تسجيل الدخول

أنوار الصالحين 04

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. هذا مجلس جديد من مجالس الحديث عن هذه الصالحين وأنواعهم، وعن حياتهم وسلوكهم وآدابهم وأخلاقهم، وبعض الفوائد المنهجية كذلك من هذه السير. كما مر في بعض المجالس، نحن نمر بأسماء مشهورة ومعروفة من أهل العلم الذين قد يعرف بتخصص معين، ولكن ربما تجهل كثير من جوانب حياتهم ومسيرهم. أحيانا بعض الأسماء لا تكاد تعرف إلا في تخصص علمي دقيق؛ مثل ما مثلا يحيى بن سعيد القطان على أنه إمام، أو معروف بأنه إمام متخصص في علل الحديث وفي الجرح والتعديل، حتى لا يكاد يعرف بغير ذلك عند الكثير، بينما إذا دخلت في حياته وفي سيرته تجد أن هناك جوانب أخرى كثيرة.

كان من الأسماء العظيمة التي وقفنا عندها في اللقاء السابق محمد بن ناصر المروزي، الذي قيل فيه إنه هو أعلم العلماء باختلاف الناس ومذاهبهم، وكان إماما من أعظم الأئمة رحمه الله تعالى. حقيقة هناك نص جميل ومهم ومركزي في قضية التلقي في سيرة محمد بن ناصر المروزي، لم أذكره في المجلس السابق وهو يستحق الوقوف. ما هو هذا النص؟ قال أبو بكر إسحاق الصبغي -وقيل له: ألا تنظر إلى تمكن أبي علي الثقفي في عقله؟ ألا تنظر إلى تمكن أبي علي الثقفي في عقله؟- لاحظ أني أتكلم عن حكمة، رشد، سداد رأي، فقال: ذاك عقل الصحابة والتابعين من أهل المدينة. أبو علي الثقفي هذا في القرن الرابع الهجري. أو في القرن الرابع الهجري، يعني ايش عقل الصحابة والتابعين من أهل المدينة؟ من أين نما أو وصل إلى أبي علي الثقفي؟ قيل: وكيف ذلك؟ قال: إن مالكا كان من أعقل أهل زمانه، وكان يقال سار إليه عقل الذين جالسهم من التابعين. فجالسه -أي جالس مالكا- يحيى بن يحيى النيسابوري، طبعا يحيى بن يحيى ومن أعظم علماء المحدثين على الإطلاق، قال: فجالسه يحيى بن يحيى النيسابوري فأخذ من عقله وسمته، ثم جلس يحيى بن يحيى محمد بن ناصر سنين حتى أخذ من سمته وعقله، فلم يوجد بعد يحيى من فقهاء خراسان أعقل من ابن ناصر، ثم إن أبا عليا الثقفي اللي هو أصلا هو قيل فيه إنه انظر إلى عقله، جالس محمد بن ناصر أربع سنين، فلم يكن بعده أعقل من أبي علي.

لما يكون بعد محمد بن ناصر كيف أنه ما كان يتلقى وما كان يؤخذ وما كان يستفاد، هو أكبر من دائرة المعلومات؛ وحتى ليس فقط الجانب التعبدي المحض، وليس حتى فقط الجانب الآداب والسلوك، يعني هذه ثلاثة جوانب: جانب العلم نفس المعلومات، فتاوى، معرفة الحلال والحرام، وجانب الفهم -الفهم اللي هو المنهج الاستدلالي، يعني خلينا نقول طريقة تحليل، طريقة تفكير، هذه تتلقى، المستفادة-، الأمر الثالث الذي هو ايش؟ الجانب التعبدي والتذكوي، والأمر الرابع الذي هو الأدب والسلوك والأخلاق. هذا الآن الذي ذكر في سيرة أبي علي الثقفي محمد بن ناصر هو غير هذه الجوانب الأربعة، الذي ايش؟ جانب العقل، حكمة القرارات. ليس السمت فقط، اللي هو السمت من حيث الأدب والسلوك، وأنه سمت، الذي هو الجانب المتصل الانفعال، عدم الانفعال، هذا كله يدخل في العقل. فلاحظ كيف أنه حتى هذا الجانب العقلي يتوارث. ولو تتذكرون في بعض الحلقات السابقة تحدثت عن توارث إحسان الصلاة، أنه محمد بن زيد أخذ الصلاة عن أيوب، وكان ربما أظن سليمان الحربي أو كذا قال، أو كان عالم أظنه محمد بن فضل السديسي أخذ الصلاة عن من حماد.

يعني من المواقف الجميلة، أو من النصوص الجميلة جدا التي تستحق الوقوف، شخص آخر وعلم آخر وإمام آخر ومواقف آخر، وهو الإمام محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير، ونقول صاحب التفسير يعني لاحظ، يعني أحيانا يعرف الإنسان بمشروع، تفسير مشروع وأهميته وفرادته، صار يعني يعرف الإنسان به. وهذا مهم أن يكون للإنسان مشاريع تكون ضخمة ومهمة ومفيدة بحيث أنها تكون من العلم النافع الذي يبقي الإنسان ويستمر فيه باب الأجور بإذن الله تعالى. هذا الطبري رحمه الله سيرته ثرية جدا، وفيها فوائد كثيرة، هو يتعرض لابتلاءات، تعرض لابتلاءات حتى من الأقران ومن بعض طلبة العلم، وحصلت له مشاكل كثيرة من هذه الناحية، وكذلك كان من العجيب في الطبري، وكما قلت هذه المجالس ليست لاستقصاء السيرة، وإنما فقط إشارات في بعض المواقف، الطبري كان صاحب همة وقادة، يعني كان عالي الهمة جدا. فكان يتحدث مع طلابه مثلا، هل لكم في أن نكتب أو أملي عليكم تاريخ الناس منذ آدم إلى زماننا هذا؟ قالوا: كم يقع في ذلك؟ فقال: في ثلاثين ألف ورقة، يعني وضع صعب. وكذلك في التفسير، فتجده يقول يعني ماتت الهمم، أو نحو ذلك.

من المواقف أو خلينا نقول من العبارات المهمة التي تبين مركزية تفسير الطبري، وحقيقة تفسير الطبري مهما سمعت من الكلام فيه ليس مثل أن تدرسه بنفسك؛ إذا درسته ستدرك قيمته فعلا. ولكن الذي قيمته ليست للطالب، وهو أي أصلا ليس للطالب، وإنما يدرك قيمته من كانت لديه الأصول العلمية، ومن مر على كثير من أبواب العلم بحيث أنه إذا دخل لتفسير الطبري، حتى مر يكون على بعض التفاسير الأخرى، فيدرك قيمة هذا الكتاب. لكن لفت انتباهي حقيقة فيما يتعلق بوصف الكتاب، عبارة لأبي محمد الفرغاني، ماذا يقول؟ يقول: تم من كتب محمد بن جرير كتاب التفسير الذي لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد مستقص لفعل. يعني يقول: إن تفسير الطبري عبارة عن موسوعة، موسوعة هذه الموسوعة تحتوي على علوم جمة وكثيرة، حتى لو ادعى مدع أنه يأخذ تفسير الطبري فيستخرج من كتاب التفسير عشرة علوم، يؤلف عشرة كتب كل كتب منها في علم آخر، يعني مثلا اللغة العربية، أصول الفقه، علوم القرآن، وهكذا، لفعل من خلال كتاب التفسير، كتاب تفسير الطبري فقط. قال: وتم من كتبه كتاب التاريخ إلى عصره، وتم أيضا كتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين إلى آخر ذلك.

مما يبين شيئا من أسباب تميز ابن جرير الطبري رحمه الله في هذا التفسير وغير الناحية العلمية وغير كذا، اللي هو الاستعداد النفسي والإيمان للمشروع، وهذا جانب مهم، المشاريع الكبيرة تتطلب استعدادا نفسيا وإيمانيا. هنا في السير، نقل عن أبي جعفر الطبري رحمه الله قال: استخرت الله وسألته العون على ما نويته من تصنيف التفسير قبل أن أعمله ثلاث سنين. ثلاث سنين والمشروع في باله، عشان كذا نقول هو مشروع أكثر من كونه مجرد كتاب، مشروع بعد ثلاث سنين يريد أن يصنف الكتاب أو يعني بعد مدة وهو ثلاث سنوات يدعو ويستخير ويطلب من الله سبحانه وتعالى العون. هذا بلا شك يجعل الإنسان إذا دخل على أو إذا دخل في مشروع ضخم كهذا، يدخل عليه وهو متهيا نفسيا، فرحم الله ابن جرير الطبري ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا به في جنته.

المواقف للأئمة والعلماء كثيرة، الذهبي رحمه الله في السير تعليقاته جميلة، منهجية، تنبيهات، ضوابط، في ترجمة يحيى بن حماد قال محمد بن نعمان بن عبد السلام: لم أر أعبد من يحيى بن حماد، وأظنه لم يضحك، لم يضحك. قال الذهبي: هو طبعا الآن "وأظنه لم يضحك" يتذكر في أي ساعة، مو في سياق النوم، الغلظة والتشدد وفقدان الرحمة، وإنما من باب استحضار الآخرة والخشوع؛ لأن هي مربوطة في سياق تعبدي. قلت: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم أنه إذا وجد من مشايخ العلم من لا يضحكون على قسمين، أحدهما يكون فاضلا لمن تركه أدبا وخوفا من الله سبحانه وتعالى وحزنا على نفسه المسكينة، والثاني مذموم لمن فعله حمقا وكبرا وتصنعا، كما أن من أكثر الضحك استخف به، ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر منه في الشيوخ. ثم قال: وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله، أرفع من ذلك كله حتى من القسم الأول، قال النبي صلى الله عليه وسلم: تبسمك في وجه أخيك صدقة، وقال جرير: ما راني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم. فهذا هو خلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكاء بالليل بسام بالنهار، أعلى المقامات من كان بكاء الليل بسام بالنهار. وقال عليه السلام: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه. ثم قال: بقي هنا شيء، الذهبي وكأنك تستمع إليه وهو يتحدث: ينبغي لمن كان ضحوكا بسام أن يقصر من ذلك ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس، وينبغي لمن كان عبوسا من قبل أن يتبسم ويحسن خلقه ويوبخ نفسه على رداءة خلقه، وكل انحراف عن الاعتدال فمذموم، ولا بد للنفس من مشاهدة. توقيع الذهبي، الملتزم هو منهج واضح للذهبي رحمه الله تعالى؛ لأنه أحيانا ترى بعض من يقرأ في سير الصالحين فيرى حالهم بكثرة بكائهم وعبادتهم قد يصيبه شيء من عدم الاعتدال، أو أحيانا لا يصيبه شيء من عدم الاعتدال، أحيانا يصيبه شيء من الإحباط والياس ويكون، والمطلوب هو الاقتداء والامتثال والانتباه للجوانب العظيمة في السلوك والأدب والتزكية، والتنبه أيضا لمثل هذه التعليقات.

الفضل بن دكين، أبو نعيم الإمام المشهور شيخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، هو من الكبار من الحفاظ، من أصحاب سفيان الثوري. هذا أبو نعيم لفت انتباهي في السير في بداية ترجمته ذكر الذهبي شيء من الأقمشة وكده جيد، ثم قال الذهبي: وكذلك كان غالب علماء السلف إنما ينفقون من كسبهم. يعني لم يكن المصدر الأساسي للعلماء المتقدمين في الدخل هو الوظائف، بل كانوا يحرصون أصلا على حالة الاستغناء، كانوا يحرصون على حالة الاستغناء، أن يكون عندهم مصدر دخل مستقل. هذا مصدر الدخل المستقل، القوة من الاستقلالية، من عزة النفس وكرامتها، من أن لا يكون مرهونا، يعني تحت وطأة أنه يعني أخذ المال، لم يأخذ المال، أتى المال، لم يأتي المال، وإنما يكون لديه قدر من الاستقلال في ذلك. هذا الذهبي يقول: وكذلك كان غالب علماء السلف إنما ينفقون من كسبهم. طيب، لفت انتباهي أيضا من الفقه الجميل في سيرة أحمد بن حفص، الذي قال فيه الذهبي إنه الفقيه العلامة شيخ ما وراء النهر، أبو حفص البخاري الحنفي فقيه المشرق، ارتحل وصاحب محمد بن الحسن، صاحب محمد بن الحسن مدته، وسمع من وكيع بن الجراح إلى آخره. طيب ما الذي يعني لفت انتباهي في هذه الترجمة؟ قال عبد الله بن محمد بن عمر الأديب: سمعت الليث بن نصر الشاعر يقول: تذاكرنا الحديث الذي هو ماذا: "إن على رأس كل مئة سنة من يصلح أن يكون علم الزمان"، هو ذكر الحديث هنا، طبعا برواية من روايات أوردت، لكن ما أعلم أنه يصح مثل هذا اللفظ من الحديث المشهور: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها". طيب، لفتة جميلة في هذه الترجمة هي ملاحظته لإمكان تعدد المجددين بتنوع التخصصات، أنه هذا مجدد في هذا المجال وهذا مجدد في هذا المجال في زمن واحد. طبعا القول بتعدد المجددين في في المقصودين بهذا الحديث في الزمن الواحد هو قوي مشهور عند العلماء، لكن هنا الذي لفت انتباهي أنه بحسب المجالات، فيش يقول؟ قال: فبدأت بأبي حفص أحمد بن حفص، فقلت: هو في فقهه وورعه وعمله، يصلح أن يكون علم الزمان، ثم ثنيت بمحمد بن إسماعيل البخاري، فقلت: هو في معرفة الحديث وطروقه يصلح أن يكون علما، ثم ثلثت بأحمد بن إسحاق الصرماري، هذا أحد المجاهدين الكبار في تلك المرحلة، فقلت: رجل يقرأ على منبر الخليفة، ها هنا يقول: شهدت مرة أن رجلا وحده -اللي هو أحمد- كسر جند العدو، ها، على نفسه، فإنه يصلح أن يكون علم الزمن، قال: نعم. لطيفة مثل هذه الفوائد تجدها تجدها في هذه الأيام، مظان غير المباشرة للعلم، أو ليست من مظان هذه الموضوعات، ولكن تجد في كتب السير والتراجم كثيرا من أمثال هذه المعاني.

آدم بن أبي إياس شيخ الإمام البخاري، وقد روى عنه كثيرا، وهو أحد التلاميذ المتمكنين عند شعبة رحمه الله، ورضي عنه شعبة، طبعا هذا لازم نتعرض له في بعض المجالس القادمة إن شاء الله، شعبة محور ومرتكز من مرتكزات الرواية والحديث رحم الله شعبة الحجاج. هذا آدم بن أبي إياس أحد كما قال أحمد بن حنبل، قال: كان مكينا عند شعبة، كان مكينا عند شعبة، كان من الستة الذين يضبطون عنده الحديث، الذي يمر عليك اسمه في صحيح البخاري كثيرا، هذا قد أو ربما كثير من قراء صحيح البخاري وقراء الحديث والأسانيد لا يعلمون أنه من خيار عباد الله صلاحا وتعبدا ممن يحسب فيهم ذلك. لذلك لاحظ، إحنا تكلمنا عن حاتم الرازي هو أحد النقاد وشديد في العبارة، لا يوثق أي أحد، حتى بعض الصالحين وبعض الثقات الكبار أو المتوسطين يعني لا يصرف العبارة بالمجان، وإنما يحبسها حبسا قويا، بحيث أنه لما يوصف في النقاد المتشددين في الجرح والتعديل، يقول عن آدم بن أبي إياس: ثقة مأمون، متعبد من خيار عباد الله. لاحظ، هو المجال ترى مجال الجرح والتعديل، يعني هو المجال لأنه يقول ثقة أو ضعيف أو لا بأس به، يكتب حديثه أو ما يكتب حديثه، أحيانا يرتفع الوصف السلوكي في الإنسان حتى يأتي الناقد، مع أنه داخل إلى هذه الترجمة من نافذة الجرح والتعديل، في

الحديث، لكنه لا يستطيع أن يتجاوز فكره أنه كان من العباد الصالحين؛ لأنه هذه كانت صفة يعني إحنا نقول مستمرة معه وأساسية وصبغة صبغة له واضح. فتقول، يقول ثقة هكذا، ثم قال: من خيار عباد الله هذا.

قال عنه إبراهيم بن الهيثم: قال بلغ آدم نية 192 سنة، وكان لا يغضب، يعني لحيته بيضاء ما يغيرها، كان أشغل من ذلك، كان أشغل عندك يعني من العبادة.

ثم ذكر الذهبي قال: الحسين الكوكبي حدثني أبو عبد الله المقدسي قال: لما حضرت آدم الوفاة ختم القرآن وهو مسجل، ثم قال: بحبي لك إلا ما رافقت لهذا المصرع، كنت أؤمنك لهذا اليوم، كنت أرجوك، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قضى رحمه الله.

هذا آدم بن أبي إياس رحمه الله تعالى ورضي عنه وغفر له وجمعنا به في جنته. أكتفي بهذا القدر، صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس أنوار الصالحين