يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معا، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية الإسلامية ومقرر الآاب الإسلامية. هذه الآداب العظيمة التي نأخذها من هدي نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، نقتدي به ونسير على أثره، وفي ذلك بإذن الله الخير العظيم والأجر الوفير الذي يحصله الإنسان ببركة اقتدائه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
من الآداب العظيمة أيها الأحبة التي جاءت في شرعنا وفي ديننا، ويحسن بالمسلم أن يتقيد بها، آداب المشي في الطريق. وهذه قد يستهين بها الإنسان، ويظن أن الأمر طبيعي جداً يعني لا يحتاج أن نعرف ما فيه من أداب؛ فالناس بطبيعتها تمشي في الطرقات، في الأماكن العامة، لكن إذا علم الإنسان أنه في كل أحواله، وفي كل شؤونه، وفي كل أموره هو عبد لله، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وسلم.
وما أجمل أيها الأحبة أن يقتفي الإنسان أثر النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، حتى يقول بعض السلف في كلام جميل يقول: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل. لماذا؟ لأنه قد تفعل الشيء وأنت لا تنوي به الاتباع، لا تؤجر عليه، يصبح من العادات، وقد تفعل الشيء وهو عادة، لكن تنظر فيه إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيؤجر الإنسان عليه، يؤجر الإنسان عليه.
على سبيل المثال أيها الأحبة، عندما يلبس الإنسان نعاله -أكرمكم الله- هذا أمر طبيعي وكلنا نفعله، وهو من عادات الناس الطبيعية، لكن هناك من يلبس نعاله لأنه يريد ألا يمشي حافيا، وهناك من يلبس نعاله لهذا الأمر، وأيضاً يطبق فيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينتعل باليمين؛ اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحب التيمن في كل شيء، في تنعله وفي ترجله وفي شأنه كله، في تنعله بمعنى أنه يتقيد بالسنة حتى في هذا الأمر الذي قد يكون يسيرا ومن عادة الناس.
لكن ما أجمل أيها الأحبة أن يكون الإنسان دائما بين عينيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه، فانه يؤجر في كل أحواله حتى في العادات، الأمور اليسيرة يؤجر عليها ببركة هذه السنة. المشي أيها الأحبة أيضاً هو من عادات الناس التي يفعلونها في يومهم وليلهم وفي كل مكان، لكن هناك سنن يطبقها الإنسان ليؤجر.
والله عز وجل وصف حال عباد الرحمن بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، هذا يدل على أنه حتى المشي، حتى المشي يكون فيه أيضاً سمت وهدي يطبقه الإنسان، وهذه صفة مشية عباد الرحمن. مشية عباد الرحمن التي ذكرها الله عز وجل أنهم يمشون على الأرض هونا، ليس فيه تكبر ولا بطر ولا رياء ولا افتخار، وإنما يمشي هينا متواضعا كما كان يفعل نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.
فهذا المشي أيها الأحبة الذي يفعله الإنسان يظهر من سمته وهو يمشي أنه ليس من أهل الكبر والفخر والخيلاء، وإنما من يراه يرى فيه مشي الإنسان المتواضع مثل بقية الناس، لا يتميز بمشية فيها شيء من الكبر وشيء من الافتخار والتميز عن الناس، هذا ليس من صفات عباد الرحمن.
الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم في سورة الإسراء وفي سورة لقمان في وصايا لقمان العظيمة أيها الأحبة، وهذه الوصايا التي يجمل ويحسن كل مسلم أن يقف معها، وأن أيضاً يذكر بها أبناءه في بيته لأنها آداب عظيمة. لقمان يقول: يا بني، يا بني، يا بني، وكلنا أيها الأحبة نريد أن يكون أبناؤنا مثل ابن لقمان في الأدب والأخلاق والدين والتواضع والخلق الحسن، فلماذا لا نعلم أبناءنا مثل هذا الأدب الذي جاء في سورة لقمان؟
من ضمن الوصايا العظيمة في وصايا لقمان لابنه عندما قال له: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]. هذا الأدب أيها الأحبة ذكره لقمان بعد آداب عظيمة ذكرها في سياق التحذير من الشرك، والامر بإقامة الصلاة، وبر الوالدين، وتعظيم الله عز وجل في السر والعلن: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: 16]. يعظم الله عز وجل في قلب هذا الصغير، ثم ذكر له مثل هذه الآداب، ولا تصعر خدك للناس، يعني لا تكلم الناس وأنت في كبر وخيلاء، ولا تلتفت إليهم تكبرا وبطرا.
ولا تمش في الأرض مرحا، بمعنى ببطر وخيلاء، ولا تمشي في الأرض مرحا مختالا فخورا، إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك، يعني امشي بتواضع، لا تفتخر، فهؤلاء بشر مثلك، إخوانك، أصدقاؤك، زملاؤك، هم أناس مسلمون، تواضع لهم، ومن تواضع لله رفعه. واقصد في مشيك. واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. هذه آداب جميلة يطبقها الانسان عندما يخرج في طريقه، في مشيته، في كلامه، في بصره، يطبق هذه الآداب العظيمة التي في وصايا لقمان الحكيم.
وذكر الله عز وجل قريباً منها في سورة الإسراء في قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]. يعني هون على نفسك عندما تمشي وأنت مزهوا بكبر وفخر وخيلاء، فإنك مسكين وعبد ضعيف، لن تخرق الأرض بمشيتك هذه، ولن تبلغ الجبال طولا إذا تعاظمت على الناس، فأنت عبد فقير مسكين محتاج إلى الله عز وجل، فلماذا هذا الفخر وهذا الخيلاء وهذا الكبر الذي ينفخه الشيطان في قلب بعض الناس منصب أو لجاه أو لشهادة أو لمكانة أو لقبيلة أو لأي أمر من الأمور؟ وهذا والله من الخذلان وعدم التوفيق، من الخذلان وعدم التوفيق.
فنبينا صلوات ربي وسلامه عليه الذي هو أشرف الخلق وأطهرهم وأحبهم إلى الله وأعظمهم عند الله، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة: يخصف نعله، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويركب على الحمار -أكرمكم الله- ويأكل على الأرض متواضعا صلوات ربي وسلامه عليه. هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فما بال هؤلاء المساكين الضعفاء الذي ينفخ فيهم الشيطان فيتكبرون، فينفخ فيهم هذا الكبر الذي هو من أبغض الصفات عند الله؟
فالكبر هو رداء الله عز وجل، ولا يرضى لعباده هذه الصفة، وإنما يخذلهم يوم القيامة عندما يطأهم الناس كالذر عندما يجمع المتكبرون الناس أذلالا لهم بسبب تكبرهم في هذه الدنيا. ونواصل الحديث بعد الفاصل بإذن الله.
ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون. من رحمة الله تعالى بعباده أن رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجا أصابعه، مبتدئا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه. يمسح على الخفين معا أو يبتدأ بالخف الأيمن ثم الأيسر، الأمر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهرا من النجاسة، وأن يكون ساترا للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء.
فلو توضأ لصلاة الفجر مثلا ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحا وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة. ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولا وضوءا كاملا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: ذكرنا قبل الفاصل أيها الأحبة ما جاء في وصية لقمان الحكيم لابنه هذه الوصايا العظيمة التي يحسن بالمسلم أن يتدارسها مع إخوانه، مع أبنائه، مع أهل بيته، لما فيها من الفوائد العظيمة الجليلة التي جاءت على لسان ذلك الحكيم لقمان في كتاب ربنا عز في علاه.
ذكرنا ما ذكره لقمان أو ما قاله لقمان في وصيته لابنه: واقصد في مشيك، ولا تمش في الأرض مرحا. هذه من الآداب التي يحسن بالمسلم ألا يكون في مشيته شيء من الكبر والفخر والخيلاء الذي هو من أقبح الصفات، والناس تكره المتكبر، حتى هناك مثل عجيب جدا في صفة المتكبر: المتكبر يقولون الذي ينظر إلى الناس باحتقار هو مثل الرجل الذي على رأس شاهق، إما على رأس عمارة أو على جبل ينظر إلى الناس ويرى الناس صغارا، والناس أيضا يرونه صغيرا.
أنت عندما تنظر إلى انسان على جبل تراه صغيرا، وهو ينظر إليك أنك صغير وأنت أيضا تنظر إليه أنه صغير. هذا هو المتكبر، الناس تحتقر المتكبر، تبغض المتكبر، لأن هذه من صفات إبليس وليست من صفات عباد الله الصالحين. ولهذا من الطرائف يقال إن أحد الكبراء الذي فيه خيلاء كان يمشي في الطريق فلقيه أحد العلماء فنصحه عن هذه المشية التي فيها كبر وخيلاء، فقال: أما تعرفني؟ حتى الرد والكلام فيه الكبر أيضاً عياذا بالله من ذلك. أما تعرف، يعني تقول لي هذا الكلام، أما تعرفني وأنا من أنا؟
فرد عليه العالم الموفق المسدد في كلام عجيب وحكمة عظيمة وعبرة والله يا إخوان لنا جميعا، قال: بلى أعرفة، يعني أنا أعرفك نعم أعرفك، قال: أولك نطفة مذرة، أنت أتبغاني أخبرك من أنت؟ أنت أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وبين جنبيك تحمل العذرة. والله وصفه وصفا فيه حقيقة شيء من الإبداع والذكاء والعقل والحكمة، قال: أولك نطفة مذرة، أنت خرجت نطفة من -أكرمكم الله- ذكر الرجل، أنت نطفة المذرة بدايتك. نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، جيفة ولهذا يعجل حتى أقرب الناس إليك يعجلون بدفنك حتى لا تنتن.
وآخرك جيفة قذرة، وبين جنبيك تحمل العذرة، أنت وأنت تمشي الآن ماذا في جوفك؟ ماذا في جوفك؟ -أكرمكم الله- البول والغائط تمشي به، هذا هو الوصف الحقيقي لهذا الإنسان، فكسره وأذله بهذا الكلام، وبين له حقيقة نفسه، عراه أمام نفسه، هذه هي الحقيقة، وهذا كلام العالم الموفق المسدد.
هذا المتكبر المغرور أيضاً أيها الأحبة، من الآداب العظيمة التي يحسن بالمسلم أن يمتثل بها في هذا الأمر الذي هو من عادات الناس وهو المشي، ألا يتقلد أو لا يقلد الإنسان في مشيته، لا يقلد الرجل المرأة ولا تقلد المرأة الرجل. الرجل لا يقلد المرأة بأن يمشي بتسكع وضعف وخنوع، هذا ليس من صفة الرجال، ليس من صفات الرجال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال».
أيضاً بعض النساء الآن عندما تمشي في الأسواق أو في الطرقات تراها تمشي كأنها رجل، تمشي بقوة في وسط الطريق وكأنها رجل ولا يهمها تصطدم برجل أو تحتك بالرجال، هذا لا ينبغي وليس من صفات النساء التي هي فيها حياء وأدب، وفيها شيء من الحياء الذي تتجمل به المرأة، المرأة عزها وشرفها في حيائها، في حيائها، فهذا لا ينبغي، لا ينبغي للرجل أن يتشبه بمشيته بالمرأة، ولا ينبغي للمرأة أن تتشبه في مشيتها بالرجل.
أيضاً من السنن والآداب التي يحسن بالمسلم أن يطبقها وهو في طريقه، وهو ماشي على قدميه أو في سيارته، أن يطبق سنة السلام، وهذا من نشر المحبة، كما قلنا ذكرنا قبل الفاصل، مما ينشر المحبة بين الناس: ألا أدلكم على شيء؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». أفشوا السلام بينكم، يسلم الإنسان على الصغير وعلى الكبير، على من يعرفه وعلى من لا يعرفه، هذا هو فعل المسلم المتواضع المحب للخير، الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، هذا هو فعله، وهو يقتدي بذلك حبيبنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يسلم في طريقه على الجميع، على الصغير وعلى الكبير وعلى من يعرفه وعلى من لا يعرفه.
ولهذا هناك سنة أيها الأحبة أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، إذا كنت راكبا في سيارتك فإنك تسلم على من يمشي في الطريق إذا تيسر وكنت بسرعة بطيئة ومر بك أحد فانت الذي تبدأ بالسلام، وإذا كنت ماشيا على قدميك فتسلم على الجلوس، هذه هي السنة. ويسلم القليل على الكثير، ويسلم الصغير على الكبير، هذه سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فهذا أدب نبوي يفعله الناس في طرقاتهم أن ينشروا السلام بينهم، وهو ينشر المحبة والألفة بين الناس. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله رجل، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: أي الإسلام خير؟
يسأل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أي الإسلام خير؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
بعض الناس الآن لا يسلم إلا على من يعرفه، يمر على بعض الناس لا يسلم عليهم؛ لماذا؟ لماذا لا تسلم؟ ولهذا قد ينظر له بعض الناس نظرة فيها شيء من عدم الاحترام، أن يقول: يا أخي، فلان يمر ولا يسلم؛ لأنه خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضاً ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في بعض الآثار، أنه من علامات آخر الزمان تسليم الخاصة، يعني ألا يسلم الإنسان إلا على من يعرفه. تسليم الخاصة جاء في بعض الآثار أنه من علامات الساعة، وهذا مع الأسف الآن هو أكثر ما ينتشر بين الناس الآن؛ يسلم على المعرفة، أو بعض الناس لا يسلم إلا على من يقدرهم أو يعرفهم، وقد يتكبر في السلام على بعض المساكين والضعفاء والعمال وغيرهم.
ولا ينبغي، وليس هذا من أخلاق المسلم الذي يقتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت تأخذ بيده الجارية في طرقات المدينة، ويقف معها ويستمع إليها تواضعاً وكرماً وفضلاً منه عليه الصلاة والسلام. ومن أراد أن يتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فليمتثل مثل هذه الأمور، مثل هذه الآداب أيضاً.
من الآداب أيها الأحبة في الطريق، أن الإنسان يحتمل الأذى من الناس؛ يكون عنده الصبر، وعدم سرعة غضب واستعجال في تصرفاته أمام الناس. لابد أن يكون الإنسان عنده من الحلم والوقار والسكينة والرحمة ما يجعله يحتمل الأذى من الآخرين.
قد يجد الإنسان في الطريق من أوباش الناس أو من سفرائهم، قد يجد بعض الكلام؛ يتعامل الإنسان مع هذا الأمر بالتغافل، بالتغافل! وهذا والله خلق عظيم جداً جداً، وهو يمنع كثير من الشقاق والنزاع والخصام الذي يكون في طرقات المسلمين، أن الإنسان لا يرد على كل كلمة، يققف ويجابه كل موقف؛ لابد أن يكون عنده شيء من التغافل.
ولهذا يقول الشاعر: ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي. سيد قومه المتغابي؛ الكبير هو الذي يتغافل ويتغابى وكأنه لم يسمع وكأنه لم ير، لأن الإنسان لو يرد على كل أحد في الطريق، وعلى كل سفيه، وعلى كل متكلم، لأصبح الإنسان في شقاق ونزاع طوال يومه.
تأدب بهذا الأدب النبوي العظيم، وهو التغافل وعدم الرد إلا فيما يلزم الإنسان به، فعند ذلك يعذر بإذن الله. ونواصل بقية الآداب بعد الفاصل بإذن الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. ينبغي أن تمد الجسور مع إخواننا، ولا ننتظر المواصلة منهم، فالعظماء هم الذين يقتنصون القلوب حباً، ويعطرون النفوس ألفة. يقول الحكماء: تستطيع أن تصنع اليوم ألف عدو، ولكنك لا تستطيع أن تصنع في العام صديقاً واحداً، فاختر الصديق الصالح وتجنب رفقاء السوء.
وتفكر في قول الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُ لَهُمْ بَعْضٌ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فاختار الصالحين وجالس الدعاة والمصلحين. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتقين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند خلق عظيم يطبقه الانسان في طريقه، وعندما يمارس عادة المشي في الطرقات وفي الأماكن العامة، فانه يتغاضى ولا يتعامل مع الناس بغضب وسرعة انفعال في كل أحواله، لأن هذا ليس من خلق المسلم.
ولهذا الله عز وجل في كتابه الكريم في وصف عباد الرحمن يقول: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. فقد يعترض الإنسان في طريقه بعض الجهال، بعض السفهاء، فلا يعاملهم الإنسان بأخلاقهم، وإنما يتعامل معهم بأخلاقه هو؛ بأن يتغاضى ويغض الطرف ويبتعد عن هؤلاء السفهاء وعن هؤلاء الجهلة.
أيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». أيضاً هو يكف أذاه عن الناس في الطرقات وفي الأماكن العامة، لا يؤذي الناس بلسانه ولا بيده، لا ينبغي للإنسان أن يؤذي المسلمين، وليس هذا من خلق أهل الإيمان.
إزالة الأذى عن طريق الناس، هذا أيضاً أدب عظيم ورفيع يحسن بالمسلم أن يطبقه. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل مرة في الطريق بغصن شوك فنحاه عن طريق المسلمين، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأدخله الله الجنة» بسبب هذا الأمر اليسير البسيط الذي نحى فيه غصن شوك.
ونحن كم نمر الآن في طرقاتنا؟ نجد شيئاً من الزجاج أو الحجارة أو غير ذلك من الأمور، فيا ليت الإنسان ينحي هذا وهو يبتغي الأجر عند الله، ويستحضر هذا الحديث؛ حديث الرجل الذي أماط غصن شوك عن طريق الناس، فكان سبباً في دخوله الجنة.
في المقابل أيها الأحبة، يحرص الإنسان على ألا يضع هو الأذى في الطريق، بل يعزل الأذى، كما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه شيئاً ينفعه، فقال عليه الصلاة والسلام: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين».
الآن مع الأسف يا إخوان، بعض الناس هو يضع الأذى في طريق المسلمين! وهو يضع الأذى في طريق المسلمين، وهذا نراه الآن عياناً في بعض الأحياء التي يكون فيها شدة الزحام؛ تجد بعض الناس يجعل في مواقف السيارات الحديد والسلاسل في طرقات الناس في الشارع، ليس في ملكه.
هذا قد يأثم ويدخل في هذا الحديث، أنه ممن يجعل الأذى في طريق الناس. لا يحق للإنسان بأي حال من الأحوال، هذا الطريق أنت لا تملكه، بجوار بيتك بجوار جدارك أنت لا تملكه، ولا يحق لك أن تضع هذه الحديدة أو هذه السلسلة تريد أن تمسك موقفا لك.
لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تضع في طريق لا تملكه وفي شارع لا تملكه، وإنما هو من طريق الناس، فأنت ممن يضع الأذى في طريق الناس. ومع الأسف هذا الآن مما عمت به البلوى في بعض الأحياء المزدحمة بالسكان.
أيضاً من الآداب العظيمة أيها الأحبة: غض البصر؛ أن يغض الإنسان بصره وهو في طريقه، وهذا مأمور به الإنسان رجلاً كان أو امرأة. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفُظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]، وقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31]. فالرجل مأمور بغض البصر، والمرأة مأمورة أيضاً بغض البصر.
وغض البصر بالنسبة للرجال قد يكون مشهوراً ومعلوماً، ومن يفعل غير ذلك فهو يفعله وهو يعلم أنه على خطأ؛ من ينظر إلى النساء اللواتي ليس من محارمه، هو يعلم أنه على خطأ. لكن المصيبة أيها الأحبة أن كثيراً من الناس أو كثير من النساء تظن أن هذا الأمر خاص بالرجال! الأمر مثل ما هو للرجل هو أيضاً للمرأة.
المرأة مأمورة بغض البصر، لا يجوز لها أن تنظر إلى الرجال إلا في وقت الحاجة، أما النظر في غير الحاجة فهذا لا ينبغي للمرأة، وليس من الأدب الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، وإن كان هذا مما يخالف الآن ما اشتهر عند الناس.
لكن كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]. والحق أحق أن يتبع، الحق أحق أن يتبع! الآن المرأة تنظر إلى الرجال في القنوات، تنظر إلى الرجال في مواقع التواصل الاجتماعي في السناب شات وغيرها من غير حاجة.
فينبغي للمرأة أن تغض بصرها كما أمر الله عز وجل: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31]. ماذا يقول الإنسان في هذا؟ الذي يخالف، بماذا يوجه هذه الآية؟ تقف المرأة المسلمة المؤمنة مع هذه الآية وتتدبرها، وترجع إلى تفسيرها لتعلم الحق الذي جاء فيها.
أيضاً من الآداب العظيمة أيها الأحبة التي تلتزم بها المرأة المسلمة في حجابها عندما تسير في الطرقات العامة؛ المرأة مأمورة بالحجاب، مأمورة بالستر، مأمورة بالمشية التي فيها حياء. هذا هو حال المرأة المسلمة؛ المرأة المسلمة تمشي بستر وعفاف وحياء، هذا ما يميز المرأة الطاهرة العفيفة عن غيرها أنها تمشي بستر، تستتر، تتحجب، الله عز وجل أمرها بالحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59].
بعيداً أيها الأحبة عن الخلافات الآن والنقاشات؛ المرأة المؤمنة التي تخشى الله وتراقبه، ترجع إلى هذه الآية وتتدبرها، وتترك عنها ما يطرح الآن من خلافات ونقاشات قد لا يراد في بعضها وجه الله عز وجل، وإنما هو التشبه والتقليد للآخرين وحب التشبه بأهل التبرج والسفور.
المؤمنة، ارجعي إلى كتاب ربك، وسيسألك الله عز وجل عن هذه الآية وعن غيرها من الآيات التي أمرت المرأة المسلمة المؤمنة بالحجاب الشرعي وبالحياء والستر. الله عز وجل يقول للنساء: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31].
الله عز وجل حتى المشية للمرأة، لا تظهر من الزينة. كان هذا نزل في أهل الجاهلية، كانت المرأة تضع الخلخال في رجلها، فإذا مشت تضرب برجلها حتى يسمع الرجال فينظرون إليها. المرأة مأمورة أيضاً حتى في مشيتها، ألا تكون ممن تريد نظر الرجال إليها، بلفت الانتباه بلبسها أو بطريقة مشيتها أو غير ذلك من الأمور.
هذا ليس من حال المؤمنة التقية النقية التي تخشى الله عز وجل وتخافه. وانظروا أيها الأحبة نساء ورجالاً إلى تدبر كلام الله عز وجل عندما وصف الله عز وجل ابنة الرجل الصالح صاحب موسى عليه السلام، لما جاءت إحداهما كما قال الله عز وجل: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءِ﴾ [القصص: 25].
انظروا إلى هذه المرأة التي خلد الله عز وجل مشيتها، تمشي على استحياء! والمرأة المسلمة تقرأ هذا في كتاب ربها، فتتشبه بهذه المرأة الصالحة التي خلد الله عز وجل مشيتها في كتابه الكريم: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءِ﴾ [القصص: 25]. فالمرأة التي تريد أن تتشبه بنساء المؤمنين تمشي أيضاً على استحياء.
أخيراً، على المرأة أن تحرص على الابتعاد عن التعطر في حال خروجها من بيتها ومشيها في الطرقات العامة وفي الأسواق. وهذا أمر خطير جداً، ومع الأسف أيضاً مما عمت به البلوى، مع أنه أمر شديد جداً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية»، عياذا بالله من ذلك. هذا أمر والله ليس بالهين، ليس بالهين! يعني لا تستهين المرأة بهذا الامر ولا تتراخى فيه.
فيجب على المرأة إذا خرجت من بيتها أن تبتعد عن التعطر، مع أن الآن قد يكون هذا الأمر في بعض الأمان وفي بعض المدن وفي بعض المجتمعات غريباً جداً عندما يقال هذا الكلام، لكن هذا هو كلام نبينا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فالمرأة المسلمة العفيفة الطاهرة التي تخاف من ربها وتخشاه وتتقيه، فعليها أن تحذر من هذا الأمر، ألا تخرج متعطرة فيجد الرجال ريحها، فإنها تكون بهذا الوصف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: فهي زانية، عياذا بالله من ذلك.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهرنا جميعاً من كل نقص ومن كل دنية، وأن يجملنا بتقواه وطاعته والتمسك بسنة نبيه عليه صلوات ربي وسلامه عليه في كل أحوالنا وفي كل شؤوننا رجالاً ونساءً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني