تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زال الحديث أيها الأحبة في سلسلة الآداب الإسلامية في مادة التربية في أكاديمية زاد، وأدب اليوم الذي سنتحدث عنه في هذه الحلقة وفي حلقتين قادمتين أيضا إن شاء الله، هو أدب السوق، وأدب البيع والشراء. وهي من الأمور التي يحتاجها المسلم في حياته، لأنه ما منا أحد أيها الأحبة إلا وهو يذهب إلى السوق يشتري أو يبيع، وهذا أمر طبيعي جدا وهو في حياة الناس.

فهذا الذهاب للاسواق وهذا البيع وهذا الشراء لا بد أن يكون مرتبطا بالآداب الإسلامية، وأن يكون مرتبطا بشرع الله عز في علاه، حتى يكون المسلم موفقا في كل حياته، وأن يسير على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه. فالله عز وجل بين لنا ما نحتاجه في ديننا، وما فرطنا في الكتاب من شيء، وهذه نعمة من نعم الله عز وجل، أن يكون الانسان متبعا مقتديا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وفي كل شؤونه.

والأسواق أيها الأحبة هي مما يحتاجه الناس في حياتهم، ولهذا ما أحد منا يستغني عن الأسواق بيعا وشراء، وهذا أمر طبيعي جدا في حياة الناس. والسوق ليس مذموما بذاته، فهو محل بيع وشراء، وفيه الكسب الحلال والرزق للإنسان، وهذه من نعم الله عز وجل، وخير ما كسب الإنسان من عمل يده، وهذا لا يكون إلا في أماكن البيع والشراء.

وكثير من الصحابة كانوا تجارا، بل كانوا من الأغنيا والأثرياء، كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهم من صحابة النبي صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا من العجب أيها الأحبة، أن يكون هذا الأمر في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن بعض الناس يظن أن الغنى والثراء والتجارة مخالف لجانب الإيمان والتعلق بالله، وهذا ليس بصحيح، نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح، وهذه نعمة من الله عز وجل إذا وفق العبد في ذلك.

لكن يحرص المسلم على أن يتقيد بأوامر الشرع خصوصا في الأسواق، لماذا؟ لأن الأسواق يكثر فيها الغفلة، ويقل فيها ذكر الله، لأنها أماكن بيع وشراء وانشغال بهذا الأمر، فيقل فيها الذكر. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها». لماذا؟ لأن المساجد هي أماكن الذكر التي يكثر فيها ذكر الله، والله عز وجل يحب الذاكرين، فيكثر الذكر في المساجد، ولهذا كانت من أحب البقاع إلى الله.

أما الأسواق فالذي يكثر فيها هو الغفلة، ويكثر فيها الغش، ويكثر فيها الخداع والبيع الباطل والمحرمات، ولهذا كانت من أببغض البقاع إلى الله. لكن ليس هذا الذم على اطلاقه، فقد يكون انسان في السوق ويكون من خير الناس، والتاجر الصادق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء كما سياتي معنا، إذا كان متبعا متمسكا بشرع الله وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيعه وفي شرائه.

ولكن كما قلنا، الأسواق يكثر فيها الغفلة ويقل فيها الذكر، ولهذا يحرص المسلم على هذه الآداب. ومن الآداب التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأماكن، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها»، يعني لا تكن أول واحد يدخل السوق، حاول إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج من السوق. علل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «فإنها معركة الشيطان، وبها نصب رايته». ومن نظر في حال الأسواق علم ذلك أيها الأحبة، وعرف أن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم هو حق وصدق، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى صلوات ربي وسلامه عليه.

الأسواق الآن يكثر فيها الغش، يكثر فيها الخداع، يكثر فيها الكذب، يكثر فيها التبرج، يكثر فيها السفور، يكثر فيها التعرض للنساء والمعاكسات، وغير ذلك من الأمور التي لا ترضي الله عز وجل. وهذا موجود ولا ينكره أحد، موجود في الأسواق، وهذا لا يعني أن كل من في السوق ينطبق عليهم هذا الأمر كما قلت قبل قليل، قد يكون في السوق من هو من أتقى عباد الله ومن أصلح عباد الله، لكن العبرة بالعموم والغالب.

فالغالب في الأسواق ما هو؟ هذا هو الغالب، الغفلة وقلة الذكر هو الغالب في أسواق الناس. ولذا أيها الأحبة، جاء الفضل العظيم في الذي يذكر الله عز وجل في هذا المكان الذي تكثر فيه الغفلة، يكون له من الأجر والخير والبركة عند الله عز وجل ما لا يتصوره عقل، كما جاء ذلك في حديث السوق أيها الأحبة.

وهذا أوصي نفسي وإخواني به، وما منا أحد إلا وهو يحتاج إلى السوق وينزل إلى السوق، فحبذا أيها الأحبة أن يستحضر الإنسان دوما، أو في الغالب إذا نزل إلى السوق، إذا ذهب إلى السوق، أن يستحضر هذا الحديث العظيم الذي جاء عن نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، الذي يقول فيه: «إذا دخل أحدكم السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير». ما هي النتيجة؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كتبت له ألف ألف حسنه»، يعني مليون حسنة، «ومحي عنه ألف ألف سيئة»، مليون سيئة. وهذه والله من اعظم النعم، تكتب لك مليون حسنة وتمحى عنك مليون سيئة، ببركه هذا الذكر الذي يقوله الانسان في اماكن الغفله، وفي المكان الذي ينصب فيه الشيطان رايته.

فانت ترغم الشيطان، انت تذل الشيطان وتخزيه في هذا المكان الذي ينصب فيه رايته، فتكون انت من الذاكرين. وهذا يدل على ان هذا الامر قليل من يفعله، ولذا جاء فيه هذا الاجر العظيم. والذي يذكر الله عز وجل في اماكن الغفله لا شك انه ممن احيا الله قلبه ونور بصيرته، اسال الله عز وجل ان يرزقنا حياه القلب ونور البصيره، ونواصل بعد الفاصل ان شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهناك أيها الأحبة أداب مشتركة بين البائع والمشتري، وهناك آداب خاصة بالبائع، وآداب خاصة بالمشتري. وسياتي الحديث مفصلا عن أداب البائع، وياتي أيضا حديثا خاصا أيضا عن أداب المشتري.

اما في هذه الحلقه سنتكلم عن الاداب المشتركه بين البائع والمشتري في الاسواق. عندما يدخل الانسان السوق، سواء كان بائعا أو مشتريا، فانه يتحلى بهذه الاداب التي جاءت في سنه النبي صلوات ربي وسلامه عليه. اول هذه الاداب ايها الاحبة، أن يتجنب الإنسان منكرات الأسواق من النزاع والخصام وارتفاع الأصوات، وهذا هو حقيقه الظاهر في الأسواق، رفع الصوت والنزاع والخصام سواء على السلع والبضائع، وعلى الثمن، وعلى جوده البضاعه. يحصل كثير من الجدال والخصام وارتفاع الصوت بين البائع والمشتري، فهنا يتادب الانسان بادب الاسلام في هذا الامر.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهيشات الأسواق». ما هي هيشات الأسواق؟ هيشات الأسواق هي الاختلاط الذي يحصل بين الناس برفع الأصوات والخصام والجدال الذي تكون على السلع. هذه هي الهيشات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تكون في الأسواق، وهي ظاهره في الأسواق اكثر من غيرها.

رفع الصوت كما ذكرنا سابقا في حلقات سابقه، رفع الصوت اصلا ليس من الادب إلا عند الحاجه، أما في الخطاب والحديث والكلام مع الناس، فالاولى بالانسان ان يغض من صوته، ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَٱغۡضُضۡ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].

ايضا يتجنب الانسان الاخلاق السيئه في تعامله في السوق بائعا أو مشتريا، الاخلاق السيئه، الكلام البذيء الذي يتكلم به، فيراعي الانسان الاداب والاخلاق وحسن الخلق الذي يكون في البيع والشراء. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ، سخاب في الأسواق، جيفه بالليل، حمار بالنهار، عالم بامر الدنيا، جاهل بامر الآخرة». هذا ممن يبغضه الله عز وجل.

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عده صفات، قال: كل جعظري جواظ، والجعظري هو المتكبر، والجواظ الأكول الشره. سخاب في الأسواق هو الذي يتكلم بنزاع وخصام وجدال في الأسواق كما يحصل من بعض الناس هداهم الله. سخاب في الأسواق، جيفه بالليل حمار بالنهار، ينام في الليل وقت قيام الليل، وينام عن صلاه الفجر. حمار بالنهار اي انه يكد ويعمل كالحمار اكرمكم الله دون مراعاه لدين أو خلق أو ايمان في عمله. وهذا حقيقه من الصفات القبيحه التي لا ينبغي للمسلم ان تكون فيه، هذه الصفات يحرص المسلم على ان يتجنبها، وهي من مساوئ الاخلاق التي يبغضها ربنا ومولانا عز في علاه.

وما اجمل قول الشاعر في وصيته لابنه: يقول أبونايا إن من الرجال مصيبة، في صورة الرجل السميع المبصر. بطن لكل مصيبة في ماله، وإذا اصيب بدينه لم يشعر. وما اجمل هذين البيتين يقول أبونايا: إن من الرجال مصيبة، هذا كارثه، مثل هذا الرجل كارثه في صفاته واخلاقه، لا تكن مثله، إن من الرجال مصيبة في صورة الرجل السميع المبصر، يعني هو تنظر إليه رجل مثل بقيه الرجال في هندامه في كلامه في صورته، في صورة الرجل السميع المبصر. فطن لكل مصيبة في ماله، نبيه ذكي في ماله يعرف مدخله ومخرجه، فطن لكل مصيبة في ماله. وإذا اصيب بدينه لم يشعر، عياذا بالله! يصاب بدينه في بيعه في شرائه في تعامله في اخلاقه، يخالف شرع الله ولا يهتم ولا يبالي. وإذا اصيب بدينه لم يشعر، ما كانه حصل شيء، تعامل بالحلال بالحرام، يتكلم ببذيء الاخلاق ومساوئها، ويفعل سيء الاخلاق، ولا كانه حصل شيئا، كان الامر سهل جدا، وهذا من البلاء والعناء الذي يحل بالعبد.

ايضا من الاداب التي يتحلى بها المسلم في السوق، سواء كان بائعا ام مشتريا، غض البصر. وهذا والله من الامور العظيمه والجليله والتي حقيقه يحصل فيها تفريط كثير جدا من المسلمين، يحصل فيها تفريط شديد، مع ان الامر ليس بالهين، الامر ليس بالهين. فالعين ايها الاحبة هي بوابه القلب، ومن اطلق نظره في الحرام قسى قلبه، وهذا بلاء من الله يحل بالعبد، بان يجعل هذا البصر يرتع فيما حرم الله عز وجل، فيذهب نور الايمان من قلبه، ويضعف الحفظ والتقوى الذي يكون في قلبه بشؤم هذه المعصيه.

وهذا امر ايها الاحبة الله عز وجل نص عليه في كتابه الكريم وحذر المؤمنين والمؤمنات منه. وهنا انبه ايها الاحبة ان الامر ليس خاصا بالرجال، ليس خاصا بالرجال، الامر بغض البصر يشترك فيه الرجال والنساء، الرجل مامور بغض البصر والمراه كذلك ماموره بغض البصر. فالرجل كما انه ينظر إلى النساء ويرى ما يعجبه ويرى

أيضاً ما يدعوه إلى الفتنة كذلك المرأة هي تنظر إلى الرجال وترى ما يعجبها وما يدعوها إلى الفتنة أيضاً، إلا في حدود الشرع، في حدود الكلام الذي ليس فيه خضوع ولا ذل ولا استكانة ولا لين في الكلام، فهنا ما كان في حدود الشرع فهذا لا بأس به؛ كالسؤال مثلاً عن القيمة وعن السلعة بأدب وحشمة وحياء. أما الخضوع بالقول وإطلاق البصر والنظر فهذا محرم ولا يجوز. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْصَنَعُونَ﴾ [النور: 30]، ذلك أزكى لهم؛ أي أطهر لهم في إيمانهم وفي قلوبهم، ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون.

وانظروا إلى تتمة الآية، كثير من الناس يقف عند الآية الأولى. تتمة الآية أيها الأحبه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31] أيضاً الأمر كما أنه للرجال هو أيضاً للنساء، المرأة لا يجوز لها أن تطلق بصرها في الرجال دون حاجة، وهي مأمورة بغض البصر إلا في حدود المتعارف عليه؛ كالكلام الذي فيه حاجة وفيه ضرورة، وبكلام ليس فيه لين وليس فيه خضوع، وهذا ليس من اجتهاد العلماء.

وهنا أيها الأحبة بعض الناس قد يعترض على هذا الكلام، أنت تعترض على الله، لا تعترض على فلان ولا فلان من أهل العلم، أنت تعترض على الله الذي أنت تسلم بغض البصر للرجال ولا تسلم بغض البصر للنساء, وهما في سياق واحد، فما الذي يفرق بين الامرين؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، فالامر للرجال والنساء سواء.

أيضاً من الآداب أيها الأحبة أن يراعي الإنسان عدم إيذاء الناس في السوق، إما بمشية أو بما يحمله من أشياء، يراعي حال الناس ويراعي الأدب في مشيه وفي تعامله في السوق، سواء كان من البائعين أو من المشترين، ونواصل الحديث عن هذا الأمر بعد الفاصل إن شاء الله.

حرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من اوقاتهم واموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم، قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.

وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمموني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهاره القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتاكد من تخلقه باخلاق العلماء وتحليه بادبه ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزله الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والادب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالاخلاق والادب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه اجمعين، وبعد. فمن الآداب العظيمة ايها الاحبه التي يراعيها الانسان في ذهابه أو في حال ذهابه إلى السوق بائعا كان أو مشتريا، ألا ينشغل بالبيع والشراء عن ذكر الله وإقام الصلاة في اوقاتها، وهذا امر مهم جداً، مهم جداً أنه إذا أذن المؤذن يتوقف الإنسان. النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه كما وصفت عائشة رضي الله عنها أنه يكون في مهنة أهله في البيت ليس في بيع وشراء، يكون في بيته تقول عائشة رضي الله عنها فإذا أذن المؤذن فكانه لا يعرفنا.

وقد أثنى الله عز وجل على أهل الإيمان الذين لا يقدمون شيئا على ذكر الله وإقام الصلاة، قال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمَهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: 36-37]، لا تلهيه سواء كان بائعا أو مشتريا فإذا أذن المؤذن ذهب إلى الصلاة. ومن نعم الله عز وجل على بعض البلاد الإسلامية أن الأسواق تغلق وقت الصلاة، هذه نعمه من الله وفضل، بأن هذا من التعاون على البر والتقوى أن يوقف السوق في حال الأذان؛ في إذا أذن المؤذن يتوقف البيع والشراء، فيذهب الجميع البائع والمشتري يذهبون للصلاة لأن هذا الوقت لله، هذا الوقت هو لله عز في علاه.

إذا أذن المؤذن وكما قلنا الله عز وجل أثنى على أهل الإيمان الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]، قدم الأموال التي هي في البيع والشراء، لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك؛ يعني تلهيه تجارته وبيعه وشراؤه عن ذكر الله يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]. أعوذ بالله، هذه هي الخسارة أن يقدم الإنسان الدنيا على الآخرة، أن يقدم الإنسان حق نفسه في البيع والشراء على حق الله، هذا لا ينبغي وليس من حال المؤمن الموفق المسدد الذي يريد الخير لنفسه.

أيضاً من الآداب العظيمة بل هو من الأوامر الشرعية، أنه لا يجوز البيع والشراء بعد أذان الجمعة الثاني، بعد الأذان الثاني، والأذان الثاني هو الذي يكون عند صعود الخطيب إلى المنبر. إذا أذن المؤذن هذا الأذان الثاني فيحرم البيع والشراء، وهذا مع الأسف قد تجده عند بعض الناس من جهلهم بدين الله، يكون عند أبواب المساجد أحياناً يوم الجمعة بعض من يبيع؛ سواء يبيع الأشياء البسيطة كالمساويك وغيرها، في تساهل بعض الناس وهذا لا يجوز ولا ينبغي ومحرم. محرم البيع والشراء في هذا الوقت، يجب أن يتوقف البيع والشراء، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، اتركوا البيع ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فهذه من الأمور التي يجب على المسلم أن يراعيها في بيعه وفي شرائه، وهذا من الفقه في دين الله في قضية البيع والشراء، وهو جزء من الفقه في البيع والشراء.

والمسلم دائماً ايها الاحبه يحتاج إلى أن يتفقه في دينه، يتفقه في دينه حتى ليست القضية في العبادات فقط، حتى في المعاملات. والفقه عندنا من فضل الله علينا الذي نقله أهل العلم لنا في كتبهم، إنه ينقسم إلى عبادات ومعاملات؛ فقه العبادات وفقه المعاملات. بعض الناس قد يعتني فقط بفقه العبادات ويترك فقه المعاملات، مع أن الإنسان يحتاج إليها كثيراً في حياته، خصوصاً في البيع والشراء؛ كمعرفة الحلال والحرام، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدين، يعرف أحكام البيع والشراء، لأنه تكثر المعاملات المحرمة أحياناً.

وهذا موجود الآن في بعض الأسواق، يتعامل بالربا في بعض الأسواق، يتعامل ببيع النجش وبيع السلم وغيرها من البيوع المحرمة التي جاءت في ديننا وفي كلام نبينا صلى ربي وسلامه عليه. أيضاً من الآداب العظيمة أن يكون الإنسان صادقاً في بيعه وشرائه، صادقاً في بيعه وشرائه، وهذا سياتي معنا في آداب البائع وآداب المشتري. البائع يكون صادقاً عندما يذكر ما في السلعة من مزايا أو عيوب، وصادقاً أيضاً في ثمنها، وأيضاً المشتري يكون صادقاً بأن لا يقول: وجدتها عند غيرك أرخص من هذا السعر وهو كاذب، وهذا يقع كثيراً ممن يكونون في الأسواق.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإن صدق وبين». ولاحظوا أيها الأحبه عظم هذا الأمر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن صدق البائع والمشتري»؛ فان صدق وبين؛ أوضح العيوب والمزايا، «بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». تمحق البركة، وأعوذ بالله من محق البركة، نعوذ بالله من محق البركة. الله عز وجل ذكر المحق في الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 276]. الإنسان يكسب أموالا طائلة من الربا لكنها تذهب هباء منثورا، ولا يبارك له لا في صحته ولا في ذريته ولا في شيء من أموره بهذا المحق الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، فالإنسان يحرص على الصدق وعلى الأمانة في البيع والشراء حتى لا تمحق البركة.

أيضاً الإنسان في بيعه وشرائه يكون سمحا هينا لينا، وهذه صفة المؤمن، المؤمن هين لين في بيعه أو في شرائه. والنبي صلى الله عليه وسلم دعا لهذا السمحة، لهذا الهين، لهذا اللين في بيعه وشرائه، يقول عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى»؛ هو سمح في كل أحواله، رحم الله امرءاً رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى هو سمح في كل أحواله.

وهذا نراه الآن في حال الناس، أن يكون فيه السماحة؛ فيه السماحة في بيعه، فيه السماحه حتى في شرائه وهو يشتري، بعض الناس يشتري وهو يسب ويلعن يتضجر ويتكلم: رفعتم الأسعار وأنتم كذا وأنتم كذا، فهذا ليس من السماحة، وسمحاً أيضاً إذا تقاضى بينه وبين الآخرين في المال، فالسماحة معه في كل أحواله. وهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه تناله الرحمة بإذن الله، تناله الرحمة بإذن الله.

وهذا نراه ايها الاحبه أحياناً الإنسان قد يكون شديداً حتى في أبسط الأمور، يشتري من بائع الخضار أو بائع المساويك أو غيرها ممن يبيع لأشياء رخيصة جداً، فيتشدد ويتقوى في الريال وفي غيره، يكون في الإنسان سماحة. وذكر العلماء جانب من الصدقة عظيم جداً، جانب عظيم جداً في الصدقة، أن يحتسب الإنسان أنت عندما تشتري من هؤلاء المساكين الذين يجلسون في الشمس وفيهم يظهر عليهم الفقر والحاجة، فان الإنسان حتى ولو زاد في ماله قليلاً فهذا نوع من أنواع الصدقة عظيم، وفيه إعفاف وتكريم لهذا المسكين.

والإنسان أحياناً أيها الأحبة يذهب إلى الأسواق الكبيرة ويدفع مئات الريالات وهو لا يتكلم بكلمة، الأسعار مكتوبة ولا يكاسر ولا ولا يراجع، وعندما يأتي إلى هؤلاء المساكين يقف معهم عند الريال وعند نصف الريال ويتشدد في ذلك، وهذا ليس من صفات أهل السماحة وأهل الرحمة.

أيضاً من الآداب التي يحسن بالمسلم أن يتحلى بها في بيعه وشرائه خصوصاً في السوق، في السوق أن يتصدق الإنسان في السوق، فهذا مكان فيه الغفلة ويكثر فيه البعد عن ذكر الله عز وجل، وهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوه بالصدقة»؛ أي اخلطوا بيعكم وشرائكم بشيء من الصدقة ولو يسير. وكم من المساكين والفقراء نجدهم في الأسواق، يتصدق الإنسان ولو بشيء قليل بريال أو بريالين يتصدق على هؤلاء الفقراء ليتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا اتباع السنة ظاهراً وباطناً، وأن يوفقنا لطاعته وأن يجنبنا معصيته. هذا ما يتعلق أيها الأحبة بأدب البيع والشراء بالنسبة للبائع والمشتري، وسياتي إن شاء الله في الحلقتين القادمتين ما يتعلق بالبائع خصوصاً والمشتري خصوصاً. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.