بعد غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. يا رب نخفف عليهم البرودة شوي. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد في التعليق على مادة علوم القرآن، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصدق لتعلم ما ينفعنا، فإن هذه الأمة إنما أساس انتصارها وأساس عزتها بالعلم والمعرفة، وأساس تحصينها أن تعود إلى شريعة ربها سبحانه وتعالى متبعة متعلمة، وأن تأخذ هذه الأمور التي ندرسها ونتعلمها فننقلها للأجيال القادمة من هذه الأمة. أنت لا تعرف متى يأتي ربك سبحانه وتعالى بالفرج التام والعام لهذه الأمة، فعليك أن تكون حلقة وصل ووجه خير على أمتك بأن تنقل العلوم النافعة للأجيال القادمة. هذا العلم من سينقله للأجيال القادمة إذا تكاسل طلاب العلم عن طلبه والانشغال به واقتصر فقط على الفتات منه؟ فدائماً احتسب عند الله سبحانه وتعالى مجالس التعلم لترفع الجهل عن نفسك، ثم ترفع الجهل عن أهل بيتك، وعن أسرتك، وعن أبنائك، ثم عن المجتمع القريب، وكل إنسان على حسب ما آتاه الله سبحانه وتعالى من السعة في هذا الباب. ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الثبات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ما زلنا نعيش في مقرر علوم القرآن في الفصل الثاني الذي يتكلم عن أمور تتعلق بتنزل القرآن، ووصلنا إلى ما يتعلق بأسباب نزوله، وأظن أننا شرعنا في هذا الباب. أظن أننا شرعنا فيما يتعلق بأسباب النزول وذكرنا إنه كيف يعرف سبب النزول؟ يعني سبب النزول للآيات القرانية، هل هي مسألة اجتهادية، أم معرفة سبب نزول الآية لابد وأن أعود فيه إلى نص معين؟ قلنا إيوه، أسباب النزول هذه ما في مجال الاجتهاد فيها لأن هي عبارة عن معلومة، أنت بتتكلم عن خبر، معلومة أن الآية نزلت في فلان أو في واقعة أو في كذا، فأسباب النزول كما ذكرنا ليست أموراً اجتهادية بل يجب أن يتبع فيها النص. طبعا، للاسف أن كثير من النصوص التي تنقل في أسباب النزول هي ضعيفة الإسناد، هذا واقع، أن كثيراً مما ينقل حتى في كتاب أسباب النزول للواحدي أو غيره ضعيفة الإسناد، وما صح من أسباب النزول ليس بالكم الكبير، لكن مهم جداً أن نعود إلى ذلك، وما لم نعرف له سبب نزول عادة نتوقف فيه ولا نخترع له سبب نزول من أذهاننا.
طيب، لكن إذا عرفنا أن الآية نزلت بسبب صحابي معين، فهل العبرة في نزولها بذلك الصحابي، هل العبرة بعموم لفظها كما يقول علماؤنا أو بخصوص سببها؟ ما معنى هذا الكلام؟ آية عامة من آيات القرآن يقول ربنا سبحانه: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. الآن هذه الآية من المعروف في أسباب النزول أنها نزلت في أنس بن النضر لما قاتل في غزوة أحد قتال الأبطال، فانزل الله مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا. هل نقول هذه الآية خاصة فقط بأنس بن النضر لأنها نزلت فيه، أم أنها عامة لكل من فعل فعله؟ هي عامة لكل من فعل فعله، والا لو قلنا أن كل آية نزلت في صحابي هي خاصة بذلك الصحابي، نصف القرآن ما عاد له فائدة بالنسبة لنا، لانه خلص نقول آية المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا. هل هذه الآية خاصة فقط بتلك المرأة، أم في أيضاً كل من وقع في مثل فعلها من الظهار؟ في كل من وقع في مثل فعلها. فآيات القرآن يقول العلماء وإن كانت نزلت لأسباب خاصه في كثير منها، لكن حكمها لا يتعلق بذلك السبب بل يعم كل من وجدت فيه تلك الصورة إلى يوم القيامة، حتى يبقى القرآن منتجاً للأحكام، منتجاً للفوائد، مستمداً قوته من ديمومته.
فإذاً، هل العبرة بعموم اللفظ للآية القرآنية أم بخصوص السبب؟ هي القاعدة صفحة 60، فقلنا القاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها. إيش يعني لا بخصوص سببها؟ سبب نزولها أنا ما لي علاقة بسبب نزولها، سبب نزولها بيساعدني في فهمها لكن لا اقول والله هي الآية فقط خاصة بذلك الصحابي، بل هي على عمومها على إطلاقها في كل من فعل فعله. اقرأ، فما ورد اقرأ يا شيخ عمر.
بسم الله، فما ورد من الآيات ولفظه عام مما له سبب معين فلا يعني ورود السبب أنه خاص بسبب هذه الحادثة، ولا أن الحكم محصور بأصحاب تلك الحادثة أو السائل فقط، بل العبرة بعموم اللفظ الوارد، وما السبب إلا أحد أفراد من يندرج تحت هذا الحكم.
نعم، فهذا السبب سبب النزول هو فرد من الأفراد التي تندرج تحت مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ، فرد من أفراد الآية وليست الآية خاصة به، فيدخل في حكم الآية كل من حاله كحال السائل أو حال من نزلت فيه تلك الآية. مثال ذلك ما نزل بشأن كعب بن عجرة رضي الله عنه لما كانت تؤذيه هوام رأسه ونزلت فيه آية الفدية. سيدنا كعب بن عجرة كان محرماً، ومعروف أن المحرم أثناء إحرامه ما بصير يحلق شعره. سيدنا كعب بن عجرة أصابه قمل في شعره، بتعرفوا الصحابة كانت شعورهم طويلة فأصابه قمل في شعره فاضره، فاحتاج وهو محرم إنه ايش يعمل؟ يحلق شعره، يقص شعره. فهنا الله عز وجل أذن له أن يقص شعره، وأمره بماذا؟ بالفدية، الذي يقص شعره وهو محرم أو يقلم أظفاره وهو محرم عليه فدية: أما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. فأسأ الله له أن يحلق شعره ليتخلص من الأذى، لكن عليه مقابل ذلك الفدية.
هنا سأسألك سؤال: هل هذا خاص بكعب بن عجرة، أم كل من وقع في مثل فعله؟ كعب بن عجرة وقع في نفس الظرف سيعامل نفس المعاملة. فاذا هذه معنى العبرة بعموم لفظ الآية، فلما قال الله عز وجل: فَمَن كَانَ مِنكم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. تمام، اللي كان عنده مرض في الراس أو به أذى فاضطر أنه يحلق شعره خلص عليك فدية. هذه وإن نزلت في كعب بن عجرة لكنها ليست خاصة به، والعبرة بعموم لفظها.
وقص على ذلك الآيات التي نزلت في اللعان، بتعرفوا آيات اللعان شو يعني آية اللعان؟ أن الرجل يشاهد امراته على الفاحشة والعياذ بالله فيلا عنها أمام القاضي لعدم وجود شهداء أربعة معه، فيلتمس أربع لعنات ثم الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم هي تقوم فتلاعن مدافعة عن نفسها. هذه الآيات نزلت بسبب صحابي رأى امرأته على فاحشة فنزلت هذه الآيات. هل نقول هذه الآيات خاصة بذلك الصحابي، أم أيضاً في كل من حصل له كما حصل؟ وكذلك آيات الظهار التي نزلت في خولة بنت ثعلبة زوجة أوس بن الصامت التي نزلت فيها: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ. ما هو الظهار؟ أن يقول الرجل لامرأته أنت علي حرام أو كظهر أمي، أن يقول لزوجه أنت حرام علي، هذا ظهار وله أحكامه. وكذلك آية الكلالة، وهو من مات وليس له والد ولا ولد أين يذهب ميراثه؟ كل هذه الآيات نزلت بسبب صحابة معينين لكن حكمها عام.
طيب، الآن دعونا ننتقل إلى فائدة أخرى وهي: ما فائدة معرفتي بأسباب النزول؟ يعني أنا كإنسان مهتم بالقران وحاب أفهماً حاب فعلاً أستشعار به، ما فائدة معرفتي بأسباب نزول الآيات؟ هل رح تخدمني في فهم معاني القرآن؟ اقرأ.
إنما صرف العلماء جهودهم في معرفه أسباب النزول لما يترتب على معرفتها من الفوائد المهمة، وعن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت وما أراد بها.
شوف الحسن البصري ايش يقول؟ سيدنا الحسن البصري أحد التابعين الكبار يقول: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت. يعني الله يحب أن تعرف سبب النزول. ليه؟ لأنه معرفتك سبب النزول هو الذي أصلاً سيعينك على فهم الآية وبعد ذلك حسن تطبيقها في حياة الأمة.
طيب، دعونا ناخذ مجموعة من فوائد معرفة أسباب النزول: أولاً، يعين على الفهم الصحيح لمعاني الآيات، فهو يطلعك على الحال التي نزلت فيها الآية والمسبب لها، فربما احتملت الآيات عدة معانٍ فياتي سبب النزول ليعين المعنى المراد.
نعم، بعض الآيات تحتمل عدة فهوم عدة تصورات، لكن إذا عرفت سبب النزول ستعرف الفهم الصحيح لها، وسياتي معنا بعد قليل مثال على ذلك في قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا. الآن فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا هذه الآية تحتمل عدة فهوم. شو يعني فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟ فـعروة بن الزبير فهمها بطريقة، لكن عائشة قالت له: أخطأت، مش هذا هو الفهم لها، لأنه عائشة كانت عارفة سبب نزول الآية فاستطاعت أن تحدد المعنى الصحيح لها، وستأتي هذه القصة ما بدي استعجل عليها. اقرأ.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
جميل، إذاً ابن دقيق العيد يؤكد على أهمية سبب النزول في فهم معنى القرآن. ابن تيمية أيضاً: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. يعني إذا عرفت سبب النزول ستعرف المسبب، المسبب اللي هي الآية التي نزلت بسبب ذلك.
وقال الواحدي: لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.
شوف ماذا يقول الإام الواحدي! لا يمكن أصلاً، يعني من أكبر الأخطاء اللي بنمارسها نحن في التفسير والتدبر أنه بيجي شخص يهجم على القرآن هجوم، هو مش فاهم هاي الآيات ايش نزلت، شو سياقها، ما العبرة فيها؟ طب أول شيء هي مكية ولا مدنية؟ بعدين مكية في أي واقعة نزلت؟ فتبقى تشعر أن القرآن أنت بينك وبينه مسافات وفجوات لأنني أنا لا أعرف أفكاره، لماذا يعني لماذا الآية تقول هكذا؟ وأنت ما رح تعرف الآية لماذا تقول هكذا إلا إذا عرفت سياقها. عندك مثلاً أول 80 آية من سورة آل عمران، أنت لن تعرف تركيب الآيات لماذا هو بهذه الطريقة حتى تعرف قصة وفد نجران واليهود والحوارات التي حصلت، بعدين راح تفهم لماذا أول 80 آية بهذا التركيب، وهذا كله يعني يقاس عليه.
مثال ذلك قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا. مثلاً هاي الآية كثير منكم بيقراها: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا. رح تقول لي شو معنى هاي الآية؟ إيش يعني في واحد هو بيجي البيت من ظهره؟ لا، أنا فهمت، أنا أقصده إنه كثير من الناس بيقرا هاي الآية بس ما بيغلب حاله يروح يعرف سبب نزولها، إنه بدون معرفة سبب نزولها بالنسبة لك رح تكون شيء غير مفهوم، شيء غير مفهوم لماذا الله يقول ولا تأتوا البيوت من ظهورها؟ ولماذا يأمرنا أن نأتي البيوت من أبوابها؟ أما لما أقرا سبب النزول اه رح أفهم لماذا الآية تكلمت بهذه الطريقة.
قال جاء عن البراء رضي الله عنه أنه قال: نزلت هذه الآية فينا، فينا يعني الأنصار. نعم، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الانصار فدخل من قبل بابه فكانه بذلك فنزلت الآية.
نعم، الأنصار كانوا إذا حجوا إلى بيت الله الحرام ثم دخلوا إلى أراد العودة إلى منازلهم، كان عندهم طقوس معينة عاملينها، الشخص ما يأتي البيت بالواجهة الأمامية، يأتي البيت من ظهره، فالله عز وجل قال لهم: يعني من وين جبتوا هذا الكلام؟ لا أريد منكم هذه الطقوس التي وضعتموها دي، لا، أتيت البيت من بابه أو أتيت من ظهره هذا ليس تعبداً به، فزجرهم الله سبحانه وتعالى عن هذا الناموس أو هذا الطقس الذي وضعوه لأنفسهم، فانزل وَلَيْسَ الْبِرُّ. يعني التقرب إلى الله مش بكون أن آتي البيت من ظهره ولا من أمامه، يعني هذا مش تعبد يتعبد به لله تعالى للبيت وين ما جيت: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ. بدك تعرف البر وين؟ تقوى الله، الابتعاد عن المعاصي والذنوب هذا هو البر الذي يتقرب به. فلولا الوقوف على سبب نزول الآية لم تفسر على حقيقتها، إذ العادة أن كل الناس يأتون البيوت من أبوابها. أحسنت، رح تقول شو يعني الواحد في واحد بيجي بالبيت من ظهره؟ سبب النزول هو اللي فهمك.
ويدخل في ذلك رفع التوهم الذي قد يطرأ على الآية أحياناً، فبمعرفة سبب النزول كل إشكال عن الفهم يزول. فمعرفة سبب النزول كل إشكال عن الفهم يزول. نعم، إذا عرفت سبب النزول كل إشكال أو احتمال زي ما حكينا قبل شوي للاية يزول.
ناتي لهذا المثال، مثال إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، قال: فظاهر الآية يوهم عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة. وعروة بن الزبير لما قرأ هذه الآية: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا. شو المعنى الذي تبادر إلى ذهن عروة بن الزبير؟ إيش يعني فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ؟ أنه مش لازم أن يطوف بين الصفا والمروة، يعني من حج أو اعتمر هو غير ملزم أن يطوف أو يسعى بين الصفا والمروة، لأن الله يقول: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا، فلم يلزم أحداً بماذا؟ بالسعي بين، حبيت تسعى تسعى، حبيت ما
تَسْعَ مَا تَسْعَى، هَيْكَ فَهِمَ الْآيَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَبَّرَ بِمَاذَا؟ لَا جُنَاحَ. فَعَائِشَةَ الْخَزْرَجُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مَاذَا صَنَمٌ؟ مَاذَا كَانَ اسْمُ صَنَمِهِمْ؟ مَنَاةَ، مَنَاةَ هُوَ الصَّنَمُ الَّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَكَانُوا، وَكَانَ مَنَا حَذْوَ قُدَيْدٍ، قُدَيْدٌ هِيَ اسْمُ مَنْطِقَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَانَ يُوجَدُ فِيهَا مَاذَا؟ هَذَا الصَّنَمُ الَّذِي هُوَ اسْمُهُ إِيشْ مَنَاةَ. فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَعْنِي كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ جِهَةَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا إِذَا جَاءُوا إِلَى مَكَّةَ يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِيشْ أَنْزَلَ اللَّهُ؟ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا. إِيشْ يَعْنِي؟ يَعْنِي لَا يَأْثَمُ إِذَا طَافَ بِهِمَا، هُوَ لَا يَتَكَلَّمُ أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا رُكْنٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَا، مِشْ هَيْكَ مَوْضُوعُ الْآيَةِ، مَوْضُوعُ الْآيَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعَقَائِدَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَظَنُّوا أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُرِيدُهُمْ أَنْ يَسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ: لَا، لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَهُوَ رَفْعٌ لِتَصَوُّرٍ كَانَ لَدَيْهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَيْسَ رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتٍ، لِأَنَّ هُوَ رُكْنٌ مِنَ الْحَجِّ وَوَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتٍ أَيْضًا أَوْ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
طَيِّبْ، ثَانِيًا مَعْرِفَةُ اسْمِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ حَتَّى لَا تَنْزِلَ فِي غَيْرِهِ، إِذًا الْفَائِدَةُ الْأُولَى كَمَا قُلْنَا مِنْ مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ النُّزُولِ أَنَّهَا تُعِينُ عَلَى الْفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلْآيَةِ خَاصَّةً إِذَا كَانَتِ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً عِدَّةَ فُهُومٍ.
ثَانِيًا، مَعْرِفَةُ اسْمِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ حَتَّى لَا يَتِمَّ إِسْقَاطُ الْآيَاتِ عَلَى غَيْرِ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ، يَعْنِي مِنْ فَوَائِدِ مَعْرِفَتِهِ لِسَبَبِ النُّزُولِ أَنْ أُنْزِلَ الْآيَةَ عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَلَا يُحَرَّفَ فَتَنْزِلَ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ بِتَلَاعَبُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. شُوفُوا مَثَلًا هَذَا الْمَوْقِفَ، اقْرَأْ مِثَالَهُ، مَا رُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ دَخَلَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَالْمُهِمُّ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَحَدُ خُلَفَاءِ مِينْ بَنِي أُمَيَّةَ. فَأَحَدُ السَّلَفِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ دَخَلَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، طَيِّبْ، بَنُو أُمَيَّةَ عِنْدَهُمْ مُشْكِلَةٌ مَعَ مِينْ؟ مَعَ الْمُطَّلِبِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ، فَكَانُوا يَكْرَهُونَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَا مِنْ أَخْطَائِهِ أَوْ مِنْ أَخْطَاءِ بَعْضِ مُلُوكِهِ. فَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِسُلَيْمَانَ: مَنِ الْمَقْصُودُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ هِيَ وَرَدَتْ فِي سُورَةِ النُّورِ فِي قِصَّةِ سَيِّدِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
الصَّفْحَةُ الثَّانِيَةُ: أَوَّلًا، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، اللَّهُ تَوَاعَدَ الَّذِي تَوَلَّى حَادِثَةَ الْإِفْكِ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ، فَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَيَسْأَلُ سُلَيْمَانَ: مِينَ هَذَا الَّذِي رَبَّنَا تَوَاعَدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَيْوَهْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. قَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ هُوَ الَّذِي نَشَرَ هَذَا الْمَوْضُوعَ وَدَخَلَ فِيهِ. طَيِّبْ، قَالَ: كَذَبْتَ هُوَ عَلِيٌّ، فَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ شُو قَالَ لِسُلَيْمَانَ؟ كَذَبْتَ، الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهَذَا الَّذِي لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. طَبْعًا لِيشْ؟ قُتْلَةُ عَقْلِيَّةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَخُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَتِ الْبُغْضَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَا مِنْ أَخْطَائِهِمْ.
طَيِّبْ، فَدَخَلَ ابْنُ شِهَابٍ فَسَأَلَهُ هِشَامٌ، فَقَالَ: مِينَ دَخَلَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؟ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ إِمَامُ الْمُحَدِّثِينَ فِي زَمَنِهِ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ، فَسَأَلَهُ هِشَامٌ، فَقَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ هِشَامٌ نَفْسَ السُّرْءِ... عَفْوًا، فَسَأَلَهُ هِشَامٌ نَفْسَ السُّرْءِ... عَفْوًا نَفْسَ السُّؤَالِ، أَجَا فَسَأَلَهُ هِشَامٌ يَعْنِي سَأَلَهُ نَفْسَ السُّؤَالِ: مَنِ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟ فَمَاذَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ؟ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَمَاذَا قَالَ لَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ كَذَبْتَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَالْإِمَامُ الزُّهْرِيُّ يَعْنِي كَبَسَتْ مَعَهُ، فَمَاذَا قَالَ لَهُ؟ قَالَ: أَنَا أَكْذِبُ؟ لَا، أَنَا أَكْذِبُ؟ يَعْنِي أَنَا بَدِي أَكْذِبُ عَلَيْكَ يَا هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ طَبْعًا الزُّهْرِيُّ بِتَحْكِي مَعَ الْخَلِيفَةِ بَسْ شَخْصِيَّتُهُ قَوِيَّةٌ الزُّهْرِيُّ مِشْ خَافٍ مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَنَا أُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ؟ قَالَ: لَا أَبَ لَكَ، يَعْنِي يَعْنِي صَارَ يَحْكِي لِهِشَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا أَبَ لَكَ وَهِيَ دَعْوَةٌ عَلِيَّةٌ... عَفْوًا نَعَمْ.
فَوَاللَّهِ نَعَمْ، فَوَاللَّهِ لَوْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْكَذِبَ مَا كَذَبْتُ. قَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْكَذِبَ أَنَا مَا بِكْذِبْ، يَعْنِي شَخْصِيَّتِي بِتَسْمَحُ لِيشْ أَكْذِبْ؟ لَوِ الْكَذِبُ حَلَالٌ، فَمَا بَالُكَ وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ وَعُرْوَةُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
آهْ، فَهُنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ كَيْفَ اسْتَفَادَ بِالْحَدِيثِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ؟ يَعْنِي كَيْفَ رَدَّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالنَّصِّ؟ أَنَّ عِنْدِي نَصًّا بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ نَزَلَتْ فِي مَنْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَلَيْسَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَلَاحِظْ أَنَّ أَحْيَانًا الْبَعْضَ يُرِيدُ أَنْ يَتَلَاعَبَ بِالْآيَاتِ فَيُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَهَا عَلَى صِحَابٍ بَرِيئِينَ مِنْهَا، فَمَعْرِفَتُكَ بِسَبَبِ النُّزُولِ بِخَلّيكَ تُسْقِطُ الْآيَةَ عَلَى الشَّخْصِ الصَّحِيحِ الَّذِي نَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِ مَنْعًا لِتَلَاعُبِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ بِهَا.
طَيِّبْ، ثَالِثًا: مَعْرِفَةُ وَجْهِ الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَشْرِيعِ الْحُكْمِ. نَعَمْ، مَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُسَاعِدُكَ عَلَى فَهْمِ الْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ الْحُكْمُ. طَيِّبْ، كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَبِمَعْرِفَةِ سَبَبِ النُّزُولِ تُلَاحِظُ رِعَايَةَ الشَّرْعِ لِمَصَالِحِ الْإِنْسَانِ وَالتَّدَرُّجَ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ، فَيَزْدَادُ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَيُقْطَعُ دَابِرُ كُلِّ كَائِدٍ، وَلَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ سَبَبِ النُّزُولِ. بِالتَّأْكِيدِ لَمَّا تَعْرِفُ سَبَبَ نُزُولِ مَثَلًا تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، سَبَبَ نُزُولِ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى، سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ بِخَلّيكَ تَفْهَمُ لِيشْ الشَّرِيعَةُ قَالَتْ أَوَّلًا: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَتْ: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، وَكَيْفَ أَنَّهَا تَدَرَّجَتْ فِي مُعَالَجَةِ الصَّحَابَةِ بِحَسَبِ الْمَشَاهِدِ الَّتِي وَقَعَتْ. فَمَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ فَلْسَفَةِ التَّشْرِيعِ، طَرِيقَةِ التَّشْرِيعِ، وَبِالتَّالِي يَزْدَادُ وَعْيُكَ بِالْقُرْآنِ.
أَكْمِلْ، أَهَمُّ الْكُتُبِ الَّتِي أُفْرِدَتْ فِي عِلْمِ أَسْبَابِ النُّزُولِ: لَوْ شَخصٌ قَالَ لَكَ: أَعْطِنِي كِتَابًا يَا شَيْخَ أَرْجِعُ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ النُّزُولِ؟ الْآنَ فِي هُنَاكَ كِتَابُ أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ، هُنَاكَ كِتَابُ الْعُجَابِ فِي بَيَانِ الْأَسْبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، لَكِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ حَقِيقَةً تَجْمَعُ الصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ (يَعْنِي لَا تَخْتَصُّ بِذِكْرِ الْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ)، تَجْمَعُ الصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ؛ لِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ ابْتَدِئْ فِي هَذَا الْعِلْمِ رُبَّمَا الْكِتَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمَحَرَّرُ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ خِلَالِ الْكُتُبِ التِّسْعَةِ لِلدُّكْتُورِ خَالِدِ الْمُزْنِيِّ قَدْ يَكُونُ كِتَابًا جَيِّدًا لَكَ لِأَنَّهُ كِتَابٌ مُحَرَّرٌ وَيَذْكُرُ مَا صَحَّ مِنْهَا الَّتِي هِيَ الْخُلَاصَةُ الَّتِي تُرِيدُهَا. أَمَّا الْوَاحِدِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ فَبِدَكَ تَكُونَ فَاهِمًا فِي الْأَسَانِيدِ أَوْ يَكُونَ كِتَابًا مُحَقَّقًا حَتَّى تَعْرِفَ الصَّحِيحَ مِنَ الضَّعِيفِ.
طَيِّبْ، نَصِلُ إِلَى الْمَبْحَثِ الْأَخِيرِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَهُوَ مَبْحَثُ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. حَقِيقَةً إِخْوَانِي مِنْ أَكْبَرِ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَهْمُ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فِي هُنَاكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خُلَاصَتُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَيْفَ الْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؟ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَثُرَ فِيهَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا فِيهَا، وَالْيَوْمَ لِلأسَفِ مُمْكِنْ بَعْضُ الَّذِينَ يُشَكِّكُونَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا النَّاسَ تَهْتَزُّ ثِقَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ يَأْتُونَ بِشُبْهَةٍ مِنْ هَذِهِ يَقُولُونَ: أَنْتُمْ إِيشْ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ؟ وَهِيَ قَضِيَّةُ السَّبْعَةِ أَحْرُفٍ رَحْ نَحْتَاجُ أَيْضًا نَتَحَدَّثَ عَنْهَا لَمَّا نَاتِي لِقَضِيَّةِ نَسْخِ الْقُرْآنِ وَجَمْعِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
لَكِنَّ خُلَاصَةَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقْرَانِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَمَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعُهُ وَيَسْتَزِيدُهُ أَنَّهُ يُقْرِئُهُ عَلَى حَرْفٍ، حَرْفَيْنِ، ثَلَاثٍ، حَتَّى أَوْصَلَهَا إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.
مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ؟ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا بُعِثَ بُعِثَ فِي أَيِّ جَزِيرَةٍ يَا إِخْوَانِي؟ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ كَانَ فِيهَا لَهَجَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فَقُرَيْشٌ كَانَتْ تَتَكَلَّمُ بِلَهْجَةٍ، لَكِنْ طَبْعًا قريش من مضر وَأَمَّا رَبِيعَةُ وَقَبَائِلُ رَبِيعَةَ فَلَهَا لَهَجَاتٌ أُخْرَى فِي الْكَلَامِ، وَجَنُوبُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَخْتَلِفُ عَنْ شِمَالِهَا. النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُ هَذَا التَّنَوُّعَ فِي لِسَانِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلِذَلِكَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ الْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى لَهْجَةِ قُرَيْشٍ، لَكِنْ لَهْجَةُ قريش مَا كَانَتْ سَهْلَةً عَلَى الْقَبَائِلِ الْمُتَرِّفَةِ... عَفْوًا، الْمُتَطَرِّفَةِ فِي الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ. فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْهِيلًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّ الْآيَةَ أَوِ النَّصَّ لَا يَنْزِلُ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فِي الْقِرَاءَةِ، بَلْ يَنْزِلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ لُغَةٍ، يَنْزِلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ لُغَةٍ فِي أَدَاءِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ.
فَهُنَاكَ قَبِيلَةٌ مَثَلًا تَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ أَقْبِلْ، هُنَاكَ قَبِيلَةٌ تَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ تَعَالَ، هُنَاكَ قَبِيلَةٌ تَسْتَعْمِلُ مَثَلًا كَلِمَةَ أَتَى، يَعْنِي بَسْ مِنْ بَابِ التَّسْهِيلِ، فَالْقَبَائِلُ كَانَتْ تَخْتَلِفُ فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدِ: مَا هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي تُعَبِّرُ بِهِ عَنْهُ؟ قُرَيْشٌ تُعَبِّرُ عَنْهُ بِلَفْظَةٍ عَرَبِيَّةٍ، قَبِيلَةٌ أُخْرَى تُعَبِّرُ عَنْهُ بِلَفْظَةٍ عَرَبِيَّةٍ أُخْرَى، قَبِيلَةٌ ثَالِثَةٌ تُعَبِّرُ عَنْهُ بِلَفْظَةٍ عَرَبِيَّةٍ ثَالِثَةٍ، وَهَكَذَا. فَكَانَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَيُرِيدُ التَّيْسِيرَ عَلَى الْعَرَبِ ابْتِدَاءً، كَانَ يَطْلُبُ مِنْ جِبْرِيلَ أَنَّهُ إِذَا فِي إِمْكَانِيَّةٍ أَنْ تُقْرَأَ الْآيَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ لُغَةٍ -لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ طَبْعًا بَسْ تَكُونَ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ وَلُغَةِ تَمِيمٍ، أَوْ لُغَةِ طَيِّئٍ، أَوْ لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ- إِذَا كَانَ فِي إِمْكَانِيَّةٍ أَنْ تُقْرَأَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ لُغَةٍ، فَكَانَ جِبْرِيلُ يُقْرِئُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ لُغَةٍ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ قُرِأَتْ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، قُرِأَتْ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ أَيْ يَعْنِي لَهَجَاتٍ عَلَى سَبْعِ لَهَجَاتٍ عَرَبِيَّةٍ.
إِيشْ كَانَ الْهَدَفُ مِنْ هَذَا الطَّلَبِ؟ التَّسْهِيلُ عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى لَا يَنْفِرُوا، حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا فِي مَاذَا؟ تَقْرِيبِ الْقُرْآنِ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ فَيُعِينُ ذَلِكَ عَلَى حُبِّهِ، عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، عَلَى عَدَمِ الْفَجْوَةِ عَنْهُ. هَذَا الَّذِي حَصَلَ ابْتِدَاءً أَنَّهُ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ يَعْنِي عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ فِي الْأَدَاءِ. طَبْعًا مُرَادٌ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ لَيْسَ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ كُلَّ آيَةٍ فِيهَا سَبْعُ أَوْجُهٍ، لَا، يَعْنِي فِي آيَةٍ فِيهَا وَجْهَانِ فِي الْأَدَاءِ، فِي آيَةٍ فِيهَا ثَلَاثُ أَوْجُهٍ، فِي آيَةٍ فِيهَا أَرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، وَأَعْلَى أَوْجُهٍ فِي الْأَدَاءِ أَنَّ بَعْضَهَا كَانَتْ سَبْعَةً، بَسْ مَا فِي أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ، مَا فِي أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ.
طَبْ، سُؤَالٌ: هَلْ هَذ السَّبْعَةُ أَحْرُفٍ هِيَ نَفْسُهَا الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ سَيِّدَنَا عُثْمَانَ اللَّهَ يَرْضَى عَنْهُ لَمَّا نَسَخَ الْمَصَاحِفَ هُوَ مَا بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ، أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ مَعَهُ عَلَى إِلْغَاءِ سِتَّةِ أَحْرُفٍ وَالْعَوْدَةِ إِلَى الْحَرْفِ الْأَصِيلِ وَهُوَ حَرْفُ قُرَيْشٍ. لَيْه؟ لِأَنَّ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةَ الْكِرَامَ اللَّهَ يَرْضَى عَنْهُمْ كَانُوا مُدْرِكِينَ أَنَّ هِيَ السَّبْعَةَ أَحْرُفٍ شُو كَانَ الْهَدَفُ مِنْهَا؟ التَّسْهِيلَ عَلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. فَلَمَّا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَدَخَلَ الْعَرَبُ بِالْعَجَمِ وَدَخَلَتِ الْأُمُورُ أَيْضًا وَكَثُرَ النَّاسُ، دَائِمًا سُبْحَانَ اللَّهِ الْفُتُوحَاتُ تُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَاطِ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، شَعَرَ عُثْمَانُ وَالصَّحَابَةُ أَنَّهُ رَحْ تَصِيرُ مُشْكِلَةٌ إِذَا بَقِيَ، إِذَا خَلَّيْنَا سَبْعَةَ أَحْرُفٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ اخْتَلَطُوا، فَقَرَّرُوا أَنْ يَعُودُوا إِلَى الْحَرْفِ الْوَاحِدِ.
وَلَاحِظْ هُنَا الْحَدِيثَ: أَقْرَانِي جِبْرِيلُ عَلَى إِيشْ؟ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَزَادَنِي. إِذًا هُوَ عُثْمَانُ وَالصَّحَابَةُ هُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ أَصْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كَانَ عَلَى أَيِّ؟ عَلَى حَرْفٍ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ بِطَلَبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَسْهِيلًا عَلَى الْعَرَبِ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ، فَلَمَّا ذَهَبَ الْمَقْصِدُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ عَادُوا إِلَى ذَلِكَ الْحَرْفِ، عَادُوا إِلَى ذَلِكَ الْحَرْفِ الْأَوَّلِ. هَذِهِ بِاخْتِصَارٍ وَاعْتِصَارٍ قَضِيَّةُ السَّبْعَةِ أَحْرُفٍ، بِأَقُولُهَا لَكَ لِأَنَّهُ مُمْكِنْ تَجِدُ إِنْسَانًا يَعْرِضُ شُبْهَةً فِيهَا عَلَيْكَ فِي جَامِعَةٍ أَوْ فِي أَيِّ مَكَانٍ وَيُحَاوِلُ يَعْنِي يَطْعَنُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ خِلَالِهَا، فَجَيِّدٌ أَنْتَ كَمُسْلِمٍ يَعْنِي تَكُونُ عَرَفْتَ الْحِكَايَةَ عَنْهَا بِمَاذَا؟ بِاخْتِصَارٍ وَاعْتِصَارٍ.
طَبْعًا هُنَا فِي فَائِدَةٍ فِي الصَّفْحَةِ الَّتِي تَلِيهَا، صَفْحَةِ 66 طَبْعًا فِي أَحَادِيثَ أَنَا يَعْنِي أَجْعَلُ الْمِسَاحَةَ لَكَ أَنَّكَ تَقْرَأُهَا، لَكِنْ فِي صَفْحَةِ 66 فِي فَائِدَةٍ فِي الْمُنْتَصَفِ: وَإِنَّمَا كَانَ أَقْرَأَ... وَإِنَّمَا كَانَ نُزُولُ الْقُرْآنِ بِهَذِهِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فِي الْقُرْآنِ الْمَدَنِيِّ حِينَ ظَهَرَتِ الْحَاجَةُ لَهُ، بَيْنَمَا الْقُرْآنُ الْمَكِّيُّ كَانَ يُخَاطِبُ أَهْلَ قُرَيْشٍ فَنَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ.
نَعَمْ، يَعْنِي يَذْكُرُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ أَوْ أَنْ يُصْبِحَ الْقُرْآنُ مِنْ حَرْفٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، هَذَا وَيْنَ حَصَلَ؟ فِي الْمَرْحَلَةِ الْمَدَنِيَّةِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمَرْحَلَةِ الْمَكِّيَّةِ كَانَ يُخَاطِبُ أَسَاسًا مَنْ؟ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَمَا كَانَ فِي حَاجَةٍ لِأَنْ يَطْلُبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْحَرْفِ، لَكِنْ لَمَّا أَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ وَأَصْبَحَ لَهُ دَوْلَةٌ وَكِيَانٌ وَأَصْبَحَتِ الْعَرَبُ تَأْتِيهِ، هُنَاكَ بَدَأَ يَطْلُبُ مِنْ جِبْرِيلَ الزِّيَادَةَ حَتَّى أَوْصَلَهُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ.
طَيِّبْ، ثُمَّ لَمْ... ثُمَّ لَمَّا جُمِعَ الْقُرْآنُ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَسَخَ الْحُرُوفَ السِّتَّةَ السِّتَّةَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ. اُكْتُبْ: ثُمَّ لَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ... أَفْضَلُ مِنْ جَمْعِهِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ كَانَ ابْتِدَاءً فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. طَيِّبْ، وَأَبْقَى الْحَرْفَ الَّذِي يُوَافِقُ لُغَةَ قُرَيْشٍ كَوْنَ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ نَزَلَ بِهَا، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ تَرْجِيحًا لِلْمَصْلَحَةِ بِدَرْءِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ النَّاسِ. نَعَمْ، هَذَا طَبْعًا هَذَا مِشْ كَانَ رَأْيَ عُثْمَانَ الشَّخْصِيَّ، هَذَا رَأْيُ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةِ الَّذِي مَعَاهْ أَنَّ هَذَا مِشْ اخْتِيَارٌ شَخْصِيٌّ لِعُثْمَانَ، نَعَمْ. وَانْقِضَاءُ حَاجَةِ النَّاسِ لِلْقِرَاءَةِ بِكُلِّ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي زَمَنِهِ فِي الْآخِرِ.
العربي بالعدو نعم، بخلاف الحاجة لها زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بمحضر من جميع الصحابة، وإجماع يعني قرار عثمان كان مع الصحابة، وليس شيئاً اتخذه عثمان فقط باجتهاده الشخصي. هذا قرار خطير، أنت متخيل بدك تلغي ست أحرف، يعني هذا قرار على مستوى الأمة ومستوى الدين، فبالتالي كان باتفاقهم جميعا على هذا.
طيب، تنبيه سريع: القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة، بل القراءات أوجه أداء لحرف قريش، هذا بناء القول المشهور، هذا هو القول المشهور في هذه المسألة. هيك بنكون انتهينا من الفصل الثاني اللي كان يتكلم عن ماذا؟ عن أمور تتعلق بتنزيل القرآن، تكلمنا فيه عن الوحي وأنواعه، تكلمنا فيه عن نزول القرآن بحد ذاته من السماء السابعة إلى بيت العزة ثم خلال 23 سنة نزل مفرَقاً، تحدثنا عن المكي والمدني وهذا من علوم التنزيل، تكلمنا عن أسباب النزول، وختمنا بفكرة نزول القرآن على سبعة أحرف.
هذه كلها المسائل التي اخذناها اسمها مسائل ايش؟ تتعلق بتنزيل القرآن، اسمها مسائل التنزيل. الآن بنجي على الفصل الجديد، مسائل تتعلق بكيف جُمع هذا القرآن الذي بين أيدينا، وكيف رُتِّب بهذا الترتيب، هل ترتيب السور بهذه الطريقة هل هو من النبي عليه الصلاة والسلام ولا من الصحابة؟ هل ترتيب الآيات داخل السورة هل هو من النبي عليه الصلاة والسلام ولا من الصحابة؟ طب أعداد الآيات مين اللي حط الأعداد هذه؟ النقط والتشكيل للآيات من وين دخل؟ كل هذه فوائد ومعلومات بدنا نحاول نعالجها في هذا الفصل الجديد، ننطلق فيه مستعينين بالله.
بسم الله، المبحث الأول: جمع القرآن. جمع القرآن حصل بأمرين: جمعه في الصدور وجمعه في السطور. جمع القرآن اخواني، هناك طريقتان، هناك جمع في الصدور، ايش يعني الجمع في الصدور يا مشايخ؟ انك تحفظ، وهذا هو الأساس. المرحلة الثانية كانت مرحلة جمعه في السطور أنه يكتب.
اقرأ الأول: جمع القرآن في الصدور. كان جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن على النبي فيسارع صلى الله عليه وسلم إلى حفظه وضبطه، حتى إنه كان يحرك به لسانه عند تنزله حرصاً على حفظه، حتى أنزل الله عليه: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. النبي عليه الصلاة والسلام كان من أشد الناس حرصاً على حفظ القرآن حتى قال له ربه: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. كان يخشى أن يفوت الحفظ بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. فالله يقول: لا تخف، لن تنسى القرآن، نحن سنقرئه في قلبك، لا تحرك به لسانك لتعجل به. ولذلك كان بقي النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل يحفظه القرآن حتى ختم القرآن، ففعل، مين أول حافظ للقران في هذه الأمة؟ سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. ومش فقط حافظ، بل براجع! شايفين يا شباب، مش بس بيحفظ، براجع! كان في كل سنة هناك موعد مع جبريل يراجع معه القرآن في رمضان، كان في كل سنة يعرض ما جبريل، ما... طبعا ما تنزل، أنتم بتعرفوا القرآن، القرآن نزل مفرَقاً، فكل سنة كان يعرض على جبريل المقدار الذي تنزل لهذا العام ويتدارسونه.
فسارع الصحابة رضوان الله عليهم إلى حفظها، فيحفظها من شاء الله أن يحفظه في صدره، ويحثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفظ القرآن وتدبره وتعلمه، فصار القرآن همهم وشغلت أوقاتهم وتنافسوا في تحصيله وحفظه وفهمه. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن. نعم، كان الرجل إذا هاجر إلى المدينة المنورة مباشرة النبي عليه الصلاة والسلام يلحقه بحلقات التحفيظ، أول شيء القرآن، نعم.
وكان يسمع لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجة بتلاوة القرآن. شوف، لما يكون في المسجد حلقات، اللي بيدخل على المسجد النبوي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يجد صوت زي خلية نحل، هذا بيقرأ لهذا، وهذا بيقرأ لهذا، وهذا... هذا هو الحياة الإسلامية الصحيحة. نعم، حتى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالوا، يعني حتى كان يرفعوا أصواتهم بدرجة عالية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يامرهم أن يقرأوا بصوت منخفض حتى ما يغلط هذا صاحبه، هذا بصرخ بصوت عالي وهذا بصرخ بصوت عالي بتدخل الخطوط ببعضها، فامرهم أن يخفضوا أصواتهم. طيب، لئلا يتغالوا يعني لا يدخل شخص على آخر في القراءة ويخطئ.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون. طيب، الأشعريين هم جماعة مين؟ أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، اللي هم... هم طائفة من اليمن اسمهم الأشعريين، قبيلة يمنية، قبيلة يمنية تسمى الأشعريين. وهؤلاء هاجروا إلى المدينة، طبعا هم هاجروا إلى المدينة بالسفينة، فقدر الله أن سفينتهم تلقيهم باتجاه الحبشه مع الريح، اتجهوا باتجاه الحبشة فلقوا حالهم بدل في المدينة لقوا حالهم في الحبشة اللي هي إريتريا اليوم، تمام؟ ثم هاجروا مع جعفر بن أبي طالب باتجاه المدينة في العام السابع من الهجرة.
فالأشعريين كانوا قوما محتفين بالقرآن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، كانوا دائما رايحين على المسجد راجعين للبيت طالعين المسجد، طبعا النبي عليه الصلاة والسلام ما بيته في المسجد، جنب المسجد، فبقول أنا يعني وأنا في البيت عارف إنه الأشعريين دخلوا المسجد، الأشعريين طلعوا من أصوات دخولهم وخروجهم وقراءتهم للقران ورجوعهم اعرفهم، يعني نعم. وأعرف منازلهم من أصواتهم، وان كنت... هذا كلام الجميل: وأعرف منازلهم، بعرف بيوتهم من أصواتهم من القرآن بالليل، كانوا يعمرون ليلهم بقراءة القرآن فبعرف إنه هذا صوت أبو موسى الأشعري جاي من بيته، هذا صوت الأشعري الثاني خارج من بيته، فكان يسمع أصواتهم من منازلهم فيعرف هذا، اه فلان في بيت فلان وهذا في بيت فلان لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالقران، نعم. وأن كنت لم أرى منازلهم حين نزلوا بالنهار.
وكان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقران في كل عام مرة، وعرضه إياه في العام الاخير مرتين. قالت عائشة وفاطمة رضي الله... طبعا هنا بس في فهم آخر للحديث الآن خطر في ذهني قد يكون المراد ماذا؟ أني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون إلى المسجد وأعرف منازلهم، مش ضروري منازلهم خارج المسجد، لا، منازلهم يعني وين كل شخص جلس في المسجد وهذا أظنه أقرب يعني هذا الفهم أقرب لأنه لو كان منازلهم خارج المسجد النبوي يعني أظن الصوت سيكون مرتفع كثيرا لكن هناك تصور آخر للحديث أنه يقصد هم الذين كان يدخلون المسجد، فالنبي صلى الله عليه وسلم جالس في بيته وبيته جنب المسجد عليه الصلاة والسلام، فيسمع صوتهم حين يدخلون، لما يدخل المسجد النبوي كل شخص يجلس في زاوية، نزل منزلا يعني في زاوية، فبعرف إنه مين اللي في زاوية، مين على يمين المسجد، مين على يسار المسجد، مين عند السارية هذي، مين عند السارية هذي، من خلال ماذا؟ أصواتهم، لذلك قال: وإن كنت لم أرى منازلهم حين نزلوا بالنهار.
طيب، قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة، وإنه يعارضني يعني يعرض علي القرآن نعم، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي. ايش يعني؟ آخر سنة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام عرض القرآن على جبريل كم مرة؟ مرتين، فالنبي عليه الصلاة والسلام فهم منها أنه هي المره الأخيرة، هي المره الأخيرة، نعم.
قال: ثم يعرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه. يقول ابن كثير رحمه الله: يعني بعد ما النبي عليه الصلاة والسلام يعرض القرآن مع جبريل، يعود النبي عليه الصلاة والسلام فيعرض القرآن مع أصحابه، نعم. يقول ابن كثير رحمه الله: والمراد من معارضته له بالقران كل سنة مقابلته على ما أواه إليه عن الله تعالى، ليقما بقي ويذهب ما نسخ توكيداً أو استثباتاً من الله، نعم.
وأيضاً يعني من فائدة هذه المعارضة والمراجعة بين جبريل والنبي عليه الصلاة والسلام أنه يؤكد على الآيات التي لم تنسخ وترفع الآيات التي نسخت، أنتم تعرفوا كان في نسخ في القرآن، فكان الهدف منها تثبيت ما ثبت وإخباره أنه هي الآية نسخت، فبالتالي ينساها النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت ستنسخ بلفظها.
فما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقران كله محفوظ في صدور عدد كبير من الصحابة، منهم من جمعه كله ومنهم من جمع بعضه. قيل إنه توفي وهناك 30 حافظا، قيل توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهناك 30 حافظا للقرآن من الصحابة الكرام. نعم، ثم بعد زمن الصحابة أصبح حفاظ القرآن بالالوف، وكلما... نعم في بعد زمن الصحابة أصبح حفاظ القرآن بالالوف ما شاء الله من التابعين ومن بعده. نعم، وكلما زاد الزمان زاد عدد حفظته حتى استحال مع عددهم حتى استحال مع عددهم أنك تعرضه لأدنى تحريف، يعني أصبحنا نثق أن القرآن باذن الله لو اليوم خطط العالم الغربي أن يسحب المصاحف باذن الله، نحن قادرون على أن نرده كاملاً كما هو، لأنه حفاظ القرآن اليوم بمئات الآلاف عرفتموه أو لم تعرفوه، من باكستان للهند للسند لأفريقيا للشام إلى غيرها، فالحمد لله القرآن محفوظ لكثرة حفاجه بالصدور ولو لم يكتب.
قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. قال ابن الجزري رحمه الله: إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على... لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة... أشرف خصيصة من الله... من الله تعالى لهذه الأمة، يعني من أشرف خصائص القرآن ومن أشرف خصائص هذه الأمة أن الله سبحانه وتعالى جعل اعتمادها في كتابها على آية على الحفظ في الصدور وليس على الحفظ... وليس على كتابة القرآن في السطور، هذا يقصد به ابن الجزري، نحن بخلاف اليهود والنصارى فإن التوراة التي نزلت على موسى والانجيل الذي نزل على عيسى لم يكن يحفظ... لم يكن يحفظ بخلاف القرآن، القرآن بالعكس أساسه الحفظ والضبط فانزله الله مسهلا بحيث يستطيع كل شخص أن يحفظه بسهولة إذا عزم وجد خلال فترة محدودة، فهذه من خصائص هذه الأمة أن جعل كتابها في صدورها وليس فقط كتاباً في كتب اليهود والنصارى مستودعاً.
طيب، بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً في حياة النبي عليه الصلاة والسلام كان الاعتماد على الحفظ في ايش؟ في الصدور. طب هل بدأت عملية كتابة القرآن في السطور في زمن النبوة؟ اي نعم، ككتابة بدأت، ثم بعد ذلك في زمن أبي بكر تم الجمع.
دعونا ننظر في كتابته في السطور. اقرأ مرى: جمع القرآن مكتوباً بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً، أول مرحلة من مراحل الكتابة في السطور أنه جمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كان ذلك؟ قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه كُتَّاباً للوحي.
ها، أول شيء، النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً، ايش يعني؟ لا يقرا ولا يكتب، وهذا كان حال ج جل الصحابة، لكن في بعض الصحابة تعلموا الخط والكتابة فكانوا مميزين، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يملي عليهم القرآن كلما نزلت عليه آية، يدعو واحد أو اثنين من هؤلاء كتاب الوحي فيملي عليهم ماذا؟ ما ينزل عليه من القرآن، وكان هؤلاء عدد لا باس به، فمن هؤلاء مثلاً اقرأ: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاويه وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم، هؤلاء من يعني أشهر كُتَّاب الوحي.
طب وين كانوا يكتبوا الوحي؟ على حسب ما يتوفر من إمكانيات، والله لقى حجر بكتب على حجر، لقى ورقة نخل هيك مصلحة ومضبطة وبامكانه يكتب عليها كانوا يكتبوا عليها، وجد كتف شاة أو كتف جمل عريض، على حسب ما يجد، ما كان في هناك دفتر أو كتاب معين بيكتبوا فيه، كل شخص يكتب على ما توفر بين يديه.
طيب، فما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقران كله مكتوب عند الصحابة، منهم من كتبه كله ومنهم من كتب بعضه، اه إذا بنأخذ هي الفائدة: لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا والقرآن مكتوب، لكن هل هو مجموع في مصحف رسمي؟ لا، هذا صحابي عنده مجموعة آيات، هذا صحابي عنده مجموعة آيات، الله أعلم، ممكن يكون بعضهم قد كتبوه كله بس على كما قلنا كاتب شوي منه على خشب، شوي كاتبه على ورق نخل، شوي على كذا، يعني مشتت ما هو مجموع بين دفتين.
طيب، لكن جمعه للقران مكتوباً في هذه المرحلة لم يكن بين دفتين في مكان واحد، ولا على... زي ما حكينا، مش كتاب واحد، على حسب وسائل الكتابة، ولا على الترتيب النهائي له من سور وآيات، ولم يكن كما قلنا أيضاً على الترتيب النهائي الموجود بين أيدينا اللي هو الأول الفاتحة، بعدين البقرة، وآل عمران، ما كان هذا موجود عندهم بهذه الصورة الكتابية، بل كان مفرَقاً في الصحف على شكل سور أو مجموعة آيات، وإن كان ترتيبه حاضراً في آذان الصحابة.
اه هي بدنا نركز عليها: لم يكن مكتوباً على الترتيب، بس هم في أذهانهم كانوا عارفين ترتيب السور، يعني ككتابة ماشي، ما كان مكتوب على الترتيب، لكن ترتيب السور أنه الفاتحة، بعدين البقرة، بعدين آل عمران، بعدين النساء، هل هذا كانوا هم فاهمينه في أذهانهم؟ أي نعم، هذا هو الصحيح. نعم، قال عن زيد بن ثابت
قال: قُبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جُمع في شيء، ألم يكن قد، أي لم يكن قد جُمِع مرتب الآيات والسور في مصحف واحد. ولعل سبب عدم جمعه مكتوباً في مكان واحد هو أن العصر ما زال عصر تنزيل، يترقب فيه الوحي بنزول الآيات، ربما طرأ على القرآن نسخ وتغيير، فليس كشيء رحمه الله.
وإنما لم يُكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت، نعم، يعني ممكن شخص يسأل: ليش النبي عليه الصلاة والسلام لم يهتم هو بجمع المصحف بين دفتين؟ منقول: لأنه ما دامت فيه حياة، كان متوقعاً أن يكون الوحي يتنزل عليه، فلو أنه بده يجمع بين دفتين، طيب في ناسخ وفي منسوخ، وفي آيات ممكن يرفعها جبريل، وفي آيات سياتي، وكل يوم يومين تأتي آيات جديدة، بالتالي كان سيكون كل شيء في حذف وفي إثبات، في حذف وفي إثبات لما كان يقع من الناسخ والمنسوخ.
فلما مات عليه الصلاة والسلام، استقر الأمر، خلص، ما عاد فيه شيء يمكن أن ينسخ ويحذف، فأصبح جمع القرآن الآن منطقياً أنه خلص، ما راح كل شي نمحي ونزيد، نمحي ونزيد. أما في زمن النبوة، لا، في محو وزيادة وفي تنزل ما زال مستمراً، طيب.
وقد جمعت كتابتهم للقران الحروف السبعة على اختلافها وما هو منسوخ منه أو غير منسوخ، نعم. الصحابة لما كتبوا القرآن في على الأفاظ وعلى أوراق النخل، هم كتبوا القرآن بالأحرف السبعة اللي حكينا عنها قبل شوي، يعني كتبوه بكل اللهجات التي نزل بها تمام، وكتبوا حتى المنسوخ منه وغير المنسوخ، لأنه في بعض الصحابة كان يكتب آية وما يعرف بعدين أنها نسخت، ما كان حاضراً لما نسخت، ظلت موجودة عنده تماماً.
قال: فلم يكن مقابلاً على العرضة الأخيرة، لكن العرضة الأخيرة اللي كانت في الزمن الاخير من حياته صلى الله عليه وسلم معه ومع جبريل، نعم، لكنه لم يختلط بغيره من الكلام بل ولا حتى بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، نعم. لكن الصحابة كانوا يحرصون على ماذا؟ أن النص الذي يكتبونه ما كانوا يخلطون به أي اجتهاد لهم أو أي كلام من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا يحرصون أن تبقى الورقة أو المكان المكتوب عليه القرآن خالصاً من أي تعليق، طيب.
المرحلة الثانية: جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى. مات النبي عليه الصلاة والسلام إذا والقران مكتوب كاملاً، لكنه موزع بين الصحابة. جاءت الآن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وتعرف خلافة أبي بكر الصديق كانت قصيرة، أبو بكر الصديق اشتغل فيها بماذا؟ بمقاتلة مسيلمة الكذاب وجماعته، حرب المرتدين استنزفت كثيراً من الصحابة، فاستشهد في حروب الردة أكثر من خمسمائة حافظ للقرآن.
فهنا عمر رضي الله عنه لما شاف القرآن مش مجموع بين دفتين، جاء إلى أبي بكر متخوفاً، يعرض عليه فكرة، قال: يا أبا بكر ويا أبا بكر، كثير من الصحابة استشهدوا في هذه الحروب، وما دام القرآن موزع بين الصحابة يعني أخشى أن تضيع كتابته، ماشي، في حفاظ ما زالوا موجودين، لكن خلينا من الآن نحافظ على القرآن للأجيال القادمة، فمن الآن نبادر بعملية جمعه حتى لا يصول الشيطان لنفسك أن تضيف فيه أو تنقص.
طبعا أبو بكر الصديق في البداية تردد، قال: كيف أفعلاً شيئاً لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ لكن عمر بقي يعني يراجع حتى فتح الله على قلب أبي بكر وعرف أن مصلحة الإسلام تكون في ذلك، فهنا تم استدعاء أحد صحابة كتاب الوحي وهو سيدنا زيد بن ثابت.
طيب، انتدب في الصفحة التالية، انتدب الصديق لهذه المهمة زيد بن ثابت رضي الله عنه، والذي هو أحد حفظة كتاب الله وكتاب الوحي، تميز بعقله وفهمه وأنه شهد العرضة الأخيرة من القرآن. آه، ممتاز، ليش زيد بن ثابت بالتحديد هو اللي تم استدعاؤه وتكليفه بهذه المهمة؟ لأنه شهد العرضة الأخيرة بين جبريل والنبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذا الرجل هو الذي سيمتد الصحابة لجمع المصحف، فقدر الله أن زيد بن ثابت هو الذي شهد العرضة الأخيرة بين جبريل وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا هو مش شايف جبريل، أنتم عرفتم الصحابة ما كانوا يشاهدون جبريل، عرفت؟ لكنه كان يعلم بحضوره، فشهد وسمع ما يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام من آخر القرآن، طيب.
ويحكي رضي الله عنه ذلك فيقول: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، يعني لما استشهد أهل اليمامة وهم الصحابة الذين استشهدوا مع مسيلمة في معركة مسيلمة الكذاب وكانوا أكثر من خمسمائة، قال: فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، يعني كثر، واني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، واني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورايت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد، قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل. لا، أبو بكر بحكي لزيد: أنت شاب عاقل، شاب وعاقل ونشيط. قال: وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمع.
فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، يعني زيد بن ثابت بيقول: لو حكوا لي انقل جبل لكان أسهل علي من أنهم يأمروني بأن أجمع المصحف، لأنه مسؤولية خطيرة وعظيمة، أن شخص يتكفل بجمع القرآن لأمة ستستمر آلاف السنين، يعني غلطة واحدة يعني مشكلة ستكون، نعم.
قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فحتى زيد أول شيء قال: يا عمي، صعب هذا، مشروع صعب. نعم. قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. يعني ما زال بتحاور بتحاور حتى زيد بن ثابت اطمأن أن والله فعلا هاي المصلحة للإسلام.
فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر العسف اللي هي أوراق النخيل، تمام، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره. ايش يعني؟ الآن القرآن زي ما حكينا كحفظ في الصدور موجود عند كثير من الصحابة، لكن هو سيدنا زيد بن ثابت سياتي معنا وما كان يعتمد على ما في الصدور ابتداءً، كان يعتمد على ما كتبه كتاب الوحي، كان بيعتمد على المكتوب، ففي هناك حتى آيتين سياتي معنا لم يجدهما إلا عند صحابي واحد مكتوبة، بس هو الوحيد اللي كان كاتبهم، مكتوبات عنده وهو سيدنا خزيمة أبي خزيمة الأنصاري.
وجد عنده إلا آخر آية من سورة التوبة: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ إلى آخرها، لم يجدها مكتوبة إلا عند هذا الصحابي، سبحان الله.
طيب، قال: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند الصحف يعني المصحف الذي هو المصحف الذي جُمِع فيه كان عند أبي بكر بعد ما زيد بن ثابت جمعه وضعوه عند أبي بكر، لما مات أبو بكر الله يرضى عنه أصبح عند عمر بن الخطاب، لما مات عمر بن الخطاب وضعوه عند سيدتنا حفصة بنت عمر بن الخطاب.
طيب، وقد اتخذ زيد رضي الله عنه في ذلك المنهج الآتي. الآن ايش الخطوات الإجرائية اللي عملها زيد بن ثابت حتى استطاع يجمع المصحف في زمن أبي بكر الصديق؟ لا تكتب، لا تكتب أي آية حتى يجتمع فيها الحفظ مع الكتابة، هذا أول إجراء. قال: أنا لن أكتب أي آية في المصحف حتى يجتمع فيها الحفظ في الصدور مع الحفظ في السطور.
هذا القرآن محفوظ في قلوب الصحابة، لكن قال: لا تكتب إلا أن أجدها مكتوبة عند الصحابي، والصحابي اللي عنده اياها مكتوبة بده يجيب الشهود شاهدين أنه هاي آية، تمام؟ فزيد يحفظ القرآن والصحابة يحفظون، لكن لا يكتب آية حتى يجتمع فيها الحفظ والكتابة، ولهذا قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري كما ذكرنا، نعم، لم يجدها غيره.
طيب، فهو لم يجدها مكتوبة عند غيره، نعم، لكنها محفوظة في صدور كثير من الصحابة، يعني لم يجدها عند غيره مكتوبة بس كحفظ هي محفوظة عند كثير من الصحابة، هذول الآيتين انتبه، يعني هذول الآيتين الصحابة حافظينهم، نعم، بس هو ايش يقول؟ لم أجدها عند غيره، يعني لم أجدها مكتوبة في شيء إلا عند هذا الصحابي.
طيب، قال: ولا تقبل الآية مكتوبة حتى يشهد لصاحبها شاهدان، فكما في الرواية قدم عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسف، العسف كما قلنا أوراق النخيل، طيب. وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان، يعني يجيب شاهدين يشهد عليها، نعم. وفي حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءك بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتبه، يعني عدوا على باب المسجد وصاروا يستنوا الصحابة يدخلوا وياخذوا منهم، نعم.
قال السخاوي رحمه الله: والمراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتِب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن. يعني إذا الشاهدان سيشهدان على ماذا؟ أما على أن هذا المكتوب كتب بحضرة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، أو يشهدوا أن هذه الآية المكتوبة نحن نحفظها، ولم يتم إثبات آيات هكذا.
وكان اعتماد زيد في جمعه على العرضة الأخيرة، بل إن من أسباب اختياره لهذا الجمع أنه شهد العرضة الأخيرة على رسول الله، حتى لا حتى لا يجمع فيها ما نسخ تلاوته.
في هذه المرحلة، مرحلة الجمع الثاني، تم جمع القرآن كله في مكان واحد مشتملاً على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. طب هذا السؤال مهم: أبو بكر الصديق لما جمع المصحف هل جمع فيه الأحرف السبعة؟ نعم، يعني أبو بكر الصديق لما جمع المصحف في حياته، جمع بكامل اللهجات، جمع بكامل اللهجات والأحرف السبعة.
طيب، لكن من غير منسوخه وذلك، لكن لم يكن هناك الآيات المنسوخة، لا، لم يذكرها، نعم. وذلك باعتماد العرضة الأخيرة، لأنه في العرضة الأخيرة خلاص، الآيات المنسوخة كان جبريل رفعها، نعم.
ولم تخل تلك المرحلة من وجود مصاحف عند عدد من الصحابة كعلي وأبي وابن مسعود، لكن الاعتماد كان على هذا المصحف، نعم. قيل إنه في زمن أبو بكر وعمر كان هناك مصاحف خاصة بعبد الله، أبداً احتمال وقوع سهو في الكتابة أو ما شابه ذلك، الاعتماد كان على ماذا؟ على النسخة الرسمية خلينا نحكي الموجودة عند أبي بكر الصديق، طيب.
قال: ووضع هذا المصحف كما أخبر زيد بن زيد رضي الله عنه، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر في حياته ثم عند حفصة. قال عليه، قال عل، أيوه، قال علي رضي الله عنه: أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، رحمه الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.
نيجي الآن على المرحلة الثالثة مرحلة جمع القرآن، وهي حقيقة مش جمع أكثر من أنها ايش؟ نسخ، جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان، نعم. بعد أن فتحت الأمصار واتسعت رقعة بلاد الإسلام، صار كل أهل بلد يأخذون القرآن عمن وفد إليه من الصحابة والتابعين. تعرف، في زمن عثمان وصل الصحابة يعني إلى تخوم إيران وما حولها، ووصلوا إلى يعني بلاد إفريقية وما حولها، فأهل تلك البلد من أين سيأخذون القرآن؟ من الصحابة والتابعين الذين هاجروا أو ذهبوا فاتحين إليهم، فكل أهل البلد يتعلمون القرآن، خاصة الأعاجم كانوا يتعلمون القرآن من الصحابة الذين يأتون.
وكل يقرا بالحرف الذي تعلمه من رسول الله أو صحابته، ووقع الخلاف في القراءات بين الناس مع بعض اللحن عند بعضهم، وكلهم يعني، والتابعون الآن، هؤلاء التابعون أنتم بتلاحظوا أنه الصحابة أو التابعين الآن بدأوا يفتحوا الأمصار، ممتاز. وصلوا إلى تخوم أرمينيا وإيران وأذربيجان وما شابه ذلك، ووصلوا إلى إفريقيا وليبيا والجزائر وما شابه ذلك.
الآن كل صحابي أو تابعي هو سيقرا القرآن لهذه البلدة على ما تعلمه من الأحرف السبعة، صحيح، على ما يعرفه من الأحرف السبعة. الذي حصل ما هو؟ أنه في صحابي كان يقرئ جماعة من الأعاجم بطريقة، بيجي صحابي آخر بيعرف حرف من الأحرف السبعة مختلف بقراهم بطريقة ثانية، بيجي صحابي ثالث أو تابعي بقراهم بطريقة رابعة، فأصبح الأعاجم يخطئ بعضهم بعضاً. بيجي واحد بقول: أنا قرآني عبد الله بن مسعود كذا كذا، أنت قرأتها غلط. بيجي: لا، طب أنا قرآني فلان فلاني، حذيفة، أنت اللي قرأته غلط. فأصبحوا يعني يتمشكل الأعاجم فيما بينهم لأنهم مش فاهمين قضية الأحرف السبعة وفائدتها، لأنهم مش ما كانوا عرباً، فكانوا يتصورون أنه في هناك أخطاء، أنه هذا بيقرأ خطأ، لا، لأنه أنا مش عارف، أنت كيف تعلمت؟ مين اللي لاحظ هاي المشكلة؟ حذيفة بن اليمان لاحظ أنه في بلاد
الأعاجم صار في مشكلة، وأنه ما عادوا يفهمون قضية الأحرف السبعة، وصار يخطئ بعضهم بعضاً. طب أنت لما تخطئ واحد في القرآن أنت مش رح تخطئه بس، رح تكفره، وصار فيها تكفير. فخشى حذيفة بن اليمان من أن تكبر المشكلة في العالم الإسلامي، اقرأ. قال: حتى ظهرت بينهم الفتن، وخطأ بعضهم بعضاً، وكفر بعضهم بقراءة بعض، وذلك سنة خمس وعشرين للهجرة. هذا كان في سنة خمس وعشرين للهجرة نعم.
عن أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، يعني جعل المعلم يعلم قراءة الرجل الذي تعلم على يديه من الصحابة، ثم يأتي معلم آخر فيعلم أقواماً على قراءة رجل آخر من الصحابة. طيب، فجعل الغلمان في الكتاتيب في بلاد الأعاجم وغيرها يلتقون فيختلفون، ويطاشون بينهم: لا، أنا قراءتي صح، لا، أنت قراءتك صح، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى المعلمين نفسهم الأساتذة في بلاد الأعاجم صاروا يختلفون وكل واحد يخطئ الآخر، حتى كفر بعضهم بعضاً.
فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: إنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافاً. يعني هذا النص لسه بحكي، عفواً، ما بحكي عن بلاد الأعاجم، هذا النص لسه بحكي عن ماذا؟ عن الناس الموجودين عند عثمان في المدينة. يعني عثمان راى أن المشكلة مش فقط عند بلاد الأعاجم، بل حتى الناس اللي عنده في المدينة في الكتاتيب اللي في المدينة بدأوا يختلفون وبدأت المشكلة تكبر، فخطب الناس فقال: إنتم عندي في المدينة وعم في الكتاتيب بتختلفوا على قراءة القرآن ويكفر بعضكم بعضاً، طب الناس اللي في آخر العالم عني هذول ايش رح يعملوا؟ رح يذبحوا بعض. فعثمان أيضاً قبل ما يجوا حذيفة بن اليمان أيضاً عثمان كما نقل في الآثار بدا يشاهد المشكلة وآثارها في الحياة المدنية.
طيب، ثم إن حذيفة، ثم إن حذيفة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه خرج في بعض مغازيه فشاهد هذا الاختلاف في الأمصار. فعن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. يعني كان يغزو جهة أذربيجان. شوف الصحابة وين كان يجاهدوا، الله يرضى عنهم. نعم.
فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فوافق قول حذيفة ما كان عثمان يخشى منه فقال: اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماماً. فعثمان مباشرة جمع الصحابة في المدينة وقال: اجتمعوا دعونا نكتب للناس إمام، يعني شيء يتبع إماماً، يعني مصاحف تتبع تكون إماماً لهم، تكون ماذا؟ إماماً لهم حتى لا يختلفوا فيما بعد ذلك. لذلك سميت النسخ اللي كتبها عثمان بالمصحف الإمام، لماذا تسمى بالمصحف الإمام نسخ عثمان؟ لأنه جعلها إماماً، يعني الناس تتم بها وتعود إليها.
طيب، فارسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في مصاحف، فالآن المصحف كان وين موجود؟ عند حفصة، فقال: أعطيني المصحف اللي عندك حتى ننسخ ست نسخ أو سبع نسخ، نعم. قال: ثم نردها إليك. فارسلت بها حفصه إلى عثمان، فامر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. عمل مباشرة عثمان لجنة للنسخ، هذه اللجنة فيها واحد من الأنصار وهو زيد بن ثابت، والباقي كان من قريش: عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص، عبد الرحمن بن الحارث، هؤلاء ثلاث قرشيين وزيد بن ثابت أنصاري، لجنة لنسخ المصاحف.
طيب، واعتمد عثمان رضي الله عنه على حرف قريش ولغتهم وألغى الحروف السته الأخرى. أيه زي ما حكينا هون عثمان اتخذ قرار مع الصحابة أنه نلغي الأحرف الستة ونجمع الناس على حرف واحد. طبعا، طب رح تقول لي: طب القراءات السبع يا شيخ، هذه ايش موضعها؟ القراء اليوم أبوها القراءات السبع أو العشر الموجودة اليوم هي كلها من ضمن حرف واحد، هي أوجه من الأداء في حرف واحد فقط من الأحرف السبعة، متخيلين؟ كل هذه القراءات هي عبارة عن أوجه أداء لآية في حرف واحد فقط من الأحرف السبعة.
نعم، وقال للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فانه إنما نزل بلسانهم. ففعلوا. نعم، يعني هو الآن عثمان عم بيصل لجنة: إذا اختلفتم كيف ستكتب الكلية؟ فلا تكتبوها على لغة زيد بن ثابت، لأنه هذا أنصاري، اكتبوها على لغة قريش، يا قريش، لأن القرآن أول حرف نزل به هو على حرف قريش، فنعتمد لهجة قريش، حرف قريش من الأحرف السبعة.
نعم، وإنما فعل عثمان ذلك من باب جمع الكلمه ودرء الفتنة، وإلا فإن القراءة بالحروف السبعة ليست واجبة، بل هي من باب يعني هي أصلاً لما شرعت كانت رخصة وتخفيف، وبقي بها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك فعل عثمان ذلك بحضور الصحابة وإجماع من حضرهم.
حتى قال علي رضي الله عنه -شو المشكلة حتى تعرفوا طبيعة المجتمعات الإنسانية؟- أن هذا المعروف اللي عمله عثمان مع الأمة الإسلامية، طلع الخوارج في آخر زمن وايش بقولوا؟ عثمان لغى الأحرف السته وشايفين كيف عثمان لعب بالقران. يعني حتى تعرف أنه في كل مجتمع في هذه الطبقة اللي هي التعامل معها صعب، طبقة سطحية ساذجة، التعامل معها في الأحكام الشرعية متعب، لأنه هي خلص فاهم الدين يعني بطريقه واحدة، مش ناس، أو الناس يا إنسان عامي الأصل يسكت ويترك الأمر للعلماء الراسخين، يا إنسان عالم راسخ، أحد أمرين.
متى بتصير المشكلة؟ لما العامي بده يتفلسف. هذه هذه الواقعة وين بتصير المشكلة دائماً في المجتمعات؟ لما العامي بده يتفلسف في الدين، هنا تنشا الفتن، وهذا هو أصلاً منشا الفتن من بداية عصر الصحابة: عوام بده يتفلسف على عثمان رضي الله عنه أنه أنت كيف تلغي الأحرف الستة يا جماعه الخير؟ طب ما لغناها كان هسه القرآن دخل بعضه عندكم، وما حدا الآن عرف ماذا ولن نضبط الناس. العامي عقله محدود جداً، ولا يرى أكثر من الشبر اللي أمامه. يعني هذه حتى خبرة في الحياة لا يرى أكثر من الشبر اللي أمامه، العالم اللي ربنا رزقه بصيرة ورسوخ هو شايف لمئة كيلو قدام. بالتالي هو لا ينظر فقط لمساحة معينة، المشكلة العامة، لذلك العامه عبر التاريخ ماذا كان ينصح ويلزمه؟ اتبع العالم فاسألوا أهل الذكر. يعني لا تفتي أنت، لا تشتهر، حتى لو أنت مش مقتنع بكلام العالم اسكت وأحسن الظن بالعالم وأنت بتسكت، لأن أنت حضرتك إذا بدأت تحط إيدك في الموضوع رح تدمر الدنيا، وهذا اللي بصير في واقعنا المعاصر: أن أكثر الفتن إنما منشاها تدخل العوام.
طبعا مين بدخل في كلمة العوام؟ المثقفين، الدكاتره، المهندسين، الفلاسفة، هذول كلهم عوام بالمعنى الشرعي، بس عاد اقنع هسه دكتور أنه هذا طبيب في مستشفى كبير في الأردن أنه أنت عامة في الشريعه! أنا عامة؟! شو بتكي؟ يعني بصير يفكر أنه أنت عم تشتمه. لا، الواقع زي ما أنا عامة في الطب، أنت عامة في الشريعه، هيك الحياة. تعال اقنع شخص صحفي أو محلل سياسي من بيطلع على القنوات أنه أنت عامي في الشريعه، بعتبرك بتسب عليه، بس هو هذا الواقع: أن أنت عامي، لا تتكلم يا عمي، لا تعطي رأي، أنت لا تعرف ماذا تريد الشريعه.
أما عثمان بن عفان الذي شارك في المغازي والأحوال الكبرى مع النبي صلى الله عليه وسلم، في حدا يقدر يزاود على نزاهة عثمان وفضل عثمان؟ هو ثالث أفضل صحابي في الأمة، ثالث أفضل صحابي. فعلي كان يقول: لا تقولوا في عثمان إلا خيراً، وبيرد قاعد على الخوارج واللي في نفسه شيء من كلام الخوارج: فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا. يعني كنا كلنا حاضرين، يعني هو ما اتخذ القرار وحده عثمان، الصحابة الكبار كلهم كانوا حاضرين ووافقوا عثمان، عثمان، ومش فقط بس الغى المصاحف الغى الأحرف الستة، اتخذ قرار أيضاً: ايش؟ إحراق جميع المصاحف التي بين أيدي الصحابة. قال: يا عمي ما بصير يبقى مصحف بين أيدي الصحابة غير المصاحف المعتمده من النظام من الدولة، لأن هذه المصاحف ممكن يكون فيها خطأ في الكتابة، يعني لم تنقح، لو فيها خطأ وانتشرت بين الناس، شو اللي بده يصلح الأمور بعدين؟ فكان قرار عثمان بتحريق المصاحف أيضاً إلا المصاحف التي نسخها هو مع اللجنة، وهذا أيضاً سبب له مشاكل للأسف.
طيب، وكانت وكانت كتابته للمصحف على نحو يحتمل جميع أوجه القراءة، وهو ما يعرف بالرسم العثماني. ايش يعني جميع أوجه القراءة؟ يعني عثمان في رسم اليوم اسمه الرسم العثماني. ما المراد بالرسم العثماني؟ الناس بتفكر الرسم العثماني عثمان طه الله يكرمه اللي كاتب المصحف، لا، عثمان طه هذا معاصر إخوان. الرسم العثماني نسبة إلى عثمان بن عفان، الرسم العثماني نسبة إلى عثمان بن عفان، ليه؟ لأنه زيد بن ثابت مع اللجنه التي وضعت معه كتبوا المصحف بكتابة معينة، يعني هي ليست الكتابة الطبيعية الإملائية، نحن لما نكتب بشكل عام نكتب بطريقة معينة، افتح المصحف بتلاقي المصحف كتب بطريقة أخرى مختلفة، مش بالكتابة الإملائية المعهودة، ليه؟ لأنه عثمان طلب من اللجنة أن يكتب المصحف بطريقة تستوعب القراءات السبع والعشر، تستوعب القراءات السبع وايش؟ والعشر فيما ذكروا.
فلذلك تجد الكلمة مثلاً واو فوقيها ألف مثلاً، تجد كلمة أحياناً في ألف خنجرية صغيرة، أحياناً قراءة بتقراها قراءة ما بتقراها. عثمان حاولوا أن يكتبوا القرآن بطريقة أن يستوعب جميع القراءات على الحرف الواحد، جميع القراءات السبع الموجودة حالياً على الحرف الواحد، طبعا ضمن الاستطاعة، لأنه هي فعلياً مش كل كلمة كتبت تستوعب جميع القراءات، لكن على الأقل أنها تستوعب ماذا؟ أكثر من قراءة، ولذلك قالوا: هو حافظ على جميع القراءات، فإذا وجد كلمة لا يمكن كتابتها بطريقه تستوعب جميع القراءات السبع، كان يختار أن بعض النسخ تكتب بطريقة معينة، ونسخة أخرى تكتب بطريقة أخرى، حتى يحافظ على القراءات السبع على الأقل ضمن ماذا؟ ضمن النسخ.
كمل، وكانت خالية من النقط والشكل كما هي. نعم، النقاط والحركات الفتحة والضمة والكسره والسكون لم توضع زمن عثمان، نعم. كما هي حال حال الكتابه يومئذ، وتحتمل وجوه القراءة أيضاً، يعني أصلاً عدم وضع النقاط والتشكيل هو أصلاً بيساعد أن تقرا الكلمه على أكثر من قراءة من القراءات القرآنية، أنه وضع النقاط والتشكيل طر بحكمك شوي في القراءة التي ستقرا بها.
طيب، فبعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل نحو: فتبينوا، مثلاً كلمة فتبينوا لو شلت النقاط منها تجد أن يمكن تقراها فتبينوا، ممكن تقراها فتثبتوا على حسب أنت كيف رح تحط النقط، فلذلك عثمان لما كتب المصحف كتبه بدون نقط فقط، بدون حركات، حتى يكون في مجال أن تقرا القرآن على حسب القراءة الموجودة عندك.
طيب، واعتمدوا العرضة الأخيرة، إذ كان اعتمادهم على جمع أبي بكر وبحضور زيد، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة. الصحف يعني المصحف الذي جمعه أبو بكر، ثم بقيت معها حتى توفيت، وبعدها غسلت أو أحرقت. قيل إن النسخه التي كانت عند حفصة اللي جمعها أبو بكر تم غسلها، غسل الحبر عن الورق، تم إحراقها، ليه؟ أنه خلص عثمان اعتمد سبع نسخ الآن على حرف واحد، نسخة أبو بكر الصديق كان فيها إيه الأحرف السبعة، فعثمان أراد أن أو يعني بعد وفاة حفصة أرادوا أن تنسى الأمة موضوع الأحرف السبعة ونبقى على حرف واحد، فكان الوسيلة إزالة نسخة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
نعم، وأرسل عثمان إلى كل أفق بمصحف مما نس إلى كل أفق، كل بلد يعني من البلاد المشهورة: البصره، الكوفة، إلى مكة. طيب، وحبس عنده بالمدينه مصحفاً سمي بالمصحف الإمام، ثم أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق وفي رواية أن يخرق. يقول علي: أما أن يحرق أو يخرق، يعني يخز. يقول علي رضي الله عنه: يا معشر الناس اتقوا الله واياكم والغلو في عثمان. والغلو في عثمان يعني الشتم نعم. وقولكم حراق مصاحف، شوف شو بقول عنه يعني حتى تعرف عقلية العوام: حراق مصاحف! صار عثمان رضي الله عنه لأنه أمر بحرق المصاحف، قال: فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أيضاً: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. وأما عدد ما نسخ من هذه المصاحف فقيل أربعة، وقيل خمسة، وقيل سبعة، ولا يوجد منها شيء اليوم. يعني كم عدد مصاحف عثمان التي نسخت ووزعت على الأمصار؟ قيل أربعة، وقيل خمسة، وقيل سبعة، وقيل ستة، يعني اختلفوا في عددها، ولكن هل هناك شيء منها محفوظ اليوم؟ حقيقه اليوم لا يوجد عندنا أي مصحف من هذه المصاحف، الناس كتبتها ونسختها عندها لكن هي هي نفسها كنسخ أثرية مثلاً في هذه المتاحف العالمية هل عندنا نسخه متبقية من هذه المصاحف الست؟ قيل أنها غير موجودة.
وقصار ما وصلنا منها عن ابن الجزري في زمانه، يعني قيل إن ابن الجزري في زمانه رأى مصحف من المصاحف الستة، المصحف اللي بعثه عثمان للشام استطاع أن يرى. بعد ابن الجزري لم يرصد أي عالم يقول إنه رأى هذه المصاحف، آخر شخص أو ممن علم أنه رأى شيئاً منها العلامة ابن الجزري إمام القراءات.
نختصر اليوم على هذا المقدار، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل