بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله وبياكم في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية مقرر الآاداب الإسلامية، هذه الآداب العظيمة القويمة -أيها الأحبة- التي جاءت في ديننا في كتاب ربنا أو على لسان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
وما أعظم أن يتقيد الإنسان بالآداب الإسلامية ويراعي هذه الآداب في تعامله في حياته كلها، ليكون موفقاً مسدداً معاناً متبعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وفي كل شؤونه.
أدب اليوم -أيها الأحبة- أدب عظيم، وهو من الآداب التي يحسن بنا أن نتدارسها في مساجدنا، في بيوتنا، وأن نراعيها، وأن نعلمها حتى الأبناء الصغار.
هذا أمر يتعلق ببيوت الله عز وجل، وأعني بذلك آداب المساجد؛ المساجد التي هي بيوت الله وأحب البقاع إلى الله.
هناك آداب -أيها الأحبة- يجب أن يراعيها المسلم وألا يستهين بهذه الاماكن العظيمة؛ فإن تعظيم هذه البيوت هو من تعظيم الله، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
الذي يعظم بيوت الله عز وجل هو الذي تحققت التقوى في قلبه، والذي يستهين ببيوت الله عز وجل هذا دلالة على ضعف الإيمان وعدم التقوى في قلب هذا الإنسان.
فمسألة الاهتمام ببيوت الله عز وجل تعظيماً وإجلالاً وصيانةً وحفظاً وإعلاءً لشأنها، هذا كله من دلائل التقوى في قلب العبد المسلم.
من أول ذلك -أيها الأحبة- ومن ما يعتني به المسلم؛ الحرص على رفع بيوت الله عز وجل؛ الرفع الحسي والرفع المعنوي، كما قال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37].
الله عز وجل قال: في بيوت؛ أي بيوت الله عز وجل أذن الله أن ترفع.
وهذا الرفع قد يكون رفعاً حسياً، والرفع الحسي هو ببناء هذه البيوت؛ ببناء المساجد، الحرص على بناء المساجد ونشرها في المدن وفي الأحياء، هذه والله من الدلائل العظيمة على الإيمان الذي يكون عند أهل هذه البلدة.
وهذه من نعم الله علينا؛ كثرة المساجد هي من نعم الله عز وجل على العباد، أن يسمع ذكر الله عز وجل في كل بيت، أن تكون المساجد قريبة، يتعلم فيها الإنسان، يصلي فيها الإنسان، ويأخذ أمور دينه، وهذه من نعم الله عز وجل على العباد.
والمشاركة في بناء المساجد -أيها الأحبة- نعمة عظيمة على العبد، نعمة من الله على العبد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجدا لله يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة».
فمن بنى مسجدا في الدنيا بنى الله له بيتا في الجنة، وهذا يجعل الإنسان يحرص على مثل هذا الأمر، وليست القضية الكبر والصغر، هذه ليست قضية؛ فالتعامل مع الله عز وجل اعظم وأجل، والله كريم، الله عز وجل أكرم منا ومن عباده، ويعطي بلا حساب عز في علاه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة»، القطاة نوع من أنواع الحمام، ومفحص يعني المكان الذي تبني فيه عشها، مكان صغير جداً، «بنى الله له بيتا في الجنة».
وهذا يدلنا -أيها الأحبة- أن الإنسان قد لا يستطيع أن يبني مسجدا، لكنه يشارك، نرى مشروعا لبناء مسجد فيبذل ولو بريالات معدودة، ولا تحتقر في تعاملك مع الله عز وجل، لا تحتقر شيئا.
فالله عز وجل؛ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يتصدق «واتقوا النار ولو بشق تمرة» نصف تمرة، فمن يتصدق الآن بنصف تمرة، فكيف إذا أتى إلى مشروع ودفع فيه عدد من الريالات؛ مئة ريال أو غيرها، فهذا ولا شك سيكون له اجر عظيم الصدقة الجارية التي يفعلها الإنسان، فهذا من الرفع الحسي.
وهناك الرفع المعنوي بكثرة الصلاة والعبادة والذكر والدعاء وقراءة القرآن في هذه المساجد، ولزوم المساجد، وكثرة الجلوس في المساجد، وهذا هو الرباط الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «انتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط».
والمساجد -أيها الأحبة- هي التي يذكر فيها الله عز وجل، وتدعو الملائكة للعباد، هذه من نعم الله، ولهذا الموفق الذي يكثر من الجلوس في المسجد؛ لماذا؟ طالما أنت جالس في المسجد وأيضا أنت على طهارة لم تحدث، فإن الملائكة تدعو لك، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى يخرج الإنسان أو يحدث أي ينتقض وضوءه.
أما إذا كان في المسجد وهو على طهارة، فإن الله عز وجل يوكل ملكا يدعو لهذا العبد الموفق المسدد، ولهذا أهل الإيمان يحبون المكث في المساجد.
والذي في قلوبهم ضعف إيمان وعندهم شيء من النفرة من شعائر دين الله عز وجل، كأن في المسجد كأنه مسجون، حتى عندما يأتي وقت الإقامة تجد ينازع المؤذن: عجل بالإقامة! يشعر كأنه في مكان غير مرغوب بالنسبة له، هذا دلالة على ضعف الإيمان.
المؤمن هو الذي يدخل المسجد ويشعر بالراحة والطمأنينة ويأنس بجلوسه في المسجد؛ لأنه يستشعر دعاء الملائكة له، وأي خير وأي نعيم وأي فضل من الله أن يدعو لك الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون!
فهذا من الرفع -أيها الأحبة- الرفع المعنوي الذي يكون في هذه المساجد بكثرة الصلاة فيها وكثرة قراءة القرآن والذكر وغير ذلك من الأعمال الصالحة.
أيضا من الآداب العظيمة -أيها الأحبة- التي يراعيها الإنسان في المسجد عموماً -عموم المسلمين يراعونها- هي حفظ هذه المساجد وصيانتها عن أي أمر ينتقص من قدرها أو من مكانتها أو يخل بعظمتها.
وأعظم ذلك هو تطهير المساجد من مشاهد الشرك، هذا اعظم ما يكون، وسيأتي معنا تنزيه هذه الاماكن عن القاذورات، لكن هناك ما هو اعظم وأجل وأكبر، وهو أن ننزه هذه الاماكن عما يكون فيه إشراك بالله عز في علاه.
وهذا الامر ظاهر -أيها الأحبة- في قضية القبور، في قضية القبور، وهذا مما عمت به البلوى في بعض البلدان الإسلامية، أن يكون الشرك داخل المسجد عياذا بالله! أن يدعى القبر، أن يتوجه إلى القبر، أن يصلى إلى القبر، وفي بيت من بيوت الله! وهذا والله من الكارثة والطامة التي تحل ببعض المسلمين، ونفصل إن شاء الله في الحديث عنها بعد الفاصل.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18].
فعمارة المساجد بصلاة الجماعة من أظهر شعائر الإسلام، واتفق المسلمون على كونه من أعظم الطاعات والقربات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة».
وصلاة الجماعة في المساجد واجبة في أرجح أقوال العلماء على كل رجل بالغ قادر يسمع النداء سماعا معتادا بدون مكبر عند هدوء الاصوات وعدم وجود ما يمنع السمع، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] فالامر للوجوب، واذا كان ذلك مع الخوف فمع الأمن اولى.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر».
ومن صلى وحده صحت صلاته ولكن يفوته فضل الجماعة، ويكون قد وقع في المخالفة بترك الواجب.
وأقل الجماعة اثنان، لقوله صلى الله عليه وسلم لمالك ابن الحويرث ولصاحب له معه: «إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما».
وتدرك الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة».
وإذا شرع المؤذن في الإقامة لصلاة ذات الفريضة فلا يشرع لأحد أن يبتدأ صلاة نافلة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
اما إذا شرع المتنفل في صلاته وأقام المؤذن الصلاة؛ فإن كان في الركعة الأولى فانه يقطعها، وإن كان في ثانية فانه يتمها خفيفة ويلحق بالجماعة.
ويعذر المسلم بترك صلاة الجماعة في الاحوال التالية: المريض مرضا يلحقه منه مشقة لو ذهب إلى الجماعة، المدافع لأحد الأخبثين البول أو الغائط، أو من كان بحضرة طعام أمين يحتاج إليه، كل من خاف ضررا على نفسه أو ماله أو أهله أو قوته فإنه يعذر بترك الجماعة، ومن خاف فوات الرفقة في السفر لما في ذلك من انشغال قلبه إذا انتظر الجماعة، وحصول الأذى بمطر أو ثلج أو ريح باردة شديدة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: «ألا صلوا في الرحال».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
توقفنا قبل الفاصل -أيها الأحبة- عن صيانة بيوت الله عز وجل عما يكون فيه شيء من الشرك بالله عز في علاه، وهذا من الأمور العظيمة جدا التي يحرص كل مسلم على تطهير هذه البيوت العظيمة بيوت الله عز وجل عن مثل هذه الأمور.
ذكرنا أن من أعظم ذلك؛ وجود قبور داخل المسجد، وهذا حقيقة من الأمور التي لا تنبغي أبدا، لا تتوافق مع جانب التوحيد وتعظيم الله عز وجل وإخلاص العبادة لله عز وجل، أنت في المسجد تدعو الله، فكيف تجعل هناك قبرا يدعى فيه مع الله عز وجل؟! وهذه والله من الكارثة والطوام.
هذه القبور -أيها الأحبة- التي تكون في المساجد هي على نوعين ذكر العلماء؛ أن المسجد إذا بني على القبر؛ القبر قبل المسجد، يعني هناك قبر وبني عليه المسجد، هذا لا يجوز أن يصلى فيه أبدا، ويجب أن يهدم هذا المسجد؛ لأنه بني على غير أساس صحيح، لم يبن على توحيد وإنما بني على أمر فيه خلل في التوحيد، وهو أن يبنى على قبر ولي أو صالح كما يقول بعض الجهلاء.
وهنا هذا المسجد إذا بني على القبر فلا تجوز الصلاة فيه أبدا، ويجب أن يهدم المسجد.
أما إذا كان المسجد قائما ووضع فيه القبر؛ يعني دفن فيه من يققال إنه ولي أو صالح أو غير ذلك، هنا يجب أن ينبش القبر، وأن يخرج هذا الميت من المسجد وأن يدفن في مقابر المسلمين، وتجوز الصلاة في هذا المسجد.
فهذه قضية يجب أن تراعى حتى في قضية الصلاة؛ إذا كان الانسان يعلم يقينا أن هذا المسجد بني على قبر فانه لا يجوز له بأي حال من الاحوال أن يصلي في هذا المسجد، لأنه بني على قبر، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الأمر.
النبي صلى الله عليه وسلم كما قال جندب رضي الله عنه وأرضاه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسة أيام أو خمس ليالي يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».
هذا نهي يا إخوان -أيها الأحبة- نهي من النبي صلى الله عليه وسلم ليس اجتهادا من أحد، وإنما هو نهي من نبينا وحبيبنا وقدوتنا وأمامنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا نملك أمام قوله الصادق المصدوق إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا.
والنبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا تقول عائشة رضي الله عنها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه؛ في آخر حياته الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
فهذه لعنة من الله عز وجل على اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، فالذي يفعل نفس الشيء من المسلمين تحل عليه اللعنة ويتشبه باليهود والنصارى عياذا بالله من ذلك.
تقول عائشة رضي الله عنها -بعد أن روت هذا الحديث ورولت ما قاله النبي صلوات ربي وسلامه عليه-: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ أنه خشي أن يتخذ مسجدا.
النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة، ولا يتحجج بعض الناس أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم موجود في المسجد النبوي؛ القبر أساسا لم يكن موجودا في المسجد، كان خارج المسجد في حجرة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولم تدخل هذه الحجر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهنا لابد أن ينتبه المسلم؛ لأن هناك من يلبس على الناس بهذا الأمر بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، لم يدخل هذه الحجر التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنها حجرة عائشة، التي هي حجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، كانت خارج المسجد.
ودفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة، لأن الأنبياء يدفنون في المكان الذي يموتون فيه. ولذا دفن في حجرة عائشة، وبقيت عائشة في خارج المسجد، عاشت سنين بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ودفن أبوها أبو بكر، ودفن عمر رضي الله عنه في حجرتها.
ثم بعد ذلك بسنين في عهد الدولة الأموية في عهد الوليد بن عبد الملك، عملت توسعة للمسجد النبوي فدخلت الحجر فيه. إذا، هذه حجة باطلة من يتحجج بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي، فالقبر لم يدخل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في عهد الدولة الأموية في عهد الوليد بن عبد الملك.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على هذا الأمر أشد الحرص، ويحذر دائماً من هذا الأمر، ويكرر هذا الأمر قبل موته صلوات ربي وسلامه عليه. ولذا جاء النهي أيها الأحبة عن عدم رفع القبور وتجصيصها وعمل القبب عليها، هذا كله من المنهيات والمحرمات التي لا تجوز. لا يجوز تعظيم هذه القبور؛ هذا المقبور هو عبد فقير مسكين محتاج، يحتاج لك أنت أيها الحي، ما هو أنت الذي تحتاجه؟ هو محتاج إليك أن تدعو له.
إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به. فهو المحتاج، أنت عندما تقف عند القبر أنت الذي تحسن إليه، وليس هو الذي يحسن إليك؛ أنت تحسن إليه بالدعاء. إذا قلت: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؛ أنت تحسن إليه، ولو كان من أصلح الصالحين، ولو كان من أولياء الله المتقين، هو بحاجة إليك بأن تدعو له.
أما هو فهو لا يملك لنفسه شيئاً أبدا، فقد انقطع عمله، وهو مرتهن في قبره بعمله. ولذا جاء النهي كما قلنا أيها الأحبة في عدم رفع القبور وعمل الشواخص عليها والكتابات عليها، هذه كلها من الأخطاء العظيمة الجليلة التي يقع فيها بعض المسلمين. وهذا أيها الأحبة الأمر ليس بالهين، هذا فيه خلل في التوحيد، خلل في التوحيد.
ولهذا مع الأسف بعض الناس يخالف كلام النبي صلى الله عليه وسلم أمام قبره عليه الصلاة والسلام، وهنا تأتي الطامة. يعني أنت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتخالف أمره! تجد بعض الناس الآن يتجهون إلى القبر ويستدبرون القبلة ويدعون، ويقف ويدعو؛ هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا والله، لا والله لم يعلمنا ذلك، وإنما الإنسان في دعائه يستقبل القبلة.
الزيارة المشروعة أن تقف أمام القبر الشريف، قبر حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتسلم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا عمر بن الخطاب ورحمة الله وبركاته. ثم تنصرف، لا يشرع الدعاء ولا التوسل ولا التمسح، وكل هذه من المخالفات الشرعية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منها قبل موته.
قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام كان يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ يعني أماكن عبادة يتوجهون إليها، وهذا مخالفة صريحة لهدي النبي صلوات ربي وسلامه عليه. والكارثة والطامة أيها الأحبة أن نخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده وأمام قبره، هذا والله من الخلل في العقل وعدم الفقه في الدين. فالذي يوفق ويسدد والذي يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، ويمتثل الآداب النبوية حتى في زيارته لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولقبره الشريف صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضا من الآداب التي يعتنى بها أيها الأحبة هي صيانة هذه المساجد؛ كما نصونها من الشرك والبدع والخرافات، نصونها أيضا من القذارات. لا يجوز ولا ينبغي أن يتساهل الإنسان في وضع القاذورات في المسجد، وهذا ليس من تعظيم المساجد. ولهذا لما بال الرجل في المسجد ذلك الأعرابي الجاهل، وأراد الصحابة أن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتركوه»؛ حتى لا يؤذي، لا ينتشر بوله في المسجد. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا هذا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن». هذه هي المساجد للذكر والقراءة والعبادة، وليست لهذه القاذورات عياذا بالله من هذا الفعل.
ونواصل الحديث بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، ما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه الآداب التي تتعلق بيوت الله عز في علاه. ذكرنا قبل الفاصل أن هذه البيوت تنزه عن الشركيات والبدع والخرافات، وكذلك تنزه عن القاذورات التي لا تليق ولا ينبغي أن يفعل المسلم شيئا من هذا في بيوت الله، وهذا ليس من تعظيم بيوت الله عز وجل التي هي علامة ودلالة على تقوى الإنسان وعلى إيمانه وتعلقه بربه.
أيضا مما يتعلق أيها الأحبة بيوت الله والتي يجب أن يراعيها المسلم -ومع الأسف هذا يحصل أحيانا جهلا من بعض المسلمين- وهو إنشاد الضالة في المسجد؛ فقد شيئا يأتي إلى المسجد يسأل الناس عن هذا الذي فقده، هذا لا ينبغي. هذا خارج المسجد وليس في المسجد، لم تبنى بيوت الله عز وجل لذلك، لا يجوز أن يستهين الإنسان ببيت الله عز في علاه بمثل هذه الأمور. وهذا نصا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالة في المسجد، إما فقد بعيرا أو غيره فقده، ثم دخل المسجد وبدأ يسأل يصف البعير، ينشد الناس يعني من رأى هذا البعير؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ردها الله عليك». هذه الضالة التي فقدتها، النبي صلى الله عليه وسلم -ولحظوا أيها الأحبة- دعا عليه! هذا يدل على تعنيف هذا الأمر، وأنه لا ينبغي ولا يصح ولا يجوز. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبنى لهذا، المساجد لمكان لإنشاد الضالة». ما فقده الإنسان يأتي إلى المسجد ويتحدث مع الناس فيه؟ المساجد بنيت لذكر الله وإقام الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن.
وهذا أيها الأحبة بيان لأهمية المسجد وعظمة مكانة المسجد في ديننا، أنه لا ينبغي أن يتساهل فيه بهذه الأمور التي ليست مما يكون في بيوت الله عز في علاه، فهذا أمر يحتاط منه المسلم.
وأيضا الأمر الآخر هو تحريم البيع والشراء؛ هذا لا يجوز ولا ينبغي للمسلم أن يتساهل فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى، كما قال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه، يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، فلا ينبغي أن يتساهل الإنسان في هذا الأمر. بل النبي صلى الله عليه وسلم كما قال لصاحب الضالة: «لا رد الله عليك ضالتك»، أيضا في البيع والشراء يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك».
وهذا قد يستغربه الإنسان، لكن هذا فيه كبت لهذا الأمر ومنع له حتى لا يتساهل الناس فيه، ولا تكون المساجد أماكن للسمسرة والبيع والشراء. هذا ليس من تعظيم بيوت الله عز وجل، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى هذا الأمر العظيم: «إذا سمعتم من يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك». وهذا فيه تهديد ووعيد للذي يقع في هذا الأمر.
أيضا هناك آداب أيها الأحبة يحرص عليها المسلم وهو ذاهب إلى بيت الله يعظم هذا المكان، لابد أن يتهيأ له. من الآداب يعني أن يأخذ الإنسان زينته عند الذهاب إلى المسجد: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]. التساهل الذي نراه عند بعض الناس مع الأسف أنه يأتي إلى المسجد بملابس النوم أو بملابس ليست فيها زينة، وملابس لا تليق في الأماكن العامة؛ لا يمكن لهذا الرجل أن يذهب إلى مناسبة، إلى فرح، إلى حفل بهذا اللبس، ويذهب به إلى المسجد! هذا ولا شك من ضعف الإيمان في قلبه وعدم تعظيم هذه الأماكن: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
أيضا يستحب أن يذهب الإنسان إلى المسجد في سكينة ووقار، وأن يدخل إلى المسجد ولا يزعج الإمام ولا المصلين إذا وجدهم في صلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة؛ فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». يعني الإنسان إذا جاء لا يستعجل وما فاته فيصلي، ويدخل مع الإمام في أي السجود، في الركوع، في الجلسة بين السجدتين، في التحيات، يدخل مع الإمام ولا يقف ينتظر، وإنما يدخل في أي ركن من أركان الصلاة.
ولا ينبغي للمسلم أن يتنحنح الإمام راكع أو يقول إن الله مع الصابرين كما يقول بعض الجهلاء، هذا لا ينبغي، بل يدخل بهدوء وسكينة ووقار، ولا يرفع صوته في المسجد.
أيضا من الآداب أيها الأحبة التي يحسن بالمسلم أن يراعيها أن إذا دخل المسجد أن يدخل برجله اليمنى، وأن يقول الذكر الوارد عن نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، ويقول أيضا: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». هذه أذكار وردت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. وأنس رضي الله عنه وصف حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل المسجد دخل برجله اليمنى، وإذا خرج خرج برجله اليسرى.
هذا أدب يحسن بالمسلم أن يتقيد به أو يحافظ عليه، لأن فيه زيادة في الأجر. لو دخل برجله اليسرى لا بأس، ليس مخالفة يأثم بها، لكنه خلاف السنة؛ الذي يدخل باليمين يؤجر، والذي يدخل باليسار لا يؤجر، والذي يخرج باليسار يؤجر، والذي يخرج باليمين لا يؤجر. فهنا الإنسان العاقل والذي يحرص على اكتساب الحسنات بأيسر الأمور.
أيضا إذا دخل المسجد يصلي ركعتين التي هي تحية المسجد، ولا يصح أن يجلس الإنسان، هذا فيه مخالفة، أن يجلس دون أن يصلي الركعتين. وهاتان الركعتان يصليهما الإنسان ولو كان في وقت نهي؛ لو دخل المسجد وقت العصر، لو دخل المسجد مثلا بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس، في اوقات النهي فانه يصلي أيضا، لأن هذا مما عفي للمسلم فيه، فإن يصلي في اوقات النهي مثل تحية المسجد، مثل ركعتي الطواف، يصليها حتى ولو في وقت النهي.
فإذا أقيمت الصلاة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا صلاة إلا المكتوبة». إذا كان في أول صلاته في الركعة الأولى فإنه يقطع صلاته إذا أقيمت الصلاة، وإذا كان انتهى من الركعة الأولى فيتم الثانية سريعا، يتمها سريعا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
من السنن أيها الأحبة التي تكون في الصلاة، من الآداب أيضا، الصلاة في النعال أكرمكم الله، هذا مما قد يتحرج الناس منه ويظن أنه مخالف. هذه سنة عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وهو قد صلى في نعاله عليه الصلاة والسلام، لكن هذا أيها الأحبة يكون في البرية، يكون في خارج المسجد، لأن الآن المساجد هي عبارة عن فرش، ويعلق بها الأذى، وقد يكون الإنسان في نعاله أكرمكم الله يكون فيه من البلل، يكون فيها من القاذورات التي في الشوارع أو في أماكن دورات المياه، فلا ينبغي.
ويقول: هذه سنة. هذه سنة أيها الأحبة في خارج المساجد في أماكن في الصحراء وفي غيرها أو يصلي الإنسان مثلاً في الاستراحات ممكن أن يفعل هذا الأمر. لكن أن يكون في المسجد هذا قد يكون فيه أذية للمسجد ولا تنبغي لكون هذه الفرش يعلق بها الأذى وتمسك الأذى فلا ينبغي، لكن يطبق الإنسان السنة إذا كان في الصحراء، في نزهة، في استراحة، يطبق هذه السنة ولا بأس، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعاله صلوات ربي وسلامه عليه.
وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». وهذا يدل أيها الأحبة أن الإنسان إذا فعل ذلك فهو يمتثل هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه مخالفة لليهود الذين لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم، فيحرص المسلم على هذه السنة، ولكن كما قلنا خارج المسجد.
خارج المسجد، إلا إذا كان المسجد في بعض الأماكن أو في بعض البقاع يكون المسجد إما عبارة عن تراب أو عن حصى فهنا لا بأس، هنا لا بأس، لكن الكلام على إذا كان المسجد فيه من هذه الفرش التي تمسك الأذى ويعلق بها الأذى.
لا يتحجج الإنسان ويقول هذه سنة، هذا من عدم الفقه بالدين، ومن يرد الله به خيراً يفقهه بالدين، بأن يحتج بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في نعاله في هذا المكان. هذا عدم فقه للحديث وعدم معرفة بدين الله عز في علاه.
فهذه أيها الأحبة جملة من السنن والآداب التي تتعلق بيوت الله عز وجل، ويبقى أيضاً هناك بقية في الحديث عن بيوت الله عز وجل نؤجلها إلى الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يرزقنا تعظيم بيوته، وأن يجعلنا ممن يرفع هذه البيوت بالرفع المعنوي وبالرفع الحسي، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني