تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ما زال الحديث عن حقوق الزوجة على زوجها. تحدثنا في اللقاء الماضي عن الحقوق المالية للزوجة، وسنتحدث إن شاء الله في هذا اللقاء عن الحقوق غير المالية للزوجة على زوجها. الجانب المالي تحدثنا فيه عن المهر وعن النفقة التي تكون للمرأة على زوجها في بيت الزوجية، ونتحدث اليوم عن الحقوق غير المالية التي لا تتعلق بالمال، وإنما تتعلق بالعشرة والتعامل الذي يكون بين الزوجين.

أعظم حق للمرأة على زوجها أن يعاشرها بالمعروف، أن يعيش معها بالإحسان وبالرحمة. هذا حق للمرأة على زوجها، أن يتعامل الرجل معها بهذا التعامل. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

هنا يأمر الله عز وجل بالعشرة بالمعروف، بما يتعارف عليه الناس من الأخلاق والأدب واللطف والتعامل الحسن والكلمة الطيبة. هذا هو المعروف بين الناس في التعامل؛ بما يعرفه العقلاء والفضلاء والكرماء في التعامل مع الأهل ومع النساء. هذا هو الذي أمر الله عز وجل به، أن يكون الإنسان رفيقاً هيناً ليناً لطيفاً مع أهله، وأن يعاملهم بحسن الخلق؛ الذين هم أولى الناس به.

مع الأسف، تجد بعض الناس يتعامل مع الآخرين خارج البيت بأخلاق عالية، وهذا شيء جميل، لكنه إذا دخل إلى بيته تغير وأصبح رجلاً آخر، يتعامل بسوء خلق مع أهله. هذا انفصام في الشخصية. إذا كان الإنسان مع الناس الآخرين البعيدين صاحب أخلاق، فبأولى أن يتعامل مع أهله بهذه الأخلاق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فالإنسان لا يكون فيه خير لأهله، لن يكون فيه خير للناس، فأولى الناس بتعاملك الحسن هم أهل بيتك.

والله عز وجل يبين -وهو العليم الخبير عز في علاه- يقول: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. يعني أحياناً الإنسان قد لا يرضى من المرأة بعض الأخلاق، لكنه يصبر للمودة، ويصبر للرحمة، ويصبر لإكرام أهلها وأرحامها، ويصبر أيضاً لوجود أولاده. لا بد أن يكون الإنسان عاقلاً حكيماً في هذا الأمر، ولا يصور كما يصور في المسلسلات والأفلام أن قضية الحب التي بين الرجل والمرأة هي الأساس؛ فليست كل البيوت تقوم على الحب.

ولهذا لما جاء الرجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأخبره بأنه يريد أن يطلق زوجته، فقال له: لماذا؟ قال: إني لا أحبها. قال: وهل كل البيوت قامت على الحب؟ لا يمكن. لو نظرنا الآن في بيوت المسلمين، هل كل هذه البيوت قامت على الحب؟ أبداً، لكن فيها الوفاء والعشرة والرحمة والمودة، وأيضاً إكرام الأهل وحفظ وصيانة الأولاد وعدم ضياعهم، هذه كلها معانٍ يستحضرها الإنسان في تعامله مع أهله.

ولهذا قال الله عز وجل مبيناً هذا الأمر؛ لأنه قد يحصل في طبيعة الناس، فبسبب صبرك قد يعوضك الله عز وجل أفضل من ذلك، ﴿وَإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. هذا الأمر لا بد أن يستحضره الرجل في تعامله مع زوجته.

والنبي صلى الله عليه وسلم أعطانا أيضاً قاعدة توافق هذه الآية، ذكرناها في اللقاء السابق، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة»؛ يعني لا يبغض الرجل المرأة بسبب تعامل أو بسبب خلق فيها. «إن كره منها خلقاً رضي منها آخر». سترى من المرأة أشياء قد لا ترضيك، وقد يكون من الجبلة الطبيعية في المرأة، لكن يحاول الإنسان أن يعدل الأخطاء التي في المرأة، وتحاول المرأة أيضاً أن تعدل من أخلاقها، وكذلك الرجل، لكن أن يكون هذا سبباً للنفرة والفراق والشقاق والخلاف ثم الطلاق، لا شك أن هذا مخالف لهدي الله وما جاء في كتاب الله، وأيضاً لهدي نبينا صلى الله عليه وسلم.

أيضاً من الحقوق التي للمرأة في هذا الباب احتمال الأذى والحلم عند طيشها. المرأة ضعيفة وفيها نقص، لا بد أن يعرف الإنسان أن المرأة خُلقت من ضلع، وأعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وفي رواية أخرى: «وكسرها طلاقها»، وإن أبقيتها استمتعت بها على عوج. لا بد أن يعرف الإنسان هذا الأمر، لا بد أن يعرف أن جبلة المرأة وخلقة المرأة قامت على هذا الضعف وعلى العوج وعلى القصور، فلا بد أن يتعامل بهذا الفهم مع هذه المرأة، فهذه هي فطرة الله للمرأة.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً»، يلاحظ هذه الوصية ويحث على ذلك، «فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً». يعني على هذا العوج الذي فيها، العوج في التعامل، في الأخلاق، في الكلام، في التصرفات؛ قد يحصل هذا، وليس شرطاً أن يكون في كل النساء، قد تكون أحياناً من بعض النساء من ليس فيها هذا، بل فيها من صفات الكمال، من سلامة الأخلاق وحسن التصرف وطيب الكلام، قد يكون عند الكثير من النساء، لكن يوجد أيضاً من النساء من فيها عوج في كلامها، في تصرفاتها، في أخلاقها.

فكيف يتعامل الإنسان مع هذا العوج؟ يتعامل بهذه الوصية النبوية. يقول: «فإن ذهبت تقيمه كسرته»؛ يعني كلما رأيت في المرأة من عوج تريد أن تعدل هذا العوج ستكسرها، والكسر هو الطلاق. المقصود به الطلاق، فلا بد أن تقبل، تعدل بقدر المستطاع، لكن لا بد أن تعرف أنه سيبقى العوج، لأن هذه فطرة الله عز وجل للمرأة. وإن تركته لم يزل أعوج، فتمتع بها، واستمتع بالمرأة، وعش معها وهي على هذا العوج. وقد يكون هذا العوج كمالاً للرجل، أن يعيش مع امرأة تقل عنه في الصفات، هذا لعله أدعى إلى التقارب والتوافق بين الرجل والمرأة.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في ختام هذا الحديث، وأعاد وكرر هذا الأمر: «فاستوصوا بالنساء خيراً». فالنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هذا الأمر، وفي عدة أحاديث يكرر هذه القضية: «اتقوا الله في النساء»، «استوصوا بالنساء خيراً». فلا بد أن يصبر الرجل، فالرجل جعل الله عز وجل له القوامة، وجعله في المكانة العالية التي يحتمل فيها ما يبدر من المرأة من سوء خلق أو من قصور أو من كلام قد لا يليق أو فيه تطاول.

وهنا يأتي عقل الرجل واحتماله وصبره. ولهذا جعل الله عز وجل الطلاق بيد الرجل ولم يجعله بيد المرأة؛ لأن الرجل عنده من الاحتمال والصبر والقوة والعقل والفهم الشيء الكثير أكثر من المرأة. ولو كان الطلاق بيد المرأة، قد تطلق المرأة الرجل في اليوم الواحد أكثر من عشرين مرة؛ كلما غضبت من شيء قد تخرج هذه الكلمة من لسانها، إذا كانت المرأة على أبسط الأمور وأتفهها، إذا اختلفت مع الرجل تطلب الطلاق وهي أصلاً لا تعي ولا تريد هذا الأمر. ولو رجعت إلى عقلها ولو وقف معها الرجل وقفة جادة في أنه فعلاً يريد أن يطلق لتراجعت، لكن هذا دلالة النقص وضعف المرأة والعوج فيها، أنها متسرعة، والمراه بطبعها عاطفية، وهذا ليس قصوراً فيها، لكن هذه خلقة الله عز وجل لها أنها تتعامل بالعاطفة.

وهذه العاطفة جانب رحمة جعلها الله عز وجل في المرأة، وهذا القصور وهذا الضعف وهذه الرحمة التي في قلبها وهذه المسكنة هي الذي جعلها تعطف على أبنائها وتقوم بشؤونهم وتصبر على الحمل والرضاع وغير ذلك، كما أخبر الله عز وجل وسماه الوهن على الوهن والكره على الكره. هذا لا يكون عند الرجل أبداً، يكون عند المرأة لأن الله عز وجل جبلها وفطرها على هذه الصفة العظيمة التي هي في ظاهرها صفات نقص، لكنها صفات كمال مع الرجل. يتوافق هذا البيت المسلم بهذين الأمرين: الصبر والاحتمال عند الرجل، والتعجل والسرعة والعوج عند المرأة، فيكون التوافق بهذا الكمال وهذا النقص، وهذا من تقدير الله وهذه آية من آيات الله، كما ذكرنا في اللقاء الماضي في قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. نقف هنا ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، نواصل الحديث عن حقوق المرأة التي تتعلق بالمعاشرة وحسن الخلق في الحياة الزوجية. تحدثنا عن احتمال الأذى للمرأة والحلم عند طيشها.

والحق الآخر الذي نذكره للمرأة بعد هذا الحق، هو اللطف في التعامل؛ ليس فقط اللطف، وإنما المداعبة والممازحة التي تدخل السرور على المرأة، من الأمور التي قد يترفع عنها بعض الرجال ويرى أنها لا تليق بمقام الرجل، وهذا من نقص العقل.

النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج جابر رضي الله عنه وأرضاه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «بكر أم ثيب؟»، قال: بل ثيب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه: «فهلا بكراً أو فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك». يعني هذا خلق جميل وخلق رائع من الرجل، أنه يتعامل معها ليس برسمية وبأشياء فيها الحزم والشدة دائماً. أبداً، يكون الرجل لطيفاً يمازح، يداعب، يضاحك، وهذه قمة الأخلاق الحسنة، قمة الأخلاق الطيبة والكرم في الأخلاق عند الإنسان، أن يتعامل بهذا اللطف وهذا الكرم في الأخلاق مع زوجته التي هي أقرب الناس إليه.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل مثل ذلك، كان يسابق عائشة رضي الله عنها في القصة المشهورة لما رجع الجيش إلى المدينة، فقال للجيش: تقدموا، وكانت عائشة رضي الله عنها ما زالت شابة صغيرة، فتقدم الجيش، فسابقها النبي صلى الله عليه وسلم فسبقت؛ لأنها كانت صغيرة السن والنبي صلى الله عليه وسلم كان أكبر منها سناً، فلم يكتفِ بذلك بل كرر هذا الأمر بعد سنوات، تقول عائشة رضي الله عنها: فلما كبرت وحملت...

بدنت قليلاً. وعائشة رضي الله عنها كرر هذا الأمر مرة أخرى أيضاً في طريق العودة إلى المدينة مع الجيش أو مع القافلة، فقال لهم: تقدموا، فتقدموا، فقال: تعالي أسابقك، فسابقها فسبقها النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب على كتفها -بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه وما أعظم هذا الخلق- ضربها على كتفها وهو يضحك، وقال: «هذه بتلك»، يقصد المسابقة الأولى التي سبقته فيها عائشة، وهو الآن سبقها يقول: «هذه بتلك».

الآن لو قيل لبعض الناس الكبار الفضلاء الأخيار أصحاب المكانة العالية: تسابق المرأة؟ قد يأنف من هذا الأمر، ولا شك أن هذا عدم فقه في الدين، وعدم معرفة لحق الزوجة على زوجها؛ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا الأمر، فكيف يأنف الإنسان منه؟ وليس هذا مقتصراً فقط على المسابقة، يفعل الإنسان أشياء في البيت من المداعبة والمماحكات في تطبيقه العملي مع زوجاته كما كان يفعل، ومن نظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها يرى العجب العجاب، يرى العجب العجاب في اللطف والحنان والشفقة والحب والمودة؛ الشيء الكبير جداً، الشيء الكبير والعظيم في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها.

ذكرنا في اللقاءات الماضية هناك قدوة للمرأة وهي خديجة في استقرار البيت وهدوئه وسكنه ووقوف المرأة مع زوجها، وهناك نموذج آخر وهو التعامل الراقي، المحبة، الود، الألفة، المزاح، المداعبة، إعطاء المرأة الحقوق الكبيرة والجليلة والعظيمة؛ هذا يتمثل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة، فالإنسان يأخذ هذا بمجمله وبكله، ويجد نماذج عظيمة جداً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع زوجاته، وقل مثل ذلك في حياة الصحابة وفي حياة التابعين والأخيار والفضلاء الذين يسيرون على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرفون هذا الأمر ويقدرونه قدره، لا شك أنهم يعتنون به ولا يأنف الإنسان منه.

كيف يأنف الإنسان العاقل من شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ بالعكس، الإنسان حتى ولو لم يكن قد فعل ذلك سابقاً، بعد أن عرف مثل هذا الأمر يطبقه اتباعاً وامتثالاً واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. ليس فقط الاقتداء والاتباع والامتثال في جانب العبادات، الإنسان قد يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا ولا شك من شدة الحرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأمور العادية، كما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما عندما كان يحاول أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأمور الطبيعية التي يفعلها الناس؛ في السير، في المكان الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم، في المكان الذي بال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، يتحرى الأماكن هذه، وهذا لا شك فيه تعلق وحب شديد للنبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا عرف الإنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع أهله هذا التعامل، وأنه يفعل هذا الفعل، وأنه سابق عائشة وكان يمازح ويداعب ويلاعب، لا شك أنه يمتثل حتى ولو لم يكن في أخلاقه وفي طبعه، ويرى أن هذا لا يليق بمكانته، يكسر هذه النفس، ويتعامل هذا التعامل، ويعرف أن من هو خير منه وهو حبيبنا ونبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا الأمر، فكيف يأنف الإنسان ويتكبر على شيء قد فعله الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه؟

أيضاً من حقوق المرأة التي يحسن بالرجل أو يجب على الرجل أن يعتني به أن يراعي كرامة المرأة، أن يحفظ كرامة المرأة، وألا يهينها في كرامتها وفي مكانتها وفي أهلها أو في حسبها أو في نسبها أو في شرفها؛ لا يليق بالرجل العاقل، الرجل صاحب المروءة، الرجل الذي فيه العقل والديانة والأمانة، لا يليق به أن يهين هذه المرأة التي جاءت من بيت أهلها معززة مكرمة، فلما صارت تحت يده يقوم بإهانتها؛ هذه ليست من صفات الرجال.

وكما ذكرنا في أثر معاوية رضي الله عنه وأرضاه: "لا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم". فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على هذا الأمر ويحذر منه: «لا تقبِّح، ولا تضرب الوجه»، كما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم، لا تقبِّح، يعني بالألفاظ: قبحك الله، لا بارك الله فيك، وأنت كذا وكذا، وأنت وأهلك كذا؛ هذا لا يليق بالرجل العاقل، الرجل عفيف اللسان، الرجل الكريم، الرجل الشهم صاحب المروءة، لا يليق أن يتكلم بهذا الكلام القبيح، غير اللائق في زوجته وأم أولاده وشريكة حياته؛ هذا لا شك أنه من الخلل في الرجولة والخلل في المروءة والخلل في الكرم والشهامة عند هذا الرجل.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من هذا الأمر ويوصي به، ويوصي بحسن الخلق مع المرأة، وكما ذكرنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وهذه الخيرية تشمل الألفاظ والتعامل والسلوك والأخلاق وغير ذلك؛ كل ما يكون من أعمال الخير، من أعمال البر، من أعمال الإحسان، يدخل في هذه الجملة الجامعة المانعة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله»، والخيرية تتمثل في أنواع شتى في الألفاظ وفي الكلام وفي غير ذلك.

أيضاً من حقوق المرأة على زوجها أن يعتني الرجل بتعليم زوجته دين الله عز وجل وشرع الله عز وجل، وما ينفعها ويرفعها عند ربها، أن يعتني الرجل بهذا الأمر ولا يكون خيره للناس فقط ويقصر في حق أهله؛ لا بد أن يعتني الرجل وهذا يعود نفعه عليه هو وعلى أبنائه؛ أن تصبح هذه المرأة ذات دين، وهذا يعود نفع هذا الأمر على أبنائه وعليه في تعامله وفي عشرته معها؛ فإذا سمى بأخلاقها وارتفع في تعليمها الدين، لا شك أن هذا سيؤثر في العلاقة بينهما.

وهذا حق للمرأة على الأقل أن يعلمها ما يرفع به الجهل عنها في علاقتها بربها، خصوصاً في مسألة الفرائض؛ ومع الأسف نجد بعض الناس والنساء في البيوت من أقل الناس حضوراً لمجالس العلم، كما هو معروف الرجال في المساجد، خطب الجمعة، والدروس، والكلمات، والمواعظ؛ النساء في هذا الجانب قد يكون فيه قصور، وإن كان الآن الإعلام الإسلامي غطى كثيراً في هذا الجانب، لكن هناك أمور يحسن بالرجل أن يعتني بها في مسألة الصلاة، في مسألة العبادات، النوافل، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، يكون عوناً لها على أداء هذه العبادات وهذه الطاعات لله عز وجل، ويعلمها ما تحتاجه كالصلاة مثلاً، لا يليق بالرجل أن يعلم أهل بيته كيف يصلون؛ لا يليق يكون الرجل عارفاً بهذا الأمر وأهل بيته لا يعرفون كيف يصلون، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

ولما جاء الرجل في المسجد وصلى ركعتين ثم جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ؛ مع أنه أدى الصلاة بركوعها وسجودها، لكن هناك تقصير، وهذا يدل على أن من القصور أحياناً ما يكون مبطلاً للصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -وهذا حديث المسيء صلاته معروف ومشهور-: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ. وكم من النساء في البيوت قد يتشبهن أو قد يكون فيهن مثل حال هذا الرجل المسيء صلاته! إذا كنا نرى في الرجال الذين يحضرون المساجد ويشهدون الدروس والمحاضرات والخطب، ونجد أيضاً القصور في فهم هذا الأمر، تجد بعض الرجال يصلي وعنده تقصير كبير في إقامة الركوع والسجود وفي الطمأنينة والسكينة في الصلاة، نجد القصور الكبير، فعند النساء قد يكون أكثر وأكثر.

وديانة المرأة يعود نفع هذا الأمر على الرجل؛ يعود عليه في نفسه، يعود عليه في بيته وفي أولاده، وتكون صاحبة دين تعينه وتساعده على أن يكون هذا البيت بيتاً صالحاً بإذن الله؛ هذا ما يتعلق بجانب تعليم المرأة لأمور دينها، ونكمل بقية الحقوق إن شاء الله بعد الفاصل.

للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرُّج همٍّ واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد

وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه، ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له، وأن يبكر في الخروج لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها، ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبَّر ثلاثاً، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل».

كما يستحب له السرى وهو سير المسافر آخر الليل لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تطوى بالليل»، وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: «اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها»، وإن نزل منزلاً دعا وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والإتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً، ويجوز له الجمع، ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ فما زال الحديث عن حقوق المرأة غير المالية والتي تتعلق بالعشرة والتعامل وحسن الخلق. من الحقوق التي وقفنا عندها قبل الفاصل: حق المرأة في تعليمها أمور دينها، والحق الذي يليه هو أن يعتدل الإنسان في تعامله مع المرأة في جانب الغيرة.

لا شك أن غيرة الرجل على امرأته هذا جانب تحدثنا عنه سابقاً، هو جانب مروءة وشهامة في الرجل ورجولة، أن يغار على امرأته، وهي صفة عظيمة يحبها الله عز وجل، والله عز وجل يغار على محارمه، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الناس غيرة على المحارم، وهذه الصفة من اتصف بها اتصف بصفة يحبها الله ورسوله، لكن يجب على الرجل أن يعتدل في هذه الصفة. يجب عليه أن يعتدل في هذه الصفة؛ وبعض الناس في هذه الصفة بين إفراط وتفريط، بعض الناس يغلو في هذه الصفة حتى يصل إلى مرحلة الشك الدائم والوسوسة، يشك في زوجته -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا أمر خطير وبلاء عظيم إذا حصل في قلب الرجل، أن يدخل في قلبه الشك في كل تصرفاتها، كل ما فعلت شيئاً، كل ما قالت شيئاً، ويبدأ يدخل الشك، الحياة تتحول إلى جحيم، تتحول إلى جحيم وتنقلب هذه النعمة إلى نقمة.

لكن الرجل العاقل هو الذي يغار الغيرة الطبيعية التي تكون في الرجال الأسوياء، تكون في الرجال الأسوياء عندما يحصل شيء يكون فيه سبباً للغيرة، أما في كل الأحوال بسبب أو بدون سبب، لا شك أن هذا يصبح مرضاً عند الإنسان، وتتحول حياة الرجل إلى جحيم، وكذلك زوجته، تتحول الحياة إلى جحيم؛ وفي الغالب إذا دخل الشك بين الزوجين أن الحياة تصل إلى طريق مسدود، ويكون هناك الانفصال والطلاق.

أما الغيرة المحمودة فهي التي تكون بداع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يكره الله، فأما ما يحب الله فالغيرة في الريبة»، الغيرة في الريبة، إذا كان هناك أمر يدعو إلى الغيرة، يعني يكون في أماكن تجمع رجال، في أماكن عامة، يكون الرجل عنده غيرة على محارمه في الأسواق، في المستشفيات، في الأماكن العامة، في المطارات، في السفر، هنا تظهر غيرة الرجل على نسائه بأن يحوطه ويحمي المرأة ويحفظها من مكائد الناس، هذه غيرة محمودة، أما كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأما ما...».

أما ما يكره من الغيرة، فهو الغيرة التي تجعل حياة الإنسان في مرحلة من المرض العظيم، إذ تصبح الحياة معها جحيماً، وينتهي هذا الأمر في الغالب بالفصال والطلاق.

لكن الغيرة المحمودة هي أن يغار الإنسان على أهله، وهذا حق للمرأة؛ أن يحفظها الإنسان. لا يليق برجل يذهب مع زوجته إلى الأماكن العامة أن يتركها دون عناية، ودون حماية، ودون حياط لها. لا شك أن هذا خلل كبير جداً في رجولة الرجل وفي غيرته على زوجته، وتقصير في حق المرأة وتفريط؛ لا ينبغي من الرجل أن يحصل هذا. الاعتدال في هذا الأمر والتوسط فيه أمر مطلوب حتى تستقيم الحياة.

أيضاً من الحقوق التي تكون للمرأة على زوجها، وهذا خاص بالرجل المعدد، وهو العدل بين الزوجات؛ العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت. إذا كان الرجل معدداً فإنه يجب عليه أن يعدل بين زوجاته، وإذا مال إلى امرأة دون أخرى فإنه يأتي وشقه مائل يوم القيامة، عياذاً بالله من ذلك. ياتي وشقه مائل إذا لم يعدل بين زوجاته، يجب أن يعدل الرجل بين الزوجات؛ هذا لا خيار له فيه، أن يعدل في الأمور التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قضية المبيت والنفقة وغير ذلك.

لكن هناك أمور لا يلزم الرجل أن يعدل فيها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]. عدم الاستطاعة في العدل هذا يكون في الأمر القلبي؛ الأمر القلبي في مسألة المحبة والمودة والشفقة. قد يكون الرجل في قلبه يميل إلى إحدى زوجاته أكثر من الأخرى، هذا لا يؤخذ الإنسان به، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل بين زوجاته ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك». الإنسان الذي يملكه أنه يعدل في المبيت، يعدل في النفقة، لكن في ميل القلب وفي الراحة وفي الأنس، هذا لا يملكه الإنسان ولا يجب فيه العدل. لكن الأمور الظاهرة لا بد أن يعدل الإنسان بين أهله في النفقة والمبيت خصوصاً؛ لا بد أن يعدل ويجب عليه أن يعدل، ولو لم يعدل لأثم وأتى وشقه مائل يوم القيامة، عياذاً بالله من ذلك.

آخر حق من حقوق المرأة نذكره في هذه الحلقة هو عدم إساءة الظن في تصرفاتها. لماذا فعلت هذا؟ لماذا قالت هذا؟ لماذا تكلمت بهذه الكلمة؟ هل تقصد كذا؟ يبدأ الإنسان دائماً يحلل كل تصرف للمرأة، هذا سيعيش في نكد ولا شك. لا بد أن يكون عند الرجل شيء من التغافل، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً، أي أن يأتي من سفر مثلاً ويأتي فجأة إليهم؛ يتخونهم ويسيء الظن بهم، هذا لا ينبغي ولا يليق وليس من الأدب. بل يجب على الإنسان العاقل الذي يحسن الظن بأهله أنه إذا قدم من سفر أن يتصل عليهم، أنا قادم، ليستعدوا للقائه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء من سفر يبدأ بالمسجد يصلي فيه ركعتين ثم يذهب إلى بيته، هذا هو الإنسان العاقل السوي. أما الذي يتجسس ويتحسس ويسيء الظن، فهذا إنسان ليس بسوي وعنده خلل وعنده شيء من السوء في أخلاقه.

من مكارم الأخلاق العظيمة والتي تستقيم بها البيوت، أن يكون عند الرجل شيء من التغافل؛ لا بد أن يتغافل، وإلا ستصبح الحياة فيها من النكد ومن التعب ما الله به عليم. إذا أراد الرجل أن يدقق في كل كبيرة وصغيرة فلن تستوي له الحياة ولن تستقيم له المرأة على حال. لا بد أن يكون عند الرجل شيء من التغافل، أن يتغافل عن أمور كثيرة وكأنه لم يرَ، حتى تستقيم له الحياة.

يقول الحسن البصري: ما زال التغافل من خلق الكرام. والامام أحمد رحمه الله يقول: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل. جعل تسعة أعشار، لم يترك إلا عشراً واحداً من حسن الخلق في غير التغافل. لأن التغافل يجعل الإنسان يرتاح، ما يدقق في كل صغيرة وكبيرة ويسأل عن كل شيء ويريد أن يفهم كل شيء ولماذا هذا؟ هنا يعيش الإنسان في تعب وفي قلق، والإنسان العاقل هو الذي يغض الطرف ويتغاضى.

النبي صلى الله عليه وسلم لما أسر إلى بعض أزواجه حديثاً، فلما نبأت به وأظهره الله عليه، أخبره الله عز وجل أنها سربت هذا الأمر، ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ [التحريم: 3]. عرف بعضه وأخبرها وكلمها، وأعرض عن بعض؛ خلاص، في أمور لو يتكلم بها الإنسان تزداد الأمور سوءاً، فالعاقل يترك هذه الأمور ويتغافل عنها حتى لا يزداد الخلاف ويزداد الشقاق في البيت. وهذا خلق عظيم، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرف هذه المرأة بعضاً وأعرض عن بعض؛ هذا خلق عظيم وكبير، وفيه أيضاً تربية للأزواج مع زوجاتهم، ألا تدقق في كل صغيرة وكبيرة، لا بد أن يكون عندك شيء من التغافل.

وما أجمل قول الشاعر: ليس الغبي بسيد في قومه .. ولكن سيد قومه المتغابي الذي يفعل أو يري الناس أنه لم يفهم أو يغض الطرف، هذا هو السيد، هذا هو الرجل العاقل، هذا هو الرجل الذي يكون له شأن ويكون له مكانة ويرتاح في حياته. أما الذي يري أنه فطن وأنه منتبه وأنه لا بد أن يعرف كل صغيرة وكبيرة، فلا شك أن هذا سيتعب في حياته ويتعب غيره، وقد يتحول هذا البيت إلى مقر ومأوى للنكد والضيق والتعب والشقاق الذي يكون في بيوت المسلمين. لكن الإنسان يعيش بهذا الخلق العظيم، وهو خلق التغافل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا ما يتعلق بحقوق الزوجة، الحقوق المالية والحقوق غير المالية. نسال الله عز وجل أن يبارك لنا في أزواجنا وفي ذرياتنا، وأن يحفظنا من كل مكروه، وأن يسلمنا من كل شر، وأن يجعلنا مباركين أينما كنا، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.