تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا زادنا كاذبين للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زلنا أيها الأحبة في هذه السلسلة المباركة، في سلسلة الحقوق في مادة التربية في أكاديمية زاد. نسأل الله عز وجل العون والسداد، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يصرف عنا معصيته. الحديث أيها الأحبة في هذا اللقاء عن حق عظيم لا تستقيم الحياة إلا به، والمقصود بهذا الحق في هذه الحلقة هو حق الراعي وحق الرعية. الراعي أياً كان هذا الراعي؛ كبيراً في ولاية عظمى، أو كان في أقل في ولاية صغرى، فهذا الراعي له حق على رعيته أو على من هم تحت يده، وكذلك الرعية لهم حق على هذا الراعي. فكل له حق جعله الله عز وجل في شرعنا، وهذه الولاية في ديننا هي من الأمور الواجبة التي لا تستقيم الحياة إلا بها؛ أن يكون هناك راع وأن يكون هناك رعية، لابد أن يكون هذا الأمر في حياة الناس، لابد من وجود راع للأمة يقوم بشؤونها ويصلح أحوالها ويكون سببا في استقامة الأمن وصلاح أحوال الناس. وهذا لا بد منه، كما قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا. لا يصلح الناس فوضى، لابد لهم من حاكم، لابد لهم من وال يسوس امورهم ويدبرهم ويصلحها. وهذا أمر عظيم جداً تأمن به الناس وتستقيم به الحياة، وهذا ملموس في حياة الناس كلها، أمر فطري يراه الإنسان بعقله وقلبه، ولا يجحده إلا مكابر أو معاند أو جاهل. أما الذي يكون صاحب فطرة سوية فهو يعرف أنه لا يمكن أن تستقيم أحوال الناس إلا بوجود حاكم أو بوجود وال يراعي مصالح الناس.

هناك ولاية كبرى في الإسلام، وهي التي تكون في منصب الخلافة أو رئيس الدولة أو الملك، هذه هي الولاية الكبرى الولاية العظمى. وهناك ولاية صغرى، وهم الذين تحت إمرة هذا الحاكم أو الخليفة أو الملك ينفذون أحكامهم، كأمراء المناطق والوزراء والولاة المسؤولين الكبار، هؤلاء هم في ولاية صغرى تحت الولاية الكبرى، وهم ينوبون عن الحاكم، ولهم شيء من الحق الذي يكون للحاكم، وعليهم أيضاً شيء من الحق الذي يكون على الحاكم في الولاية الكبرى. فهذا أمر لابد أن يراعى.

ولو نظرنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يمثل رأس الدولة في الإسلام، فهو نبي وهو حاكم وهو قاض وهو الذي يقوم بشؤون الأمة كلها، كل الأمة ترجع إلى نبينا صلى الله عليه وسلم في كل أحوالها وفي كل شؤونها، في أمورها الدينية وفي أمورها الدنيوية. واستمر هذا الأمر بعد موته عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا مع اختلاف الأحوال. ولهذا لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة رضوان الله عليهم اختاروا وبايعوا أبابكر الصديق رضي الله عنه قبل أن يدفن النبي صلى الله عليه وسلم، لعلمهم بعظم هذا الأمر وأهميته، وأنه لا تستقيم أحوال الناس ولا تستقيم أمورهم ولا تؤمن الطرق والسبل إلا بوجود حاكم يسوس الناس ويراعي مصالحهم. ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم من العقل بمكان وهم خير الناس بعد الأنبياء والرسل، أول ما بدأوا به بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اختاروا خليفة لهم، وهو خيرهم وأفضلهم وأعلاهم وأكرمهم وأجلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فبايعوه في سقيفة بني ساعدة خليفة على المسلمين.

فهو أول خليفة في الإسلام، أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. ثم لما حضرت الوفاة أبابكر ولى عمر، بايع أو جعل عمر جعل له الولاية من بعده، أو وكل إليه ولاية المسلمين من بعده. ولما مات عمر كانوا حريصين على أحوال الناس، على حفظ أمنهم، على استمرار حياتهم واستقامتها، فكانوا يعتنون بهذا الأمر حتى في أخر لحظة من حياتهم، كانوا يحرصون على ولاية العهد من بعدهم للأصلح والأكمل والأفضل. وعمر أيضاً لما مات رضي الله عنه، لما حضرته الوفاة رضي الله عنه وأرضاه، جعل الأمر في ستة من خيار الصحابة، وجعل الأمر شورى بينهم في هؤلاء الستة أن يختاروا من بينهم. ولما قتل عثمان اختاروا عثمان رضي الله عنه وأرضاه من بينهم. ولما قتل عثمان رضي الله عنه بايع المسلمون عليا بعده مباشرة، بايعوا عليا، وهكذا استمر الأمر. هؤلاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة وهم خير الناس بعد نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، ثم استمر الأمر بعد ذلك في ولاية الحسن ثم معاوية رضي الله عن الجميع.

استمر الأمر إلى يومنا هذا مع اختلاف الأحوال، بعد أن كانت الأمة أمة واحدة أصبح في كل منطقة، أو تقسمت الدولة الإسلامية إلى مناطق وإلى إمارات، وأصبح لكل منطقة حاكم. وهذا الحاكم له الولاية العظمى، وينطبق عليه من الأحكام ما ينطبق على الخليفة الذي كان لعموم المسلمين. الخليفة الذي كان لعموم المسلمين ينطبق على هذا الحاكم الذي يكون في هذه الولاية في هذا البلد، ينطبق عليه وإن تعددت البلدان وتعدد الحكام، كل واحد منهم له نفس الحق وله الولاية الكبرى والعظمى، وله حقوق وعليه أيضاً واجبات، له على الرعية ولرعيته أيضاً حقوق عليه، وهي ما سنتحدث عنه إن شاء الله في هذا اللقاء والذي يليه.

هناك نبدأ بحقوق الحاكم والوالي على رعيته، له حقوق لابد أن تراعى لتستقيم الأحوال، وحتى تستمر الحياة ويصبح هناك استقرار في حياة الناس، لابد أن تؤدي الرعية الحق الذي عليها لهذا الحاكم، لهذا الوالي لصاحب الولاية الكبرى والعظمى. والله عز وجل نص على ذلك في كتابه الكريم لأهميته وعظم شأنه. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104]، وهنا ناداهم بنداء الإيمان، أي أن من تحقق في قلبه الإيمان لابد أن يعرف هذا الحق، لابد أن يعرف هذا الحق إذا تحقق الإيمان في قلبه وكان من أهل الإيمان حقاً وصدقاً. فلا بد أن يعرف هذا الحق العظيم الذي نص الله عز وجل عليه في الكتاب الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 59]، هذا الحق الأول، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] هذا الحق الثاني. طاعة الله وطاعة الرسول، ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. فقرن طاعة أولي الامر قرنها بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى أن المقصود بأولي الأمر هنا كما ذكر المفسرون، أن يقصد بذلك الأمراء والعلماء؛ الأمراء في شؤون الدنيا والعلماء في شؤون الدين، الأمراء لهم الطاعة في شؤون الدنيا والعلماء لهم الطاعة في امور الدين.

أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله»، من يطع الرسول فقد أطاع الله كما يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. ومن يعصني فقد عصى الله، من عصى الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله. وهذا لا شك معروف ومعلوم. «ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصىني». هنا النبي صلى الله عليه وسلم ينص على هذا الأمر، أن طاعة الأمير هي من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

عليه وسلم التي هي من طاعة الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني. فهذا أمر يعني ليس للإنسان خيار فيه ويجتهد في ذلك، بل هذا دين يتعبد الله عز وجل به، ليس حبا في فلان أو فلان أو رغبة فيما عنده، بل هو عبادة وطاعة لله عز وجل مرتبطة بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهذه الطاعة لها ضوابط ستأتي معنا إن شاء الله، لكن لابد للإنسان بادئ ذي بدء أن يعرف أن لهذا الحاكم، لهذا الخليفة، أن له طاعة واجبة بأمر الله عز وجل، جاءت في كتاب الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. بالضوابط التي ستأتي معنا إن شاء الله، لكن ابتداء لابد أن يقر الإنسان وأن يعترف أن في شرعنا وأن في ديننا هذا الحق لولي الأمر، وهو وجوب الطاعة بالمعروف.

لابد أن يسلم الإنسان لما نص القرآن عليه وكلام نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لابد أن يقر الإنسان بأن هذا دين، لابد أن يقر به وأن يعترف به بالضوابط التي ذكرت عند أهل العلم كما استنبطوها من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن التسليم المبدئي وهذا هو حال المسلم، إذا جاءت نصوص في شرع الله عز وجل لابد أن يكون حاله أن يقول سمعنا وأطعنا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو واجب الطاعة، ولا نملك إلا أن نقول سمعنا وأطعنا.

وهذا حال المؤمن الموفق الذي يكون كما قال العلماء، يكون أمام النصوص الشرعية التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون معها كالريشة في مهب الريح. كالريشة في مهب الريح بمعنى أنه يسير حيث سارت النصوص، حيث سارت الأوامر، حيث يكون شرع الله عز وجل، ينقاد لهذا الأمر ويسلم ولا يعترض ولا يكابر ولا يعاند، وإنما يعترف ويقر بهذا الأمر وهذا الحق الذي جاء في كتاب وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا أمر عظيم جدا، وهذه الطاعة لها ضوابط ولها آداب يحسن بالمسلم أن يعرفها وأن يعتني بها، وهي ما سنتكلم عنه إن شاء الله بعد الفاصل.

لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر، فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج، وبه تحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدة النساء كثلاثة أشهر وأربعة أشهر وعشرة أيام، والكفارات كشهرين متتابعين، وكحول زكاة المال كلها بالأشهر القمرية.

قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار، قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا». واما التقويم السنوي فلم يكن للعرب قبل الإسلام تقويم خاص بهم يجمعهم كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة المشهورة عندهم كحادثة الفيل وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتمد التقويم بأشهره القمرية المعهودة لدى العرب، على أن تكون بداية التأريخ من السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، لأن الهجرة بداية عز الإسلام وقوته، فكان اختيارا مسددا. فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة، واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم، بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر بعده، وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجريا. فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهوية وتميز واستقلالية.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أججمعين. وبعد، نواصل ما بدأنا به من الحديث عن حق ولي الأمر على رعيته. وقلنا: أول هذه الحقوق وأوجبها هي طاعته، هي طاعته التي نص الله عز وجل عليها في كتابه الكريم في الآية التي مرت معنا قبل الفاصل في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من اطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني». فطاعة ولي الأمر هي عبادة في ديننا، في شرعنا، هي عبادة مرتبطة بطاعة الله وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست القضية قضية ترتبط بمصالح دنيوية أبدا. لابد أن يعرف الإنسان أن هذا الشرع يتعبد الله عز وجل به. هذه الطاعة لها أمور يجب أن يعرفها المسلم وأن يعلمها ليكون يفعل هذا الفعل ويتعبد الله عز وجل بهذا الأمر على بصيرة.

إذا كان عبادة، فيحسن بالمسلم أن يعرف هذا الأمر ليعبد الله عز وجل على بصيرة، فليؤدي هذه الطاعة أيضا على علم ومعرفة، وليس عن جهل. من أول ما يعتني به الإنسان في هذا الأمر أن تكون طاعة ولي الأمر ممتثلا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ليس بسبب دنيا يصيبها، أو مال يحصله، أو جاه، أو منصب؛ إذا حصله رضي وإن لم يحصله سخط، فهذا ولا شك أنه مخالف لما أمر الله عز وجل به.

فلابد أن يكون هذا الحق الذي يراعيه هذا الإنسان لولي أمره أن يكون طاعة لله، وليس من أجل دنيا يحصلها. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم». عياذا بالله من ذلك. انظروا إلى هذه العقوبة العظيمة التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. ذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا».

ورجل بايع إماما، يعني ولي أمره، لا يبايعه إلا لدنيا، يريد مالا، يريد منصبا، جاها، يريد أن يحصل شيئا مما عند هذا الحاكم، لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط. إذا القضية عنده قضية مصالح شخصية، إذا أخذ رضي وإن لم يأخذ سخط وتكلم وسب وشتم، وهذا ولا شك والله على ضلال مبين. ويكفي فيه ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان، جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، ذكر منهم رجل يبايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا، يريد فقط ما عند هذا الإمام من أمور الدنيا، من مال، من منصب، من جاه، من قربة وغيرها، فيرضى إذا أعطي ويسخط إذا منع.

وهذا مع الأسف قد يحصل الآن من بعض الناس وهو لا يشعر، إذا ضيق عليه في رزقه بشيء من المال فانه يتسخط ويسب ويشتم ويلعن، مع أنه قد يحصل خلل في جوانب شرعية في جوانب دينية ولم يغضب ولم يسخط ولم يعترض ولم يتكلم ولم ينكر على هذا الأمر، لكن إن جاء الأمر إلى الدنيا فهو يثور يغضب ولا يرضى ويتسخط بسبب هذه الدنيا. يخشى الإنسان الذي يفعل ذلك أن يدخل في هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، عناء وبلاء وشقاء عظيم يحصل للإنسان إذا وقع منه هذا الأمر، وهذا والله مما عمت به البلوى مع الأسف.

الذي لا يعرف هذا الحق ولا يتعبد الله عز وجل بهذا الحق، فإنه تزل قدمه في هذا الباب، خصوصا إذا كان ممن يتبع الغوغاء والذين لا يقدرون الله حق قدره ولا يعرفون شرع الله ولا يتعبدون الله بكل صغيرة وكبيرة. فالله عز وجل دلنا على كل ما ينفعنا ويقربنا منه، وحذرنا من كل ما يباعدنا عنه، فالإنسان الموفق المسدد هو الذي يعرف هذا الحق ويتعبد الله عز وجل بهذا الحق بما أوجب الله، الشروط والآداب التي نص عليها العلماء. فهذا أمر يجب العناية به وأن تكون الطاعة لله، سواء أعطي أو لم يعط, فإن هذا الأمر لا دخل له في كونه مبايعا لولي أمره. وعليه السمع والطاعة منع أو أعطي، فهذا لا دخل له في قضية السمع والطاعة التي هي عبادة لله عز وجل يتعبد الله بها، وهي من شرع الله عز وجل في علاه.

أيضا مما يرتبط بهذه الطاعة ولابد للإنسان أن يعرف هذا الأمر وأن يطبق هذا الأمر في حياته، وجوب طاعة الإمام في المعروف دون المعصية. الطاعة تكون في المعروف، بمعنى أن هذه الطاعة تكون تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما إذا خالف الإمام أمر الله أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فلا سمع ولا طاعة في هذا الأمر خصوصا، وليس في كل البيعة، وإنما في هذا الأمر خصوصا الذي خالف فيه أمر الله أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا لو نظرنا في الآية التي ذكرناها في بداية الحديث في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]. ثم لم يقل وأطيعوا ولي الأمر، وإنما قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، لم يكرر الفعل أطيعوا، جاء مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ثم عطف أولي الأمر على طاعة الله وعلى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأن طاعة ولي الأمر هي تبع لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وليست طاعة مستقلة. بمعنى أن ولي الأمر يطاع في كل الأحوال وفي كل ما يشرعه، لا، هذا لم يرد في شرعنا ولا يصح، وإنما هي تبع لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». إذا الطاعة بالمعروف وبما يوافق شرع الله عز وجل، ثم إذا خالف ولي الأمر شرع الله عز وجل في أمر من الأمور فانه لا سمع ولا طاعة في هذا الأمر خصوصا. يعني لا يعني أن المخالفة في أمر من الأمور وعدم الطاعة في هذا الأمر، لا يعني أن الإنسان ينزع يده من بيعة ولي أمره ويخرج من ربقة هذا الأمر أبدا، هذا ليس بصحيح، وإنما هو لا يوافقه في هذا الأمر خصوصا ويبقى على بيعته لولي أمره. لأن هذا دين الله عز وجل لا يمكن للانسان أن يتنازل عنه، ومن لقي الله عز وجل وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وهذا أمر خطير جدا. لكن يبقى هذا الأمر هو لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد حصل هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل سرية -والسرية هي الكتيبة من العسكر من الجيش لا يكون قائدهم النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يكون قائده النبي صلى الله عليه وسلم تسمى غزوة، أما السرية التي يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل عليها أحد الصحابة أميرا عليهم- فأرسل سرية وجعل عليهم أميرا من الأنصار. والصحابة رضوان الله عليهم يعرفون أن طاعة الأمير من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه يجب طاعة الأمير، فأمر عليهم رجلا من الأنصار فانطلقوا في الطريق.

حصل خلاف بين الأمير وغضب الأمير من بعض أفراد هذه السرية، فأمرهم بجمع الحطب فجمعوا الحطب، فقال: أوقدوا النار فأوقدوا النار، أوقدوا نارا كبيرة، ثم قال: ادخلوا فيها. فتوقف الصحابة رضوان الله عليهم، فمنهم من قال طاعة الأمير واجبة، ومنهم من قال نحن ما آمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا فرارا من النار، كيف ندخل فيها؟ فتوقفوا. ثم هدأ غضب وسكن الأمير، هدأ غضبه وسكن، ثم ترك هذا الأمر حتى رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتهت هذه السرية من مهمتها، رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر.

أخبروه بالذي حصل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دخلوها ما خرجوا منها». عياذا بالله من ذلك؛ لو دخلوها ما خرجوا منها. إنما الطاعة في المعروف، إنما الطاعة في المعروف. بمعنى أنك لا تطيع، هذا إهلاك للنفس، هذا قتل للنفس، هذا أشبه ما يكون انتحاراً؛ ترمي نفسك في النار، هذا ليس بمعروف ولا تجب الطاعة في هذا الأمر، كأن يأمر مثلاً الأمير بترك الصلاة أو ترك الصيام أو غير ذلك من العبادات؛ لا يجوز بأي حال من الأحوال.

لا يجوز، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف». بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة تكون في العرف المعروف عند الناس، أنه يكون من شرع الله عز وجل، أو في أمر من الأمور الدنيوية التي لا تخالف شرع الله، من هذه التنظيمات الإدارية والاجتماعية التي لا تخالف شرع الله عز وجل؛ فهذه أيضاً يجب فيها الطاعة طالما أنها لا تخالف شرع الله، من هذه التنظيمات التي تكون في الإدارات الحكومية في الوزارات في غيرها؛ فهذه يجب فيها الطاعة إذا لم تكن تخالف شرع الله عز وجل فيجب فيها الطاعة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف، إنما الطاعة في المعروف».

ويقول ابن القيم رحمه الله عن هذا الحديث، يقول: وفي الحديث دليل على أن من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصياً، كان عاصياً. يعني لا يعذر الإنسان أمام الله عز وجل إذا فعل شيئاً مخالفاً لشرع الله ويقول: أنا عبد مأمون؛ أنت عبد لله، أنت عبد لله! وهذه الكلمة كلمة عبد مأمون هذه لا تغني عنك من الله شيئاً، ولن تنفعك عند الله، ولن تحميك من عقاب الله عز وجل. فهذا الأمر إذا كان مخالفاً لشرع الله فيجب عليك أن تمتنع لأمر الله، وألا تطيع الأمير فيما خالف شرع الله عز وجل. ما خالف فيه شرع الله عز وجل فلا تجب طاعته، لا تجب طاعته، ولا تكون الطاعة إلا فيما كان يوافق شرع ربنا عز في علاه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي ذكرناه قبل قليل: «إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، فلا سمع ولا طاعة».

وما أجمل ما فعله ذلك العالم الذي أمره الحاكم في أحد البلدان، أمره بأن يأمر الناس بالإفطار في رمضان لأنها تقلل من الإنتاجية، فخرج هذا العالم على الناس وقال: إن فلاناً -يقصد الحاكم- يأمركم بالإفطار، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فصدق الله وكذب هذا، فأمر الناس بطاعة الله وعدم معصيته ومخالفة هذا الحاكم فيما يريده من مخالفة شرع الله عز وجل. نقف إلى هنا ونواصل بقية هذه الضوابط وهذه الآداب بعد الفاصل بإذن الله.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلتسأل نفسك: هل ساقترض لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقترض سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين؟ وكم سيستغرق من الوقت؟ واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير. ولذلك عاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية. ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريجه كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافه أتلفه الله».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فما زال الحديث عن هذا الحق العظيم، وهو حق الراعي على رعيته، حق ولي الأمر على من كان تحت أمرته. وهذا كما ذكرنا قبل الفاصل، هذا دين يتعبد الله عز وجل به الإنسان، ويكون بحسب الضوابط التي جاءت في كلام نبينا صلى الله عليه وسلم أو ما ذكره العلماء في هذا الضابط. وذكرنا قبل الفاصل في هذا الأمر أنه تجب الطاعة ولكن بالمعروف، ولكن بالمعروف يعني بما يوافق شرع الله عز وجل، وبما لا يخالف شرع الله، بما لا يخالف شرع الله في أحوال الناس اليومية في الإدارية الاجتماعية؛ هذه التنظيمات التي لا تخالف شرع الله عز وجل فيجب فيها الطاعة.

أيضاً من الحقوق التي تكون لولي الأمر في الطاعة وتتعلق بالرعية، وجوب طاعة الإمام في جميع الأحوال في العسر واليسر. بمعنى أن هذه الطاعة ليست فقط في حال اليسر، حال الإنسان في راحة في سعة في سعادة في عدم ضيق ويكون يقول: خلاص أنا أطيع، أما إذا شعر بشيء من الضيق أو الشدة أو الكرب فإنه يقول: أنا لا أسمع ولا أطيع؛ هذا لا ينبغي ولا يجوز ومخالف لأمر الله عز وجل، وهذه مخالفة لشرع الله مخالفة لشرع الله. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك». عليك -يعني يجب عليك- السمع والطاعة في كل هذه الأمور، في كل هذه الأمور إذا لم تخالف شرع الله، إذا لم تخالف شرع الله، عليك السمع والطاعة في العسر وفي اليسر. بمعنى أنه في العسر واليسر في أمور الدنيا، في أمور الدنيا إذا أعطيت تطيع، وإذا لم تعط أيضاً يجب عليك الطاعة، تغضب، لا يعني تحزن، لكن الطاعة هذه لا تنزع يداً من طاعة بسبب المنع أو بسبب الشدة أو لأي أمر من الأمور.

أيضاً في منشطك ومكرهك في كل أحوالك فيما رضيت وما لم ترضَ. يعني مهما حصل للإنسان من ظلم أو تعدٍ على حقوقه المالية أو غير ذلك أو الوظيفية، فإن هذا ظلم وسيأخذ حقه يوم القيامة، لكنه ليس مبرراً لنزع اليد من الطاعة، وأن يخرج من بيعته لولي أمره. هذا لا يبيح له هذا الأمر ولا يحل له هذا الأمر، بل يجب عليه السمع والطاعة وإن كره، وإن كره. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي منشطك ومكرهك». وهذا يدل على أن الإنسان قد يكره بعض الأشياء وبعض الأمور التي تتعلق بالأمور الدنيوية، قد يكرهها الإنسان ولا يرضاها، لكن هذا لا يعطيه المبرر أن يخرج عن بيعة ولي أمره. إن هذا أمر خطير جداً، الخروج عن البيعة فيها مخالفة عظيمة جداً لشرع الله، سيأتي العقاب الشديد لهذا الأمر، لكنه يسمع ويطيع على كره منه، يسمع ويطيع على كره منه حتى لو لم يرضَ، حتى ولو لم يرضَ.

يقول: «وأثرة عليك». يعني قد يحصل للإنسان أحياناً شيء من البلاء، من المشقة، من العناء. بل حصل لبعض العلماء قديماً أنه سجن، أنه عُذّب، أنه ضُرِبَ، أُخِذَ مالُهُ، ومع ذلك لم يتكلم أو يتفوه بكلمة واحدة فيها خروج على ولي الأمر. الإمام أحمد ضرب وسجن، شيخ الإسلام ابن تيمية مات في السجن ومع ذلك لم يأمر بالخروج على الحاكم ولم ينزع يداً من طاعة. هذا يعني فيه كره للإنسان، يحصل له مشقة، عناء، سجن، ظلم، قد يحصل، لكن لن يضيع حقه عند الله، لن يضيع حقه عند الله. يعني لا ارتباط بين الأمرين، يعني هو عليه السمع والطاعة، أما هذا الظلم الذي حصل له فإنه سيقتص الله عز وجل له يوم القيامة، سيقتص الله عز وجل له من الحاكم، وسيأخذ حقه من الحاكم يوم القيامة، وسيأخذه حسنات، سيأخذه حسنات. لكن هذا لا يعني أن ينزع يده من طاعة ولي أمره وأن يخرج عليه. هذا أمر عظيم جداً لابد أن يعرفه الإنسان وأن يفصل بين الأمران، وأن يفصل بين الأمرين فلا تلازم بينهما، فلا تلازم بينهما. وهذا أمر من دين الله عز وجل ومن شرع الله لابد أن يعتني به المسلم.

أيضاً من الأمور التي ينبغي للرعية على ولي أمرها الصبر على ظلم الحاكم لا الخروج عليه. وهذا ما ذكرناه مما يتعلق بوجوب الطاعة في جميع الأحوال في العسر واليسر. هنا الصبر حتى لو ظلم الحاكم، حتى لو تعدى، حتى لو فعل ما فعل في غير مخالفة شرع الله، فإن الإنسان يصبر. إذا كان هذا الأمر يتعلق بجسده، يتعلق بماله، يتعلق بحقه الخاص؛ فهنا يجب عليه الصبر، يجب عليه الصبر؛ هذا هو شرع الله وهذا دين الله ليس بالهوى، ليس بالهوى، وإلا كان على هوى الإنسان أنه يخرج ولا يرضى، لكنه يمتثل لأمر الله، يمتثل لأمر الله ويصبر لأن الله عز وجل أمره بالصبر، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «خيار أئمتكم» -خيرهم وأفضلهم- «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم». تصلون يصلون عليكم بمعنى يدعون لكم؛ الصلاة هنا بمعنى الدعاء، لأن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء. معنى الصلاة اللي هي العبادة المعروفة التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، وحتى في القرآن أتت بهذا المعنى، وهذا المعنى كما في قول الله عز وجل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادعُ لهم. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونهم». قيل يا رسول الله -لاحظ يعني لاحظ هذه المعاني- الخيار هم الذين نحبهم ويحبونا والذين ندعو لهم ويدعون لنا، هؤلاء هم خيار الأئمة؛ وشرار الأئمة الذين نبغضهم ويبغضوننا ونلعنهم ويلعنوننا، هؤلاء هم شرار الأئمة الذين يتولون الناس ويكون بينهم وبين الناس نفرة وعدم محبة وبغض ودعاء عليهم، فهؤلاء هم شرار الأئمة.

فقال الصحابة رضوان الله عليهم -حتى لاحظوا حتى لا يكون هناك يعني تلازم بين الأمران وإشكال يحصل في ذهن المسلم- قال الصحابة رضوان الله عليهم: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ يعني هؤلاء الشرار الذين تبغضهم ويبغضوننا ونلعنهم ويلعنوننا، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا». حسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر وبين أنه لا تلازم بين الأمرين، قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة». قاعدة عظيمة في دين الله قررها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، لا يعني لا تنزعوا يداً من طاعة ولا تنابذوهم بالسيف ما أقاموا فيكم الصلاة. طالما أن الشعائر الدين قائمة، الصلاة قائمة، الحج، العمرة، الصيام، الزكاة، شرع الله أركان الإسلام قائمة؛ فلا ينبغي ولا يصح أن ينابذوا وأن يخرج عليهم. «وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله»؛ اكرهوا هذا العمل خصوصاً، «ولا تنزعوا يداً من طاعة». نص واضح من كلام نبينا صلى الله عليه وسلم لخطورة نزع اليد من الطاعة، يعني لا يبرر للشخص إذا كان الحاكم فيه شيء من الظلم لا يبرر لك أن تنزع يدك من طاعة.

وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن خلع يداً من طاعة لقي الله ولا حجة له». عياذاً بالله من ذلك. «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» مات ميتة جاهلية عياذاً بالله من ذلك. وأيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه، يقول عليه الصلاة والسلام: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع». ليست القضية متعلقة بالمال ولا بالجسد ولا بالحبس ولا بغيره، هي دين يدين الله عز وجل به الإنسان، فلا يخالف ذلك ولا يخرج عن ذلك إلا إذا خالف شرع الله. أما في غير هذه الأمور فانه يجب عليه السمع والطاعة.

وفي هذا الأمر يقرر الطحاوي رحمه الله في قاعدة عظيمة في عقيدته التي باسم العقيدة الطحاوية يقول: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة امورنا وإن جاروا، ولا ندع ولا ننزع يداً من طاعتهم. هذه عقيدة يقر بها المسلم ويسلم بها، لأن هذا الأمر يعني مما يدين الله عز وجل به العبد، مما يدين به العبد لله عز وجل، ويعرف أن هذا من شرع الله وليس للانسان خيار أن يجتهد أو ينظر في هذا الأمر وله أن يفعل أو لا يفعل أبداً، لابد أن يسلم لهذا الأمر وأن يستقيم على هذا الأمر.

هناك أيضاً بقية في الحقوق التي تكون للراعي على رعيته، ومن هذه الضوابط.. انتهى وقت هذه الحلقة، وسنتكلم إن شاء الله عن بقية هذه الحقوق في الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لطاعته وأن يجنبنا معصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.