ما زال الحديث أيها الأحبة عن سلسلة الحقوق في أكاديمية زاد في مادة التربية، والحق الذي سنتكلم عنه إن شاء الله في هذا اليوم هو حق داخل في مكارم الأخلاق، حق داخل في مكارم الأخلاق ومن شيم العرب، من شيم العرب حتى قبل الإسلام، والمقصود بذلك حق الضيف، حق الضيف والمضيف أيضاً، الضيافة والكرم والجود هذه صفات عظيمة كان العرب يشتهرون بها، وكانوا يفتخرون بها حتى قبل الإسلام.
ومن أشهر أجواد العرب حاتم الطائي الذي أصبح يُضرب به المثل مع أنه غير مسلم، ومع ذلك يُضرب به المثل في الكرم، واعظم من حاتم وأجل وأكرم عند الله عز وجل هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، الذي كان مثالاً للكرم، كان للكرم حتى قبل الإسلام، وهذا جاء بنص كلام أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها وأرضاها، لما جاءها النبي صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده بعد أن رأى جبريل عليه السلام في الغار، جاء إلى زوجته يقول: دثروني دثروني زملوني زملوني.
قالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها في تسكين روع النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرت له أوصافاً عظيمة فيه لا يمكن أن يكون هذا الأمر فيه خزي للنبي صلى الله عليه وسلم، بل إنها استشرفت أن ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم -وهي لم تعرف إلى الآن ماذا حصل- لكن استشرفت أنه لابد أن يكون خيراً، لما في النبي صلى الله عليه وسلم من صفات عظيمة، وهذا قبل البعثة، فقالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فهنا خديجة رضي الله عنها ذكرت من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أنه يقري الضيف، وتقري الضيف بمعنى أنك تقدم القرى والضيافة للأضياف، وهذا دلالة على كرم النبي صلى الله عليه وسلم وخلق له كان قبل الإسلام، فهذا الخلق خلق عظيم وكريم وقويم ومما يفتخر به الناس، أن يكون الإنسان كريماً جواداً سخياً، وهو كما جاء في الأثر أن الكريم قريب من الله قريب من الناس، وفي المقابل أن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس، فهذا دلالة على هذا الخلق العظيم الكريم الذي كان في الجاهلية، وكان العرب يتفاخرون به، والاشعار فيه كثيرة جداً، وجاء الإسلام ليجعل هذا الأمر من علامات الإيمان، ومن الدلائل على كثرة الخير في قلب هذا الإنسان الذي يحصل منه هذا الكرم والجود.
وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، إكرام الضيف هذا ليس مجرد عادة، مجرد فضيلة، مجرد مروءة، بل هو عبادة، بل هو عبادة ودلالة على الإيمان في قلب هذا العبد، خصوصاً إذا احتسب الأجر عند الله في إكرامه لضيفه، وهذا ولا شك من المكارم العظيمة، من مكارم العرب الكبيرة والجليلة التي كانوا يفتخرون بها، وينشدون فيها الأشعار والأمثال لمنزلتها العالية في قلوب الناس.
ما المقصود بالضيف؟ ذكر العلماء أن الضيف هو الذي يأتي غريباً، أو يأتي من مكان بعيد، أما الذي يكون في داخل البلد فإن هذا زائر وليس بضيف، أما الضيف فهو الذي يأتي من مكان بعيد، أو يكون غريباً في هذا البلد.
ومن الحقوق التي ذكرها أهل العلم للضيف على مضيفه، والتي ينبغي أن يعتني بها المسلم ليحقق هذه الفضيلة وهذه الصفة العالية الجليلة التي هي من مكارم الأخلاق ومن عظيم المروءات عند العرب: أن المضيف يستقبل ضيفه بالبشر والترحاب، وبالابتسامة والانشراح، وألا يكون عبوساً في وجه ضيفه كأنه يكره هذا الأمر، بل إن الإنسان أول ما يستقبل به الضيف هو البشاشة وطلاقة الوجه والكلام اللين والترحيب والتهليل بهذا الضيف، يعني يعبر عن فرحه بالضيف، هذا نوع من أنواع الكرم، بل هو عند بعض العرب أفضل من الطعام الذي يقدم أن يستقبل الضيف بالبشاشة والبشر والترحاب، هذا هو أعظم مما يقدم له من زاد، وفي ذلك يقول الشاعر واصفاً هذا الأمر:
أضاحك ضيفي قبل أنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
أول كرم تقابل به الضيف هو الابتسامة، طلاقة الوجه، البشاشة، الكلام الذي فيه تحية واكرام لهذا الضيف.
وجاء هذا في أثر عن نبينا صلى الله عليه وسلم؛ الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتوا وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم سألهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من القوم؟»، قالوا: ربيعة، قال: «مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى» متفق عليه، هنا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالترحيب والتهليل بهؤلاء القوم، هذا كما قلنا هو بداية الكرم، أول ما يكون الكرم، وهذا من فعل العرب، ونراه وما نشاهد من أهل الكرم والضيافة والجود والسخاء أنه يبدأ في الترحيب في الضيف قبل أن ينزل، أما في الطريق أو عند الباب قبل أن يدخل إلى البيت، هذا دلالة على عظم الكرم وجلالته في قلب هذا الإنسان.
وأيضاً يقول أبو الهيثم رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم لما زاره النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صاحباه، يقول هذا الصحابي رضي الله عنه: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً عليه ومعه صاحباه، قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، وهذا دلالة على فرحه بقدوم هؤلاء الأضياف، وفعلاً من أكرم أضيافاً من أبي الهيثم عندما ضافه خير الخلق صلوات ربي وسلامه عليه!
لما سئل الأوزاعي رحمه الله قيل له: ما إكرام الضيف؟ قال: طلاقة الوجه وطيب الكلام، الإنسان عندما يقابل اضيافه بهذا الأمر يثني ويهلل ويرحب ببشر وطلاقة وجه، لا شك أن هذا حتى ولو فسر في الزاد وفي الطعام لقلة ذات اليد أو لأي أمر من الأمور فإن هذا الأمر والبشاشة والاكرام والترحاب فانه يغطي.
وفي المقابل عندما لا يكون المضيف فرحاً بقدوم الأضياف، وإنما ترى في وجهه الكآبة وترى في وجهه الضيق وعدم الانشراح، لو قدم لهم أفقر أنواع الطعام فإن هذا لا يساوي شيئاً عند الأضياف، مقابل ما رأوه منه من عدم ترحاب وعدم بشاشة وجه وعبوس في وجوههم، مهما قدم من طعام فإن هذا لا يرى شيئاً عندهم، فأعظم الكرم هو طلاقة الوجه وبشاشته والترحاب والتهليل بالضيف.
إكرام الضيف خلق عظيم بعد أن يرحب بالأضياف يأتي بعد ذلك إكرامهم بالطعام الذي يكون بحسب جود الإنسان، لكن إذا كان الإنسان ممن وسع الله عز وجل عليه في رزقه فانه يبالغ في إكرام ضيفه، لأن هذا دلالة على الإيمان، دلالة على المروءة، دلالة على الرجولة، دلالة على الكرم الذي في قلب هذا الإنسان، فانه يبالغ في أضيافه، ولهذا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء لما جاءه الملائكة وكان يمثلون على صورة بشر من الأضياف، جاءهم بعجل حنيذ، لم يأت بشاة وإنما جاء بعجل حنيذ مشوي يعني من أطيب الطعام وأفضله، وهذا يدل على كرم وهو أبو الأضياف عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
صور الكرم كثيرة، وتختلف من مكان إلى مكان، ومن شخص إلى شخص، ومن ضيف إلى ضيف، لكن هناك أمور عامة يحسن أن يراعيها في تعامله مع أضيافه، من صور الكرم التي يحسن بالمسلم أن يعتني بها إذا دخل الضيوف إلى بيته: أن يقوم بخدمتهم بنفسه، ولا يأبى ولا يتأفف من ذلك، ولا يتعالى أو يتكبر من خدمة الأضياف، يعني هذه مكرمة، خدمة الأضياف مكرمة حتى عند كبار القوم، فإنه يذل نفسه لأضيافه، فهذا لا ينقص من قدر الإنسان أن يخدم أضيافه بنفسه، أو بأبنائه، أو إذا كان عندهم من الخدم، المهم أن يبالغ في إكرامهم.
وفي المقابل، مما لا يليق ولا ينبغي وليس من المروءة: أن يستخدم الانسان ضيفه، هذا من خوارم المروءة، من خوارم المروءة أن يستخدم الإنسان ضيفه، يجعل الضيف هو يقوم بخدمة نفسه بصب القهوة أو تناول الطعام من مكان إلى مكان، لا شك أن هذا لا يدل على الكرم ولا يدل على المروءة.
وما أجمل فعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله عندما كان في يوم من الأيام في بيته وكان عنده أحد الأصحاب، فانطفأ السراج فأراد أن يقوم هذا الرجل ليأتي بالزيت ليوقد السراج، نهاه رضي الله عنه أن يفعل، فقام عمر وأتى بالزيت وهو أمير المؤمنين، وأتى بالزيت ووضعه في السراج، فقال: يا أمير المؤمنين كنت أريحك في هذا الأمر، قال: ليس من المروءة استخدام الضيف.
نواصل إن شاء الله ما يتعلق بحق الضيف بعد الفاصل.
نواصل الحديث في حق الضيف على مضيفه، كنا قد تكلمنا قبل عن شيء من هذا الحق، وتوقفنا عند الحق الذي ينبغي للضيف عند أهل الكرم والجود أن يخدم الإنسان أضيافه بنفسه، وهذا دلالة على قمة الكرم، قمة الجود، قمة السخاء الذي في قلب هذا الإنسان، أن لا يأنف ولا يتعالى ولا يتكبر على خدمة أضيافه، وذكرنا أيضاً أن استخدام الضيف في البيت أنه من خوارم المروءة، كما جاء في قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه.
أيضاً مما ينبغي في التعامل مع الضيف في البيت: ملاطفة الضيف والحديث معه بأطيب الكلام، يعني لا ينبغي للإنسان أن يكون عنده الضيف في بيته ثم يجلس ساكتاً لا يتكلم معه ولا يسأل عن أخباره ولا يحدثه ولا ينبسط معه وينشرح معه في الكلام، وهذا أيضاً نوع من أنواع الكرم، الحديث وأخذ الأخبار تجاذب أطراف الحديث مع الضيف، هذا أيضاً هو نوع من أنواع الكرم الحسي الذي يفعله الإنسان مع أضيافه، أن يلاطفهم في الحديث، وأن يجاذب معهم أطراف الحديث ليقطع الصمت الذي يكون عند الناس في بعض المجالس، وهذا دلالة، السكوت من صاحب الدار وعدم الكلام مع أضيافه هو دلالة على عدم ارتياحه لهؤلاء الأضياف.
لكن الضيف الذي يحب الرجل الذي يحب أضيافه، فإنه ينبسط معهم ويتحدث معهم ويأخذ أخبارهم، ويتكلم معهم في أمور كثيرة حتى يقطع هذا الملل، ويظهر لهم في كلامه وفي أسلوبه وفي عبارته أنه فرح بقدوم هؤلاء الأضياف إليه.
مما ينبغي أن يبالغ في إكرام الضيف بالحديث، وأن يبالغ في إكرام الضيف بتقديم الطعام والشراب له، وألا يؤخر هذا الأمر، وألا يشق على الضيف بتأخير الطعام والشراب خصوصاً إذا كانت هذه الضيافة بغداء أو لعشاء.
ولهذا ذكر الله عز وجل في قصة إراهيم وهو أبو الأضياف عليه السلام في قصته مع الملائكة، قال الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26]. فراغ إلى ألهه؛ يعني مشى بسرعة وفي خفية إلى أهله ليأتي بالطعام سريعاً إلى أضيافه.
هذا نوع من أنواع الكرم والمبادرة في إطعام الأضياف، لا شك أنه له أثر في نفوس هؤلاء الأضياف. قد لا يكون في عادة الناس الآن، قد يأتي الأضياف مبكراً ويكون الطعام متأخراً، فمن المستحسن أن يقدم المضيف لضيفه شيئاً من الطعام اليسير الذي فيه إكرام لهذا الضيف، كما فعل أبو الهيثم الذي ذكرنا قصته قبل قليل مع نبينا صلى الله عليه وسلم عندما جاءه زائراً، لم يبدأ إلى الآن بفعل الطعام.
يعني هم أتوا فجأة، فانطلق أبو الهيثم فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية أي السكين، وأخذ المدية فذبح لهم؛ يعني قدم لهم هذا التمر وهذا الرطب ليتفقوا به قبل الطعام، قبل تقديم الطعام لأنه سيتأخر في ذبح هذه الشاة وفي طبخها وإنضاجها والاتيان بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
أيضاً مما يراعى في التعامل مع الضيف أن يراعي المضيف العادات والتقاليد التي هي للضيف، يعني لا يحمل الضيف على عاداته وتقاليده هو، وإنما يراعي الأعراف العامة، خصوصاً إذا كان يعرف أن هذا الضيف أن له أعرافاً أو عادات معينة، ينبغي ألا يحمل المضيف ضيفه على عاداته هو وعلى تقاليده هو لاختلاف عادات الناس.
ومما يذكر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتي بضب مشوي، فأهوى إليه يده ليأكل، فقيل له: إنه ضب، فأمسك يده. فقال خالد رضي الله عنه خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لا يكون بأرض قومي فأجدني أعافه.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرمه، لكن يقول هو ليس بأرض قومي فأجدني أعافه. فأكل خالد رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، وهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم بحل أكل لحم الضب أنه أكل أمامه صلوات ربي وسلامه عليه.
تختلف عادات الناس وطبائعهم، هذا يأكل من اللحم الفلاني ولا يأكل من اللحم الفلاني، فينبغي للمضيف الذي يبالغ في إكرام أضيافه أن يعرف إذا كان هناك نوع من الطعام ليس محبباً للضيف ليبتعد عنه ويأتي بما هو محبب للضيف. كذلك لا يحمله على عادات معينة، كما يحصل في أعراف الناس الآن في طريقة الأكل في ماذا يأكل وماذا يترك من الطعام المقدم.
هناك بعض العادات التي ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، فبعض الناس يريد أن يحمل هذا الضيف على هذه العادة؛ ألا يأكل مثلاً من الرأس، ألا يأكل من الظهر، هذه كلها عادات لم ينزل الله عز وجل بها شيئاً وليست من دين الله، فلا ينبغي أن يحمل الضيف على هذه العادات، وإنما يبقى المضيف على عاداته مع أهله ومع بني قومه، أما الضيف فلا ينبغي أن يحملهم على هذه العادات فيقدم له ما يحبه وما يعرف أنه مقرب إلى نفسه من الطعام.
أيضاً من الإكرام أن يقربه المضيف إلى ضيفه، وهذا كما جاء في قصة إبراهيم وقد تكررت معنا لأنها يعني فيها صفات كثيرة من صفات الكرم، وقد وقف ابن القيم رحمه الله مع هذه الآيات واستنبط منها فوائد عظيمة جداً في قضية الكرم والجود الذي كان من إبراهيم عليه السلام، فيحسن بالمسلم أن يعود إليها ينتفع بها.
فيقول الله عز وجل: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 26-27]. هنا يقول الله عز وجل: فقربه إليهم، قربه إليهم. وأحياناً تأتي بعض العادات الآن أن الضيف ينتقل من مكان إلى مكان بسبب هذه الدور، وهذا ما يكون في المنازل الآن من مكان للجلوس ومكان للضيافة، لكن إن تيسر أن يقرب الطعام للضيف فلا شك أنه أكمل وأفضل، وهو دلالة على إحسان للضيف بشكل أكبر وأعظم.
أيضاً مما يحسن في التعامل مع الضيف أن يؤثر بالطعام الطيب، أن يققدم له الطيب من الطعام؛ فيفعل بعض الناس أحياناً أن يأخذ من أطائب الطعام ويقربه إلى ضيفه، لأن السنة أن الإنسان يأكل مما يليه، فقد يكون هناك نوع من الطعام الطيب بعيداً عن الضيف، فيحسن صاحب الدار المضيف أن يقرب هذا الطعام إلى ضيفه أو أن يكون هذا الطعام مثلاً قليلاً ويؤثر الضيف على نفسه.
كما حصل في قصة الصحابي الجليل الذي عجب الله عز وجل من فعله، لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما عنده شيء يضيفه، فقال النبي: أرسل إلى نسائه هل عندكم من شيء؟ قالوا: ما عندنا شيء. فقال للصحابة: من يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، وهو مسكين، لكن يعني اراد أن يفعل شيئاً يحبه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: من يضيف هذا؟ فقال: أنا، وهو فقير ليس عنده شيء.
لكن من حبه للنبي صلى الله عليه وسلم بادر في هذا الأمر، وقد يكون أيضاً رجل فيه الكرم والجود في طبعه وفي أخلاقه مع قلة ذات اليد، ولهذا بادر بهذا الأمر فأخذ الرجل إلى بيته. فلما جاء إلى البيت وهو في طعام العشاء، قال لامرأته: هيئي لنا الطعام، ما كان عندهم إلا طعام قليل لا يكفي إلا صبيانهم. فقال: نوم الصبيان. فنومت الصبيان.
فلما أعد الطعام وطعام قليل جداً لا يكفي الثلاثة الضيف والرجل وزوجته، انظروا ماذا فعل هذا الرجل من شدة كرمه وجوده وسخاء نفسه الله عنه وأرضاه، وأيضاً لعله يتعبد الله عز وجل بأن هذا هو ضيف النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لامرأته: إذا قدمت الطعام فاطفئي السراج. كأنه انتهى الزيت فجلسوا يأكلون في الظلام، والرجل يأكل وهم كأنهم يأكلون وهم لا يأكلون، لكن لا يراهم في الظلام.
فأكل الرجل الطعام كله، وهم يمثلون على الضيف أنهم يأكلون معه وهم لا يأكلون، فأكل الضيف وباتا جائعين. فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما.
فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. فهنيئاً لهذا الرجل بات طاوياً لكنه نال منقبة عظيمة وشرفاً كبيراً بأن عجب الله عز وجل أو ضحك الله عز وجل من فعله، فأي خير وأي بركة وأي نور حصلها هذا الرجل بفعله هذا اليسير في ظن بعض الناس، لكنه دلالة على كرم هذا الرجل وعلى ما في قلبه من حب للخير ومن سخاء ومن جود.
أيضاً من الحقوق التي ينبغي للمضيف أن يققدمها للضيف أن ينزله بالمكان اللائق به، أن يجلسه في بيته في مكان جيد، وإذا كان في مكان الطعام يكون مكاناً جیداً، في المبيت أيضاً أن يختار له مكاناً جيداً ويعتني بهذا الأمر. ولا شك أن هذا من نوع من أنواع الكرم، كما حصل من أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الهجرة، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجلس في بيت أبي أيوب.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في الطابق العلوي وجلس هو في الطابق السفلي، أنزل النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى البيت وجلس هو في أسفله. وقال كلمته المشهورة: لا أعلو سقيفة أنت تحتها يا رسول الله. فتحول النبي صلى الله عليه وسلم في العلو وأبو أيوب في السفل، فهذا كان من جود أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه أنه اختار المكان الأفضل والأكمل لنبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.
ونواصل إن شاء الله بقية الحقوق بعد الفاصل بإذن الله.
هل أنت حريص على تصحيح عبادتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الأحزاب: 35]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.
ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يغرقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية: قناة زاد العلمية، والعلم في كل وقت.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
وقد توقف الحديث قبل الفاصل عند إنزال الضيف في المكان اللائق به، كما فعل أبو أيوب الأنصاري مع نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما قدم إلى المدينة في أول الهجرة، ولم يكن هناك بيت للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل في دار أبي أيوب.
وفي البداية نزل النبي صلى الله عليه وسلم في الدور السفلي، وكان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه في الدور العلوي، فشعر بالحرج الشديد الكبير في كون النبي صلى الله عليه وسلم في الدور السفلي وهو في الدور العلوي فقال أبو أيوب: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فتنحوا، فباتوا في جانب، يعني من شدة احترامه وتقديره وتبجيله للنبي صلى الله عليه وسلم ترك المشي في تلك الليلة على سقف ذلك الدار لكون النبي صلى الله عليه وسلم في أسفل الدار. فتنحى جانباً طوال الليل هو وزوجه وأهله، فلم يتحركوا إلى أن أصبح الصباح، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصعد في العلو وجلس أبو أيوب الأنصاري في أسفل الدار.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يجلس، ليس هذا انتقاصاً من مكانة أبي أيوب، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد المكان الأسفل وأرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبزائر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا في أسفل الدار. لكن أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه استعظم هذا الأمر ورآه كبيراً أن يكون في دار هو في أعلاه والنبي صلى الله عليه وسلم في أسفل الدار.
أيضاً مما يكون من حقوق الضيف على مضيفه أن يهيئ له مكان الراحة، خصوصاً إذا كان غريباً أو مسافراً من مكان بعيد، فإنه يكون في الغالب أن هذا الضيف متعب ومحتاج إلى الراحة خصوصاً بعد الطعام. لا ينبغي للمضيف أن يطيل المكث عند ضيفه بعد أطعامه خصوصاً في الليل إذا كان الطعام عشاء.
مما يحسن، وهذا قد يغفل عنه بعض الناس، أنه يطيل المكث والحديث والكلام مع الضيف مع أنه قد يكون الضيف مرهقاً أو متعباً أو محتاجاً إلى النوم. فيحسن الرجل الكريم الذي يكرم أضيافه في الطعام وفي غيره، أن يجعل هذا الضيف يرتاح من تعبه ومن إرهاقه ويهيئ له المكان الذي ينام فيه ويهيئ له الفراش.
وينبغي الرجل الكريم الجواد أن يكون في بيته فراش للأضياف مخصص للأضياف، فإن مما يحسن في بيوت المسلمين أهل الكرم وأهل الجود وممن يأتي إليهم الأضياف أن يكون هناك فراش مخصص للأضياف، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فراش للرجل.
وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان. أي أن الذي يكون في البيت من الأفرشة ما يكون للرجل له أو لأبنائه يعني لا بأس به، وأيضاً الفراش الذي يكون للضيف.
أما الفراش الذي يكون زائداً لا حاجة فيه، وإنما هو من التكاثر، هذا الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم الرابع للشيطان، هذا من التكاثر الذي لا فائدة فيه، وإنما قد يكون للمباهاة أو غير ذلك. وإنما المسلم يحرص على أن يكون له هذه الأفرشة مما يستخدم، والزائد حتى لا يدخل في هذا الوصف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم الرابع للشيطان، أن يتصدق إذا لم يكن محتاجاً له لقدم أو لغيره أو لعدم حاجة، فإنه يتصدق به.
ويبقى من الأفرشة في البيت ما يكون مستخدماً لأهل البيت، أو يكون مخصصاً للأضياف. وهذا يدل على أيضاً أن الإنسان صاحب كرم وجود، ومهيئ البيت لاستقبال أضيافه، هذا يدل أيضاً على كرمه.
وأيضاً الأضياف إذا شعروا بالارتياح في بيت هذا الرجل أنه مهيأ البيت، وعنده المكان، وعنده القدرة، وعنده السعة، وعنده المحل الذي يبيت فيه الضيف، يعني الضيف يقبل على هذا الرجل. ولهذا نجد الآن في أحوال الناس نجد بعض البيوت يكثر عليهم الأضياف؛ لأنهم يعرفون أن هذا الرجل مرحباً بأضيافه، مستبشراً بهم، مهيئاً المكان لهم. وفي المقابل، تجد بعض الناس لا يأتيه أحد، كأنهم لا يشعرون بالترحاب، أو قد لا يكون هناك مكان مهيأ ومعد للأضياف، فيذهبون لمن يستعد أو لمن يكون مهيئاً بيته لأضيافه في طعامه وشرابه، وفي مكانه وفي فراشه أيضاً، كل هذه الأمور مهيأة للأضياف، ولا شك أن هذا دلالة على الكرم والجود الذي يكون عند بعض المسلمين.
أيضاً من الحقوق التي تكون للضيف على مضيفه أن يراعي حرمة الضيف، سواء في الكلام معه، في عدم تعدي أحد من الناس عليه في القول أو في العبارة أو في أي أمر من الأمور، يعني يراعي حرمة الضيف في بيته. ومع الأسف نجد بعض الناس قد يدعو من الجيران أو من الاقارب أو من غيرهم، لا تجد هناك احترام أو تقدير لبعض الأضياف، لا تجد في العبارات أو في الكلام، أو لا يراعى هذا الأمر.
مع الأسف قد يكون الضيف مثلاً من البلد الفلاني أو من القبيلة الفلانية، وتجد بعض من في المجلس يتكلمون جهلاً منهم وعدم معرفة بمن هو هذا الضيف، فيتكلمون وينتقصون من القبيلة الفلانية أو من البلد الفلاني أو من العائلة الفلانية، وهذا ولا شك خطأ كبير وجليل وجسيم، يجب على الرجل الكريم الجواد السخي الذي يراعي حرمة أضيافه أن يحذر من هذا الأمر، وأن لا يسمح بالكلام أمام الضيف.
وهذا أيضاً من الأدب ومن الأخلاق الكريمة في المجالس العامة؛ يحسن بالمسلم أن يحفظ لسانه، الإنسان يحفظ لسانه في كل مكان، لكن في الأماكن العامة والتي يكون فيها أخلاط الناس من أماكن شتى وقد لا يعرفهم، لا ينبغي للإنسان أن يخبط خبط عشواء في الكلام، يتكلم في هذا ويخبط في هذا، ويتكلم عن البلد الفلاني وعن العائلة الفلانية وعلى القبيلة الفلانية، هذا لا ينبغي وليس من الأدب والأخلاق.
ويشتد ذلك الأمر إذا كان في ذلك انتقاص للضيف، إذا حصل هذا من هم في الدار من أقارب الضيف أو من جيرانه، لا شك أن هذا من سوء الأدب ومما لا ينبغي أن يكون أبداً. ولهذا قال الله عز وجل عن لوط عليه السلام لما جاءه الملائكة ليهلكوا قومه، وجاؤوا هؤلاء الخبثاء ليؤذوا هؤلاء الأضياف، قال لوط عليه السلام: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: 68-69].
إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون، يعني لا تفضحوني في انتهاك عرض أضيافي، هذا فيه انتقاص لصاحب البيت ولصاحب الدار وللرجل الكريم. واتقوا الله ولا تخزون، هذا فيه خزي وعار عند العرب عموماً وعند الصلاح والأخيار، هذا فيه خزي وعار أن ينتقص من الضيف في بيت مضيفه، هذا من أشد الخزي ومن أشد العار الذي كان عند العرب.
فينبغي للمضيف لصاحب الدار أن يحفظ كرامة أضيافه، وأن لا يسمح لأحد بالتطاول عليهم أبداً. ويراعي هؤلاء الذين في الدار أن يراعوا حرمة هذا الضيف حتى في الحديث معه.
كذلك في الأكل؛ إذا اجتمع الناس مع الضيف، فينبغي لصاحب الدار ألا يضايق الضيف في كثرة الناس على الطعام، في كثرة الناس على الطعام يزاحمون الضيف ويضايقونه ولا يرتاح في أكله، هذا ولا شك أنه ليس من الكرم، وإنما يجلس معه كبار السن أو العقلاء، ولا يكون هناك كثرة كبيرة على الضيف، وإنما يكون مجموعة من الناس لا يضايقون الضيف ولا يضرونه في إقباله على الطعام. وهذا ولا شك أنه نوع من أنواع الآداب التي تعامل فيها مع الضيف في هذا الأمر.
أيضاً لا يتعجل بعض الجلساء الذين يجلسون مع الضيف، لا يتعجلون في القيام. مع الأسف بعض الناس عندما يجلس مع الضيف، الضيف قد يكون جائعاً ومسافراً من مكان بعيد ولم يأكل له فترة من الطعام، فيكون محتاجاً للطعام، وتجد بعض الجيران أو بعض الأقارب الذين جاءوا من أقارب المضيف قد يكون ليس بجائع وليس له رغبة في الطعام، فيأكل قليلاً ويقوم، وهذا قد يحرج الضيف ولا يصبح يأكل لوحده فيحرج ويقوم.
ولهذا من عادات العرب القديمة والتي هي من مكارم الأخلاق في التعامل مع الأضياف أنهم إذا جلسوا، وهذا روي حتى عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنهم إذا جلسوا أنهم يأكلون جميعاً، ولا يقوم الرجل لوحده، وإنما يقومون أيضاً جميعاً، يجلسون جميعاً حتى يشبع الجميع ثم يقومون معا.
هذا نوع موجود الآن عند بعض قبائل العرب يتعاملون بهذه العادة، وهذا النوع من الكرم في التعامل مع الضيف لا يقوم أحد ويتعجل بالقيام حتى يشبع الجميع، وهذا نوع من الأدب ومن التعامل الحسن ومن الإكرام للضيف؛ يجلس حتى ولو لم يكن له رغبة في الطعام يأكل قليلاً قليلاً حتى يؤنس الضيف، ولا يجعله يشعر بحرج إذا بقي لوحده ليأكل، وإنما يأكلون معه ولا يقوم أحد حتى يقوموا جميعاً عندما يشبع الضيف فيقوم الجميع مع الضيف. وهذا دلالة من دلائل الكرم التي تكون عند العرب، وما أجمل هذه الأخلاق وهذه الآداب التي يتحلى بها الإنسان مع أضيافه، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق.
هذا ما تتعلق بجملة من حقوق الضيف على مضيفه، وسنتكلم إن شاء الله في الحلقة القادمة عن حقوق المضيف. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من أهل الكرم والجود، وأن يجعلنا مباركين أينما كنا. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد دائماً الأخلاق ندرسها معاً، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زد لك.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني