بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حياكم الله أيها الرواد في مجلس ختامي لمادة العقيدة. هذا المجلس حقيقة أيها الكرام أضفناه حديثا ولم يكن في الدفعة السابقة بسبب إضافة هذا المبحث الختامي لكتاب العقيدة، وهو مبحث متعلق بتعريف البدعة وأحكامها، ورأينا أن هذا الموضوع من المواضيع الأساسية المهمة التي ينبغي تحصين المسلم تجاهها بكثرة ما يواجهه المسلم المعاصر من البدع في باب الاعتقادات وفي باب الأقوال والأعمال، فحري بك عبد الله وحري بك أمة الله أن تكوني على دراية بمفهوم البدعة وضوابطها وقواعدها العامة. حفظنا الله وإياكم من شرها.
دعونا نبدأ بمفهوم البدعة وأحكامها كما عندكم في الصفحة 120، ثم ندخل في التعريف الدقيق للبدعة. علينا أن نعرف إخواني أن عقيدة أهل السنة والجماعة ما يميزها أنها عقيدة تقوم على الاتباع لا على الابتداع. فأهل السنة في كل زمان ومكان حريصون على أن يعرفوا ما الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفعلونه فيفعلونه، وما الذي كانوا يتركونه فيتركونه. وهذا معنى أن نكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا معنى ما قاله كثير من السلف: أنت الجماعة ولو كنت وحدك.
فالإنسان كيف يكون جماعة وهو واحد؟ إذا عرف ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه واتبعه وتمسك به وعض عليه بالنواجذ، فهو الجماعة ولو كان واحدا. ولا يغرنك كثرة أهل البدع والذين يخترعون في دين الله سبحانه وتعالى ما لم ينزل به سلطانا، فهؤلاء ولو كثر سوادهم ولو شرع لهم ما شرع، لكنهم ليسوا على النهج الأول ولم يأخذوا من المنبع الصافي، فطريقهم ليس طريق السلامة، عفانا الله وإياكم.
طيب، ومن سمات أهل السنة التي يتميزون بها أنهم أهل اتباع في عقائدهم وعباداتهم وسلوكهم لا ابتداع. وفي النقطة الثالثة ذكرنا أن السنة والاقتداء بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام ليس فقط بما فعله، بل أيضا يكون بما تركه، وهذه كثيرا ما نبه عليها علماء أهل الحديث عبر التاريخ أن السنة والاقتداء يشمل الالتزام بما فعله، ويشمل أيضا الالتزام بما تركه النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمه الله: والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب سنة. لاحظ ماذا يقول، يعني الفعل الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام وكرره هو تشريع، كما أن الأمور التي قصد تركها كما سيأتي معنا بشروطها مع إمكانية أن يفعلها، قصد تركها مع إمكانية فعلها وواظب على تركها، فتركها سنة متبعة لنا أيضا. وكذلك قال الإمام الشوكاني عليه رحمه الله: تركه صلى الله عليه وسلم للشيء كفعله له في التأسي به فيه. وكذلك قال الإمام ابن السمعاني: إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا وجب علينا متابعته فيه. ولماذا نركز على قضية الترك؟ لأن أكثر البدع التي تحصل اليوم لما نقول لأصحابها هذا الشيء ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا يقولون لنا؟ كون النبي عليه الصلاة والسلام تركه ولم يفعله هذا لا يدل على أن السنة تركه، بل فقط مجرد أن النبي عليه الصلاة والسلام تركه لا يعني هذا أننا لا يجوز لنا أن نفعله ونحدثه، فهو لم يقل لنا لا تفعلوا، هو فقط لم يفعل. نقول: لا، هذا هو بحد ذاته كونه لم يفعله مع إمكانية فعله هو تشريع أيها الكرام، ولا أطيل في هذا لأنه سيتضح معنا أكثر وأكثر في أثناء التفصيل.
دعونا ابتداء نأتي إلى مفهوم البدعة. البدعة في اللغة مأخوذة من البدع، والبدع هو الشيء المخترع على غير مثال سابق. قال سبحانه وتعالى مثلا: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. الله سبحانه وتعالى من أسمائه وصفاته أنه بديع السماوات والأرض، والبديع بمعنى ماذا؟ المبدع الذي أنشأ السماوات والأرض على غير مثال سابق. ومنه قوله أيضا صلى الله عليه وسلم كما ورد في القرآن: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ، يعني أنا لست أول من يأتي إلى البشرية رسولا من الله، بل سبقني الكثير من الأنبياء والرسل بالرسالات الإلهية. فإذا كلمة البدعة في اللغة تقوم على فكرة الشيء الجديد الذي لم يسبق إليه.
وأما في الشرع فالعلماء كثيرا ما قدموا تعاريف للبدعة، لكن من أدق التعاريف ومن أجودها ما ذكره الإمام الشاطبي عليه رحمه الله في كتابه الاعتصام حين قال: البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله. نعيد التعريف مرة أخرى: البدعة طريقة في الدين مخترعة، هذا الجزء الأول، تضاهي الطرق الشرعية، ويقصد بها صاحبها في العادة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. فقولنا طريقة في الدين مخترعة، هذا يحدد أين تكون البدع، فالبدع إنما تكون في الأديان. وأما العادات الاجتماعية والعلوم الإنسانية والأمور الحياتية فهذه ليست مكانا للابتداع، وإنما الناس يخترعون من الغسالات والثلاجات ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل النقل وأمور كثيرة تخترعها البشرية، وكذلك كثير من الأمور الاعتيادية التي يفعلها الناس في أمور حياتهم من مثلا في الأعراس والاحتفالات العامة والخاصة والعادات القبلية التي لا تخالف الشريعة -يعني هذا هو المهم- فهذه الأمور العلوم الدنيوية والأمور الاعتيادية التي يفعلها الناس في حياتهم هي ليست مجالا للابتداع، وإنما الابتداع إنما يكون في الأمور التي هي من أمور الشريعة في الأصل، في العقائد والعبادات.
طيب، ولاحظ أننا قلنا طريقة في الدين مخترعة، ومعنى أنها مخترعة أي ليس عليها أصل شرعي يدل عليها، لا أصل شرعي عام ولا أصل شرعي خاص، يعني ما في دليل خاص على هذه العبادة التي اخترعها فلان، ولا تندرج هذه العبادة أو التصرف تحت أصول الشريعة العامة، فلا أصول الشريعة العامة تدل عليها ولا الأدلة الخاصة تدل عليها، وإنما هي من بنات أفكار فلان أو علان. ولذلك يقول الحافظ ابن رجب: والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه. كل ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان ممكن يسمى مثلا بدعة من حيث اللغة كما قال عمر رحمه الله عليه لما جمع الناس في المسجد النبوي على صلاة التراويح قال: نعمة البدعة هذه. قصد عمر بكلمة البدعة البدعة بمعناها اللغوي الشيء الجديد، لكن هل الذي فعله عمر هو فعلا شيء جديد تماما لم يسبق إليه؟ أم أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى التراويح بأصحابه في زمن النبوة عدة أيام، ثم امتنع من ذلك خشية أن يفرض عليهم؟ فقصد عمر بكلمة البدعة إذا هو إحياء تلك السنة وجمع الناس عليها مرة أخرى في المسجد النبوي سماه بدعة، فما فعله هو له أصل في الشرع، ولا يمكن للصحابي أن يخترع شيئا من ذهنه يتعبد به أو يعبد الناس به لله ولا يكون له أصل خاص أو عام في الشريعة.
طيب، نعود إلى التعريف، قلنا البدعة طريقة في الدين مخترعة، اخترعها صاحبها، لماذا؟ قال يريد أن يضاهي بها الطرق الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة. يريد أن يقول: هذه الطريقة التي اخترعتها في الصلاة أو في الذكر أو في الصيام أو ما شابه ذلك، هذه الطريقة أنا أضاهي وأزاحم بها الطرق الشرعية التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولاحظ أيضا أن كلمة تضاهي الشرعية تعطي قضية أخرى، وهي أن هذه الطرق المخترعة هي تشابه الطريقة الشرعية من حيث الظاهر، في نوع من التشابه العام يزينها في عقول الناس، يقول الناس: ها هي تشابه الطريقة الشرعية، فيها نوع من الإخبات والخشوع والخضوع وغير ذلك من الطقوس التي يفعلونها، فهي تشابه الصلاة الشرعية، الصلاة المبتدعة تشابه الصلاة المشروعة، صحيح، الصيام المبتدع يشابه الصيام المشروع، الذكر المبتدع يشابه، الأعياد المبتدعة تشابه الأعياد المشروعة، وأصلا كما يقولون لو لم يكن هناك تشابه في الظاهر بين البدعة والسنة لما راجت على كثير من الناس، لو لم يكن في هناك نوع من التشابه لما راجت ولا الناس عرفتها مباشرة أن هذا ليس منهج محمد عليه الصلاة والسلام، لكن لما كانت هذه الطرق المخترعة تشابه الأمور الشرعية وهناك في الظاهر نقاط التقاء، راجت على كثير من الناس وظنوا أن هذا النوع من التعبد مقبول عند الله سبحانه وتعالى.
طيب، هذه الطرق المخترعة التي تشابه الطرق الشرعية ماذا يقصد بها صاحبها؟ نقول في العادة هؤلاء الذين يضعون البدع للناس ويفعلونها وينشرونها هم في العادة قد يكون مقصدهم حسنا، نحن لا ندخل في نواياهم، قد يكون فعلا هو مقصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ولا يريد معصيته، وهذا هو الفرق الأساس أصلا بين البدعة والمعصية، أن العاصي هو يفعل شيئا نهاه الله وهو يعلم أن هذا شيء لا يرضي الله سبحانه، أما المبتدع فهو يفعل شيئا قد نهي عنه ولكنه يظن أنه يحسن صنعا به وأنه يتقرب بذلك إلى الله ولا يتصور خطأ فعله، ولا يتصور خطأ فعله، فالفرق بين البدعة والمعصية أن العاصي يفعل شيئا يعلم في الظاهر أنه محرم ولكن لهوى النفس وشهواتها، وأما المبتدع فيفعل شيئا نهى الله عنه لكن يظن أنه يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه مشكلة الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
طيب، حقيقة هنا فائدة أضفناها أن من بواعث الابتداع عند كثير من الناس هو البحث عن التجديد، يريد أن يبحث عن شيء جديد في الدين لأنه لم يشعر باللذة أو ماتت اللذة عنده بالعبادات التي شرعها الله سبحانه، مع أن العبادات التي شرعها الله أكمل وأجمل وأتم، لكن لضعف اطلاعه ولضعف حضور قلبه في هذه العبادات التي شرعها الله زين له الشيطان الاختراع والاتيان بأنماط جديدة من التعبد لعله يجد شيئا جديدا فيها، وهكذا كلما قل اتباعك للسنة وتمسكك بها كلما زين لك الشيطان أن تخترع عبادات جديدة تضاهي وتزاحم بها العبادات المشروعة.
طيب، ومن هنا إخواني وأخواتي يجب أن تعرفوا قاعدة وهي أن الأصل في باب العبادات المنع. ما معنى أن الأصل في باب العبادات المنع؟ أننا لا نسمح لأي شخص حتى ولو كان من كان في العلم أن يخترع عبادة جديدة ويقول للناس تعبدوا لله سبحانه وتعالى بها: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، فالعبادات توقيفية، ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام فعلناه وما تركه تركناه، ولا يسمح فيها للتجديد والاختراع، وما وقف عنده الوحي نقف عنده.
طيب، حكم البدعة، البدعة يا إخواني بالمفهوم الشرعي هي محرمة، فيثاب تاركها إذا قصد بتركها التقرب إلى الله، ويعاقب فاعلها إذا كان أقيمت عليه الحجة وبين له أن ما يفعله ليس طريقا مرضيا وأصر، أما إذا كان جاهلا فقد يعذره الله سبحانه وتعالى ولا يعاقبه، لكن الأصل أن البدعة مما يعاقب على فعله، وأما من عذره الله فهذا أمر لله سبحانه وتعالى. قد تصل البدعة أحيانا إخواني انتبهوا، قد تصل بعض أشكال البدع وصورها إلى الكفر والعياذ بالله، إن وجد في البدعة ما يقتضي ناقضا من نواقض الإسلام، كان مثلا يدعي المبتدع أنه يعلم الغيب، أو أن يذهب إلى القبور ويستغيث بأصحابها ويطلب منهم أن يشفي مريضه وأن يلبي حاجته وأن يقضيها الميت له، فهذا غير التوسل، لا، الاستغاثة وطلب قضاء الحوائج من الأموات هذه من البدع التي فيها نوع من الشركيات، فهذه البدع خطيرة جدا جدا، وأحيانا يبدأ معك الشيطان بالبدع اليسيرة كما فعل بهذه الأمة منذ القدم، بدأ بالبدع اليسيرة ثم بدعة الإرجاء، بدعة كذا، ثم بعد ذلك كبرها كبرها حتى وصلنا إلى البدع المغلظة، فالبدع قد تصل بصاحبها إلى الكفر والعياذ بالله إذا احتوت ناقضا من نواقض الإسلام أو كان فيها استحلال لما حرمه الله، بعض البدع تقوم على استحلال المحارم، وأن يتزوج الإنسان محارمه، ويصل هذا عند بعض غلاة التصوف، إذا حصل في البدع استحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، بعض البدع تقوم على تحريم أكل الخبز وتحريم أكل لحم الضأن، هذا تحريم ما أحل الله، وكذلك مقابلة تحليل ما أحرم الله، هذا يصل والعياذ بالله لصاحبه إلى الكفر، يجب أن ينتبه إلى هذه القضية.
ولذلك احفظ هذا الكلام: كل بدعة مهما صغرت فهي عظيمة، لأنها تعد على حق الله في التشريع، الله هو المشرع، وبعث النبي عليه الصلاة والسلام ليشرع لنا، فمن اخترع في العبادات شيئا جديدا فإنه يزاحم الله فيما هو من خاصته، وهو أنه الحكم المشرع سبحانه وتعالى، لا مشرع سواه. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: كل بدعة ضلالة، كل بدعة خروج عن الطريق القويم. يقول الحافظ ابن رجب: فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال، يعني سواء كانت البدعة تتعلق بعقيدتك اللي هي العقيدة الجهمية أو الرافضية أو الاعتزالية أو بدع أقوال كما يحدث كثير من الناس وعبادات قولية لا أصل لها في الدين، أو بدع الأعمال كالأعياد وما شابه ذلك من الأمور المبتدعة.
طيب، هنا فائدة وتنبيه، ذكر أو نقل عن أهل العلم أنهم قسموا البدعة إلى بدعة حسنة وإلى بدعة سيئة، والبعض قسم البدعة إلى خمسة أقسام على حسب الأحكام التكليفية، بدعة واجبة، بدعة مندوبة، بدعة مباحة، بدعة مكروهة، وبدعة محرمة.
الان هذا التقسيم اذا اردنا ان نصححه ونجد له مساحة، نقول: الذين قسموا البدعة الى هذه الاقسام بدعة حسنة وبدعة سيئة، قصد بالبدعة معناها اللغوي، ولم يقصد معناها الشرعي. لماذا؟ لان البدعة شرعاً لا تكون الا مذمومة. البدعة بمعناها الشرعي اللي هو طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بها صاحبها التقرب الى الله، لا تكون الا مذمومة، ما عندنا بدعة ينطبق عليها التعريف الشرعي وهي محمودة بحال من الاحوال. لكن بعض اهل العلم من الاصوليين والمقاصدين سلك مسلك، يعني انه اراد ان يقول: البدعة بمعناها اللغوي العام يتصور ان تكون واجبة ومندوبة، واصبحوا يمثلون على ذلك بما جمع الصحابة للمصحف، ان هذا كان من البدع الواجبة والبدع الحسنة، ما فعله عمر لما جمع الناس على صلاة التراويح، سموها بدعة واجبة وبدع حسنة. وسنلاحظ ان ما سموه بدعة واجبة او حسنة، حقيقة هو له اصل في الشرع، هذا الذي اريدك ان تنتبه، ان ما اطلق عليه بعض اهل العلم انه بدعة حسنة او بدعة واجبة، هذا له اصل في الشرع، واما اذا لم يكن له اصل في الشرع يرجع اليه، لا يمكن ان يصنف انه بدعة حسنة بحال، ولا انه بدعة واجبة بحال. ولذلك كان الشاطبي رحمه الله عليه اصلا ينتقد هذا التقسيم ويقول: لا داعي لهذا التقسيم؛ لان الشريعة لما تعاملت مع مفهوم البدعة، تعاملت معه بكلية على انه مذموم، فسعيك الى ان تأتي لمفهوم البدعة حتى لو كان مقصد هذا العالم حسن وانه يتكلم عن البدعة بمعناها اللغوي، نقول: هذا سيلبس على الناس. وهذا الذي وقع، ان بعض الناس اصبح يعتمد هذا التقسيم الذي سلكه طائفة من اهل العلم ليحتج على بدعته المذمومة على انها بدعة حسنة، ويقول: يا شيخ مش في بدعة حسنة؟ مش العز بن عبد السلام والقرافي قالوا في بدعة حسنة؟ نقول: يا اخي الكريم، هذا التقسيم عليك ان تعرف ما اخذه اولا، وانه يقصدون البدعة بالمعنى اللغوي وليس بالمعنى الشرعي. والافضل الا يسلك هذا التقسيم وان نحافظ على تسمية ان ما له اصل في الدين ان هذا من الشرع ولا يسمى بدعة حتى بالمعنى اللغوي، حذراً من التباس الامر على الناس، واما ما كان مذموماً فهو الذي يسمى بدعة، فهذا اسلم وافضل وابعد عن الاشكال. ولكننا نبهنا عليه حتى تعرف مقاصد اهل العلم في كلامهم وتقسيماتهم حتى لا يأتي شخص يلبس عليك في واقعنا المعاصر. طيب.
ولذلك من قسم البدعة الى بدعة حسنة وقال هناك بدعة حسنة، بماذا استدل؟ اصلا استدل بحديث النبي عليه الصلاه والسلام: من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء. واستدل بان عمر لما جمع الناس على صلاة التراويح قال: نعمة البدعة هذه. فهو ظن انه هذا تأسيس لمفهوم البدعة الحسنة، وما درى المسكين ان من سن في الاسلام سنة حسنة ان هذا قاله النبي عليه الصلاه والسلام في سياق لما كان يدعو الصحابه الى التبرع لاحدى الغزوات، فجاء بعض الصحابة افتتح الموضوع بشيء من التمر ثم انهال الناس بعده، فالنبي عليه الصلاه والسلام سر بهذا الصحابي الذي ابتدأ بشيء من التمر تصدق به ثم حفز الآخرين ليكملوا هذا المشوار، فسمى ما فعله من سن في الاسلام سنة حسنة. اذاً فالمراد بالسنة الحسنة في هذا الحديث ليس البدعة، وانما المراد امر مشروع، لكن اماته الناس او ضعف الناس عنه، فجاء شخص فأحيا هذه السنة فاقتدى الناس به. اذاً جيد ان نفهم هذا الحديث من سن في الاسلام سنة حسنة ما معناه؟ ما هو؟ حتى تتأكد من هذا المعنى انظر في سياقه الذي قال فيه النبي عليه الصلاه والسلام: الصدقة والانفاق في سبيل الله هذا مطلوب في الشرع في نصوص كثيرة، لكن لما كان هناك حاجة عند الصحابة الكرام او عند النبي عليه الصلاه والسلام لتجهيز جيش، فجاء بعض الصحابة فافتتح المضمار واقتدى الصحابة به، جعل هذا سنة حسنة، فالسنة الحسنة هو احياء ما تم اماتته او ضعف فعله من امور الدين المشروعة، وليس اختراع عبادة لا اصل لها. وكذلك فعل عمر؛ ذكرت لكم قبل قليل ان عمر لما قال نعمة البدعة هذه هو لم يأت لشيء لا اصل له في الشرع فاخترعه، وانما جاء الى ما فعله الصحابة مع النبي عليه الصلاه والسلام، وعرف ان النبي عليه الصلاه والسلام توقف عن فعله خشية ان يفرض عليهم، فلما مات انقطع الوحي فلا يمكن ان يفرض علينا، فرأى ان يعيد احياء تلك السنة، وسمى احياءه لتلك السنة نعمة البدعة، هذه هي القصة باختصار. ولذلك ابن رجب ماذا يقول: واما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فانما ذلك في البدع اللغوية البدع بمعناها اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر لما جمع الناس في قيام رمضان على امام واحد في المسجد، وخرج وراهم يصلون فقال: نعمة البدعة هذه، وروي عنه انه قال: ان كانت هذه بدعة فنعمة البدعة، وروي ان ابي بن كعب قال: ان هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت ولكنه حسن. ومراده ان هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه، يعني النبي عليه الصلاه والسلام لم يأت بصحابي وجعله يؤم الناس في المسجد النبوي وجمع الناس عليه، لكن اصل صلاة التراويح هل فعله الصحابة مع النبي عليه الصلاه والسلام؟ نعم. فيقول ابن رجب: ومراده ان هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه في هذا الوقت، ولكن له اصول من الشريعة يرجع اليها، فمنها ان النبي عليه الصلاه والسلام كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، ومنها وهو صلى الله عليه وسلم صلى باصحابه في رمضان غير ليلة، يعني اكثر من ليلة ثم امتنع معللاً بانه خشي ان يكتب عليهم. فاذا عمر عرف ان هذا الفعل وهو جمع الناس على ابي بن كعب في رمضان له اصول في الشريعة، وليس اختراع لا اصل له في الدين. طيب.
اما التحذير من البدع فقد جاء ايها الكرام نصوص كثيرة في الكتاب والسنة واقوال الصحابة والتابعين تحذر من الابتداع وتأمر بالاتباع، ويكفيك ان تقرأ مقدمة في الكلام الامام الشاطبي في الاعتصام وتنظر كم الهائل من النصوص التي حذرت من الابتداع في دين الله سبحانه، فمثلاً من النصوص القرآنية قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، كثير من السلف فسروا ولا تتبعوا السبل يعني بسبل اهل البدع فتفرق بكم عن ماذا؟ عن سبيله وهو الكتاب والسنة. طيب، قال مجاهد: ولا تتبعوا السبل، قال: البدع والشبهات. وعن عائشة عن النبي عليه الصلاه والسلام قالت: قال النبي عليه الصلاه والسلام: من احدث في امرنا هذا، في امرنا يعني في شرعتنا او في ديننا ما ليس منه فهو رد. وعن جابر ايضا كان النبي عليه الصلاه والسلام يقول في خطبته: اما بعد فان خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الامور اي امور الدين محدثاتها اي بدعها، وكل بدعة ضلالة، وفي رواية: وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وحديث العرباض بن سارية، قال عليه الصلاه والسلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي. وقوله ايضا صلى الله عليه وسلم في حديث الحوض: ليذاد رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، اي يصرف رجال عن حوضي، اناديهم: الا هلم، فتقول فيقال، اي تقول الملائكة: انهم قد بدلوا بعدك. فأقول، اي يقول صلى الله عليه وسلم عندئذ: سحقاً سحقاً. ومن هم؟ وهؤلاء ابرز من يدخل فيهم الذين بدلوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. والاحاديث كثيرة حقيقة لا يعني حتى لا استهلك الوقت في القراءة اتركها لكم لان هناك قواعد نريد ان نقفز اليها، لكن اقرأوا هذه الاحاديث وهذه الاثار المروية عن الصحابة والتابعين، وانظروا شدة تحرز الصحابة والسلف من الابتداع، وانظروا الى تتابعنا في واقعنا المعاصر الى الابتداع. السلف كانوا حريصين على تحقيق مفهوم الاتباع ويتركون كثيراً من الامور خشية الوقوع في الزلل والابتداع في دين الله عز وجل، بخلاف حال كثير من الناس اليوم يفعل العبادة وهو لا يدري هل هو متبع فيها للنبي صلى الله عليه وسلم او مخالف له. اختم بقول قال ابو ادريس الخولاني: لان ارى في المسجد ناراً لا استطيع اطفاءها احب الي من ان ارى فيه بدعة لا استطيع تغييرها. شوف خشية الائمة من نشوء الابتداع في هذه الامة، وانما ضل اليهود والنصارى لما ابتدعوا في اديانهم واخترعوا عبادات لم ينزل الله بها سلطاناً. نعم.
ولذلك ماذا يقول العلماء: من جاء ببدعة في الدين يستحسنها ويراها جميلة ويروجها بين الناس، يلزمه احد امرين كلاهما قبيح؛ اي شخص يبتدع بدعة في الدين وينشرها او يعمل بها، ترى يلزمك احد امرين: اما ان هذا الدين لم يكتمل، عدم اكتمال الشريعة، وحضرتك يا ايها المبتدع انت اتيت فكملتها لنا، وهذا مخالف لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، او ان الدين كامل، لكن محمد صلى الله عليه وسلم قصر في البلاغ وحاشاه بأبي هو وامي صلوات ربي وسلامه عليه، انك تعتقد ان الدين كامل، وانه هي البدعة اللي اخترعتها هي جزء من الدين لكن النبي عليه الصلاه والسلام قصر في بلاغها ولم يؤد الامانة. اي شخص يبتدع في دين الله فهذا احد رجلين: اما شخص يعتقد عدم اكتمال الشرع، او يعتقد اكتماله لكن النبي عليه الصلاه والسلام لم يبلغه كاملاً. والا لو كانت هذه البدعة الدينية من الشرع، اين اختفت؟ ولماذا لم تصل؟ ولماذا لم تنقل عن الصحابة والتابعين؟ فعليك ان تراجع نفسك رعاك الله. طيب. الان في المطلب الثالث وضعنا لكم مجموعة من الضوابط المتعلقة بمفهوم البدعة حتى نضبطه بشكل جديد، لان كثير من الناس ايضا يخطئ فيجعل بعض الامور الاعتيادية او التي ليست من البدع في باب البدع، وهذا اشكال؛ التعنت والغلو في تبديع الناس وتبديع افعالهم اشكال، كما ان التمييع في هذا الباب مشكل. فنقول اولا: اول ضبط، باب البدعة خاص عباد الله بالامور الشرعية الدينية. فالعلوم الدنيوية، الصناعات، التجارات، علوم الفيزياء، الكيمياء، هذه لا تدخل معنا في قضايا الابتداع حتى لو اكتشفنا امور لم تكن مكتشفة في الزمن القديم. كذلك العادات والتقاليد في حياتك الشخصية او حتى في حياتك المجتمعية التي لا يعتقد فيها التدين، يعني لا تفعل على وجه القربة كما قلت، كعادة الناس مثلا في اعراسهم، كيف يجلسون، كيف يضعون الطاولات، كبعض الانظمة مثلاً المرورية والقوانين الحياتية التي تنظم حياة الناس داخل المجتمع، هذه امور تنظيمية ترتيبية ادارية ايضا ليس لها علاقة بباب الابتداع. فاذاً باب الابتداع يختص بالامور الشرعية الدينية.
فناخذ مثلاً مثال على امور من العادات، الاصل انها ليست داخلة في مفهوم البدع، لكن اذا هذه العادة انت صبغتها بثوب التقرب الى الله، لا صارت بدعة، هذا فقط من باب التحرز، نحن قلنا العادات الاجتماعية هذه الاصل انها ليس لها علاقة في باب الابتداع المنهي عنه، لكن اذا اصبحت هذه العادات تقصد بها التقرب الى الله وتتخذها وسيلة للتقرب، لا بنقول لك عندئذ انت ابتدعت. مثلاً لباس الصوف قد يكون بعض المناطق الباردة يلبسون الصوف، هذه عادتهم، في مشكلة في ذلك؟ ما في مشكلة، الصوف بدفّي، لكن اذا اصبح لباس الصوف يقصد به التقرب الى الله، انه يا رب اتقرب اليك بلباس الصوف، بنقول هنا انتقلنا من كونها عادة الى كونها بدعة. طيب، سماع الاناشيد بالاشعار، ممكن انا اكون مثلاً طالع في السيارة راكب مع عائلتي، حاب اسمع قصيدة جميلة او انشودة بدون معازف، كعادي، يعني هيك رحلة نستجم بها، ما في مشكلة، عادي ما دام ما فيها معازف ومنكر. لكن اذا تحول سماع الاناشيد والاشعار الى عبادة يتقرب بها الى الله، هنا اصبح نوع من الابتداع، وهذه ما هي المسألة الشهيرة ما يسمى مسألة السماع، واللي كتب كثير من اهل العلم كابن القيم وغيره من التحذير من شرها، ان كثيراً من الطوائف اصبحت تجعل سماع الاناشيد والاجتماع على الدف وغيره، واجتماع حتى اختلاط الرجال والنساء اثناء السماع والعياذ بالله نوع من انواع التقرب الى الله سبحانه وتعالى، وهذا لم يكن على نهج محمد صلى الله عليه وسلم ولا على نهج أصحابه والسلف الصالح. طيب، ما يذبحه الناس عند تملك بيت ونحوه واطعام الطعام منه عادة، طبعاً اذا لم يتقصد الذبح بحد ذاته، يعني بعض الناس ربما في بعض الاقاليم اذا خلص بناء بيت وورشة، بحب يعمل مثلاً عزومة ويجمع اهل القرية ويطعمي الناس، هذا ضمن هذه النطاق ما زال عادة مباحة، وان شاء الله ربنا بيكتب لك اجر الاطعام. فان اعتقد ان ذبح الشاة على باب المنزل او على السيارة الجديدة يدفع عنه الشر ويجلب له الخير، لا هنا انتقلنا من العادة الى البدعة، فاصبح الفعل منهياً عنه لما دخله الاعتقاد الخاطئ. فلاحظوا اذاً كيف كثير من العادات هي عادات قد يحولها الناس بقصدهم التقرب والتعبد بها الى عبادات بدعية، ينبغي الحذر منها. طيب.
اما الامور اخواني المتعلقة بالامور التي ليس لها علاقة كما قلنا بالشرعيات، نرجع نقول العلوم الدنيوية والعادات الاجتماعية، اذا وقع فيها منكر من المنكرات او محظور من المحظورات، فهنا يسمى هذا ماذا؟ معصية، صحيح. فالامور غير الشرعية يحكم عليها انه حلال او حرام بناء على وجود محظور شرعي فيها، وليس ليس بالتالي الحكم عليها هنا، نقول والله هذه العادة معصية، ليس الحكم عليها من جهة البدعية.
وإنما يعقب عليها من جهة البدعية، وإن أصبحت بدعة كما قلنا إذا قصد بهذه العادة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى؛ فهذا ما يضبط لك أول ضابط وهو أن البدعة إنما تدخل في باب التعبدات.
وأما في العلوم الدنيوية البحتة أو في العادات التي لا يقصد بها التقرب إلى الله، فهذه ليس لها علاقة بمفهوم البدعة. طيب، ممكن تكون حرام هذه العادات من جانب آخر؟ نعم، بتكون حرام لأنها اشتملت على منكر، اشتملت على محظور من محظورات الشريعة وتسمى عندئذ معاصي، لكنها لا تسمى بدعاً في هذه الحالة.
طيب، الضابط الثاني، إذا بعد أن عرفنا أن البدع ضابطها في باب التعبدات، أنتقل إلى الضابط الثاني فنقول: وسائل أداء العبادات. الآن ربنا عز وجل شرع لنا العديد من العبادات، وحتى أؤدي هذه العبادة هناك وسائل تعينني على أدائها، إذا ربنا سبحانه وتعالى حدد لك العبادة وحدد لك الوسائل التي تستعملها في قيام هذه العبادة، ليس لك أن تخترع في الوسائل شيئاً، والاختراع في الوسائل يكون عندئذ من باب البدع. أما إذا ربنا سبحانه وتعالى أمرك بالعبادة بصورة معينة وترك لك مساحة أن تحدد الوسيلة التي ستستعملها لأداء هذه العبادة، فعندئذ لك أن تنظر في الوسيلة المناسبة لك وتستعملها ولا تعتبر مبتدعاً في ذلك.
أعطيكم مثالاً تسهيلياً: الصلاة الله سبحانه وتعالى أمرنا بها وأمرنا أن نؤديها ونحن على طهارة. هل حدد لنا وسيلة معينة للطهارة؟ ولا قال خلص أدوا الصلاة على طهارة وكل شخص يتطهر بالطريقة التي يحب؟ لا، عز وجل أمرنا بالصلاة وجعل مفتاح الصلاة ووسيلة الصلاة هي التطهر ابتداءً، لكنه لم يترك التطهر على أمزجتنا كل واحد يتطهر كما يشاء، بل حدد لنا كيف نتوضأ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. خلص، هذه هي طريقة الوضوء، فكل شخص لا يفعل هذه الوسيلة لا تقبل وضوءه ولا تقبل صلاته.
طيب، إذا شخص قال أنا بدي اخترع طريقة أخرى غير الوضوء أتطهر بها، نقول هذه الوسيلة التي اخترعتها بدعة لأنها تضاهي الوسيلة التي حددها الله عز وجل لنا. أما مثلاً تحديد القبلة، الله أمرنا أن نصلي تجاه الكعبة، طب كيف في الأردن أحدد تجاه الكعبة؟ هل حدد الله لنا وسيلة معينة أن نستعملها لتحديد اتجاه القبلة أم فتح لنا مساحة لاستعمال أي وسائل معرفية يمكن أن نصل إليها؟ ممكن شخص يستخدم البوصلة، ممكن شخص يستخدم اتجاهات الرياح، ممكن شخص يستخدم اليوم مع التكنولوجيا الحديثة يعني الأقمار الصناعية، هنا الله عز وجل لم يحدد لنا طريقة معينة لتحديد القبلة، طلب منا أن نصلي إلى القبلة، عاد أنت وشطارتك في إيجاد الطرق التي توصلك إلى القبلة، فاختراع طرق لتحديد القبلة لم ترد في الكتاب والسنة لا إشكال فيه، ليه؟ لأنه هنا الكتاب والسنة لم يحدد لنا وسيلة معينة، بخلاف الوضوء الكتاب والسنة حدد لنا طريقة معينة.
فإذاً تأتي الضابط الثاني، وسائل العبادة المرسلة، شو يعني المرسلة؟ التي لم تحدد الشريعة فيها صورة معينة لأداء هذه الوسيلة، هذه قال ليست توقيفية، بل يمكن أن نجتهد فيها ونختلي فيها على حسب ما يصل إليه عقولنا وعلومنا، بل يجوز فعلها ولو لم ينص عليها الشرع ما دامت وسيلة توصل إلى العبادة المشروعة، خلص ما دامت وسيلة توصل للعبادة جزاك الله خير ولا يحكم بالبدعة فيها.
فمثلاً استعمال مكبرات الصوت للأذان اليوم في المساجد ما في مشكلة، لأنه المطلوب هو أن نعلم الناس بدخول الوقت، ربنا عز وجل لم يلزمنا بوسيلة معينة، لا أنه لازم نجيب شخص صوته عالي هو اللي يوصل، لا هو طلب منا أن نوصل الأذان للناس سواء شخص صوته عالي جداً ما شاء الله، بسمع أهل القرية أو شخص يستعمل مكبرات صوت أو أداة أخرى من الأدوات التي يمكن تستحدث في الواقع المعاصر، المهم أن يحصل المقصود بغض النظر عن الوسيلة، فاخترعوا من الوسائل ما شئتم.
كذلك مثلاً استعمال السبحة والعدادات التي تستعمل لأجل التسبيح، حقيقة الله عز وجل أمرنا بالذكر، ونعم هناك حث على استعمال الأصابع، لكن لم تحدد الأصابع كوسيلة ملزمة للذكر، فكل وسيلة تستعملها لذكر الله سبحانه، حبيت تحط حصى وحجار على الأرض تعد فيها بيزبط، حبيت تجيب مسبحة تعد فيها يصلح، حبيت العداد الرقمي اللي تعد فيه يصلح، فطريقة عد الذكر طريقة العد وإن كان يفضل استعمال الأصابع لأنه مستنطقات، لكنها لم تحددها الشريعة كوسيلة وحيدة وفريدة للعد، فبإمكاني أن أعد الأذكار بأي طريقة أراها مناسبة.
طيب، استعمال الحسابات الفلكية في تحديد أوقات الصلوات، ما في مشكلة أن نستعمل الحسابات الفلكية لتحديد أوقات الصلوات، لأن الله عز وجل لم يأمرنا أن نستعمل الرؤية وسيلة لتحديد أوقات الصلوات بخلاف دخول رمضان، فإن دخول رمضان الشريعة حددت أن دخول رمضان يكون على الرؤية، فقال صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فلما الشريعة في رؤية هلال رمضان حددت الوسيلة قلنا لا يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية. لكن في الصلاة لما لم يأتِ صلوا لرؤية الزوال، صلوا لرؤية ظل الشيء مثله، صلوا لرؤية الشفق يغيب، ما قالت الشريعة، الشريعة طلبت النتائج، أنا أريدك تصلي لما يحصل زوال، كيف بدك تعرف أنه الزوال حصل؟ استعمل أي وسيلة مناسبة، كيف بدك تعرف أنه أصبح ظل الشيء مثله؟ استعمل أي وسيلة، كيف بدك تعرف أنه الشفق الأحمر غاب؟ استعمل أي وسيلة، وهكذا. فمن المهم جداً إتقان هذه القاعدة الثانية يا رعاكم الله، أن وسائل العبادات إذا حددت الشريعة لي الوسيلة حددتها فأنا ملزم بها، وأما إذا لم تحددها فأنا لست ملزماً بها وأستطيع أن أجتهد في اختراع وسائل أخرى ولا أكون مبتدعاً في هذا.
طيب، القاعدة الثالثة: حتى يحكم على الفعل المحدث بأنه بدعة، طبعاً الفعل المحدث اللي زي ما اتفقنا، فعل محدث في الدين يضاهي الطرق الشرعية، حتى أحكم عليه بأنه بدعة لابد من وجود شرطين، لابد من حفظ هذين الشرطين. بسم الله.
الشرط الأول هو وجود المقتضي، يعني الدافع لفعل هذا الأمر في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن يكون النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعله لعدم وجود الحاجة أو بالسبب الذي يقتضي فعله، فمثل ذلك لا يعد فعله بعد زمنه، وجود المقتضي فقد يكون الأمر شرعياً متعلقاً بالدين لكن لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام لعدم وجود المقتضي عندئذ لفعله. آه هو بيتكلم عن الحالة المعاكسة، هنا نتكلم عن الحالة المعاكسة، يعني نحن نقول حتى أحكم على فعلك أنه بدعة، لابد أن يكون المقتضي لفعله موجوداً زمن النبوة، ومع ذلك لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام. لأنه بعض الأمور سيأتي معنا أمثلة عليها ما كان في هناك مقتضي لفعلها في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وفعلها الصحابة أو التابعون أو أتباع التابعين بعد زمن النبوة لما وجد المقتضي لفعلها، فهنا إذا فعلت بعد زمن النبوة بعد وجود المقتضي لفعلها ولم يكن هذا المقتضي أو هذه الحاجة موجودة زمن النبوة، فما فعله هؤلاء لا يعتبر بدعة.
حتى تظهر لك القاعدة أكثر وأكثر، خلونا نشرح الآن: جمع القرآن بين دفتين. قالوا لم يكن المقتضي لفعله في زمن النبوة موجوداً، ليه؟ لأنه الوحي كان ينزل يوم بعد يوم أو فترة بعد فترة، بالتالي ما كان في مجال أن نجمع القرآن بين دفتين ونقول خلص هذا هو القرآن، لأنه كل يوم وكل ساعة في احتمال أن ينزل الوحي بشيء جديد. لما مات النبي عليه الصلاة والسلام عرفنا أن الوحي انقطع، فعندئذ بعد وفاته أصبح المقتضي لجمع القرآن بين دفتين موجوداً حاضراً منطقياً.
كذلك كثير من العلوم التي صنف فيها العلماء، يعني زي جمع صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب السنة، ووضع علم أصول الفقه، ترى هذه كثير من العلوم الشرعية وجمع السنة لم يكن المقتضي لفعل ذلك في زمن النبوة قائماً، لكن لما حصلت الفتوحات الإسلامية في زمن الصحابة ثم التابعين، ودخل العرب والعجم، واختلف الناس وخُشي ضياع السنة، أصبح المقتضي موجوداً الآن أنه لازم نجمع الأحاديث النبوية خشية من ضياعها، أما في زمن النبوة لا يخشى من ضياعها لأن النبي عليه الصلاة والسلام موجود.
فإذاً، الأمور التي يحدثها الناس وينتجها الناس في العبادات، إذا كان المقتضي لفعلها في زمن النبوة قائماً ولم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة، إذاً هذا الفعل بدعة، إن ترك النبي عليه الصلاة والسلام له مع وجود الحاجة لفعله إذا كانت فعلاً حاجة، هو دليل، هذا الترك هو دليل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا لا تفعلوا هذا الشيء.
فمثلاً الاحتفال بالمولد النبوي، الآن هذا المقتضي له مقام النبي عليه الصلاة والسلام الشريف، وهذا المقام الشريف الصحابة أحرص عليه منا، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام به ولم يشر إليه، ولم يفعله الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم، وإنما نشأ في القرون المتأخرة. نقول: هل الاحتفال بالمولد النبوي كان وجد المقتضي لفعله زمن السلف ولم يفعل؟ نقول نعم، وجد المقتضي لفعله وهو احترام النبي عليه الصلاة والسلام وحبه وتعزيره وتوقيره، مع ذلك لم يفعل، إذاً عرفنا عندئذ أنه وجد المقتضي ولم يفعل، إذاً فعله بدعة.
واضح كيف يفكر؟ وهنا ذكر لك مثلاً الأذان الذي أضافه عثمان، طبعاً عثمان أحد الخلفاء الراشدين الذي له سنة متبعة، عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عثمان لما رأى كثرة أهل المدينة في زمنه وأن الناس ما عادت تسمع الأذان، الأذان المشروع للجمعة، الأذان الأساسي، فأصبحوا يتأخرون عن صلاة الجمعة، رأى عثمان ضرورة أن يؤذن للجمعة قبل وقتها بمدة فشرع ما يسمى بالأذان الأول.
طبعاً هنا لا بد أيضاً أن تتأكد أو نؤكد لك قضية أن عثمان أحد الخلفاء الراشدين الذي له سنة متبعة، هذه قضية لا تذهب عن ذهنك، فعثمان لما رأى أن الناس في زمن النبوة في زمن أبو بكر وعمر كانت المدينة صغيرة والناس قلة، فكان سماع أذان الجمعة سهل والناس تأتي في وقت مبكر، لكن لما كثر الناس واتسعت المدينة وكثر من يقيم فيها، رأى عثمان ضرورة أن يؤذن للأذان الأول قبل ساعة تقريباً من الأذان الثاني الذي نسميه اليوم الأذان الثاني، وأمر هذا المؤذن أن يؤذن الأذان الأول في سوق المدينة الزوراء حتى الناس تستعد وتجهز نفسها لحضور الجمعة، فهنا هذا المقتضي لم يكن موجوداً زمن النبوة لأن المدينة كانت صغيرة، لما وجد المقتضي في زمن عثمان شرع عثمان هذا الأذان وسماه الأذان الأول وكان يؤذن في سوق المدينة.
طيب، القضية الثانية أو الشرط الثاني حتى يصنف الفعل المبتدع على أنه مبتدع هو انتفاء المانع زمن النبوة. فقد يوجد إخواني مقتضي لفعل شيء زمن النبوة، لكن في مانع هو اللي خلى النبي عليه الصلاة والسلام ما يفعله، ونحن عرفنا ما هو المانع. لما مات النبي عليه الصلاة والسلام زال هذا المانع، فنعود فنفعل نحن هذا الفعل ولا يسمى فعلنا له بدعة، لماذا؟ لأنه نحن عرفنا أنه هذا الفعل كان له مقتضي أنه يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفعله ليس لأنه يريد أن يخبرنا أنه لا تفعلوه، لا، لم يفعله لمانع معين هو أخبرنا وأدلنا عليه.
فإذا زال هذا المانع بوفاته صلى الله عليه وسلم يجوز أن نعود فنفعل هذا الفعل ولا يسمى بدعة عندئذ، وهذا مثاله كما قلنا صلاة التراويح. الصحابة صلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة التراويح أكثر من ليلة، ثم النبي عليه الصلاة والسلام امتنع عن أن يصليها معهم جماعة وأخبرهم لماذا، قال: "إني خشيت أن تكتب عليكم". فإذاً وجود المقتضي لصلاة التراويح قائم في زمن النبوة، طب لماذا تركها النبي عليه الصلاة والسلام؟ لو تركها دون أن نعرف السبب لقلنا نعم خلص ما دام تركها ولا يعرف السبب، فالأصل وجد المقتضي ولم نعرف المانع فلا يجوز لنا أن نفعلها وإذا فعلناها نكون مبتدعين. لكنه هو صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن المانع، إني خشيت أن تكتب عليكم الوتر، ففي زمن عمر لما رأى أن هذا المانع ذهب، لأنه لا يمكن خلص أن يفرض شيء بوفاته صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن ينزل وحي، رأى أن المانع زال، فنعود إلى المقتضي وهو صلاة قيام رمضان وأهمية التراويح فيه، وقد وجد المقتضي زمن النبوة وعرفنا ما الذي جعل النبي عليه الصلاة والسلام لا يفعل، فإذاً زال المانع نعود فنفعل.
إذاً خلاصة الأمر، حتى نحكم على الفعل بأنه بدعة لابد أن يكون وجد المقتضي لفعله زمن النبوة وزمن السلف، وهذا المقتضي هو على رأس حرص الصحابة على الخير وأنهم أحرص عليه من المتأخرين، وحبهم لكل ما فيه كمال، فإذا وجد هذا المقتضي في عبادتك التي تخترعها، وجد المقتضي وانتفى المانع، يعني كان في إمكان تفعل ولا يوجد مانع معين اقتضى عدم فعلها، فعندئذ نقول بالتالي فعله بعد زمن النبوة هو نوع من الاختراع والابتداع المذموم، لأنه لو كان هذا الفعل صحيحاً فمع وجود المقتضي لفعله ومع عدم وجود مانع لكان ينبغي أن يدل النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة عليه، ولكان الصحابة أحرص منا على فعله، فلما لم يفعلوه وتركوه عرفنا واستدللنا بالترك على أن هذا الفعل لا يجوز شرعاً، وأن من اخترعه وسيلة للتقرب إلى الله فقد ابتدع.
طيب، وعليه فكل عمل شرعي لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود المقتضي وعدم وجود مانع معين، فعله الآن بدعة، هذه قاعدة.
من القواعد المهمة التي يجب أن تحفظها وتتقنها: كل فعل ينسب إلى الشرع ويتقرب به إلى الله لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، مع وجود المقتضي وهو الحرص على الخير، ولا يوجد مانع معين جعلهم لا يفعلونه، هذا بحد ذاته هذا الترك يخبرنا أن هذا الفعل ليس مطلوباً لله سبحانه وتعالى.
البعض يقول ماذا يقول مثلاً بالنسبة للمولد النبوي؟ يقول: لم يوجد المقتضي لفعله في زمن النبوة، ولماذا؟ قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام حاضر معهم، فهم دائماً حوله يشتاقون إليه، وما وجد المقتضي لفعله في زمننا نحن بسبب غياب النبي عليه الصلاة والسلام عنا، فنحتاج إلى واقعة وحادثة سنوية تذكرنا به عليه الصلاة والسلام، فهذه الواقعة هي المولد الشريف. فقولكم أنه وجد المقتضي غير صحيح بالنسبة للمولد النبوي.
أقول: هناك وسائل كثيرة ترى لتذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فسنتُه موجودة، وكتبه، وكتب الأحاديث النبوية التي تخبر عن سيرته وسنته وأحواله وأيامه، وأهل العلم الذين يدرسون موجودة؛ بالتالي طريقة تذكر النبي عليه الصلاة والسلام لا تكون باختراع أمور وأعياد ليست من دين الله في شيء، وإنما اخترعتم أنتم هذه الأعياد لما ضعف تذكر الناس للنبي عليه الصلاة والسلام بسبب انشغالهم في دنياهم، وبسبب فتورهم عن قراءة كتب الصحاح والسنن، لما أصبح الناس لا تقرأ كل سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تنظر في سيرته، ولا يسمح بإقامة الدروس والمجالس في ذلك، أي نعم ضعف حبهم، فأنتم اخترعتم هذا العيد من أجل أن تعيدوا هذه المحبة، فهنا شيخ الإسلام يقول: فساد الناس لا يعد مسوغاً ومقتضياً جديداً لفعل ما لم يشرع على عهد النبي عليه الصلاة والسلام.
فكثير ممن يستدل على جواز المولد النبوي أو استدلاله على الذكر الجماعي يقول لك: لم يوجد المقتضي في زمن النبوة بسبب وجوده بينهم عليه الصلاة والسلام أو لقرب العهد في زمن الصحابة من النبي عليه الصلاة والسلام، أما الناس اليوم لما كثرت معاصيهم وذنوبهم وانشغالهم عن الدين عملنا لهم حادثة وموسماً حتى نذكرهم، بنقول: إذاً أنت تقر أن سبب اختراعك للمولد النبوي هو ماذا؟ ضعف دين الناس، وسبب اختراعك للذكر الجماعي كثرة غفلة الناس، وضعف التدين وضعف دين الناس لا يبيح بحال من الأحوال أن نخترع لهم شيئاً جديداً ونقول الآن وجد المقتضي، لا، هذه العبادة لها طرقها الصحيحة مشروعة من زمن النبوة إلى يومنا هذا، نحن نحفز الناس ونوجه الناس إلى أن يسلكوا الطرق المشروعة لإحياء حب النبي عليه الصلاة والسلام، وليس لأنهم قصروا في الطرق المشروعة نخترع لهم طرقاً جديدة، ليس لأنهم قصروا في الذكر الصحيح نخترع لهم ذكراً موهوماً، هذا ليس منهجاً صحيحاً وإلا سيصبح الدين على الهوى، كلما قصر الناس في عبادة من العبادات أي والله نخترع لهم عبادة جديدة ونقول خلص ما هو وجد المقتضي وهو ضعف دين الناس.
باختصار: ضعف دين الناس لا يجوز أن يجعل حجة لاختراع عبادة جديدة لهم، بل العلاج الصحيح لضعف دين الناس أن يترك لأهل العلم المساحة لإرجاع الناس إلى دينهم وإلى الطرق المشروعة وتحفيز الناس عليها وتحبيب الناس بالسنة وتمسيكهم بها، هكذا نصحح البوصلة.
أنواع البدع، البدع أيها الكرام تقسم بأكثر من تقسيم لعدة اعتبارات، فمن تقسيماتها أن تقسم البدع بحسب محال بدع اعتقادية أو فعلية أو قولية، البدع قد تتعلق بالعقيدة وقد تكون بالأقوال وقد تكون بالأفعال، فإذا تعلقت البدع بالعقائد تسمى بدعة عقدية، زي عقيدة الروافض وما يعتقدونه في يعني شتم الصحابة وتكفيرهم إلا النزر اليسير وما شابه ذلك من عقائدهم الفاسدة، واعتقاد أحقية علي بالخلافة على أبي بكر الصديق وغيرهم، كذلك مثلاً عقيدة الإرجاء التي ترى أن العمل ليس داخلاً في مفهوم الإيمان، عقيدة نفي صفات الله سبحانه أو تشبيه صفات الله بصفات المخلوقين، عقيدة نفي القضاء والقدر، عقيدة الجبر وهو الذي يقول أن العبد مجبر تماماً والإنسان لا يمتلك أي إرادة في اختيار أفعاله، أي مثلاً القول بعدم حجية السنة وأنها ليست من مصادر التشريع، وإنكار العمل بخبر الواحد مثلاً، الغلو في التكفير اللي هي بدعة الخوارج ومن سار على مسارهم، كل هذا النوع من البدع يسمى بدعاً عقائدية لأنها تتعلق بمعتقد الإنسان وفكره، طبعاً هذه البدع العقائدية بعضها يوصل صاحبه إلى الكفر والعياذ بالله وبعضها تعتبر من البدع المتوسطة وبعضها من البدع الخفيفة على حسب طبيعتها.
النوع الثاني كما قلنا بدع فعلية، يعني أمور يمارسها الناس فعلاً بأجسادهم وجوارحهم ويتقربون بها إلى الله، مثلاً كصلاة الرغائب، وهي صلاة الرغائب عبارة عن 12 ركعة تصلى بين المغرب والعشاء في أول ليلة جمعة من شهر رجب، بيجوا على أول ليلة جمعة من شهر رجب يقول لك: أول ليلة جمعة من شهر رجب بدنا نصلي 12 ركعة، نقول هذه هل عليها دليل؟ طب هل وجد المقتضي لفعلها؟ والله نعم، حرص الصحابة على الخير ومقتضي لفعلها، طب هل فعلوها؟ لا والله ما فعلوها الصحابة، طب هل كان في مانع معين مشان هيك ما فعلوها؟ والله لا يعرف وجود مانع معين، فنقول إذا كان وجود المقتضي لفعلها قائماً في زمن السلف فهو أنهم سبقونا إلى الخير ولم يفعلوها مع عدم وجود مانع معين، إذاً تركهم لها يدل على أنها ليست مشروعة، نستدل بالترك وليس كما يزعم البعض أن الترك لا يدل على شيء، انتبهوا لهذه الشبهة.
طيب، فهذه بدعة فعلية، كذلك الأعياد ممكن نضيف إليها الأعياد التي ينشئونها ويفعلون بها كما يفعلون في عيد الفطر وعيد الأضحى، المسلمون لهم عيدان أيها الكرام عيد الفطر وعيد الأضحى، وما سوى ذلك من الأعياد المخترعة هذه ليست من دين الله في شيء، سواء المولد النبوي والأعياد التي يفعلها الناس في مواسمهم وغيرها هذا ليس من الدين، مكان معين يجتمعون فيه ويمارسون فيه طقوسية ويوزعون فيه الحلوى في كل سنة يوم، هذا لا يصح، وهذا نوع من أنواع البدع الفعلية، نقول لأن هذا العيد هل كان بإمكان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله لو كان فيه خير؟ آه والله كان بإمكانه، طب ليه ما فعله؟ هل هناك مانع معين؟ والله لا يعرف مانع معين، نقول إذا وجد المقتضي لفعله ولا يوجد مانع معين جعله لا يفعله، إذاً تركه له يدل على أنه ليس من الدين في شيء، تركه له يدل على أنه ليس من الدين في شيء.
هناك أيضاً البدع القولية، والبدعة القولية كتخصيص بعض الأذكار والأوراد بأحوال أو أيام أو غير ذلك، لم يرد في الشرع تخصيص هذه الأذكار وهذه الأوراد بهذه الأيام بعينها، ممتاز، يعني شخص يقول: أنا كل يوم أحد في الأسبوع بدي أضع ذكراً معيناً، بنقول له ليه يعني ليش تلتزم هذا الذكر كل يوم أحد؟ الآن إخواني هون انتبهوا لمسألة فيها نوع من التفصيل: الآن بعض الناس قد يكون واضع جدولاً للأذكار والأوراد الهدف منها جدولة أذكاره جدولة أوراده، مش الهدف منها تخصيص يوم معين في الأسبوع بذكر معين، إذا كان الإنسان بده يعمل جدولاً لأذكاره، مثلاً أنا بدي أحكي لا إله إلا الله بعد صلاة الظهر 20 مرة، بدي أحكي اللهم صل على سيدنا محمد بعد صلاة العصر 100 مرة، بدي أحكي بعد صلاة المغرب يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث 20 مرة، خلص عامل جدولاً لأذكاره وأوراده ومرتب أيامه عليها دون أن يعتقد تخصيص هذا اليوم بهذا الذكر وأن له فضيلة، أو أنه هذا الذكر بعد صلاة الظهر يوم الأحد له فضيلة، هو لا يعتقد هذا وإنما مجرد ترتيب للأوراد وجدول لها، نقول هذا لا حرج فيه، هي جدولة وبرنامج، لا، إحنا مشكلتنا في اللي يخصص يوم الأحد بعد الظهر بذكر معين، هل في جدول وبرنامج؟ لا والله بس أنا خلص أعتقد أنه خلص هذا اليوم له مزية فأعطيه هذا التخصيص، أو حتى لو لم يعتقد مزية لكن ما في شيء مبرر ترى حتى لو لم يعتقد مزية ليوم الأحد، لكن ما في أي جدولة أو أي مبرر منطقي مقنع لتخصيص يوم الأحد بعد الظهر بهذا الذكر المعين، ونقول والله هذا أقرب إلى البدعة منه إلى السنة، خلص اذكر هذا الذكر إذا في أي وقت عندك جدول عندك برنامج، مفهوم؟ ما عندك جدولة ما عندك برنامج هي بس قضية هوى أو اعتقاد فضيلة لم يدل عليها الشرع لصلاة الظهر يوم الأحد، لا، معناتها نحن اقتربنا من مساحة البدعة، فهذا معنى قولنا إن تخصيص بعض الأذكار في أحوال معينة أو أيام معينة لم يرد الشرع بهذا التخصيص يقترب من البدع، مثلاً كتخصيص دعاء معين ليلة الجمعة، ليس لأنه جدول أو برنامج ماشي عليه، لا، هو فقط يريد أن يخص ليلة الجمعة كل ليلة جمعة بدعاء معين لا يترك الساعة 10 مساء أو 12 ليلاً، نقول لا، هذا التخصيص الذي لا مبرر له واضح مشكل.
طيب لو أن مجموعة من الشباب تريد أن تقوم الليل كل ليلة جمعة مع بعضها البعض في مركز قرآن، هل نقول هذا بدعة؟ نجي بنشوف: تعالوا يا شباب لماذا بدكم كل ليلة جمعة تقوموا الليل وتجتمعوا مع بعض تصلوا جماعة؟ إذا قالوا والله يا شيخ صراحة ليلة الجمعة هي الليلة الوحيدة الشباب متفضية فيها ويكون برامجهم خفيفة، فوجدوا أنه أنسب وقت أن نصلي، ليس الاعتقاد خصوصية معينة، طبعاً الآن قضية اختصاص ليلة الجمعة بقضايا هذه فيها نقاش في بعض الدوائر الفقهية، لكن أنا بتكلم بشكل عام، أخي خلي ليلة الاثنين عشان ما حدا يقول لي شخص في بعض الأدلة، خلينا نأتي على ليلة الاثنين، الشباب يوم إجازتها يوم الاثنين فقالوا شو رأيكم يا شباب كل يوم اثنين نجتمع مع بعض في المركز ويكون عنا أوراد قرآن، كل واحد يقرأ ورده ونصلي مع بعض ونروح، الآن إذا كان اختيار يوم الاثنين لأنه هو الأفضى يعني الأكثر فراغاً للشباب وجدولهم الحياتي طوال الأسبوع مزحوم، فتخصيص يوم الاثنين بالالتقاء وممارسة بعض العبادات المشتركة أصبح له مبرر مفهوم، فهذا كما أشار الشاطبي وغيره من أهل العلم لا حرج فيه، أنه هنا في قضية مفهومة، لماذا تم اختيار يوم الاثنين؟ ليس لاعتقاد فضيلة، فلا نخشى من الابتداع فيه، لكن إذا كان اختيار الاثنين لقضية غير مفهومة ولا يوجد أي منطق حياتي يجعل يوم الاثنين هو الذي يخصص ومع ذلك هذا الرجل مع هؤلاء الشباب كل يوم اثنين كل يوم اثنين يجتمعون، آه هنا نقول فعلك إلى الابتداع أقرب منه إلى الاتباع، فوجود منطق التخصيص له أثر في الحكم على أن هذا الفعل هل هو مشروع في الجملة أو أصبح أقرب إلى البدعة، لأنه هنا الناس في هذه القضية ما بين الغالي الذي يرى أي اجتماع شبابي يواظبون عليه الشباب دائماً بدعة، وما بين الجافي الذي لا يرى للابتداع مدخلاً في هذا الأمر، والقضية يعني تحتاج إلى موازنة كما نبهنا وبينا.
طيب إذا هذا هو التقسيم الأول: تقسيم البدع باعتبار محالها إلى بدع اعتقادية، وعمل فعلية تؤدى بالجوارح، أو قولية متعلقة بالأقوال، تقسيم ثاني للبدعة: تقسم البدعة باعتبار آخر، هل هي فعل أو ترك؟ فهناك بدع فعلية وهناك بدع تركية، يعني شيخ أنا ممكن أترك شيئاً ويكون تركي له بدعة؟ إيه نعم، كما أن البدع تكون بأن تمارس فعلاً أو قولاً أو عقيدة ليست من شرع الله في شيء، كذلك من البدع أن تترك شيئاً على وجه التعبد وفعل هذا الشيء مشروع في الدين، إما على أنه مباح أو مندوب أو واجب، أي شيء شرعه الله لنا على أنه مباح أو مندوب أو واجب وتروح حضرتك تتركه وتمتنع من فعله متقرباً إلى الله، وهذا قيد، لأنه أنا ممكن أترك بعض المباحات مشان بدي أعمل ريجيم حمية فيش مشكلة صحيح، ممكن أترك بعض الأمور المندوبة لأني أنا منشغل بما هو أعلى منها فيش مشكلة، لكن أن أترك أمراً مباحاً أو مندوباً أو واجباً وأعتقد أن تركي هذا تقرب إلى الله، هذه كارثة، كما يترك البعض الخبز ويرى أن ترك الخبز تقرب إلى الله، أو يترك البعض الزواج ويعتقد أن التبتل وترك الزواج هذا تقرب إلى الله، وتعرفوا بعض الصحابة لما سألوا بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام عن عبادته فكأنهم تقالوها، فقال رجل: لا آكل اللحم، قال أحد الصحابة: أنا خلص ما بدي آكل لحم متقرباً إلى الله بهذا التقشف، وقال آخر: لا أتزوج النساء، وقال آخر: لا أنام الليل، أمور مباحة ومشروعة تقربوا إلى الله بتركها، هنا مباشرة النبي عليه الصلاة والسلام صعد على المنبر وقال: من رغب عن سنتي فليس مني، لا، ما بيطلع لك تترك أموراً الشرع أباحها وتعتقد أنك في تركك لها وإلزام نفسك تركك لها متقرب إلى الله سبحانه وتعالى، بل هذه البدع وهذا كثير ما دخل على النصارى من هذا الجانب، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم تمام، يعني هم أخذوا بالترهب والانقطاع والانعزال مع أن الله عز وجل لم يكتب عليهم هذا النوع من الرهبانية، فالله عز وجل ذم على ذلك، فيجب إذاً الانتباه أيها الكرام أنه كما أن البدع قد تكون بأن تفعل شيئاً لم يأذن به الله، كذلك يكون بترك شيء على وجه التقرب هذا الشيء أذن الله بفعله أباحه أو ندبه أو واجباً.
التقسيم الثالث: البدع هناك بدع حقيقية وهناك بدع إضافية، البدعة الحقيقية هو أن يكون أصل الفعل ليس مشروعاً في دين الله، وأما البدع الإضافية فهو أن يكون أصل
الفعل مشروع ولكنك أضفت عليه بعض الخصوصيات والأحوال والطقوس، فدخلته البدعة من هذه الأحوال التي أضفتها أو الطقوس التي أدخلتها. تمام؟ إذاً البدع إخواني هناك تقسيم آخر، هناك بدع حقيقية وهو أن الفعل من أصله ليس مشروعاً ابتداءً، وهناك بدع إضافية أن يكون الفعل في أصله مشروع لكن أنت أضفت عليه قيوداً وخصائص لم يأذن بها الله، فتكون هذه القيود التي أضفتها أو الخصائص التي أضفتها البدعة جاءت من جهتها وليس أن أصل الفعل غير مشروع.
فمثلاً اتخاذ الرقص وسيلة لذكر الله، نقول أصل هذا الفعل غير مشروع، هي بدعة حقيقية كما يفعل بعض السذج الذين يجلسون ويتعلقون ويتحفزون وينزلون أو يرقصون ويرددون هو هو وغيرها من الألقاب أو الألفاظ، نقول هذه الصورة وهي التقرب إلى الله بالرقص، هذا لا أصل له في دين الله في شيء، فهي بدعة حقيقية من أصلها.
وأما مثلاً ذكر الله عز وجل مشروع كما قلنا قبل قليل، لكن أنت خصصته في ساعة معينة من يوم الأحد بدون مخصص، وتعتقد أن هذا التخصيص له فضيلة وميزة، هذا نقول بدعة إضافية، أن هذا الذكر مشروع لكن بهذه الطريقة وهو أنك خصصته يوم الأحد الساعة العاشرة، هذا هنا دخل الابتداع من هذه الجهة ومن هذه الإضافة، فنقول هنا بدعة التخصيص هي بدعة إضافية.
والتخصيص كما قلنا قد يكون تخصيص بصورة معينة أو تقاليد معينة أو طقوس معينة أو أحوال معينة مع أن الفعل في أصله مشروع، فهنا نقول هذه بدعة إضافية وليست حقيقية. مثلاً الآن صلاة التراويح هي في الأصل مشروعة، صحيح؟ طيب، إذا صاروا الناس بين كل أربع ركعات من صلاة التراويح يلتزموا أذكاراً معينة، قول يلا بين كل أربع ركعات لازم نلتزم ذكر معين. نقول من أين التزمتم هذا الذكر؟ قالوا: خلص نحن حابين هيك نتفق أنه يصير هذا هو الذكر اللي بين كل أربع ركعات تراويح. بنقول هي بدعة إضافية مش حقيقية، ليه بدعة إضافية؟ لأنه أصل صلاة التراويح مشروع، والراحة بينها مشروعة، دخلت البدعة من جهة أنكم أضفتم في فترة الراحة التزام ذكر معين بين كل أربع ركعات لم يفعله النبي عليه الصلاه والسلام ولا الصحابة ولا التابعون ولم يلتزموه مع وجود المقتضي وعدم المانع، فهذه تسمى بدعة إضافية.
لكن لو جاء الشخص قال: أنا بدي أعمل صلاة التراويح برضه في شهر شعبان، قال أنا بدي أضيف هيك نعمل صلاة تراويح في شهر شعبان، ونقول له هي صارت بدعة حقيقية، ليه؟ لأنه صلاة التراويح في شعبان هذه مش مشروعة أصلاً، فهنا أنت اخترعت عبادة كلها رسمية من عندك لم يأذن بها الله في شيء من الأشياء. تمام؟
طيب كذلك مثلاً لو الشخص قال: شو رأيكم نصير نؤذن لشروق الشمس؟ مش أنتم بتؤذنوا للصلوات الخمس؟ أنا برضه شروق الشمس بدي أعمل له أذان. نقول هذه بدعة حقيقية لأنه أنت اخترعت عبادة جديدة، لا يوجد لشروق الشمس أي دعاء وأي أذان، بخلاف مثلاً الأذان المشروع وقت الظهر والعصر والمغرب والعشاء، يعني أوقات الصلوات لو أن شخصاً أضاف عليه كلمة أو جملة، نقول بدعة إضافية زي ما بيفعل بعض أهل البدع أن يقول حي على خير العمل، بنقول هذه بدعة إضافية لأن أصل الأذان للصلوات الخمس مشروع لكن أنت أضفت على الأذان جملة مش موجودة فيه، بنقول هي بدعة إضافية.
أظن أنه وضح الفرق بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية، البدعة الحقيقية شيء أصلاً مش مشروع، والبدعة الإضافية شيء مشروع في هذا الوقت أو هذا الزمان أو هذه الحالة بس أنت أدخلت عليه بعض الإضافات والطقوس والبهارات التي حضرتك أضفتها ولم يأذن بها الله سبحانه وتعالى، فتكون البدعة من جهة هذه الإضافة.
وهذه الإضافات أيها الكرام وضعناها لكم في الكتاب، هذه البدعة الإضافية يعني ما هي الأمور التي يضيفها الناس في العادة إلى العبادات المشروعة؟ إما يضيفوا الالتزام بعدد معين، الالتزام بعدد معين ليس على وجه البرامج، يعني أنا دائماً أحاول أضع هذا القيد لأنه الصحيح إخواني أن الالتزام بأعداد معينة دون أن أعتقد ميزة هذا العدد هي بس ركزوا معي فيها، متى يكون وضع عدد معين للذكر بدعة؟ أنا ممكن أريد أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له في اليوم ألف مرة، إذا أنا اعتقدت أن رقم ألف له ميزة وخصوصية وأصبحت ألتزمه لهذا الجانب هذا بدعة في وضع العدد، بدعة إضافية.
لكن إذا أنا لا أعتقد أن الرقم ألف له ميزة، وإنما أنا عامل جدول وبرنامج، بدي أحكي يا حي يا قيوم 100 مرة، بدي أحكي لا إله إلا الله 1000 مرة، بدي أصلي على النبي عليه الصلاة والسلام 5000 مرة، دون أن أعتقد أن هذا الرقم وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام ودون أن أعتقد أن له خصوصية، وإنما هو مجرد برنامج، نقول هذا لا إشكال فيه. فإذا وضع عدد معين للأذكار أو الأوراد متى يصبح إشكالاً؟ إذا اعتقد الفضل في ذلك العدد وفي هذا التخصيص مع عدم ورود الشرع به.
كذلك من صور البدعة الإضافية تخصيص العبادات في زمن معين دون أن يأتي عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء في هذا، كتخصيص ليلة الجمعة أو ليلة العيد بقيام ليل. طبعاً مع إدراكي أن بعض المذاهب الفقهية من المتأخرين ذكروا آثاراً وأحاديث في تخصيص القيام ليلة العيد وجعلوا لها فضيلة، تمام، لكن حقيقة الأحاديث في ذلك ضعيفة لا تنهض. لكن عموماً لو قلت أنا أريد الفكرة الآن ولا أريد مناقشة كل أمر على حدة، يعني تخصيص ليلة الاثنين، تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام، يعني شخص ما بيقوم طول السنة، جاء على ليلة النصف من شعبان قال أنا بدي أخصها بقيام. هسا نحن نعتقد أن ليلة النصف من شعبان ليلة لها فضيلة عموماً، لكن تخصيص ليلتها بالقيام دون سائر الليالي واعتقاد فضيلة قيام هذه الليلة، نقول لا أصل لذلك، أو اعتقاد فضيلة صيام ذلك اليوم برضه نقول لا أصل في ذلك، فهنا تخصيص الصيام في هذا الزمن المعين أو تخصيص قيام الليل في هذه الليلة المعينة مع عدم ورود فضيلة صحيحة في ذلك يجعل هذا نوعاً من البدع الإضافية.
كذلك تخصيص مكان معين للدعاء، كمن يدعو عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام متوجهاً إلى القبر، أو لا يدعو إلا عند القبر حتى ولو لم يتوجه إليه يعني ما بيعرف يدعو إلا عند القبر، يقول لك أنا أريد أن أخصص بالدعاء عند القبر، نقول هذا الشيء لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام بل قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولم يفعله الصحابة ولا التابعون. تخصيص الدعاء عند القبر أو تخصيص الدعاء عند قبور الصالحين عموماً، أو تخصيص الدعاء في غار حراء أو ما شابه ذلك، واعتقاد فضيلة هذا التخصيص للمكان، نقول هذه بدعة.
أو التخصيص بهيئة معينة، تمام، مثل تخصيص الدعاء بصورة جماعية بأن يكون جماعة مشتركين ويلا يا شباب بصوت واحد سبحان الله، ويشيروا مع بعض سبحان الله بصوت عالٍ، بعدين يلا الحمد لله ويصيروا مع بعض بصوت عالٍ. الآن مثلاً لو كانوا جالسين مع بعضهم، واحد قال قولوا سبحان الله، فكل واحد يتكلم مع حاله: سبحان الله سبحان الله سبحان الله، هذا أمره أسهل هو ذكرهم بالأذكار وكل شخص كان مثلاً يذكر الله وحده ليس بصورة وهيئة واحدة، هذا قالوا أمره أسهل وأهون من باب أنه من الاجتماع على الخير. لكن أن يكون عندهم والله يوم في كل أسبوع يجتمعوا مع شيخ طريقة ويصير هذا الشيخ: يلا يا جماعة احكوا هذا الذكر مع بعض، ويصبحوا يقولوا بصوت مرتفع مع بعضهم البعض ملتزمين الذكر الجماعي، فهذا أقرب إلى البدعة منه إلى السنة.
طيب، التزام بعض السور القرآنية في أحوال ومناسبات معينة. الآن إذا كان هذا ليس من قبيل اعتقاد خصوصية فضيلة هذه السورة عند الحالة هذه، وإنما كان بالتجربة أنه إنسان جرب أن يقول دعاء أو ذكر معين أو سورة في حالة من الحالات فانفرج له بها، فأصبح يدل الناس: أخي إنه والله هذه الآية أو هذا الذكر مظنة انفراج الحال، فإذا كنت مغموماً أو مهموماً اقرأه، هذا إن شاء الله لا بأس به كما كانوا يقول من قال: وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ عند همه وغمّه إن شاء الله يفرج له، هذا كثير ما قاله ابن القيم وغيره وجعله من باب التجربة. لكن اعتقاد فضيلة وخصوصية لهذه السورة أو لهذا الذكر عند هذا الباب، هذا المشكل.
كما يفعل كثير من الناس في واقعنا المعاصر: اعتقاد فضيلة قراءة سورة الفاتحة عند عقد الزواج، أنه بعد ما يخلصوا الإيجاب والقبول، الفاتحة. نقول اختصاص سورة الفاتحة واعتقاد فضيلة قراءتها عند عقد الزواج هذا لا أصل له فهو أقرب إلى البدعة منه إلى السنة.
ولذلك يقول الإمام أبو شامة المقدسي: ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، يعني متى ما تيسر بفعل دون أن أخصص ليس لبعضها على بعض فضيلة، لا أخصص زماناً على زمان إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك، إذا كان الشرع خص وقتاً بنوع من العبادة اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة، الشرع جعل له مزية، وصوم عاشوراء، والصلاة في جوف الليل. فالحاصل إذاً كما يقول أبو شامة، إن المكلف ليس له منصب التخصيص، هذه قاعدة مهمة أنا وإياكم ليس لنا أن نخصص بل التخصيص إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هنا وضعنا لكم تنبيهاً مهماً في صفحة 136، وهو تلخيص لما ذكرناه، أنه قد يكون فعل العبادة المطلقة المشروعة في بعض الأحوال الخاصة ليس لأجل اعتقاد الفضل لهذه الأحوال أو الأوقات، وإنما لمقصد معقول ومعنى مناسب؛ كالدعاء في بعض المجالس أو قيام الليل جماعة تلمساً لاجتماع الناس في يوم مثلاً حكينا عطلة الناس يوم الأحد، بالتالي إذا تغيرت العطلة صارت يوم الاثنين راح نصير نعملها يوم الاثنين، غيرت الدولة العطلة صارت العطلة يوم الثلاثاء راح نصير نجتمع يوم الثلاثاء، فهنا وضح أنه ليس المقصود تخصيص هذا الوقت وإنما ملاحظة أنه هو الأسهل على الناس أو الأيسر لهم.
أو تخصيص أحد الأيام بالصيام لكونه مثلاً أنا بعطل يوم الخميس والجمعة فبصير مثلاً أصوم يوم الخميس والجمعة، أو أنا عطلتي والله مثلاً يوم الاثنين يوم الثلاثاء فبقول لك شخص: أنا بدي أصوم يوم الثلاثاء من كل أسبوع لأني بعطل باقي أيام الأسبوع دوام، فبصوم يوم الثلاثاء لأنه هو الأسهل لأنه هو الأسهل مش لأنه هو فيه الأفضلية.
أو مثلاً يزور القبر في يوم معين ليس يوم العيد، يعني تخصيص يوم العيد لزيارة القبور إخواني نقول هذا لا داعي له هو شكل من أشكال البدعة. لكن شخص مثلاً يحب يزور والده قبر والده كل أسبوع مشان يدعو له ويستغفر له وبيقول لك: أنا والله يوم عطلتي يوم الجمعة، خليني بعد يوم الجمعة بعد الصلاة، خلص بصلي الجمعة وبنزل، هذا وقت مناسب لي مناسب لظروف حياتي، نقول ما في مشكلة أنك تواظب على هذا لأنك لا تعتقد خصوصية زيارة قبر والدك يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة، وإنما لأن الظروف تساعدك، لو الظروف انتقلت وأصبحت تساعدك على وقت آخر سأقلم نفسي مع الوقت الآخر، فهنا نعلم أن هذا التخصيص ليس من جهة إرادة تخصيص العبادة والزيادة فيها فلا يدخل هذا في باب البدعية.
رابعاً، إذا قلنا البدع تقسم بدع اعتقادية، قولية، عملية، تقسم بدع فعلية وبدع تركية، تقسم إلى بدع حقيقية وبدع إضافية. التقسيم الرابع أن تقسم البدعة إلى ماذا؟ قد تكون البدعة بالمبالغة والغلو في عبادة مشروعة كصوم الدهر مثلاً عندما رأى أنه لا يشرع، تمام وإن كان البعض يرى مشروعيته. هي المشكلة إخواني وأخواتي التنبيه أنه بعض الأمور ستجد أن بعض الفقهاء يراها مشروعة ويجد لها أصلاً في الشريعة يدل عليها حتى ولو كان الأصل ضعيفاً، والبعض يرى أنه لا أصل لها في الشريعة. فمثلاً صيام الدهر بعض المذاهب ترى أنه مباح ما في مشكلة ما دام لا يضر الإنسان في بدنه ولا يمنع من إقامة حقوق الله وحقوق البشر فأباحته، تمام، والبعض رأى لا أن هذا النوع من الصيام لا يشرع بحال من الأحوال لأنه لا يدخل تحت أصول الشريعة وأنه غلو وزيادة في التعبد.
ولذلك النبي عليه الصلاه والسلام وقف مع عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أفضل الصيام صيام داوود تصوم يوماً وتفطر يوماً، فمن صام كل أيام الدهر فهذا خالف صيام أفضل الأنبياء ولا هو أفضل الصيام، فمن هنا رأى أنه ماذا؟ بدعة غلو وتجاوز في العبادة المشروعة.
أو الزيادة على العدد المشروع كمثلاً الطواف حول البيت هو سبع أشواط، لو شخص قال بدي أخليها ثمانية يعني زيادة الخير خيرين، بنقول له لا والله أخي ما بيزبط لأنه هذا زيادة على العبادة، العبادة مؤقتة بعدد معين أنت عم بتزيد عليها عدداً آخر، أو شخص يقول لك أنا بدي أصير لما أغسل وجهي في الوضوء أغسله خمس مرات، يا أخي خير يعني.
الثلاثة موجودة، بس نحن بنزيد الخير، بقول: لا ما لا يكون الخير بالزيادة. قال صلى الله عليه وسلم عن من زاد في الوضوء عن ثلاث مرات: قال من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم. طيب، إذا قد تكون البدعة بالمبالغة في عبادة مشروعة، أو اعتقاد القربة في عادة مباحة. شيء هو عادة مباحة وهي ذكرناها قبل قليل، الفكرة أنت تحول العادة المباحة إلى عبادة مشروعة. زي كما قلنا لبس الصوف في المناطق الباردة عادة، أنه يصير عبادة وين التقرب إلى الله بلبس الصوف؟ أنت حولت العادة إلى عبادة. أو مثلاً أهل بلد معين بحبوا اللون السكني لابسينه عادي، إذا بعد جيل جيلين صار اللون السكني يتقرب به إلى الله، هنا تحولت العادة إلى عبادة، وبالتالي أصبحت مشكلة.
قال: أو التعبد بفعل ما نهي عنه من المحرمات، وهذه من القبائح، أنه يتعبد إلى الله مثلاً بالمعازف، أنه تصبح نفس المعازف اللي هي أصلاً حرام، هي من جانب المعاصي، تصبح تتقرب إلى الله بمعصية. ما أقبح هذا، نسأل الله السلامة والعافية! أو يتقرب إلى الله باختلاط الرجال مع النساء أو غير ذلك من المعاصي والذنوب. فهذه ممكن نجعلها يعني احنا جعلنا كأنها قسم رابع أنه من صور البدع: إما غلو في مشروع، أو تحويل عادة إلى عبادة، أو تحويل معصية إلى عبادة، وهذا من أقبحها.
طيب، تنبيهات، التنبيه الأول: اعتبار، وهذه انتبهوا لها أيها الشباب خاصة الشباب المندفع، اعتبار العمل بدعة لا يلزم من الحكم على فاعله بأنه مبتدع شرعاً، هي ركز فيها، إذا شخص مارس فعل بدعي لا يلزم من ذلك أن أقول بأن فاعل هذا الأمر سواء كان عالماً أو عامياً أو طالب علم أنه مبتدع بالمعنى الشرعي. الآن ممكن تقول مبتدع بالمعنى اللغوي ما في مشكلة، لكن تقول أنه مبتدع بالمعنى الشرعي شو قصدك شيخ أنه مبتدع بالمعنى الشرعي؟ لما أقول فلان مبتدع بالمعنى الشرعي أنه سيترتب عليه أحكام المبتدع.
لما تقول عن شخص أنه فلان مبتدع غير لما تقول عن شخص أنه واقع في بدعة، لما أقول فلان واقع في بدعة أو بيعمل بدعة هذا مفهوم، وهذا ممكن نقول حتى عن العلماء اللي وقعوا في بدع: أن العالم الفلاني والله وقع في بدعة. لكن لما تقول أنه مبتدع وتقصد الوصف الشرعي هذا سيترتب عليه أحكام، زي ما تقول عن شخص فعل فعل مكفر فلان كافر، لو أن شخصاً فعل فعل مكفر فرق بين أقول فلان فعل فعل مكفر وبين أقول فلان كافر؛ لأنه إذا قلت فلان فاعل فعل مكفر هذا لا يستلزم أنه كافر لأنه قد يكون في هناك أعذار، أما لجهله أو لتأويله أو غير ذلك من الأعذار اللي ذكرها أهل العلم.
كذلك موضوع البدعة قد يقع شخص في بدعة لكن قد يكون معذوراً لأنه جاهل أن هذا بدعة أو متأول، أو يرى أن الحديث الذي أنت شايفه لا أصل له فحكمت على الفعل بأنه بدعة هو يرى أن له أصل، فلا يجوز أن أحكم عليه بأنه مبتدع؛ لأنه حكمي عليه بأنه مبتدع سيترتب عليه أحكام من أن يهجر إذا كان ممن يستحق الهجر، من أن تسقط عدالته، من أمور كثيرة. فكما أننا لا يجوز أن نسقط كلمة كافر على شخص حتى نتأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، كذلك لا يصح أن نقول عن شخص ونحكم عليه شرعاً بأنه مبتدع، تطبق عليه أحكام مبتدعة من الهجر وسقوط العدالة وعدم قبول الرواية، حتى نتأكد من أيش؟ من وجود الشروط أنه رجل عالم، وأن فعله بدعي، ولا عذر له، وأقامت عليه الحجة، وانتفت الموانع، عندئذ أحكم عليه بأنه مبتدع. ففرق بين أن نقول فلان واقع في بدعة وبين أن نقول أن فلان مبتدع بالمعنى الشرعي الذي سيترتب عليه الأحكام الشرعية المتعلقة بالتعامل مع المبتدعين.
طيب، بسم الله، أيضاً بدنا ننتبه أنه لا تبديع في مسائل الاجتهاد. أنتم تعرفون أن هناك مذاهب أربعة؛ مذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وكذلك بعض الأقوال للظاهرية وللأئمة المجتهدين، واختلفوا في عدد كبير من المسائل الظنية. الخلاف في المسائل الظنية الاجتهادية التي ليست قاطعة خلاف محترم مقدر، ولا يجوز أن نقول عن رأي معين منها بأنه بدعة؛ لأن التبديع إنما يكون في مساحة ماذا؟ ما نحن متيقنون أنه ليس من دين الله في شيء، أما ما زال الشيء الذي ما زال في مساحة الظن، أنا أظن أن رأيي صواب ويحتمل الخطأ وأظن أن رأيك خطأ يحتمل الصواب، هنا لا أجوز أن أقول للمخالف أنه مبتدع؛ لأن خلافي معه في مسائل اجتهادية، فلا أنا حاسم لرأيي ولا هو حاسم لرأيه، فلا تبديع في مسائل الاجتهاد.
طيب، مثلاً من أمثلة الخلاف السائغ الذي لا يجوز التبديع فيه: القنوت في صلاة الفجر، خلص القنوت في صلاة الفجر أصبحت مسألة مستقرة خلافية بين أهل العلم، ما بين مصحح لرأي يرى أن الأحاديث تدل على القنوت، وما بين مصحح لرأي آخر يرى أن الأحاديث لا تدل على القنوت. فإذا كان مذهب الشافعية القنوت في صلاة الفجر والتزام ذلك، لا نقول أن هذا بدعة، نقول هذا ما أداه إليه اجتهادهم، وإن كنا نخالفهم ونرى أن الظن والله أعلم أن هذا ليس مشروعاً المواظبة على القنوت في صلاة الفجر. كذلك الجهر بالبسملة أو الإسرار بالبسملة في صلاة الجماعة، والله هناك من رأى سنية الجهر وهناك من رأى سنية الإسرار والمسألة اجتهادية، وإن كنت أنا أتبنى وجهة نظر معينة لكن أعلم أن المسألة ما زالت في مساحة الاجتهاد.
طيب، مسح الوجه بعد الدعاء، هناك من يرى أن الآثار تدل على مشروعية هذا الفعل، وهناك من يرى أنها لا تدل على المشروعية، فمن أخذ بهذا فله رأيه ومن أخذ بهذا فله رأيه، ولا ينبغي ولا يصح التبديع في مثل هذه المسائل إلى غير ذلك من القضايا. طيب، أيضاً هناك قضية ثالثة لا بد من التنبيه عليها وهي باب التعامل مع المبتدع لا سيما بالهجر ليس توقيفياً. يعني الأحكام المتعلقة بالمبتدع هناك أحكام شرعية متعلقة بالتعامل مع أهل البدع، من أهمها قضية هجرانهم، قضية عدم قبول روايتهم.
لكن حقيقة لما ننظر في طرق أهل العلم في التعامل مع المبتدع من أنه يهجر ولا لا يهجر، أن تسقط روايته أو لا تسقط روايته، نجد أنه لا يوجد توقيف، يعني لا يوجد شيء حتمي قطعي يقتضي أنه واحد اثنين ثلاث يتعامل مع المبتدع، بل تجد أن الأمور هي منوطة بالمصلحة وما يراه العالم أو الإنسان أنه الأفضل. فتجد بعض أهل العلم يرى أنه الأفضل الآن أن يهجر أهل البدع اللي عندهم هذه المشكلة، ثم يروا في وقت آخر أنه لا مصلحة من هجرانهم لأنه هذا أدى إلى مشاكل أكبر أو فتنة أكبر، فالأولى أن يتعامل معهم باللين لأنه أقرب إلى استجابتهم. كذلك مثلاً رواية أهل البدع اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال أنه تقبل رواية أهل البدع إذا كانوا لا يستحلون الكذب، منهم من قال يقبل رواية أهل البدع إن كان ليس داعياً إلى بدعته، منهم من قال تقبل رواية أهل البدع إذا كان الحديث الذي رواه ليس داعياً فيه إلى بدعته أو لا يتعلق ببدعته.
يعني ستجد أن أهل العلم متفاوتون في قبول روايات أهل البدع والتعامل معها، وهذا يعطيك أن منهج السلف في التعامل مع المبتدعة نعم هناك ملامح عامة له أنهم يستحقون الهجر ويستحقون الملامة وعدم قبول الرواية، لكن لما نأتي للواقع التطبيق العملي، التصرف معهم منوط بالمصلحة. فمتى كانت المصلحة الهجران يهجر، ومتى كانت المصلحة عدم الهجران لا يهجر، متى رأوا أن هنا في هذه المنطقة ينبغي أن لا تقبل رواية لم يقبلوها، ومتى رأوا في باب آخر قبول رواية تقبلوها. طبعاً مع وجود خطوط عامة عريضة، لكن ما أردنا أن نقوله أن كثيراً من الأحكام المتعلقة بطرق التعامل مع المبتدعة مناطها المصلحة، مناطها المصلحة.
طيب، وطريقة تحقيق هذه المصلحة قد تختلف باختلاف الزمان وحال الأشخاص وطبيعة البدعة ومدى ظهورها ومدى عدم ظهورها، يعني لما يكون بلد السنة فيه قائمة كما كانت زمن السلف، كانت السنة قائمة وأهل الحديث يدهم الطولى، فكانوا يقمعون أهل البدع بكل شدة حتى لا تنتشر بدعتهم بين الناس. لكن ما يكون البلد الذي تعيش فيه لا أهل البدع هم القائمون وفي يدهم زمام الأمور والسلطة، هنا أنت لا تستفيد من الشدة لأنها ستستجلب لك المشاكل والويلات، وتدفع ثمناً أنت لست مستعداً لدفعه، اللهم نسأل الله أن يأجرك لكن ليس من الحكمة هنا تنفير الناس وإحداث القلاقل والبلابل، بل قد يكون من الحكمة المواربة والسكوت وغض الطرف إلى أن يجعل الله فرجاً ومخرجاً. فيجب أن يعامل كل بلد على حسب ما يقتضيه حجم البدع المنتشرة عندهم ومساحة انتشارها.
أيضاً يجب أن ينظر إخواني بمرتبة البدعة، يعني كما ابن رجب رحمه الله عليه ذكر في شرح علل الترمذي وغيرهم أن البدع أقسام، هناك بدع مغلظة زي بدعة الرافضة والجهمية ونفاة القدر، وهناك بدع متوسطة تمام كبعض من وقع في شيء من التجهم، وهناك بدع مخففة زي البدع المتعلقة ببعض الأعمال والأقوال زي الذكر الجماعي، وبعض الأمور التي يفعلها الناس في أقوالهم وأفعالهم وتكون من البدع، قراءة الفاتحة عند خطبة النكاح أو شيء، هذه بدع مخففة، فلا يصح أن تجعل كل البدع بنفس الحجم والإنكار عليها بنفس الحجم والتعامل مع المبتدع بنفس الحجم. يجب أن تنظر كذلك كما قلنا إلى نوعية البدعة وما مدى خطورتها وأثرها في الشريعة، وبناءً عليها ستحكم كيف تتعامل مع هذا المبتدع بالشدة أو بالتوسط أو باللين.
طيب، عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين ويكثر فيها الركوع والسجود، فنهاه سعيد بن المسيب عن ذلك، فقال الرجل يا أبا محمد، اللي كني سعيد: أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. يعني بعض الناس هي فكرة أنه يا شيخ زيادة خير، هذه فقط حبيت أقرأ لك هذه القصة حتى تفهم أنه ليس لك أنت أن تحدد زيادة الخير، بل الخير كل الخير في الاتباع، فإذا الشرع ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يصلي بعد طلوع الفجر إلا سنة الفجر وصلاة الفجر، ما كان يفعل غير كذا مع وجود المقتضي وعدم المانع، إذاً لا تجي أنت تقول يا أخي الصلاة خير خليني أتزود منها، نقول طب الصحابة والسلف وكلهم لم يتزودوا منها في هذا الوقت، من أين اخترعت أن تصلي سنة الفجر أربعة بدل ركعتين؟
فهذا الرجل سأل سؤالاً منطقياً لسعيد، بقوله هل الله سيعذبني على الصلاة؟ صلاة صلاة أتعبد وأطيل الركوع والسجود؟ فشوف الجواب الذكي قال سعيد بن المسيب كصلاة: ربنا ما رح يعذبك على أنك صليت، هو سيعذبك على أنك خالفت السنة، وهنا المشكلة. فبالتالي يجب أن ننتبه في طريقة مخاطبة الناس وتفهيمهم الأمور بالمنطق الجدلي الصحيح، أنه يا شيخ الصيام فيه خير، الذكر الجماعي فيه خير، نقول نعم الذكر في أصله مشروع فيه خير، الصيام في أصله مشروع فيه خير، والله لن يعذبك لفعل الصيام باعتباره صياماً، ولكن سيحاسبك لماذا خالفت السنة وفعلت شيئاً لم يفعله نبيك صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام مع وجود المقتضي وعدم المانع.
طيب، هكذا أيها الكرام نكون يعني مررنا على أبرز وأهم القواعد المتعلقة بباب البدعة، من حيث أنواع البدع، من حيث ضوابطها، من حيث مفهوم البدعة، وهذا نهاية تعريفنا على مقرر علم العقيدة، يعني باختصار بما يليق به الزمان. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدكم همة وخيراً وتمسكاً بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يجعلنا متبعين لا مبتدعين، على السنة نسير وإليها ندعو وعليها نلقى الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يعصمني وإياكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتذكروا دوماً أن عقيدة السلف الصالح هي أسلم العقائد وأنقاها وأنفعها وهي المقربة لك إلى الله سبحانه وتعالى، بل النجاة فيها، تمسك بها إلى أن تلقى ربك، صلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل