذي يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم لما أرى يفري فريه، يقول: والله إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء. لا أحمل هم الإجابة لأن الإجابة تكفل بها ربنا ومولانا عز في علاه، ولكن أحمل هم الدعاء، هذا الدعاء الذي يجب أو يحسن بالمسلم أن يجتهد وأن يكثر منه لفضيلته ومكانته ومنزلته ورفعته عند ربه ومولانا عز في علاه.
ولذا يقول الله عز وجل: ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء، ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء. فهو باب عظيم جدا، وباب فيه من الخير والبركات والرحمات ما لا يتصوره العقل. وكما قلت قبل قليل، هو من اعظم مقامات العبودية التي يظهر فيها الإنسان فقره إلى الله وحاجته إلى ربه، والله عز وجل من رحمته ومن كرمه ومن فضله ومن عطائه ومنه أنه يغضب عز في علاه، يغضب من الذي لا يسأله لرحمة الله عز وجل بالعباد، لأن الله عز وجل يريد منا السؤال ليعطينا، يريد منا العمل.
فالله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، «من لم يسأل الله يغضب عليه»، لأنه فيه شيء من الغنى عن الله وعدم الحاجة لله، وهذا يدل عياذا بالله يدل على الكبر، ويدل على أن الإنسان ليس عنده ذل وخضوع وانكسار وفقر لله، وفي شيء من الكبر والجحود والنكران لنعم الله وفضل الله علينا. فينبغي على المسلم أن يحرص على الدعاء وأن يكثر من الدعاء، وأن يكثر وليس فقط أن يدعو، بل كان نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه يكثر من الدعاء في سجوده، في أوقات الإجابة، في أوقات الشدة والكرب، في المعارك، يلجأ دائما النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء.
ولو نظر أيها الأحبة في كتاب الله، القرآن في غالبه من أوله إلى آره يشتمل على هذه العبادة، في قصص الأنبياء لو نظرنا في سير الأنبياء نجد أن الأنبياء دائما دائما يلجأون إلى الدعاء في الاستعانة بالله على ما هم فيه من عمل عظيم في الدعوة إلى الله عز في علاه، وأيضا في مجابهة أقوامهم، نجد الأنبياء دائما يلجأون إلى الله عز وجل ويكثرون من الدعاء، أما الدعاء بأن يهدي الله أقوامهم، أو أن يهلك الله أقوامهم إذا جحدوا وكفروا وتكبروا وتجبروا في الأرض، وأيضا حتى في الأمور الأخرى، فقد كان الأنبياء يدعون الله عز في علاه.
فهذا زكريا يقول: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]، يطلب الله الولد، وأيضا إراهيم عليه السلام وغيره من الأنبياء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100]. هذا الدعاء حتى في طلب الولد، وأيوب عليه السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، يطلب من الله الشفاء. أحوال كثيرة جدا وردت في الدعاء، والإنسان لا يحتقر الدعاء، الدعاء كله خير كله بركة كله نور كله حياة وسعادة وأنس وعلاقة بالله عز في علاه.
حتى جاء في بعض الآثار أن موسى عليه السلام يقول: يا رب إنه تعرض لي الحاجة فأستحي منك، يعني من الأمور الدنيوية البسيطة جدا التي لا يقضي الإنسان يعني يرى أنها لا تتناسب مع مقام الله عز في علاه. لكن من كرم الله عز في علاه أنه يريد منا أن نطلب كل شيء ليعطينا وهو الكريم عز في علاه. فجاء في هذا الأثر أن الله عز وجل قال لموسى: يا موسى سلني حتى ملح عجينك وعلف دابتك.
يعني تخيل الإنسان حتى لو نقص عنده الملح يدعو الله عز وجل بان يعينه وأن يرزقه هذا الشيء، حتى علف الدابة الله عز وجل أن يرزقه هذا الأمر. هذا فيه دلالة على أن الإنسان لا يحتقر شيئا في الدعاء، بل جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يسأل الله عز وجل حتى شسع نعله، يعني إذا انقطع نعاله -أكرمكم الله- فانه يسأل الله العون والمساعدة بأن يعينه على هذا الأمر. وهذا فيه دلالة على أن الإنسان لا يحتقر شيئا في الدعاء، لا يحتقر شيئا، ويدعو الله عز وجل بخيري الدنيا والآخرة.
بعض الناس يظن أنه يجتهد خصوصا في الأوقات الفاضلة وأوقات الإجابة أنه يدعو الله عز وجل بالأمور الأخروية والدينية، لكن الحقيقة أن الله عز وجل يريد منا أن ندعوه في كل شيء حتى في الأمور الدنيوية. وكما ذكرنا قبل قليل الأنبياء الذين هم صفوة الخلق كانوا يدعون الله عز وجل بطلب الولد، وبالشفاء من المرض، وبأمور هي من الأمور في نظرنا من الأمور الدنيوية. فيحرص الإنسان على مثل هذا الأمر ويكثر ويكثر من الدعاء الذي هو كله خير وكله بركة وكله نور.
أيضا الإنسان أيها الأحبة في دعائه مع الله هو في تجارة رابحة، في تجارة رابحة لا يمكن أن يخسر أبدا في كل كلمة يدعو بها الله عز في علاه، وهذا جاء بنص كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وهو الذي سنتحدث عنه بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
قد تحدثنا قبل قليل أيها الأحبة أن الإنسان وهو يدعو الله عز وجل هو في تجارة رابحة، تجارة رابحة ليس فيها خسارة أبدا، كل ما يخرج من لسانه في دعائه لربه ومولاه فهو في ربح وفي خير وفي بركة وفي نور وفضل من الله، لا يضيع شيء عند ربنا ومولانا عز في علاه. وهذا جاء في نص كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعاء» -لكن وضع النبي صلى الله عليه وسلم قيدا هنا- قال: «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم»، يعني ليس فيه إثم أن يدعو بما حرم الله عز وجل، يعني أن يرزقه الله عز وجل مالا حراما أو شيئا محرما، ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم أن يدعو على والديه أو يدعو على إخوانه وعلى أقاربه، هنا لا ينطبق عليه هذا الفضل. يقول: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث» -يعني لا يخلو الإنسان إذا دعا الله عز وجل من خيري الدنيا والآخرة- «إلا حصل إحدى هذه الثلاث». ما هي؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إما أن تعجل له دعوته»، يعني يقبل دعاؤه: اللهم ارزقني فيرزقه الله عز وجل، اللهم اشفني فيشفيه الله عز وجل، مباشرة يستجيب الله عز وجل، هذه الحالة الأولى، أما أن يعجل الله دعوته.
«أو أن يدخرها له يوم القيامة»، يعني يدخرها له حسنات.
«أو يصرف عنه من السوء بمثلها». هذه الثلاثة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لا تخلو دعوة صالحة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم من هذه الثلاث.
فأما أن يستجيب الله عز وجل للعبد مباشرة، وهذا ما يريد كل واحد منا عندما يدعو الله عز وجل هو يريد الإجابة، عندما يطلب الله عز وجل أي أمر من أمور الدنيا أو الآخرة، من أمور الدنيا عندما يطلب صحة عافية زوجة صالحة ذرية صالحة وظيفة رزقا حلالا، أي أمر من أمور الدنيا فكل منا يريد أن يستجيب الله عز وجل دعاءه، فهذه هي الحالة الأولى أن يستجيب الله دعاءه.
طيب ما استجاب الله عز وجل دعاءه لحكمة يعلمها الله، الله عز وجل لا يضيع عنده هذا الدعاء، قد يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، بمعنى أن الله عز وجل يكون في اللوح المحفوظ قد قدر عليه بلاء أو مرضا أو مصيبة أو أي أمر من أمور الدنيا من مصائب الدنيا، فهذا المكثر للدعاء والدعاء الذي لم يستجب له فإن الله عز وجل يصرف عنه من هذا السوء الذي قدر عليه بقدر ما دعا.
وهذا أيها الأحبة لا نستشعره أو لا نعلم به يقينا، أحيانا لبعد الإنسان عن مثل هذه الأمور وتدبر كلام النبي صلوات ربي وسلامه عليه، لكن الموفق والمسدد هو الذي يستشعر هذه النعمة. أحيانا الإنسان يصرف عنه وهو في الطريق حادث سيارة فيقول الحمد لله، وهو يظن أن الله عز وجل سلمه من الحادث هكذا، قد يكون هذه السلامة من الحادث قد يكون ببركة دعاء دعوته ولم يستجب لك، فصرف الله عنك هذا السوء ببركة ذلك الدعاء الذي لم يستجب. أحيانا يسقط الإنسان من السلم أو في طريقه يتعثر فيسلم بحمد الله، فهذه نعم نتقلب فيها أيها الأحبة ببركة هذه الأدعية التي لم تستجب لنا. دخلنا في المرحلة الثانية وهو أن يصرف الله عز وجل عنا من السوء بقدر ما دعونا، ولهذا الإنسان يكثر من الدعاء، أنه يعلم إما أن يستجاب له وهذا ما يريده الإنسان، أو يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا.
طيب لم يستجب هذا الدعاء ولم يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، لا يضيع الدعاء عند الله، وكما قلنا هو تجارة رابحة، الله عز وجل يدخر له هذا الدعاء حسنات يوم القيامة، يؤتى بحسنات عظيمة يوم القيامة. وكل منا يعلم أيها الأحبة أن الإنسان يوم القيامة يعلم -لأنه يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]- فهو يعلم هذه الحسنات لماذا؟ هذه من صيام، هذه من صدقة، هذه من صلاة، من بر الوالدين، فالانسان عندما يقرأ كتابه يرى الحسنات والسيئات، لكن تأتي حسنات عظيمة جدا ليس مقابلها عمل إلا الدعاء، الدعاء الذي لم يستجب له. ولهذا جاء في بعض الآثار أن الإنسان يتمنى أنه لم يستجب له دعاء في الدنيا.
في عظم ما يرى من خير وبركة وحسنات عظيمة ببركة هذا الدعاء الذي دعاه في الدنيا. ولهذا هذا الأمر أيها الأحبة إذا استشعره الإنسان أن الدعاء لا يضيع عند الله عز وجل، وأن الدعاء كله خير وبركة ولا يضيع شيء عند الله، فالإنسان لا يقصر في الدعاء. يكثر من الدعاء ويجتهد في الدعاء ويحرص على الدعاء، خصوصاً في أوقات الإجابة التي سيأتي يعني شيء منها بإذن الله، لكن الإنسان يكون من المكثرين، من المكثرين، وأن الله يحب العبد الملحاح الذي يلح في الدعاء ويكثر من دعاء الله عز وجل؛ لأن الدعاء أيها الأحبة فيه يعني شيء من إظهار الذل والفقر والحاجة إلى الله. الإنسان يستشعر فقره، يستشعر ضعفه، يستشعر خضوعه ومسكنته بين يدي الله عز في علاه، يعني حقيقة العبودية تظهر في الدعاء، ولهذا الذي دائما يشعر أنه فقير إلى الله هو الذي يكثر الدعاء. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
الفقير دائما يطلب الحاجة من الغني، ونحن الفقراء والله هو الغني، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني عز في علاه، فالفقير يطلب من الغني، والفقير يريد الإكثار، يريد الطلب دائما ويكثر من الطلب، فكيف إذا كان هذا الطلب من فقير إلى أغنى الأغنياء عز في علاه، الكريم الذي يعطي بلا حساب عز في علاه؟ فالإنسان أيها الأحبة إذا فتح الله عز وجل عليه في باب الدعاء، فهو على خير عظيم وعلى نور وبركة وهداية وتوفيق من الله عز في علاه. والله عز وجل كما ذكرنا سابقا يحب العباد الذين يدعونه، ومن لم يدعو الله عز وجل يغضب عليه، يغضب عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه»؛ لأن الله عز وجل يريد أن يعطينا، يريد أن يمنحنا، يريد أن يتفضل علينا، لكن أيضا الله عز وجل يريد منا العمل، يريد أن يرى منا الصدق والإخلاص والمحبة لله، وإظهار الفقر لله والحاجة لله.
فبقدر ما يظهر الإنسان هذا الفقر وهذه الحاجة وهذا الضعف وهذه المسكنة وهذا الخضوع والذل الذي لا يكون إلا لله -الإنسان لا يظهر هذا الفقر وهذه الحاجة في الدنيا إلا لله- الله عز وجل يغنيه من فضله، ويجعل هذا الإنسان بفقره إلى الله عز وجل هو غني في نفسه، حتى ولو كان قليل المال، ويجعله بذله بين يدي الله يجعله عزيزا ولو كان ليس من أصحاب الجاه والمنصب، وباظهار ضعفه لله يجعله الله عز وجل قويا ولو كان ضعيف البدن ولو كان ليس له مكانة ولا حظوة عند الناس، لكنه يكون قويا عزيزا غنيا بالله عز في علاه بإظهار الفقر والحاجة والمسكنة والضعف والذل والخضوع بين يدي الله. هذا توفيق من الله للعبد، توفيق من الله للعبد إذا فتح الله عز وجل عليه في باب الدعاء.
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا كله أيها الأحبة، يستشعر الإنسان الآن هذه العظمة، هذه البركة، هذا الخير العظيم الذي يكون في الدعاء، يستشعر كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال عليه الصلاة والسلام: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء». كيف تعجز عن الدعاء؟ كيف تعجز عن الدعاء وهو يسير لا يكلف مالا ولا جهدا، وإنما فقط أن يتوجه الإنسان إلى ربه ومولاه، وفي أي مكان؟ لا يشترط أن يكون في المسجد ولا أن يكون في يوم من الأيام عرفة أو غيرها، وإنما في أي وقت وفي أي مكان يلجأ الإنسان إلى الله عز وجل. ولهذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء». أي والله، إنه من أعجز الناس الذي يعجز عن هذا الدعاء العظيم الذي هو كله خير وتجارة رابحة مع ربنا ومولانا عز في علاه. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادة العظيمة الجليلة، وهي عبادة الدعاء، وما يتعلق بهذه العبادة من آداب؛ لأن الإنسان وهو يفعل هذه العبادة هو يتعامل مع ربه ومولاه، مع الخالق عز في علاه، فلابد أن يحرص الإنسان على بعض الآداب التي جاءت في سنة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، والتي تكون سبب بإذن الله في استجابة هذا الدعاء، في استجابة الله عز وجل لهذا الدعاء، وفي قبول هذا الدعاء، وفي تحقيق هذا الدعاء. من أعظم هذه الآداب التي جاءت في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم أن يفتتح الإنسان الدعاء بالثناء على الله والصلاة على النبي صلوات ربي وسلامه عليه، فهذه من السنن العظيمة التي يحرص عليها الإنسان.
دعا رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام فلم يحمد الله ولم يصل عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجل هذا، عجل هذا»، يعني أنه استعجل ودعا قبل أن يثني على الله، قبل أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه من آداب الدعاء التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم -أي دعا- فليبدأ بتحميد ربه عز وجل الثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء»، وهذه من الآداب العظيمة التي يحرص عليها المسلم أن يبدأ الثناء على الله عز في علاه، ثم يصلي على النبي صلوات ربي وسلامه عليه، ثم يدعو بما شاء.
أيضا هذا يدخل في إذا دعا الإنسان الله باسمه الأعظم. دعا الله عز وجل باسمه الأعظم، واسم الله جاء في عدد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ دعا رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». وهذا أيها الأحبة يجعله الإنسان بين يدي دعائه ثناء على الله، وأيضا يتضمن اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
ورد أيضا حديث آخر في الدعاء باسم الله الأعظم؛ دعا أيضا رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم -سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». فيحرص الإنسان أن يجعل هذين الحديثين بين يدي دعائه، يضمن بإذن الله أنه دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وأيضا يضمن الإجابة بإذن الله، بإذن الله وبتوفيق الله وبيقين بموعود الله عز وجل، فإنه يضمن الإجابة إذا جعل بين يدي دعائه أو في مقدمة دعائه هذين الحديثين، بعدهما يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، يصلي على النبي صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضا يحرص الإنسان أن يكثر وهو في خاتمة دعائه أن يقول: يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الجلال والإكرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام»، يعني تقول: اللهم اغفر لي يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارحمني يا ذا الجلال والإكرام. فيحرص الإنسان دائما أن يجعل في خاتمة دعائه هذا الثناء أو هذا الذكر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام»، وهذا من آداب الدعاء التي بإذن الله تكون سببا في إجابة الدعوة.
وكل منا أيها الأحبة يريد عندما يدعو الله عز وجل يريد الإجابة، يريد الإجابة، يريد أن يتحقق دعاؤه، فيحرص على هذا الفضل أيضا، أن يذكر دعاء ذي النون الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دعا به الإنسان استجيب له: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، يجعله أيضا في ثنايا دعائه. هذه آداب وسنن عظيمة أيها الأحبة يحرص عليها المسلم في هذه العبادة الجليلة العظيمة التي هي مناجاة مع الله وإظهار الفقر لله وطلب والحاجة من الله عز في علاه، فيتقدم بين يدي دعائه بهذه السنن وهذه الآداب.
أيضا من السنن الجليلة والعظيمة التي تكون سببا في إجابة الدعاء بإذن الله: رفع اليدين، رفع اليدين لكن في المواضع التي ترفع، وهناك مواضع لا يرد فيها رفع اليدين، كما ذكرنا في حلقة سابقة عن فضل عن آداب يوم الجمعة ألا يكون رفع اليدين في الدعاء الذي في آخر الخطبة، في آخر الخطبة، فلا يرفع الانسان يديه عندما يدعو الخطيب، لا، الخطيب يرفع يديه ولا المأموم يرفع يديه، إلا في حالة واحدة، وهو أن يدعو الخطيب بدعاء الاستسقاء، أن يدعو للاستسقاء، فالخطيب يرفع يديه والمأمومون أيضا يرفعون أيديهم، هذه الحالة الوحيدة. أما إذا كان في الأيام في غير استسقاء، فإن لا الخطيب ولا المأموم يرفعان أيديهما.
رفع اليدين أيها الأحبة من أسباب الإجابة بإذن الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم، يستحي من العبد إذا رفع يديه أن يردهما صفرا» يعني خاليتين. الله عز وجل حيي كريم، يستحي من العبد وهو العظيم عز في علاه، وهذا والله من كرم الله ومن جود الله ومن فضل الله علينا نحن الفقراء المساكين، يستحي منا الله عز وجل. هذا من تكرم منه وفضلا وجودا وعطاء ومنة على العباد الضعفاء المساكين، يستحي من العبد إذا رفع يديه أن يردهما صفرا، لابد أن يضع فيهما خيرا، لابد أن يضع فيهما خيرا، فالانسان يحرص عندما يدعو أن يرفع يديه، فهذا بإذن الله من أسباب إجابة الدعاء.
أيضا الدعاء ثلاثا، هذا جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دعا يكرر الدعاء ثلاثا، يكرر الدعاء ثلاثا، خصوصا في الأشياء التي يجتهد فيها الإنسان في الدعاء، فيكررها ثلاثا كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إن شاء الله من أسباب الإجابة، من أسباب الإجابة أن يكرر الإنسان الدعاء ثلاثا، أن يكرر الإنسان الدعاء ثلاثا، وخصوصا إذا كان رافعا يديه ومخبطا ومنكسرا بين يدي الله عز في علاه.
أيضا من السنن العظيمة: الإلحاح في الدعاء، الإلحاح على الله عز وجل في الدعاء. والإلحاح أيها الأحبة فيه إظهار الفقر الشديد، والله عز وجل يحب من عباده هذا الأمر، الله عز وجل يحب العباد الذين فيهم الذل والخضوع لله والفقر لله والحاجة لله، أن يظهر الإنسان هذا الأمر، وأن الله عز وجل يحب العبد الملحاح، يحب العبد الملحاح الذي يكثر من الدعاء؛ لأن هذا الذي يكثر من الدعاء هو يحقق العبودية لله، هو يظهر فقره إلى الله، ويظهر حاجته إلى الله عز وجل، هنا تظهر العبودية، هنا تظهر العبودية حقا وصدقا في الإنسان إذا ألح على الله عز وجل وأكثر من الدعاء إلى الله عز في علاه.
هذه جملة أيها الأحبة من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يتقيد بها في دعائه وثناءه على الله عز في علاه. وبقي يعني أمور أخرى تتعلق أيضا بآداب الدعاء، نؤجلها إلى الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على طاعته ونوفقه لمرضاته، وأن يرزقنا الذل والخضوع بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني