تسجيل الدخول

إلى الجيل الصاعد ٠٨ | رُباعيّة التميز للنخبة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

في مقطع سابق في سلسلة إلى الجيل الصاعد بعنوان لا تخشى الفشل، تحدثت عن قضية الكمال، وأن كثيرا من الناس يقعد عن المشاريع الطيبة النافعة لأن لديه عقدة الكمال، يبحث عن الكمال التام فإذا لم يحققه لم يعمل، وهذه قضية في غاية الخطورة. ولكن لكي يحدث توازن، سأتحدث في هذا المقطع عن قضية التميز، بمعنى أننا نحاول أن نسعى إلى التميز أو نحقق التميز، ولكن هذا لا يعني أن التميز يشترط فيه بلوغ الكمال.

سأتحدث في هذا المقطع عن أربعة أمور، هذه الأمور إذا اجتمعت في نخبة من الجيل الصاعد فإنهم سيحققون أثرا كبيرا بإذن الله تعالى.

الامر الأول: العلم. وإذا ذكرت العلم فأقصد أو يدخل تحت العلم ثلاثة أمور؛ المنهجية، الحفظ، والفهم. الجيل الصاعد أيها الكرام يحتاج أن يجمع هذه الأمور في قضية العلم؛ المنهجية وهذه تحدثت عنها في ساعة كاملة تقريبا في سلسلة الجيل الصاعد بعنوان ترتيب المعرفة، يعني مراحل العلم؛ التأصيل ثم البناء ثم التمكين ثم التخصص ثم التوسع. أمام كل مرحلة ماذا أعمل؟ قضية الفوائد، أين أسجل الفوائد؟ مهارات التلخيص، تكرار الكتب، الكتب المركزية، هذه كلها تسمى المنهجية. والذي لا يبني علمه على منهجية واضحة سيحرق سنوات من عمره ثم يكتشف لاحقا أنه لم يحقق الثمرة المرجوة.

ولاجل ذلك أيها الكرام، الجيل الصاعد يحتاج في العلم إلى بناء المنهجية، ويحتاج إلى الحفظ وإلى الفهم. دعوكم أيها الكرام ممن يزهد في قضية الحفظ، ودعوكم أيضا ممن يزهد في قضية الفهم، وإنما الواجب الجمع بين الامرين؛ الحفظ هو كحفر البئر، والفهم هو كاستخراج الماء من البئر. يجب أن يكون لديك الماء الذي في البئر، الذي هو الحفظ والمادة العلمية، ويجب أن يكون لديك الأدوات للاستخراج والاستنباط، والأدوات هذه تأتي من أصول الفقه، من الدراسة المنتظمة للعلم، من التأمل في الكتاب والسنة، من ازدياد الرصيد اللغوي لدى الإنسان اللغة العربية، من القراءة للمجتهدين والمفكرين الكبار في تاريخ الأمة الإسلامية، وما إلى ذلك من وسائل تحقيق الفهم.

إذا، في العلم نحتاج إلى هذه الأمور الثلاثة؛ المنهجية -ويدخل تحتها الأشياء التي ذكرت، ويدخل تحتها ماذا أقرأ بماذا أبدأ إلى آخره- والحفظ، بل هو بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، والفهم الذي هو استخراج الماء من البئر.

الأمر الثاني الذي يحتاجه الجيل الصاعد للتميز؛ العبادة. وأنا أتقع أن من أكبر التحديات التي ستواجه الجيل الصاعد أو من أكبر ما يفتقد هو قضية العبادة. يا كرام، نحن في زمن كل شيء يدعوك إلى عدم العبادة، من ناحية الملهيات مع وجود أدوات وأشياء ووسائل للتفكر لم تكن موجودة سابقا، يفترض أنها تقود بنا إلى العبادة. أيها الكرام، العبادة من الضرورات؛ كثرة الذكر كثرة الذكر، هذه عبادة خفيفة ككلمتين خفيفيتين على اللسان، حبيبتين إلى الرحمن، ثقيلتين في الميزان؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

العبادة وتشمل عبادة القلوب كما تشمل عبادة الجوارح، التزكية، فقه السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، أعمال القلوب؛ التوكل، الاعتصام، الإنابة، المحبة، الرجاء، الخوف وما إلى ذلك. العبادة أبدا لم تكن يوما من الأيام في فلسفة الإسلام، لم تكن العبادة أعمالا ظاهرة فقط، ولم تكن أيضا أعمالا باطنة فقط، وإنما هي أعمال ظاهرة مبنية على منطلق داخلي مليء بالإيمان وبتحرك القلب إلى الله سبحانه وتعالى.

نحتاج إلى فقه السلوك وفقه العبادة، حتى إذا أتى الشيطان إلى إنسان منطلق في دعوته، منطلق في فكره، منطلق في تعلمه، فيقول له: أنت مرائي، أو يقول له: أنت كفرت لأنه عندك وساوس متعلقة بالله، أو يقول له: أنت منافق وما إلى ذلك، نحتاج إلى فقه السلوك حتى لا يقعد الشيطان بأحدنا في منتصف الطريق، وهذا يكون بالتزكية وبالعبادة ومع العلم طبعا.

الأمر الثالث الذي نحتاجه؛ التفكير. زيادة مستوى التفكير، إشاعة ثقافة التفكير، التفكير الناقد بشكل عام. الإسلام يؤسس فينا هذه القضية حقا، كيف؟ حينما يخاطب الله المشركين فيقول لهم: أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ هَٰذَا، ويقول لهم: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، ويقول لهم: ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، ويقول لهم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. هذه الآيات تجعل العقل المسلم يتعامل مع المخالف الآخر -هذا الذي يكفر ويشرك، ينافح عن عقيدته ويهاجم الإسلام- تجعل المسلم يطلب منه البراهين، لا يأخذ كلامه دون براهين، دون سلطان، دون حجة، إلى آخر الآيات التي تؤسس لقضية التفكير، وكذلك الأحاديث النبوية. فالجيل الصاعد ينتظر منه أن يكون مفكرا، أن يكون عاقلا معملا لعقله، بانطلاقه من العلم وجمعه مع ذلك بالعبادة.

الأمر الأخير الذي يحتاجه الجيل الصاعد؛ الدعوة. يا كرام، الدعوة يجب أن تكون هواء نتنفسه، يجب أن تكون هواء نتنفسه. الدعوة إذا كانت حياة للإنسان، فإن هذا الإنسان يكون أسعد الناس، ويكون أغنى الناس بالله سبحانه وتعالى، ويكون أثبت الناس على دينه سبحانه وتعالى.

الدعوة إلى الله تصحح لك نية العلم، أنت تطلب العلم إذا هدفك الدعوة سيظل هذا الهدف يصحح لك نيتك في العلم، وإذا لم تكن نيتك صالحة في العلم فما الفائدة من العلم؟ الدعوة إلى الله الناس تجاهها مستقل ومستكثر، منهم من يكون هدفه في الدعوة إلى الله في دائرة المحيطة به الصغيرة وهذا خير، ومنهم من هدفه في دائرة مدينته وبلده، ومنهم من هدفه في دائرة معارفه وأصدقائه، ومنهم من الدعوة إلى الله في كل ساحة يمكن أن يدعى بها.

وأختم هذا الكلام بعبارة ابن القيم الجميلة في كتابه مفتاح دار السعادة: من طلب العلم ليحيي به الإسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوة، من طلب العلم ليحيي به الإسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيما نتعلم، وأن يبارك في هذه المقاطع، وصل اللهم على نبينا محمد.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس إلى الجيل الصاعد