تسجيل الدخول

رياض الصالحين 62 | باب الإصلاح بين الناس | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله، الحمد لله ربنا ذي الجلال والكمال والإكرام، سبحانه وبحمده، لا إله إلا هو. اللهم لك الحمد أن أذنت لنا بذكرك، وأن يسرت لنا حمدك، فلك الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

اللهم إنا نستغفرك من ذنوبنا ونتوب إليك، ونسألك الجنة ونعوذ بك من النار. اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا، ونعوذ بك من شرور أنفسنا. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، في مجلس جديد من التعليق على رياض الصالحين، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والبركة والعون.

وهذا المجلس متعلق بباب الإصلاح بين الناس. باب الإصلاح بين الناس، وهذا الباب أورد فيه الإمام النووي رحمه الله تعالى عدة آيات، ثم عدة أحاديث.

فأما الآيات، فقال الله تعالى: لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. وقال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. ثم ذكر مجموعة من الأحاديث، نقف أولا مع الآيات.

قول الله سبحانه وتعالى: لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها كلمة أمر: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. وهذه "أمر" تأتي ضمن شق الأمر بالمعروف، ضمن عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكاد يختزل عند بعض الناس في شق النهي عن المنكر؛ يعني لما تقول فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب بال كثير من الناس ليش؟ فضل النهي عن المنكر واضح الفكرة. يعني كثيرا ما يغفل الناس عن أن هذا الفضل متصل بالشقين وليس فقط بالنهي عن المنكر، وإنما بالأمر بالمعروف.

هذا مثل إيش؟ مثل الولاء والبراء، كثيرا ما يتجه الذهن إلى البراء، بينما الفضل مكون من الولاء ومن البراء، الولاء للمؤمنين والبراء من الكفار. ففضل مكون من الأمرين وليس مكونا من شيء واحد. وهكذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الفضل ليس متصلا بالنهي عن المنكر فقط، وإنما هو مركب من الأمرين. كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، وهكذا في بقية النصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني هي نصوص تبين فضل الأمر بالمعروف.

كذلك نلاحظ هنا في الآية: لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ، يعني كثير من كلام الناس وما يتداولونه فيما بينهم ويتحادثون فيه ويختصون به، إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. إذا كما أن عندنا فضلا أو كما أن هناك فضل للصدقة وللأمر بالمعروف وللإصلاح بين الناس، كما أن هناك فضل -جزاك الله خير- كما أن هناك فضل يعني لها في نفسها؛ يعني في فضائل الصدقة صح؟ طب هل الآية هنا في فضل الصدقة ولا في فضل الأمر بها؟ في فضل الأمر بها، صح ولا لا؟ الإصلاح بين الناس هناك فضل له وهناك فضل في إيش؟ في الأمر به. واضح؟ إذا يعني كما أن هناك حاجة للصدقة وللإصلاح بين الناس وما إلى ذلك، فهناك حاجة لماذا؟ للأمر بها. ولا شك أن هذا كما يتضمن فضل الأمر بالإصلاح بين الناس، فهو يتضمن فضل الإصلاح ويتضمن فضل الأمر إليه، واضح؟

طيب، قال الله سبحانه وتعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. هذه الآية واردة في أي سياق؟ نعم، في الخلافات بين الزوجين. إيش الآية؟ إيش بداية الآية؟ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. الصلح هنا غير الإصلاح بين الزوجين الوارد في قوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا.

يعني الإصلاح بين الزوجين يمكن أن يكون بتدخل طرف آخر، حكم من أهله وحكم من أهلها إذا كانت الأمور خلاص وصلت للنهاية كما يقال. ويمكن أن يكون هناك صلح، وهذا الصلح يمكن أن يكون عبر التنازل، أنه فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. هذا ممكن يكون صورته الأساسية في الآية أن تتنازل، يعني مثلا امرأة خشيت هي أصلا البداية إيش الآية: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. طبعا هذا لا ينفي إيش؟ هذا ليس المقصود أنه مثلا بينهم خلاف واحد يتنازل عن رأيه، لا، هذا التنازل عن الرأي مطلوب من الجميع، لكن الله سبحانه وتعالى يرشد النساء أنه إن خافت المرأة أنه سيعرض عنها زوجها سيتركها، فهذه وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تحافظ فيها على ما بقي من أمور الزوجية أو حبل الزوجية، بأن تتنازل؛ هذا مثل ما فعلت مثلا سودة رضي الله تعالى عنها لما تنازلت عن يومها لعائشة رضي الله تعالى عنها وهكذا.

طيب، وقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. هذه واردة في أي سورة وفي أي سياق؟ سورة الأنفال. وفي أي سياق؟ سياق الغنائم. ما الفائدة المهمة جدا التي نريد أن نقف معها فيما يتعلق بهذه الآية؟ شوفوا يا شباب، أنتم تعرفون بالنسبة لي في الدروس التي أقدمها في سواء في دروس التفسير أو الشروح الحديث وما إلى ذلك، أحرص على قضية بيان مراتب الدين، صح ولا لا؟ دائما وتعرفي في باب مفرد في المنهاج أنه هذا ترى الحرص، تعرفوا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على المراتب بدليل إيش؟ أنهم لما كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم، يسألونه عن المراتب العليا أنه أي العمل أفضل؟ صح؟ أي العمل أحب؟ هذا معناه إيش؟ إدراك المراتب أو الحرص على معرفة المراتب. واضح؟

فلذلك إحنا نقول هذا منهج ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وإحنا نحرص على تطبيقهم. لكن هناك سؤال كبير: أنه كيف نعرف هذه المراتب؟ كيف نعرف قيمة العمل؟ كيف نعرف أهميته؟ الجواب واسع، ذكرت أنا في سلسلة "تزكية للمصلحين" يمكن في البداية كيف نعرف مركزية التزكية، ذكرت كيف نعرف مركزية الأشياء، مثلا تكرار الأمر، مثلا أن يرفق أو أن يكون معه ما يؤكد عليه تأكيدا عظيما أو إلى آخره. يعني مثلا لما تسمع ما جاء في حق الجار، ممكن أنت تأخذ حق الجار قبل ما تنتبه لقضية المراتب، أنه هو من الآداب الإسلامية، صح؟ يعني من محاسن الإسلام والأشياء الجميلة والآداب والإحسان إلى الناس، واللي هو الإنسان سواه إن عملوا عملوا إن ما عملوا فقط فاته شيء من الخير. لكن لما تقرأ النصوص اللي فيها تنتبه لفكرة المراتب تدرك أن هذه قضية مركزية لا يمكن أنه تتعامل معها تعاملا تما. إيش الدليل؟ مثلا هذا في بالمؤكدات اللفظية: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن". قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه". الذي لا يأمن جاره شروره هذا لا يؤمن، يعني ليس بمؤمن، وهذا نفي لشيء من الإيمان الواجب وليس لأصل الإيمان بطبيعة الحال.

فاللي يتأمل يدرك. طيب الحين مثلا الإصلاح بين الناس، الإصلاح بين الناس طبعا على درجتين، حتى ندرك فكرة قضية أولويتها ومركزيتها في الدين، في قضية أن الإنسان يسعى في الصلح بين اثنين، وفي أساس قضية كلمة المسلمين وعدم تفرقهم، فيكون الإصلاح وسيلة لتحقيق هذه الغاية الكبرى. لما تتأمل في النصوص التي تدل على أهمية اجتماع الكلمة وعدم التفرق وعدم التنازع، تدرك أن هذه القضية مركزية كبرى في الإسلام، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما يضادها سماه كفرا. سمى ما يضادها إيش؟ سمى ما يضادها كفرا، إيه في إيش مثل إيش من النصوص؟ إيش؟ "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وإيش كمان؟ "لا ترجعوا بعدي كفارا". شوف طالما أن هذه الأعمال لقبت بالكفر فمعناها أن هي أتت إلى ما يضاد قضية كبرى ومركزية، واضح غير ذلك من النصوص الكثيرة.

طيب إذا كل ما يكون فيه سعي لإصلاح الكلمة وجمع الكلمة، إصلاح ذات البين وجمع الكلمة فهو داخل في الوصول إلى غاية مقصودة في الشريعة كبيرة، وكلما اتسعت دائرة الإصلاح تتسع قيمة هذا العمل؛ يعني إذا كان الإصلاح بين اثنين فهذا خير، إذا كان الإصلاح بين قبيلتين هذا خير مضاعف، إذا كان إصلاح بين فصيلين كانوا يتحاربوا فهذا إصلاح أكبر. يعني كل ما كان الإصلاح أقرب للغاية التي هي جمع الكلمة وعدم التفرق وعدم الكذا، خاصة في سياق العمل للدين، يكون العمل من أفضل الأعمال، يكون هذا المجال من أفضل الأعمال.

طيب إذا ليش أنا ذكرت هذا في الآية؟ يعني أنا ما ذكرت هذا في الآيتين السابقتين، لماذا ذكرته في هذه الآية: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ لِأَمْرٍ مهم جدا، ما هو هذا الأمر؟ منذ أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وقاتل في بدر إلى أن رجع كم حدث؟ كم حدث سار من خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته إلى المدينة إلى أن رجع كثير، صح؟ كم حدث في المعركة نفسها؟ كثير. كم حدث في الطريق، خاصة طريق الرجوع؟ صار في أحداث، استشهاد عبيدة بن الحارث -يعني تأثرا بجراحه- قتل عقبة بن أبي معيط، توزيع الغنائم، كله صار بطريق الرجوع، يوم بدر نفسه صارت في أحداث كثيره جدا جدا. طيب كم من هذه الأحداث ذكرها الله في سورة الأنفال؟ كثير، صح؟ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم... بعدين إيش؟ وَكَذَلِكَ مِنَ الْأَمْنِ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ... إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا... فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ... وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى... إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى... وَإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا... إلى آخره من الآيات، هاه. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ... وَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ... إلى آخره آيات كثيرة ذكرت، أشارت وذكرت أحداثا كثيرة صارت في الـ...

طيب، الآن يأتي السؤال، نزلت سورة الأنفال المتعلقة بهذه الأحداث الكثيرة العظيمة، العجيب كيف كنت تتخيل بداية السورة التي تتحدث عن هذه الأحداث؟ مثلا: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، إيش تتوقع إنه يكون نزول الآية؟ يكون أول آية تنزل فيها إيش؟ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. بعدين عدة آيات صفات في صفات المؤمنين، بعدين: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. إيش هذه؟ إيش دلالة هذه؟ من دلالاتها مما يستنبط منها أن هذا الموضوع عند الله بمكان أن يبدأ في الحديث عن بدر وما يتعلق بها بقضية إصلاح ذات البين وعدم التفرق وعدم التنازع ومركزية الطاعة لله والرسول: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ.

طبعا ثم تكررت الوصية في سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. الآية آخر آية ذكرها النووي رحمه الله في هذه في هذا الباب، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. هذه واردة في أي سياق؟ سياق القتال بين المؤمنين: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.

طيب، إذا كان هذا ورد في سياق القتال بين المؤمنين وفي سياق التنازع اللفظي وفي سياق الأمور الزوجية، وفي سياق الحث عموما على الإصلاح بين الناس وبهذا التكرار، فلا شك أن هذا الأمر مهم وعظيم ومن القربات العظيمة التي يسعى الإنسان لتحقيقها.

ثم تأتي الأحاديث النبوية، وهذه الأحاديث أيضا اجتماعها يؤكد المعنى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه شمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة...".

يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة. متفق عليه. الحديث سبق شرحه في رياض الصالحين والتعليق عليه كذلك، لكن الشاهد من الحديث: يعدل بين الاثنين صدقة. قال النووي رحمه الله: ومعنى يعدل بينهما يصلح بينهما بالعدل.

يصلح بينهما بالعدل. يعني الآن كل سلامى من الناس عليه صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس. هذه الجملة عجيبة ترى، يعني أنت عليك أيها العبد المسلم، أيها المخلوق، عليك كل يوم صدقة على كل مفصل من مفاصل جسمك. وهذا أخبرك به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه نعمة أنه أخبرنا بها حتى نعرف، عليك صدقة. طيب، هذه الصدقة تتجدد في كل يوم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل يوم تطلع فيه الشمس. يعني في كل يوم تطلع فيه الشمس يتجدد واجب الصدقة عليك على كل سلامى. وهذا طبعاً الحديث يذكر بالنعمة، ويذكر بالصدقة، ويذكر بالائتمانية وبالائتمان على الجسم، والائتمان يعني أشياء كثيرة.

طيب، بقي الصدقة التي نخرجها كل يوم، كيف تكون وبما تكون؟ الكلمة الطيبة صدقة. إيش الكلمة الطيبة؟ مثلاً: يا مرحبا، الله يسعدك ويبارك فيك، يا أهلاً وسهلاً، الله يكرمك؛ هذه كلمة طيبة. لا تشيل هم يا ابن الحلال، والله تعدي بإذن الله، الله ييسر الأمور إن شاء الله، اصبر؛ هذه كلمة طيبة، هذه صدقة. تبسمك في وجه أخيك صدقة.

طيب، بكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، احسب عاد كم. ولذلك فعلاً الإنسان حتى مع زحمة الحياة هذه؛ صعبة، دوامات، وروحة وجية، وما أدري إيش، ويحرص أنه كل ما استطاع أنه يذهب إلى المسجد فهذا خير كبير جداً، وماشياً؛ هذا خير وخير وبركة، كل خطوة صدقة. خلاص، هذا طبعاً الحديث الذي فيه صدقة، في أحاديث أخرى فيها فضل الخطوات غير الصدقة، التي هو تكفير السيئات وكذا. طيب، يميط الأذى عن الطريق صدقة. إيش أيضاً؟ يعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة. ساعدك، ساعدك شيل معك؛ هذه صدقة. طيب، وموضع الشاهد إيش؟ يعدل بين الاثنين صدقة، يصلح بينهما يعني صدقة.

طيب، الحديث التالي عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً. متفق عليه. أم كلثوم بنت عقبة إيش يلفت انتباهكم فيها في الاسم؟ أبوها. أبوها عقبة بن أبي معيط. مين عقبة بن أبي معيط؟ عقبة بن أبي معيط حامل راية حرب النبي صلى الله عليه وسلم على المستوى الميداني، يعني هذا الذي كان متخصصاً في الأذى الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم. في ناس كانوا على المستوى القيادي، هذا المستوى التنفيذي، وهذا الذي ألقى سلا الجزور على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد. عقبة بن أبي معيط الذي كان أشقى القوم، وكانت ابنته صحابية. وليست أي صحابية، أنا الآن أقرأ عليكم سريعا من سير أعلام النبلاء بعض الأمور.

وتعرفون أنها امرأة رضي الله تعالى عنها، قال الذهبي رحمه الله: من المهاجرات، أسلمت بمكة وبايعت، ولم يتهيأ لها هجرة إلى سنة سبع، وكان خروجها زمن صلح الحديبية، فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة، فما زالا حتى قدما المدينة، فقالا: يا محمد، فِ لنا بشرطنا. بالمناسبة مكتوب فِ لنا بشرطنا، تعرفون كيف مكتوبة؟ حرف الفاء لحاله، لنا بشرطنا، ففاء مكسورة، يعني في كلمات في اللغة العربية هي عبارة عن حرف واحد، يكون مثلاً "قِ"، قِ أهلك النار، يعني فعل أمر من الوقاية.

طيب، الشاهد فقالوا: فِ لنا بشرطنا، يعني وفِّ لنا الذي هو شرطهم صلح الحديبية؛ أنه من جاء منا ترده. فقالت: أتردني يا رسول الله إلى الكفار يفتنونني عن ديني ولا صبر لي، وحال النساء في الضعف ما قد علمت، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إلى آخره، فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعهن إلى الكفار، نزل الاستثناء من معاهدة صلح الحديبية، نزل الاستثناء من السماء للمؤمنات الضعيفات، وكان السبب هذه أم كلثوم بنت عقبة رضي الله تعالى عنها أنه نزل استثناء في حقها ولغيرها.

قال: ولم يكن لأم كلثوم بمكة زوج، فتزوجها زيد بن حارثة ثم طلقها، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له إبراهيم وحميداً، فلما توفي عنها تزوجها عمرو بن العاص فتوفيت عنده. يعني من أزواجها زيد بن حارثة ثم عبد الرحمن بن عوف ثم عمرو بن العاص. روت عشرة أحاديث في مسند بقي بن مخلد، لها في الصحيحين حديث واحد الذي هو هذا الحديث الذي معنا الآن. روى عنها ابنها حميد وإبراهيم وبسرة بنت صفوان، توفيت في خلافة علي رضي الله عنه، روى لها الجماعة سوى ابن ماجه، وساق أخبارها ابن سعد وغيره. ابن سعد صاحب الطبقات الكبرى، وكتاب الطبقات الكبرى كما تكلمت عنه مراراً كتاب عظيم وثمين ونفيس ومهم في موضوع سير المتقدمين، وفيه ما ليس في غيره، يعني فيه ما ليس في سير أعلام النبلاء، وفيه ما ليس في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، وفيه ما ليس في أسد الغابة لابن الأثير، وفيه ما ليس في الاستيعاب لابن عبد البر. هذه الكتب الأخيرة التي ذكرتها كلها في الصحابة، اللي هي: الاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، والإصابة لابن حجر. هذه ثلاثة كتب معروفة في سير الصحابة، وفي غيرها طبعاً، في معجم الصحابة كذا، لكن الثلاثة من أشهرها وأكبرها في سير الصحابة، طبعاً هي هذه السير ليست السير بمعنى استيفاء الأخبار، وإنما أهم المعلومات المرتبطة بالصحابي.

على أية حال كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد فيه ما ليس في أي كتاب من هذه الكتب. مؤخراً طبع كتاب اسمه "الشامل في سيرة الصحابة الأماثل" لأحد الباحثين المعاصرين، هي رسالة علمية. لا أدري حقيقة رسالة علمية أو لا، لكن أظن الطبعة مرتبطة بجامعة أو شيء، الكتاب ثمانية إلى عشرة مجلدات. الشامل في سيرة الصحابة الأماثل أو نحو ذلك، إيش الكتاب؟ الكتاب يجمع فيه مجموع ما قيل عن الصحابي في هذه الكتب وغيرها، ومنها كتاب الطبقات الكبرى، فمثلاً يذكر اسم الصحابي ثم يذكر لك (س) يعني ابن سعد الطبقات الكبرى لابن سعد، فينسخ ما ذكره ابن سعد عنه، ثم يقول لك مثلاً (ذ) (س) يعني الذهبي في سير أعلام النبلاء فيأتي بما قاله الذهبي، ثم يقول لك مثلاً رمز لابن عبد البر في الاستيعاب فيأتي ما قاله ابن عبد البر في الاستيعاب، ثم رمز لابن حجر في الإصابة؛ مجموع ما قيل في كتب التراث الإسلامي عن الصحابي، الكتب الأساسية يأتِ بها، فهو جمع جيد مفيد جداً للباحث. الشاهد هذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أما أبوها فقتله النبي صلى الله عليه وسلم صبراً بعد أن رجع في طريق العودة من معركة بدر، فتم في معركة بدر القضاء على رؤوس الكفار الكبار الذين كانوا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ويعادونه، وسبحان الله تحققت الوعود في بدر، أولئك الطغاة المتكبرون المتجبرون، أبو جهل ومن معه ممن كانوا يعذبون المؤمنين ويقودون حملات التكذيب ويثورون العرب على النبي صلى الله عليه وسلم ويقطعون بينه وبينهم الحبال، أصابهم الله يوم بدر.

طيب، ما هو الحديث؟ "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً". وفي رواية مسلم زيادة: قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. هذا الحديث يبين أن موضوع الإصلاح بين الناس موضوع من الأهمية بمكان بحيث رخص فيه الكذب. طبعاً الكذب هذه اختلف العلماء في إيش المقصود بالكذب؟ اختلفوا: هل المقصود الكذب، الكذب؟ لأنه الكذب لفظة عامة تشمل أكثر من صورة، بمعنى أنه مثلاً كان مشهوراً في لغة الحجاز الكذب بمعنى الخطأ، مثلاً ليس المقصود في الحديث الخطأ، بس لما يقول مثلاً تجد صحابياً يقول: كذبت، أقصد أنك كلامك غير صحيح يعني أخطأت، ليس المقصود أنك تعمدت الكذب. على أية حال هنا اختلف العلماء كثيراً في تفسير هذا الحديث، خاصة اللفظ الثاني؛ لأنه ذكرت الرخصة في هذه الثلاثة أشياء.

وفي الأول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً. طبعاً ينمي خيراً أو يقول خيراً، تشمل أنه ممكن الإنسان في سبيل سعيه للصلح بين المختلفين يقول كلاماً للطرفين أو لأحدهما، ما يكون نتيجة هذا الكلام أن الطرف يرضى أو يذهب ما في صدره على أخيه. وهنا ما هو الكلام الذي يقال؟ هنا اختلف العلماء؛ هل يجوز له أن يكذب؟ يعني يقول له: ترى سمعت أخاك يقول إنه أنا والله ندمان أني تكلمت عليه وندمان أني قصرت معه وهو الآن ما هو عارف كيف يرجع لك ويحاول يجي؟ وهنا هذا اسمه كذب صريح، ليش؟ لأنه قال: سمعت قال كذا وكذا وكذا. هنا هل يجوز أن يكون هذا؟ هذا الآن قول من الأقوال. في بعض العلماء قال: أبداً لا يجوز، وأنه النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز الكذب حتى في هذا الباب، وإنما المقصود المعاريض والتوسع فيها، أن يقول كلاماً يحتمل معاني متعددة ولكن لا يدقق كثيراً في أنه لا يدعي كلاماً ليس بصحيح، لكن لا يدقق كثيراً في سعة اللفظ، قد يفهم الطرف الآخر بالعكس، هو أصلاً يريد من الطرف الآخر أن يفهم منها أوسع من الحقيقة.

جيد، فهنا يتأول الإنسان في ألفاظ معينة، يختار ألفاظاً معينة. يعني مثلاً طرفان متنازعان، فتجي تتكلم، الواحد يقول: هو أصلاً ما هو مبالٍ ولا مهتم، وممكن تقول له: كيف والله أنا شفته ندمان وزعلان وجالس يبكي، بس أنا ما قصدي الآن عشانك، فهمت الفكرة؟ بس أنا مثلاً قد شفته بحياتي ندمان وزعلان، أنا قلت: أكون فعلاً قد شفته. فهمت الفكرة؟ من أين قال لك: والله أنا شفته ندمان، والله العظيم شفته ندمان وزعلان تمام ومهموم وحاله صعب، وذكرك بخير، طبعاً هو قد ذكره بخير ويقول إنه، يعني هذا الآن كله كلام ما قلت شيئاً صريحاً مخالفاً للحقيقة، ولكن قلت كلاماً هو يعتبر من المعاريض العامة التي هو فهم منها شيئاً معيناً وأنا ما قلت شيئاً بخلاف الحقيقة. وعلى هذا حمله طائفة من العلماء، ومنه بقية الأمور الثلاثة، يعني جعلوها مجعلاً واحداً: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وفي حديث الرجل امرأته. حديث الرجل امرأته الذي هو أنه خاصة نصوا على قضية الوعود، ويكون الإنسان يعني "إن شاء الله"، "إن شاء الله" يعني تحت المشيئة، التي هو إذا شاء الله، ما يكون الإنسان ينوي عدم الفعل، واضح؟ لكن ليس بالضرورة أن يكون عازماً على الفعل، مو لازم أنه هو يكون لما يقول هذا الكلام أنه هو عازم على الفعل، لكن ما يكون بعكس ذلك أنه هو ناوي أنه أصلاً ما يسوي شيئاً.

لكن أنه إذا كان هذا الحديث يزيد المودة ويزيل بعض الحرج، بعض الإشكال، بعض الكذا، أهمية صلاح ما بين الزوجين، يعني هذا هو المعنى، هذا هو الفكرة، والفكرة ليس أنه هي القضية المعنى هو أهمية استقامة الحال ما بين الزوجين. فمثلاً هكذا في الوعود: إن شاء الله نروح عمرة، إن شاء الله نروح عمرة بإذن الله. يعني مو إن شاء الله التي تفهم منها أنه لما نصير عمرنا تسعين سنة، لا، إن شاء الله بإذن الله، أنا بسعى إن شاء الله أنه كذا وخلاص تحت المشيئة، يعني الإنسان بشكل عام ويسعى فعلاً يحاول، خاصة إذا كان هناك شيء ممكن يؤدي إلى مشكلة أو إلى شقاق أو إلى نزاع، فهنا يصير الوضع أوسع في أن الإنسان يتأول من الألفاظ ما يكون واسعاً. طبعاً ومنها مثلاً، موضوع نص عليه العلماء كذلك، وليس داخلاً في الحرب بشكل مباشر، لكن هو موضوع الاضطرار في دفع الظالم، هنا حتى بعضهم نص على الكذب، أنه الإنسان مضطر لدفع الظالم، فما الإنسان يقول: لا، أنا لن أقول، إذا اضطر الإنسان أنه هو...

يدفع هذا الظالم بما يمكن أن يدفع، لأن هذا بابه قريب من باب الإكراه، قريب من باب الإكراه، وتعرف باب الإكراه وباب دفع الظالم وباب دفع المجرم ودفع الشرع عن الإنسان؛ ذكر الله سبحانه وتعالى فيه قوله: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً. وهذه نص كثير من العلماء على أنها تكون باللسان ولا تكون بالفعل، عموما فيها تفاصيل.

الشاهد أنه لأهمية باب الصلح بين الناس جاءت الشريعة بالتوسعة فيها في إيش؟ التوسعة فيها في الألفاظ والعبارات والجمل المهمة أو المتوسطة التي قد يفهم منها أكثر من شيء وكذا وإلى آخره، بل وفي قول بعض العلماء، طبعاً الله أعلم بالراجح ما قول بعض العلماء، أنه حتى لو اضطر الإنسان أن يقول كلاماً ليس بصحيح في ذاته والقصد منه الإصلاح بين متخاصمين أنه أبيح ذلك؛ هذا على قول بعض العلماء. طيب لماذا كل هذا؟ لأن هذا الباب مهم جداً، والخلاف فيه أو الوقوع في الإشكال فيه شر، فإذا لم يجد الإنسان وسيلة إلا أن -طبعاً إحنا الوصية أن الإنسان إيش يعني؟ الوصية أن الإنسان يعني يحرص على عدم تعمد قول الخلاف الحقيقة، وإنما يحرص على أنه يعني لا يتحرج من الألفاظ العامة الموهمة الكذا التي كان يمكن أن تؤدي إلى خير أو تدفع شراً بإذن الله تعالى.

طيب، ثم الحديث التالي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء. إيش معنى يستوضع؟ ضع.. لا.. يوضع.. لا.. أي.. في استوضع يعني يطلب منه أن يضع شيئاً من الدين، أنه يعني تمام بس يعني برجع لك الفلوس بس أنه يعني خفض لي شوي، إنه ما أقدر الحين كذا، هذا يستوضعه ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، والله تجيب الفلوس كاملة، والله ترجعها كاملة، والله ما أطيح عنك شيء. طيب أنا عندي ظروف، أنا ما أدري إيش كذا إلى آخره، يا أخي طيب نزل بس 10% ما أدري إيش، والله العظيم ما أنزل، هذا الآن كان إيش؟ حوار عالية أصواتهما والنبي صلى الله عليه وسلم في البيت يسمع يعني قريب منه. فهذا الثاني إيش يقول: والله العظيم لا أفعل، والله ما أنزل ولا شيء، والله تجيب الحق كامل. تمام، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج، قال: فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ مين اللي يقول والله لا أفعل؟ يعني والله ما أنزل، كيف ما يعني المعروف؟ مين اللي يحلف بالله أنه ما يفعل هذا المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب. متفق عليه.

قال ومعنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه، ويسترفقه: يسأله الرفق، والمتألي الحالف. قصة جميلة فيها عبر. أول شيء أنه النزاع في الحقوق هذا شيء طبيعي أو شيء بشري، وحصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع لي حقي، ما أقدر، معليش انزل شوية، لا ما تنزل، والله ما تنزل، ترجع كامل، ما ترجعه كامل، لا تأخرت، إيش ماجي، هذه طبيعي، هذا نزاع بشري يحصل في كل الأزمنة، في الأزمنة الفاضلة وبالأزمنة المفضولة، هذا أولاً.

الشيء الثاني: مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف الأمور الاجتماعية والأحوال الناس. الشيء الثالث: شوفوا النبي صلى الله عليه وسلم ما تكلم عن أي شيء في الخلاف إلا عن هذه النقطة، أنه كيف تحلف بالله أنك ما تفعل المعروف. طبعاً إيش القضية؟ أنه هذا معروف عظيم، اللي هو إيش؟ أنك تتنازل عن بعض حقك، هنا الحق مالي، شوف ما قال له مين معه الحق، طيب أنت كذا، هل تأخرت، هل سددت، هل كم لكم، هل هذه أول دفعة تسددها ولا لا، طيب تفاهمتوا ولا لا، هل بينكم انتفاء، كل هذا ما تكلم عنه النبي صلى الله عليه وسلم. تكلم عن شيء واحد: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ يعني ممكن لو قال الرجل: يا أخي خلاص يا أخي ما أقدر، يعني ما أقدر أسامحك، أنا أحتاج الفلوس، لكن هنا قال: والله لا أفعل، هنا النبي صلى الله عليه وسلم غضب أو أراد أنه يصلح هذا الموقف مباشرة فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، وإيش سيعمل؟ فله أي ذلك أحب. سرعة الاستجابة، هذه المفروض نضعها في شو اسمه في المنهاج من ميراث النبوة، في إيش كان الباب؟ تعظيم حدود الله، كان ولا إيش؟ وكان وقافاً عند حدود الله، الآن هذه قصة أخرى وعظيمة، سرعة الاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم، تعرفوا الحقوق المالية.

قبل فترة في مقطع انتشر يمكن شفتوه، صارت مشكلة في بعض الدول، صار في قرارات معينة مرتبطة ببعض أمور تجارية، طلع واحد قال: الناس تترك دينها وما تترك محلاتها ما أدري دكاكينها، في ناس لا عندها يعني العكس يعني أنه المال مقدم. هنا مع أنه تو كان ينازعه، تو كان، فله أي ذلك أحب، يا رسول الله، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم جاء وقال انتهى يعني.

طيب، الحديث الأخير في هذا الباب وهو أيضاً قصة، وأنا دائماً يا جماعة أرى أن القصص المذكورة في الأحاديث، القصص التي تحكي شيئاً من مواقف السيرة هي من أفضل المواضع لاستنباط الفوائد. يعني الفوائد يا جماعة نستخرجها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من من المواقف والقصص الواردة في الأحاديث كثيرة جداً جداً. يعني الآن سنستمع إلى قصة صحيحة أيضاً، أخرجها البخاري ومسلم، وهي أخرجها الإمام النووي رحمه الله في باب الإصلاح بين الناس، لكن سنجد أن الفوائد من القصة كثيرة. هذه ميزة القصص، وهذه من جهة الأخرى إشكالية تجريد السنة النبوية من القصص والاكتفاء فقط بالألفاظ، أو حتى موضوعات معينة، خاصة بس أحاديث الأحكام، موضع الشاهد بس. حتى أحاديث الأحكام لازم ما نقتصر على موضع الشاهد، لأنه هي ليست مواد دستورية قانونية تحفظ مجرد رد عن سياقاتها وعن قصصها، الدين في مختلف موضوعاته هو متصل بالعبودية وبالأسماء والصفات وبالمقاصد وبالعلم بالله، ما هو جامد.

طيب، ما هو هذا الحديث عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، يعني خلاف خصومة تنازع، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أُناس معه، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني أخذ الموضوع معاه وقت هذا الموضوع حبسه عن سرعة الرجوع- وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حُبس وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت. فأقام بلال وتقدم أبو بكر، فكبر وكبر الناس، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيق ينبهوا، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني أشار إليه هكذا يعني أنه ابقى- فرفع أبو بكر يده فحمد الله، ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس.

فلما فرغ أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت. يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك؟ فقال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه. والنووي رحمه الله عبر أو فسر حبس -يعني غير أنه هو انشغل بالذا- فسرها أيضاً بمعنى آخر، فقال: معنى حبس، أمسكوه ليضيفوه صلى الله عليه وسلم، وقد يكون المعنى الآخر هو المراد، حبس يعني يقول مثلاً حبسه شيء، حبسه العمل، حبسه الموضوع الذي خرج لأجله.

طيب، هذه القصة وفيها فوائد كثيرة، ومنها طبعاً الفائدة الأساسية التي لأجلها أورد الإمام النووي رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب وهو موضوع الإصلاح، لكن نأخذ مجموعة من الفوائد. الفائدة الأولى هي أن النزاع والخلاف قد يحدث بين الأفاضل، فلا يكون حدوثه دليلاً على أن الإنسان ليس بفاضل. جيد، يعني الإنسان الفاضل ليس منزهاً عن أن ينازع غيره في شيء. أي الآن إيش سبب الخلاف اللي بين بني عمرو بن عوف من الصحابة رضوان الله تعالى عليه؟ ما نعرف إيش هو، ما مذكور في هذه الرواية، هل ذكر في رواية أخرى ما أعرف، ما مر علي، لكن في هذه الرواية غير مذكور في الصحيح مو مذكور إيش الخلاف اللي بينهم ليش سبب وكذا، الله أعلم، اختلفوا. هذا الاختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف، وكان شأنه وكانت علامته عدم الاستمرار، وكانت أحياناً تحدث خلافات بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم تتسم حينها في موقفها بشيء من الشدة لكن ما تستمر.

يعني مثلاً من المواقف التي حصل فيها مثل هذا الخلاف في حادثة الإفك، لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فحصل التنازع بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بين الأوس والخزرج في هذه القضية، كان الكلام شديداً، لكنه انتهى بتسكية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، فانتهى خلاص، فورة غضب وانتهت. وهذه من ميزات النفوس العالية أنه هو سرعة الفيء، أنه ممكن نختلف لكن نرجع، يعني ما يطول الاختلاف. والشيء الثاني سبب الاختلاف، يعني سبب الاختلاف ما يكون كل شيء يسبب اختلاف وكل شيء يسبب مشاكل، والشيء الثاني أنه في فرق بين الاختلاف وبين النزاع، وبعدين النزاع وما يتبعه، أنا قصدي أنه وجود أساس الاختلاف أو وجود أساس حتى النزاع قد يحصل بين الأفاضل.

طيب إيش الفائدة من هذا الكلام؟ الفائدة من هذا الكلام أننا أحياناً نتصور الحياة مثالية بطريقة أنه كيف إنسان صالح وعنده مشكلة مع أحد، يعني مثلاً أنه لازم يتنازل عن كل حقوقه ولازم ما يختلف مع أحد، لا عادي ممكن يختلف، يعني ممكن يختلف، ترى لو اختلف مو معناه أنه إنسان مو صالح، ليس معناه أنه هو إنسان منافق، لا ممكن يختلف، لكن كيف يختلف، ما الذي ينتج عن هذا الاختلاف؟ طيب ترى هذا الاختلاف إذا وصل إلى حد الفجور يصير من صفات المنافقين، فهمت الفكرة؟ يعني إذا خاصم فجر هذا من صفات المنافقين، فما يصير واحد يخاصم بعدين يفجر في الخصومة بعدين يقول لك يا أخي اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهمت الفكرة؟ يعني هو نعم الاختلاف طبع بشري والتنازع ممكن يصل، لكن في حدود هذه الحدود تلتزم فيها.

دائماً إذا نحن بنرجع نستشهد بشيء من زمن النبي صلى الله عليه وسلم نستشهد به من جميع الجهات. يعني مثلاً النساء يقول لك مثلاً والله حصلت الغيرة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وكذا، ممتاز، لكن ترى في بعض مواقف الغيرة أنزل الله فيها قرآناً فيه النهي وفيه العتاب وفيه كذا، فهو أيضاً هناك حدود وهكذا. فدائماً ننظر إذاً الفائدة الأولى أنه ترى قد يحصل النزاع في البيئات الفاضلة لكن أسبابه حدوده الرجوع، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم. طيب الفائدة الثانية، قبل ما نقول أنه فائده الصلح وأهمية الصلح، الفائدة الثانية هي في الهدي النبوي، شوفوا يا جماعة، خذوا هذه القاعدة: عموم أو عامة أبواب الدين الواجب منها المستحب، الفرض المندوب، السنة المؤكدة والسنة غير المؤكدة، عامة أبواب الدين المشروعة المأمور بها ستجدون أن للنبي صلى الله عليه وسلم فيها فعلاً كما أن له فيها قولاً. يعني الآن سمِّ ما شئت من أبواب الدين، إيش مثلاً إحنا الآن معنا إصلاح بين الناس، لن تجد في الإصلاح بين الناس مجرد أحاديث في فضل الإصلاح وآيات، لازم تجد فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام به. إيش سمِّ ما شئت من أبواب الدين، قبل الباب اللي قبله إيش؟ الشفاعة، الشفاعة بين أنك تشفع لأحد، ممكن يجي في بالك أنه تشفع لأحد يعني قضية فرعية ممكن ما تكون حصلت بزمن النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً، طبعاً إيش فيها؟ هي أصلها: مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا، يعني هذا لها أصل في القرآن ممكن.

تقول والله يعني باب الشفاعة خلاص يعني أنه في هذه الآية وخلاص كافي نحن نلتزم به. لا، النبي صلى الله عليه وسلم شفع لمن؟ لمغيث في زوجته بريرة، قالت له يا رسول الله هل تأمرني؟ قال له: إنما أنا شافع، قالت: فلا حاجة لي به، وعلقنا عليه في الدرس الماضي.

طيب، ايش مثلاً؟ ايش تبغى من أي شيء؟ قضاء حوائج المسلمين، أي ستر عورات المسلمين، أي باب من أبواب الدين فيه فضل وحث ستجد للنبي صلى الله عليه وسلم فيه فعلاً. فكر ما شئت؛ صلاة الليل أكثر النصوص عندنا فيها فعلية ولا قولية؟

فعلي، صح. الجهاد؟ للنبي صلى الله عليه وسلم فيه أفعال وأفعال وأفعال وأفعال. الصبر، التربية، الحلم، كف الغضب أو كظم الغيظ، ايش تبغى؟ الإنفاق، أي باب يخطر في بالك؛ الكرم، الجود، الإحسان، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الذكر، أي باب الصلاة، أي باب يخطر في بالك من أبواب الخير ستجد للنبي صلى الله عليه وسلم فيه فعلاً، كما تجد له فيه قولاً، تمام؟

الآن إحنا شوفوا باب الإصلاح بين الناس أخذنا فيه أربع آيات، صح؟ بعدين أخذنا في يعدل بين الاثنين صدقة، بعدين أخذنا في ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، بعدين أخذنا في ايش؟ أين المتألي على الله لا يفعل المعروف، وكان هذا في باب الصلح بين المتنازعين، أنه يعني المعروف الذي هو المعروف أنك تتنازل فيما يعني يؤلف بين اثنين. طيب وين الفعل؟ جانا الآن الفعل في هذا الحديث، إذاً هذه السنة، هذا هو هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ونرجع نقول إن تمام الإمام إمامته في الدين وتمام الوراثة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء، إنما تكون بالمقامين الفعلي والقولي لا بالقولية فقط. مهما كان القول حسناً ومهما أوتي الإنسان من التدريس ومن التعليم ومن حسن البيان ومن حسن الشرح إلى آخره، مهما أوتي، فلا شيء أبلغ من أن يجمع بين الفعل والقول لا أن يكون القول وحده. واضح؟

هذا الآن هذه فائدة مهمة جداً وهي تبين كيف ساس النبي صلى الله عليه وسلم الناس وكيف هداهم بإذن ربه سبحانه وبحمده أنه كان هناك المثال العملي في مختلف أبواب الدين. ولذلك حتى الزيادة لما كانوا يزيدوا يقول: من رغب عن سنتي، ها أنا أعلمكم بالله، أنا أفعل كذا وكذا، لا تتجاوزوا الحدود هنا.

طيب، الفائدة الثالثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يصلح بين بني عمرو بن عوف، خرج يصلح بينهم. الإصلاح هذا إحنا الآن ايش نصنفه في فئات الأعمال؟ يعني مهام اجتماعية أو صح؟ يصلح بين الناس، نسميه يعني أدوار اجتماعية. مصلح اجتماعي أو أياً كان.

لازم نعرف أن هذا العمل عظيم، ومن الأعمال التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر مهم جداً. طيب، هذا العمل له متطلبات، له متطلبات صح. يعني ما يصلح أن المصلح يجي ويقول يعني أي كلام، أو لأنه هو شيخ بس وكذا فهو يعني خلاص أن أي كلام سيقوله سيرضى الجميع وانتهى. الناس لهم مفاتيح، والناس نفوس ونفسيات، والناس مقامات.

المصلح الاجتماعي يجب أن يدرك مقامات الناس ويعرف كيف يتعامل معهم، وهذا الشيء يحتاج له خبرة. يعني لما أنت تكون متربي في مكتبة وبين الكتب بعدين تبي تطلع من المكتبة إلى قلب الخلافات الاجتماعية وتبغى تصلح، ما راح تصلح. لازم يصير في خبرة؛ خبرة في التعامل مع الناس، في خلطة، في معرفة، في كذا. وفي ناس وهبهم الله سبحانه وتعالى هذه القدرة.

المصلح لابد أن يكون حليماً، لابد أن يكون عاقلاً، لابد أن يكون مسايساً، عنده سياسة، يعرف يجامل ويعرف يعني يقول: تمام، ماشي الحال، خلينا طيب لو فكرنا، طيب لو كذا، هذه السياسة يعني. الزعن والغضوب، واللي يقول: ايش الغلط أصلاً على اللي يجي يحاول معكم، روح يا عم كملوا مشاكلكم بينكم ايش دخلني فيكم، أنا ما فاضيكم، ما يصلح يكون مصلح.

لازم يكون باله واسع، صبور، يتحمل، ومعليش، والمرة ذي امسح بوجهي، والمرة كذا، وإن شاء الله المرات الجاية، وأبشر بالخير، ومعليش، وايش تحتاجوا، وايش كذا. وقد يبذل من ماله، ولذلك تعرفوا أن مسألة سؤال المال ممنوعة في الشريعة، لكنها أبيحت لمن؟ أبيحت لأشخاص منهم رجل تحمل حمالة، يعني راح هو تحمل بماله شال من هنا وشال اللي هو مثلاً في الديات، مثلاً يروح يدفع ديات غيره بس عشان يصلح وعشان كذا وكذا. فالمصلح قد يبذل من ماله وقد يبذل من ماء وجهه، قد يبذل من ماء وجهه شيئاً، وأنه أنت واقف معاهم وكذا وبس أنت ما ترضى كذا. عارف؟ وطبعاً المصلح لازم ما يتحسس كمان من الكلام عليه، يعني ممكن يطلع عنه كلام أنه هو ما أدري قال وما أدري ايش سوى وهو أصلاً ما كان عادل، وهو أصلاً ما كان، هو أصلاً، فهذا المصلح لازم يكون له وضح.

طيب، هذه كيف تكتسب؟ طبعاً هذا يا جماعة وظيفة ضرورية، يعني ما يصلح أنه في سياق تربية إصلاحية ولا تربية منهجية ولا تربية علمية أنه الواحد ما يعرف إلا لغة الكتب وما يعرف إلا الناس اللي زيه بس، فهمتوا الفكرة؟ إذا أنت تعرف الناس اللي زيك أنت ممتاز معهم، يعني أنت تفتح حلقة جديدة في المركز ولا في المسجد تكون ممتاز، تسوي درس جديد بدل ما في شيخين تصير أنت الشيخ الثالث، تسوي درس ممتاز ومهم.

بس في التعامل مع الناس عاد بحسب هذول الناس. يعني مثلاً بعض البلدان، بحسب طبعاً البلدان، بعض البلدان الميدان الأساسي اللي تتعامل فيه مع الناس أنك أنت مثلاً تكون إمام مسجد. بعض البلدان في مركزية إمام المسجد، صح ولا لا؟ كل مشاكل الحارة عنده، أيوه اللي مختلف مع زوجته، واللي يقول والله الله مستعان أمس طلقتها ٧٠ طلقة، واللي يقول ما أدري ايش تمام، واللي يقول ما أدري ايش سويت، واللي يقول كذا. وهذا وفي مشاكل بين الجيران، وهذا وقف سيارته قدامي، وهذا ما يوقف، وهذا اعتدى، وهذا ما أدري ايش تفاهمنا تمشكلنا طلعنا نزلنا.

غير مشكلة الأولاد اللي في المسجد كمان هذه شغلة ثانية يعني، فأحياناً يكون الدور نابع عن المسجد وهذا دور جميل جداً، ولذلك يعني أنا أدعو أن ترى بعض الشباب اللي تعلموا تأصلوا وفهموا وكذا جيد أن هم يطرقوا وظيفة إمامة المسجد خاصة زي ما قلت لك، يعني إذا كان طبيعة المسجد وطبيعة الجامع وطبيعة له الدور، وأنه الإنسان يكون عنده قدر من التهيؤ لمثل هذا المعنى، هذا دور عظيم.

خلاص أنت اعتبر ميدان الإصلاح الآن بالنسبة لك في الأمة هو الحارة هذه، الحي، إذا نجحت فيها صدقني لن يستعصي عليك ميدان آخر بإذن الله، لأنه الأحياء تجمع كل شيء، الأحياء تجمع كل شيء. كمان إذا دخلت مشاكل الحريم بقسم النساء خلاص تكمل، يعني تكون ختمت أنواع التحدي، ديات اللي ممكن تمر فيها، صارت مشاكل في الرجال وفي النساء والأولاد وما أدري ايش، خلاص. فالشاهد يا جماعة الخير أنه فعلاً بالتجربة العملية تجد أن بعض الشباب، بعض المصلحين، بعض طلبة العلم لما ينتقل إلى دور يكون في ناحية اجتماعية، فعلاً يعني هو يتصل بالناس اتصالاً حقيقياً ويبدأ يعرف هذا الواقع اللي هو يصلح فيه.

إحنا الآن ما أقصد مجرد الإصلاح الذي هو مجرد الإصلاح بين الطرفين، أنا أقصد الإصلاح بمعناه العام الذي هو الدعوة وتربية الناس، الذي هو شق الأمر بالمعروف، مثل شق النهي عن المنكر، ولا تنسوا أن الأمر بالمعروف فيه الأمر بالإصلاح بين الناس، فلذلك إحنا نقول أن هذه وظيفة مهمة جداً، لها متطلبات، مو الكل يصلح لها، متطلبات في النفس وفي العقل وفي الخبرة وفي التجربة، وهي مهمة جداً.

طيب، الفائدة الرابعة: أنه النبي صلى الله عليه وسلم حُبس عن الصلاة بسبب هذا الإصلاح، بمعنى أنه ترى قد يقتضي مثل هذا التعامل أنه عارف يخرج الإنسان عن جدوله المعتاد، يقدم شيئاً على شيء، أنه ترى هذا من الأهمية بمكان، أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر عما اعتاده في إمامة الناس في المسجد، وهذا حدث بالنسبة للصحابة شيء كبير جداً، يعني عارف حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها ما صار يمكن إلا مرة أو مرتين يعني ما مرض في النبي صلى الله عليه وسلم.

فأن هذا شيء حدث استثنائي، طيب ايش سببه؟ أنه كان بيصلح بين مجموعتين فتأخر، فهذا يدل على أهمية هذا الموضوع، وأنه قد بسببه يترتب أشياء أيضاً أخرى. طبعاً هو بنو عمرو بن عوف أصلاً كانوا بعيدين شوية، هم بنو عمرو بن عوف جهة قباء، يعني المشي بين المسجد النبوي وبين قباء قرابة الساعة، فيها ٤٥ دقيقة تقريباً، ٤٥، ٥٠ دقيقة حولها المشي، ما بين المسجد النبوي ٤٥ إلى ساعة تقريباً وبين مسجد قباء، ليس بعيداً جداً ولكن قصد أنه أيضاً ليس قريباً، يعني فيها مسافة، يعني هذه فيها تأخير.

ومن الفوائد: فضل أبي بكر بين الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، الكل عارف، والنبي صلى الله عليه وسلم لما عينه في مرضه أخذ الصحابة من هذا المعنى إشارة إلى استخلافه. حتى في بعض روايات الحديث لما تناقش الصحابة في سقيفة بني ساعدة قال إنه وعينه النبي صلى الله عليه وسلم، أو يعني معنى الكلام أنه قدمه للصلاة، أنه هذا أخذوا منه أن هذا التقديم يستنبط منه أيضاً.

فبلال رضي الله تعالى عنه جاء إلى أبي بكر وقال له، أيضاً يؤخذ منها مسؤولية المؤذن، ها لأنه اللي قام أدار المشهد هنا بلال، هو اللي جاء لأبي بكر اللي تصرف، وهو فعلاً مؤذن، يعني المفترض يكون عنده قدر من الصلاحيات أو خلينا نقول قدر من التنبه، أنه هو مسؤول، هو المنبه. وبالمناسبة تعرفوا الحديث: المؤذن مؤتمن، يعني ترى المؤذن هو فعلياً، خاصة قبل التقاويم، إحنا الآن في تقاويم، الواحد حتى لو تأخر المؤذن في المسجد كذا، بس زمان كله الأذان يعني هو اللي، تخيل الناس يأتمنون المؤذن على صلواتهم، على الأوقات، على كذا، أنه الناس بطبيعة الحال ليس كل واحد سيتابع الظل والشمس، فخلاص المؤذن مؤتمن، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة.

أيضاً من الفوائد أن الحركة في الصلاة لحاجة لا تبطل الصلاة، وأن الصحابة تحركوا وصفقوا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأبو بكر لما أكثر والتفت، وفي أن الالتفات أيضاً لا يبطل الصلاة. وكذلك أنه لما تقدم وتأخر، تقدم ورجع أبو بكر، وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، أنه هذه أيضاً إذا احتاج المصلي لمثل هذا، فهذا أيضاً لا يبطل الصلاة.

أيضاً من الفوائد أن أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حمد الله سبحانه وتعالى في الصلاة بسبب أمر استجد، يعني هو ليس من مواضع الحمد في الصلاة في ذلك المقام، ولكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك وكذا، فحمد الله سبحانه وتعالى. ثم النبي صلى الله عليه وسلم صحح للصحابة ما نابهم وما عملوه وكذا، وهذا يؤخذ منه دوام التعليق على الأحداث التي تستوجب التعليق، والتصحيح للأخطاء التي تستوجب التصحيح، والتعليم بعد الموقف، التعليم بعد الموقف هذا أيضاً من الأشياء الكثيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك البدء بالأمر العام قبل الخاص، هذه من الفوائد، أنه الآن صار في حدثين؛ حدث أنهم صفقوا، وحدث أن أبا بكر رجع. فالأعم هو الذي فعل الناس، فبدأ به صلى الله عليه وسلم أنه: من نابه شيء لماذا فعلتم كذا؟ لا، سبحوا. ثم لما انتهى من هذه الجملة قال: ما منعك يا أبا بكر؟ فهنا انتقل من الحدث العام إلى الحدث الخاص. ممكن يعني المربي أو الموجه لما يصير في شيء متعلق بالمجموع، وبعدين في شيء واحد مسويه لحاله فيبدأ بالأمر العام الذي متعلق بالناس، أقول قد يؤخذ هذا منه.

أيضاً من الفوائد أن الأمر الذي يأتي على سبيل الإكرام ليس بملزم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أو أشار إليه بأن يبقى. الآن أبو بكر رجع، هل يسمى عاصياً رضي الله تعالى عنه؟ لا، لكن هو هذا الأمر الذي هو من باب الإكرام الشخصي أو ليس إلزامي لا يعد، أو لنقل كالتالي: من فعل خلاف الأمر على سبيل الإكرام للأمر، وأنه فهم منه أن الأمر ليس ملزماً، وإنما هو من باب الإكرام وكذا، فإنه لا يعد عاصياً. أبو بكر فعل هذا الآن احتراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفهم من الأمر الإلزام بكذا، إلى آخره، وهذا دلالة على أن.

البيان بابه واسع، منه ما هو على سبيل الإكرام، ومنه ما هو سبيل الإلزام، ومنه ما هو سبيل الأدب، منه ما هو سبيل إلى آخره. ثم عظيم أدب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا يعني تسطر السطور والصفحات وتسكب العبرات.

يعني طبيعة علاقة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم مدرسة، مدرسة. هو ما منعك يا أبا بكر أن تصلي حين أشرت إليك أن تصلي بالناس؟ حين ما منعك؟ إيش ممكن يكون الجواب؟ شوف أول شيء قال: ما كان ينبغي، يعني ما كان ينبغي لي، يعني مو أنه مثلاً لا، ما كان ينبغي، يعني هذا لا يمكن أن يكون بالنسبة لي. بعدين اختار من ألفاظ من أوصافه، الوصف التقليل، ابن أبي قحافة، يعني ما قال ما كان لأبي بكر، ما قال ما كان لأبي بكر، تعرف الكنية هي تكريم، ما كان لابن أبي قحافة هذا المسكين، هذا الرجل اللي أبوه اسمه أبو قحافة، هذا ولده، ها ولد أبو قحافة، ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يعني ما يمكن لي أن أصلي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ممكن الواحد يعني يفكر أنه يقول والله يعني النبي صلى الله عليه وسلم أكرمني بهذه الميزة ولا بهذه الخاصية، لا هو يعني أنا ما أتخيل أنه ممكن أتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. فقصة أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم قصة استثنائية، قصة استثنائية وعجيبة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر حياته: إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ. وذكر أبا بكر رضي الله تعالى عنه، حتى وقفة أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم بماله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ.

ما نفعني إيمانك يا بكر، فهو يعني مواساته للنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ومواساته للنبي صلى الله عليه وسلم بماله وصحبته له وإيناسُه له. وقل يوم تقول عائشة: إلا أتانا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا في مكة، في مكة قلة الأصحاب، ما في أصحاب كثر، يعني قليل وفي زمن استضعاف والحركة ليست يعني فيها حرية كبيرة، فمين وين كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب؟ إلى أبي بكر غدوة وعشي، يكون دائماً معه، ثم الصحبة في الهجرة، والصحبة في الغار.

والأدب الجم من أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ولما التبست الأمور والأحوال يوم الحديبية واضطرب الناس والتبست المواقف الظاهرة، التبست الأحوال بسبب بعض المواقف الظاهرة التي لم يفهموا باطنها. حتى أبو بكر رضي الله تعالى عنه قد لا يكون فهم باطنها، لكن هو إيش عنده؟ ألزم غرزه، ما فهمت ما فهمت، ألزم غرزه، فوالله إنه رسول الله، أو فوالله إنه على الحق، رجع إلى الأمر الأول والأساس، أنه أنتم الآن أشكل عليكم هذا الفعل، طيب ما تعرفوا هذا مين؟ هذا رسول الله، خلاص هذا رسول الله، ألزم غرزه. فعلاقة أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم علاقة عجيبة، علاقة عجيبة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهنيئاً له، وهنيئاً له، مين من يستطيع الآن لو يعني مين اللي يجي يقدر يسوي مثل عم أبي بكر رضي الله تعالى عنه.

ثم من هنا تعلم بؤس وشؤم من جعل حياته في لعن أبي بكر وفي لعن عمر رضي الله تعالى عنهم، مساكين والله مساكين، والله مساكين، كيف يلقون الله سبحانه وتعالى وصحائف أعمالهم فيها كل هذا السب والشتم واللعن لمن نصروا رسول الله وآووه وأنسوه وصاحبوه وهاجروا معه إلى آخره، فنسأل الله العافية، فنسأل الله العافية، ونسأل الله أن يجمعنا بأبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

إي والله نحب أبا بكر ونحب عمر رضي الله تعالى عنهما، ونحب كل من صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ونصره وجاهد معه وهاجر معه ونقل حديثه وعلم الناس سنته وهديه، فرضي الله تعالى عنهم وصلى الله على عبده ورسوله ومصطفاه محمد. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار ونستغفرك من ذنوبنا ونتوب إليك، اللهم لك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. اللهم اعف عنا وعافنا، اللهم اعف عنا وعافنا، اللهم اعف عنا وعافنا يا عفو يا حميد لا إله إلا أنت.

اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم ارحم أهل غزة واجبرهم يا رب العالمين، اللهم وارحم أهل فلسطين واجبرهم يا رب العالمين، اللهم ارحم المستضعفين من المؤمنين في كل مكان وانتقم من أعدائك أعداء الدين، اللهم انتقم منهم وزلزلهم واهزمهم واجعل دائرة السوء عليهم. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم اعف عنا وعافنا، لا حول ولا قوة إلا بك، لا حول ولا قوة إلا بك، لا حول ولا قوة إلا بك. اللهم اقضِ حوائجنا يا رب العالمين، اللهم اقضِ حوائجنا، اللهم اقضِ حوائجنا يا رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.