تسجيل الدخول

رياض الصالحين 45 | باب تغليظ عقوبة من خالف قوله فعله | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن، والذي هو سبحانه على كل شيء قدير.

ثم نسأله سبحانه أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وبعد ذلك فهذا مجلس جديد من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهو المجلس الخامس والخمسون من مجالس التعليق على رياض الصالحين، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. وهذا الباب الذي سنتناوله في هذا المجلس هو آخر باب في سلسلة أبواب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إن الإمام النووي رحمه الله عقد سلسلة أبواب، يعني الذي قبل هذا الباب كان باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والباب الذي قبله باب في النصيحة، والباب الذي قبله باب في التعاون على البر والتقوى، والباب الذي قبله باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة، والباب الذي قبله في من سن سنة حسنة أو سيئة. يعني كل الأبواب كلها تقريبا في فلك واحد، أليس كذلك؟ النصيحة والدعاء إلى الخير وكل في الدعوة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. معناه ذلك أنه مر معنا تقريبا عشرات الأحاديث كلها في نفس الفلك، وعشرات الآيات ربما أو نحو ذلك.

فهذا يعني كله مما يؤكد، كما مر معنا مرارا في هذه المجالس، أهمية هذا الباب، مركزيته في الدين، مركزيته في الشريعة. ختم الإمام النووي هذا الباب أو هذه السلسلة من الأبواب بقوله: باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله. هذا ختام سلسلة الأبواب، يعني كأنه يقول بعد كل ما سمعته من الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد كل ما سمعته من الحث على الدعوة إلى الله: احذر فإن على الداعي إلى الله أن يكون أول الممتثلين، واحذر فإن على الناهي عن المنكر أن يكون أول المجتنبين لهذا المنكر الذي نهى عنه.

فهذا ختام حسن وفيه فقه كبير. وكما قلت، هنا تأتي أهمية دور العلماء؛ الاستنباطات، حسن العرض، حسن الترتيب، وهذا تجده عند العلماء رحمهم الله تعالى، وهذا يظهر في ترتيب بعض الأبواب، ويظهر في اختيار بعض النصوص التي قد لا يخطر على البال أنها مرتبطه بالباب، لكن تجدها في رياض الصالحين وفي غيره. ومن أظهر الأمثلة على ذلك ما فعله الإمام البخاري في صحيحه، كيف يربط بين الباب والأحاديث ويستنبط؟ هذا دور العلماء.

طيب، اختار الإمام النووي لهذا الباب، اختار عدة آيات ابتداها بقوله سبحانه وتعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. هذه الآية الأولى هي آية نزلت في الحديث عن بني إسرائيل في الأساس، لأنها جاءت بين قولي، بين الآيتين التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: يا بني إسرائيل -را في صفحة واحدة، ليس كذلك؟- يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم، هذه في بداية الصفحة وفي نفس الصفحة في آخرها: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين. فيما بين هاتي، هذين الندائين، فيما بين هذين الندائين جاء قوله سبحانه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ.

فهو خطاب لبني إسرائيل، ولكن هذا النوع من الخطابات القرآنية هو باب عظيم من أبواب الدين، أو من أبواب الامتثال، أو من أبواب الفقه، وهو الباب الذي خاطب الله فيه أو تحدث فيه عن الأمم السابقة عن أهل الكتاب خاصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم. ما هي سننهم؟ ما هي طريقتهم التي ستتبعها هذه الأمة؟ وهذا الحديث في باب الذم وليس في باب الخبر المجرد، يعني النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لتتبع سنن من كان قبلكم، ها ثم لما سألوا، يعني من هؤلاء؟ اليهود والنصارى وفي رواية فارس والروم، طيب، هذا لم يكن خبرا مجردا أنه سيقع، وإنما كان من النبي صلى الله عليه وسلم، كان هذا خبرا على سبيل الذم لمن فعله.

حسنا، كيف نعرف معالم سنن من قبلنا حتى نجتنب هذه المعالم المذمومة؟ القرآن أهم مصدر لمعرفه هذه المعالم، وفيه حديث كثير عن أخبارهم، ولاهمية هذا الباب ومركزيته نجد أننا في سورة الفاتحة في كل صلاة نستعيذ بالله سبحانه وتعالى من سلوك هذا السنن فنقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. ومن المعلوم باجماع المفسرين، باجماع المفسرين، أن المغضوب عليهم هم اليهود، وأن الضالين هم النصارى، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه.

إذا، كون هذه الآية جاءت في بني إسرائيل في الأساس فهذا لا يلغي الاستدلال بها على غيرهم، لا يلغي الاستدلال بها على غيرهم، ومن هنا كان العلماء على مر التاريخ يستدلون بالآيات التي نزلت في أهل الكتاب يستدلون بها على أفع، على هذه الأمة. فمثلا إذا وجد من العلماء أو من العباد المسلمين من أي مثلا يخون الأمانة من الناحية المالية ها، وياكل أموال الناس بالباطل فتستدل عليه بقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ.

ولذلك وبراي، هذه عبارة مركزية كبرى في هذا الباب قالها سفيان بن عيينه رحمه الله واستدل بها العلماء كثيرا، وذلك أنه قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وذلك لأن فساد اليهود بعلم، وفساد النصارى بغير علم أو بجهل، فالعباد يكثر فيهم الجهل فمن فسد منهم فهو يشبه حاله حال النصارى، والعلماء من فسد منهم فحاله مثل حال اليهود.

وأعجبني ابن تيمية كثيرا رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، لما ومحور هذا الكتاب وعنوانه هو التشبه، يعني النهي عن التشبه بصراط أصحاب الجحيم، فلما ذكر أحوال التشبه بالكفار أو بأهل الكتاب ذكر من جمله ذلك التشبه بأحوالهم القلبية حتى التي ذكرها الله في القرآن، فمثلا: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ، ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. إذا من أحوال التشبه أن يطول الأمد بأناس من حملة القرآن أو من حملة الدين، ها فيطول عليهم الأمد فيقسو، فتقسو قلوبهم، فهذا فيه نهي من وجهين، من عن الفعل في ذاته، وعن مشابهة أهل الكتاب في مثل هذه الأحوال.

الشاهد أن الله سبحانه وتعالى قال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ. لو استدل مستدل بهذه الآية على أنه لا ينبغي على من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون تاركا لأمر بال، تاركا لفعل المعروف الذي أمر به، أو مرتكبا للنهي الذي نهى عنه، لا ينبغي لمن يستدل بذلك -عفوا- لا ينبغي أن يعترض معترض على من يستدل بذلك فيقول له: كيف تستدل بهذه الآية وهي نزلت في بني إسرائيل؟ فيقال له: وإن كانت الآية نزلت في بني إسرائيل إلا أن هذا الباب ليس مغلقا عليهم، وليس خاصا بهم، فإن هذه الأمة قد أخبر عنها بأنها ستتشبه بهم، وهذا الإخبار على سبيل الذم، إذا فما ذمه الله عن بني إسرائيل في كتابه فيجب على هذه الأمة أن تعيه لتجتنبه. هذا خلاصه الاستدلال بهذه الآية، طبعا هذا يعني هذا وجه من وجوه الاستدلال، وايضا هناك وجوه أخرى.

أحسنا، ما هو الأمر الذي وقع فيه بنو اسرائيل تحديدا في أمرهم الناس بالبر ونسيانهم أنفسهم؟ ما هو تحديدا؟ يعني يذكر بعض المفسرين وهناك يعني يبدو أن فهم المفسرين يتوجه إلى أنهم هم كانوا يأمرون البعض، سواء بالسر أو قبل الإسلام بأيش؟ بالإسلام، بالايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا كما قال الله سبحانه وتعالى في نفس السورة، سورة البقرة: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.

يعني يستفتحون على الذين كفروا، أي أن أهل الكتاب كانوا يقولون للذين كفروا من أهل يثرب من مشركي العرب من قبل النبوة: إنه سيأتي نبي وسنتنتصر من خلاله عليكم، هذا الاستفتاح عليهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. إذا أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وأيضا يعني يروى أنهم كانوا يأمرون بالسر، البعض يقول إنه هذا ترى نبي حقا اتبعوه، أحيانا يعني تذكر بعض الروايات، وال في نفس الوقت كانوا يقولون إنه لم يبعث لنا، وإنما بعث للأميين اللي هم العرب، أما نحن ما لنا دخل.

فالشاهد أنه هذا نوع من أمر الناس بالبر ونسيانهم أنفسهم، ثم تؤخذ الآية على عمومها، فيذ من خلال هذه الآية ومن خلال الدليل الذي ذكرته المركب من أكثر من نص، يستدل بهذا على ذم من أمر الناس بالبر ونسى نفسه، أو ونسي نفسه.

طيب، وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ، هذه الجملة القرآنية أو الجملة من الآية، هذه الجملة مهمة جدا، يعني أن من كان تاليا للكتاب فحري به أن يكون مخ، ألا يكون عمله مخالفا لقوله، يعني كلما كان الإنسان أعلم بالكتاب وأكثر تلاوة له ودراسة له، فانه يرتفع في حقه موجب الذنب إذا نسي ما كان يأمر به.

هذا الله سبحانه وتعالى يقول لهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ، أي وحري بمن يتل يتلو الكتاب ألا يفعل ذلك. أَفَلَا تَعْقِلُونَ، يعني وهذا كما في أيضا سورة البقرة: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، الآية اللي بعدها: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُم أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلى آخر الآية.

هذا وجه آخر، اللي هو الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، وهنا الكفر الذي هو الجحود العملي، أنهم جحدوا عمليا ما أمروا به.

هذه إذا الآية الأولى. الآية الثانية قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. هذه الآية ذم الله فيها من يقول ما لا يفعل، وأيضا كما قلنا في الآية الأولى، ما هو البر الذي كانوا يأمرون به؟ نريد أن نفهم ما هو، يعني ما، هل هذه الآية عامة أو هي نازلة على سبب معين؟ وفي نفس الوقت طبعا نزولها على سبب لا يخصص الآية ولكن يعني يزيد من فقهنا بها.

الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. طبعا هناك أقوال في تفسير الآية، أصحها أنها نزلت في شان الجهاد في سبيل الله، وأن أهل الكتاب، عفوا أن المؤمنين، لأن بعض العلماء قالوا هذه الآية في المنافقين وهذا غير صحيح، لأن الآية صدرت بـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله وهذا طبعا وارد في الحديث: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه. فلما نزل الأمر بالجهاد أو قيل لهم إنه الجهاد، كان بعضهم كرهه أو استثقله، فانزل الله سبحانه وتعالى هذا العتاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.

الذي يؤيد صحة هذا السبب وصحه هذه الرواية هو ايش؟ الآية التي بعدها، الآية التي بعدها: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا. هذا يؤيد الرواية، لأن لأن الرواية الحديث فيه: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فقيل لهم الجهاد، فكان بعضهم كرهه. فالآية الآن لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ مو مبين ما هو كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، جاءت الآية التالية تؤيد الرواية أنه فعلا هو كان في الجهاد، لانه حتى جاء بلفظ المحبة: إن تسالون أي الأعمال أحب إلى الله، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ.

فهذا، هذه الآية آية من جهة فيها ذم من يقول ما لا يفعل، ومن جهة أخرى فيها تفضيل الجهاد في سبيل الله، خاصة مع الآية التي تليها.

بعد ذلك قال النووي رحمه الله: وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، هذا دليل آخر، لكن من جهة أخرى، وهذه الجهة هي أن الأنبياء والصالحين كانوا أفعل الناس لما يقولون، وأكثر الناس التزاما بما يامرون به، وأبعد الناس اجتنابا، وأكثر الناس اجتنابا لما ينهون عنه.

وهذا وارد هنا على لسان شعيب صلى الله عليه وسلم في قوله: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. وهذا بما أنه وارد عن نبي من الأنبياء فهو إذا نبراس لمن سار على طريق الأنبياء من المصلحين، أن يكون هذا من شعاراته: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. انظروا إلى مواطن ومواضع النهي التي نهيتكم عنها ستجدونني اشد الناس اجتنابا لها، وانظروا إلى مواضع الأمر التي أمرتكم بها ستجدونني أشد الناس امتثالا لما أمرت. هذا المنهج، هذا منهج الأنبياء وهذا

من أهم ما ينبغي على المصلحين أن يسلكوا أن يكونوا أشد الناس اجتنابًا لما نهوا عنه، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. طبعا هو في النهي قد يكون ارتكابه أقبح من اجتناب الأمر أو من عدم فعل الأمر، خاصة إذا كان الأمر المأمور به من المستحبات فهذا يتصور فيه التقصير، أما ارتكاب النهي فيما تم النهي عنه وفيما تم بيان تحريمه فهذا غليظ جدا.

طيب، هذه الآية ليست الوحيدة في بيان هدي الأنبياء في امتثال ما كانوا يأمرون به وفي اجتناب ما كانوا ينهون عنه، فانه قد تكرر في خطاب الأنبياء كلمة: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، وفي موضع آخر: وأنا أول المؤمنين، وهذا فيه معنى الامتثال وسرعة الامتثال لما كان يأمر به النبي.

طيب، بعد هذه الآيات أو هذه المواضع الثلاث من كتاب الله سبحانه وتعالى ذكر الإامم النووي رحمه الله تعالى حديثا واحدا في هذا الباب، فقال: وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما -أسامة بن زيد بن حارثة حب رسول الله ابن حب رسول الله- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأامر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم رحمهم الله.

قوله: تندلق، بالدال المهملة، ومعناه تخرج. والأقتاب: الأمعاء، واحدهما قتب.

طيب، هذا الحديث حديث شديد وحديث مخيف، وباب هذا الحديث أولا هو في ذكر شيء من عذاب الله سبحانه وتعالى، ذكر شيء من تفاصيل العذاب في النار، فإن النار وإن كانت بوصفها المجمل مخيفة للمؤمن، مخيفة لمن يخاف الله بما وصفه الله سبحانه وتعالى وبما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها بصفتها المجمله التي هي النار دون التفصيل الدقيق لعذابها، إن كان هذا بحد ذاته كافيا -وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ناركم هذه التي توقدون -هذا في الحديث الصحيح- ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- فلك أن تتخيل هذه النار وتخيلها وقد يعني أحرت بيتا واشتعل مكان بنيرانه، كيف مدى خوف الإنسان من الدخول والتماس مع هذه النار؟ هذه النار في شدة إحراقها وفي طبيعتها هي جزء من سبعين جزء من نار جهنم في قوتها وإحراقها وشدتها.

هناك صفات مجمله عن النار اللي هو صوتها وزفيرها وشهيقها وكذلك حجمها، تعرفون يؤتى بجهنم في الآخرة، يعني يوم القيامة يؤتى بها تجرها الملائكة، ولها أزمة ولها يعني نار عظيمة مخيفة، هذا الآن الوصف المجمل المخيف الذي يتكلم عن النار في ذاتها ومساحتها وما إلى ذلك.

الأمر المخيف الآخر هو ما يتعلق بالنار في تفاصيل العذاب داخلها، وهذا باب من أبواب الدين ذكره الله في القرآن وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فمما جاء في القرآن عن العذاب التفصيلي في النار -وهذا الحديث طبعا هو هذا السبب لذكر هذه القضية أنه ذكر العذاب التفصيلي في هذا الحديث الذي معنا في الباب- فمما ذكر في القرآن قول الله سبحانه وتعالى في سورة محمد: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ، وهذا يذكر بما جاء في أيضا في سورة الواقعة -ها ولا في سورة الصافات؟- فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِم مِنَ الْحَمِيمِ -على سورة الصافات- فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. وكذلك: وَكَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، هذه في سورة الدخان.

وأيضا في سورة النساء لما ذكر الله سبحانه وتعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ.

وكذلك ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الحاقة: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ -تخيل سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه!- إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ.

وكذلك في سورة الدخان: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ.

وكذلك في سورة الصافات أيضا، بداية الآيات: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، قَالَتْ تَاللَّهِ إِن كِتَّ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إنَّ مَرْجَعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ، إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ.

وفي سورة الحديد: مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وكذلك في سورة الحج وفي غيرها من السور ورد ذكر تفصيل عذاب النار وما إلى ذلك، وهذا كله يعني لم يذكره الله سبحانه وتعالى إلا لأن الأمر يعني دين وعقيدة، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعا يخافون عذاب الله، ولذلك تكرر من الأنبياء قولهم، تكرر منهم قولهم: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، في سورة الشعراء ورد ذلك، وكذلك في سورة الزمر، وكذلك في سورة الأنعام قال الله سبحانه وتعالى في قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعِمُ، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ، وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ إلى آخر الآيات.

فمن شأن الأنبياء والصالحين أنهم يخافون عذاب الله، وهذا الخوف لا ينفك عن الإنسان لأنه يسير على طريق الصلاح، لا ينبغي أن ينفك أبدا، لكن في نفس الوقت لا ينبغي أن يغلب غلبة تجعل الإنسان يعني يائسا من رحمة الله سبحانه وتعالى أو يؤوسا من رحمة الله سبحانه وتعالى، وإنما يبقى عند الإنسان شيء يخيفه من عذاب الله سبحانه وتعالى.

طيب، لو قال قائل: ما الموجب للخوف والإنسان مسلم؟ ما الموجب للخوف والإنسان يعني قائم بالفرائض ومجتنب للكبائر؟ الموجبه للخوف كثيرة جدا، من أهمها أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، لا يدري الإنسان ما الذي أو بما يختم له، هذا الأمر كان يقلق الصالحين، هذا الأمر كان يقلق الصالحين، وهذا معروف يعني حتى يعني ورد عن بعض الصالحين كسفيان الثوري وغيره، ورد عن بعضهم من المتقدمين أنه كان يقول يعني ما أخشى الذنوب، وإنما أخشى سوء الختام! يعني سوء الختام هو الذي يخشى الإنسان منه، وسوء الختام ليس باليد، الختام نفسه ليس باليد، ليش؟ لأنه الختام يدخل الإنسان في حالة غير لا يملك فيها التصرف؛ لأنه الله سبحانه وتعالى قال: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، في سكرة هذه، سكرة شفت الإنسان مثلا اللي صاحي من النوم ما استوعب بعد كيف يهذى، ولا اللي فائق من عملية وبنج وكذا كيف يهدي ويتكلم باشياء هو غير واعي فيها؟ هذه شيء من السكرة أو من عدم الوعي أو من عدم، الموت كذلك له سكرة، فالانسان لا يتحكم فيه، لا يتصرف فيه كما يريد، فلذلك هذا موجب من موجبات الخوف: أنه الإنسان ما يدري بما يختم له.

وكما تعلمون في الحديث الصحيح أنه: إن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.

فالخوف من عذاب الله والخوف من ناره، والخوف من أن يقلب قلبه، والخوف من أن يخذل بذنوبه، والخوف من سوء الخاتمة هو الأمر، هذا موجب من موجبات خوف الصالحين.

موجب آخر من موجبات خوف الصالحين هو أنه يعني ما يدري ما الذي دخل قلبه أثناء الأعمال الصالحة، وما يدري ما الذي قصر فيه وفرط فيه وإن كان في جملته صالحا، بمعنى أن الإنسان لو تأمل مسيرته -هذا غير الذنوب الصرفة- مقدار التقصير في الصلوات، مقدار السرحان فيها، مقدار الخواطر والوساوس، مقدار اللهو أو يعني الغفلة عن تحقيقها، قدر التحقيق أو التحقيق الذي ينبغي، مقدار ومقدار ومقدار، هذا كله إذا تأمل الإنسان فيه سيجد أنه باب من أبواب التقصير، ولذلك كما تعلمون الصلاة شرع بعدها مباشرة الاستغفار.

فيعني هذان موجبان، وهناك موجبات أخرى، فالانسان وإن كان صالحا فإنه لا ينبغي عليه أن يترك الخوف الحقيقي من عذاب الله سبحانه وتعالى.

طبعا قد يقول القائل إنه يعني أين الدليل على ذلك؟ واحنا قلنا الأنبياء: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، هذا أولا.

الامر الثاني أنه الله سبحانه وتعالى لما ذكر الصالحين في سوره المؤمنون قال عنهم سبحانه وتعالى ما يلي: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.

فقوله سبحانه: قلوبهم وجلة، لما سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم هل هم الذين يعني يفعلون ويفعلون من المحرمات؟ قال: لا، هم الذين يفعلون -معنى الحديث يعني- من الخير ويخافون ألا يقبل منهم: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ.

وكذلك في سورة المعارج لما ذكر الله سبحانه وتعالى المصلين الذين استثناهم من أهل الشر والفساد لما قال: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُمْ... إيش؟ لاحظ هؤلاء المصلون، هؤلاء المؤمنون: وَالَّذِينَ هُم مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثم بقية الصفات.

فالشاهد أنه هذا الباب يعني قد يغفل الإنسان عنه، قد يظن أنه طالما أنه هو في طريق الصلاح ومع الصالحين والحمد لله كذا أنه خلاص يعني ما يعني نؤمن بالنار ونؤمن بعذابها بس ما لنا دخل فيها، نعم، احنا نحسن الظن بالله ونرجو، كما بس يجب أن نخاف، يجب أن نخاف، فإن -كما قلت- إن رابك شك في ذلك فانظر إلى حال الأنبياء، وانظر إلى صفات الصالحين التي ذكرها الله في القرآن، فهذا المعيار ذكر الله أنهم من عذاب ربهم مشفقون، فهذا باب ينبغي أن يعلم جيدا.

طيب، ثم يأتي الحديث بتفصيله: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار.

بالمناسبة هذا الحديث هو واحد من الموجبات التي تجعل الإنسان يخاف، لأن الله ذكر سبحانه، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هنا عذابا تفصيليا لناس في النار وكانوا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ليس فقط صالحين في أنفسهم بل كانوا مصلحين: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ هو معروف في الدنيا، معروف في الدنيا، فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. كما قلنا أخرجه البخاري ومسلم.

هذا يذكر بالحديث الآخر: أول من تسعر... أول من تسعر بهم النار، بس ذاك الموجب كان في النية وهذا الموجب في مخالفة الفعل للقول.

طيب، قبل أن نذكر وجه الحديث وضوابط الفهم للحديث يعني في نقطة يتأمل فيها في حديث وهي التشبيه بالحمار، لأنه قال: كما يدور الحمار في الرحا. والذي يدور في الرحا يعني من الكائنات يوجد يوجد حيوانات غير الحمار، لكن اختير الحمار هنا لتشبيه حاله الحمار الذي يحمل أسفارا، نفس ال إنه الحمار الذي يحمل أسفارا لم ينتفع بالأسفار التي على ظهره، وكذلك الذي أمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا لم ينتفع بالمعروف الذي كان يعرفه ويدعو إليه، ولا بالنهي عن المنكر الذي كان يعرفه ويدعو إلى اجتنابه، فلم ينتفع، فشبه بالحمار.

أيضا من الحديث أنه هذا عذاب تفصيلي ذكر، وهو عذاب شديد، وهذا يدل أنه النار فيها أنواع العذابات، أنواع العذابات، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن أنعم اهل الدنيا -انعم اهل الدنيا!- يغمس في النار غمسة، دعك الآن من الخلود ودعك من عشرين سنة ودعك حتى من من أنه ايش يأخذ مدة ثم يخرج بالشفاعة، غمسه -يعني تعرف الموحدون يخرجون بالشفاعة بس من دخولهم إلى الشفاعة الله أعلم ايش ينالون!- فيغمس في النار غمسة، فيقال: هل مر بك نعيم قط؟ هل مر بك يعني أنت عشت ستين سنة خمسين أربعين سنة نعيم يعني هل مرة شفت نعيم؟ فمقابل هذه الغمسه لا، ما في ولا قد أصلا شفت نعيم في الحياة ولا قد مر به شيء جميل أصلا ولا عمري سعدت، بمقابل غمسه في النار.

وعكسها كمان في الجنة، أبأس أهل الدنيا يغمس في الجنة غمسة، ما مر به بؤس قط.

فهنا هذا يعني نوع من العذاب المفصل وهو عذاب شديد، نسأل الله.

العفو والعافية، ولذلك لما يجتمع الصالحون، كما في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الملائكة الذين يعني يسيرون في الطرقات، يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. في الحديث فيه تفصيل لما يصعدون إلى الله سبحانه وتعالى ويسألهم ويجيبون، قال: فما يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة. فيقول لهم سبحانه وتعالى: هل رأوها؟ فيقولون: لا يا ربي لم يروها. قال: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: فما يستعيذون؟ قال: يستعيذون من النار. قال: هل رأوها؟ لا يا ربي لم يروها. قال: كيف لو رأوها؟ قال: لو رأوها لكانوا أشد عنها فراراً، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

فيعني مجالس الصالحين ترى تتمحور حول يعني الاستعاذة من النار والفرار عنها، وذكر صفاتها وصفات أهلها والابتعاد، وذكر الجنة وما فيها ونعيمها، وهكذا، وأجلس بنا نؤمن ساعة. فلذلك ينبغي ألا يغيب هذا الحديث يعني ألا يغيب هذا الحديث عن مجالس الصالحين، ما يصير، وهذا تنبيه يا جماعة الخير، تنبيه مهم، لا يصلح إذا سلك لك الإنسان طريق العلم وطريق الدعوة والإصلاح أنه والله بس بداية الطريق أول كم شهر، لأنه بداية تعرف بداية سلوك طريق الاستقامة نتكلم عن الجنة والنار، بعدين لا، إحنا مشغولين بالدروس العلمية، إحنا الآن مشغولين بالفوائد العلمية، ها والله إحنا المذهب الحنفي وهذا المذهب الحنبلي ونجيب الفروقات الفقهية والقواعد الأصولية وكذا وتفاصيل الأسانيد وتفاصيل كذا، فضلاً عن الخلافات العقدية والنقاشات المدري إيش وكذا، أما موضوعات الجنة والنار وكذا، يعني الله المستعان، اللهم ارزقنا الجنة وأجرنا من النار، بس هذه الموضوعات حق اللي بداية طريق الاستقامة، ما في بداية طريق الاستقامة! هذا من أساس موضوع الدين، وهذه المجالس ينبغي أن تغذي قلوب المؤمنين والمسلمين إلى أن يلقوا الله سبحانه وتعالى.

هذه الموضوعات أساسية، هذا أصلاً من بداية القرآن إلى نهايته، والكلام عن الآخرة ومركزية الآخرة والجنة والنار حاضر تماماً، أليس كذلك؟ يعني مثلاً خذ جزء عم، كم سورة ذكر فيها الآخرة ويوم القيامة والنعيم والثواب؟ يعني كما ممكن يقول يكاد يذهب هذا الجزء في الحديث عن الجنة والنار والقيامة، يكاد يذهب، جزء تبارك كم؟ ها وهكذا، سورة البقرة ذكر فيها مراراً الجنة والنار حتى في بدايتها، يعني في أول ربع: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، قبل ذلك: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، بعدين في قصة آدم وكذا أيضاً ذكرت النار وإلى آخره، تجد في كل موضع تذكر فيه، ثم تذهب إلى سورة آل عمران، ثم النساء، فهذا القرآن في سائره الحديث عن الجنة والنار.

طيب كم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة والنار ولمن كانت توجه؟ ألم تكن توجه الأحاديث تحديداً في الأساس إلى أصحابه المؤمنين من أهل بدر ومن أهل أحد ومن أهل، هذه مجالس هذا الحديث، لذلك يعني من الفتنة لطلاب العلم أنه كلما تقدموا في العلم ابتعدوا عن هذه الموضوعات وأنسوا بالفوائد العلمية واللطائف إلى آخره، هذه مشكلة مصيبة وفتنة، نعم نستمر في العلم وناخذ فوائده وأصوله ولطائفه، ويستمر الحديث عن الجنة والنار والقلوب وأعماله هذا بالتوازي، ولا يمكن أن يصلح حال الإنسان إلا بذلك، بالعكس، كلما ازداد الإنسان تصدراً أو حتى لو بدون تصدر، كلما ازداد معلومات، ففي الحقيقة ازدادت أسباب الكبر لديه وازدادت أسباب الاستغناء لديه، وازدادت أسباب أو على الأقل الالتهاء لديه.

فيعني لذلك كانوا ينتبهون، أحد المحدثين الكبار في الأزمنة الأولى في أزمنة الرواية قال مرة: حدثنا فلان، حدثنا فلان، ثم سكت، فقال: أعوذ بالله من الفتنة، أو نحو ذلك، انتبه لقلبه وما دخله من الإيش أنه تعرف أنا حدثت عن فلان وفلان، كانت قصة طويلة أبواب من الإشكالات تنفتح القلوب، فضلاً عن الأبواب الأخرى. فعلى أية حال، إنه الإنسان لا يصلح حين يتأمل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ذلك في القرآن فيرى كثافة حضور هذه الموضوعات ثم يكون بعيداً عنها، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب، فالإنسان يعني يتراوح بين الخوف والرجاء، بين الخوف والرجاء، حتى يلقى الله سبحانه وتعالى، فإذا عرف أنه اقتربت لحظة الفراق غلب جانب الرجاء، استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن، أو يحسن الظن بالله.

طيب أيضاً هذا الحديث فيه حوار أهل النار، وهذا هذا باب أيضاً من الأبواب، يعني في باب كبير اسمه الحوارات في الآخرة، بالمناسبة هذا مبحث لطيف، ما أدري أحد جمع فيه، ولا أتوقع أنه أكيد دراسات معاصرة تكون جمعت فيه، بس ترى هذا باب من أبواب القرآن الواسعة جداً، حوارات الآخرة، في أنواع كثيرة وموضوعات كثيرة ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة، عن الحوار الذي يكون يوم القيامة والذي يكون بين أهل الجنة والذي يكون بين أهل النار، لا، وكمان في نوع رابع اللي هو بين أهل الجنة والنار، يعني بين أهل الجنة من طرف وأهل النار من طرف، كمان خامس اللي هو بين أهل الأعراف وأهل الجنة وأهل النار، وبين الله وبين عباده، وبين أهل النار وبين خزنة جهنم، وهذه كلها أبواب حوارات ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة، وفيها يعني تكرار أيضاً، وكم تكرر في القرآن: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، وحتى اللي ذكرناه قبل قليل بسورة الصافات، إيش بدايتها آخر الصفحة الثانية سورة الصافات، فاقبل بعضهم، لا أكيد، فاقبل، أكيد، لا الثانية فاقبل، صح هي في نفس الصفحة في الصافات الأولى: وَأَقْبَلَ، والثانية: فَأَقْبَلَ، صح: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، هذا الحين حوار عجيب لأنه هذا كمان يعني حوار، في: قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ، الحين هذا كله من أهل الجنة، قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ فِي الدُّنْيَا، يعني يقول: أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ... إِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ، الآن هذا الذكر، قَالَ: هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، ها بعدين صار يخاطبه: قَالَتِ اللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، هذا المقام مقام أهل الجنة هنا، حين طلع، لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ. أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ، إلى آخره، وفي الحوار الذي في سورة الطور، اللي في سورة الطور: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ، هذا بالنسبة لأهل الجنة، ويعني في غيرها، لكن اللي في أهل النار كثير ما ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن بأوصاف متعددة، مرة الذين استضعفوا الذين استكبروا، مرة أولاهم قالت لأخراهم، ها الَّذِينَ اتَّبَعُوا لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا، وغير خطاب الشيطان أيضاً: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، الشاهد أنه هذا باب واسع اسمه باب الحوارات في الآخرة، طبعاً إحنا ما زلنا في الحوارات اللي يوم القيامة، هذه حوارات النار وحوارات الجنة، وفي حوارات أيضاً مذكورة في الأحاديث منها هذا الحوار الآن في الحديث اللي معنا أنه فيجتمع إليه أهل النار، بعد ما إنه هذا عذاب خاص الآن طبعاً أقتابه اللي هو الأمعاء، هذا أمعاؤه خارجة ويدور عليها كما يدور الحمار على الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، هذا عذاب خاص طبعاً، وهذا فيه دليل أنه، وهذه نقطة مهمة، أن الناس تبعث في الآخرة بذاكرة الدنيا، هذا مهم أنه يعني الناس تبعث في الآخرة ترى يتذكروا اللي كان في الدنيا، يعني الأشخاص بأعيانهم، الأسماء، كل هذا معروف في الآخرة بمسميات الدنيا، لأنه إيش يقولون؟ يجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف؟ يعني ترى عارف سجل الذاكرة اللي كان في الدنيا يجي يوم القيامة محفوظ، يعني إحنا نتذكرك أنت كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ليش أنت في النار؟ ليش أنت في النار وجالس تدور على أمعائك؟ ها، قال: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.

طبعاً هذا الباب بعد ذكر هذه الفوائد المختلفة، يأتي فقه الحديث وفقه الآيات السابقة، أنه يعني يذكر العلماء مسائل متعددة، هل يجوز لمن وقع في الذنوب أن ينهى عن المنكر؟ هل يجوز لمن وقع في نفس نوع المنكر أن ينهى عن نفس المنكر؟ هل يجوز للإنسان أن يدعو إلى خير وهو لن يفعله؟ لأنه هذا ظاهر اللفظ إيش؟ أنه: "ألم تكن تأمر بالمعروف؟" قال: "كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه"، ممكن يؤخذ من ظاهره أنه يعني خلاص هذا انتهاء تام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لمن سيفعل كل ما يأمر به.

وأي نعم، ولكن يعني كثير من العلماء لم يحملوا هذه الأحاديث على، خلينا نقول على ما قد يتبادر إلى الذهن منها، وإنما يضبطونها ببعض الضوابط، يعني ولذلك أولاً نقول إن أول من يدخل في هذا الوعيد هم المنافقون الذين يتظاهرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أول من يدخل فيه، هذا ليس خاصاً بهم طبعاً، لكن هذا أول من يدخل فيه، بمعنى من كان يتخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطية لتحقيق مكاسب شخصية، ترى بالمناسبة لما نقول منافق الحين نقول منافقين ليس المقصود بالضرورة أنهم يبطنون الكفر جيد، وإنما نقصد أنهم يتخذون هذه الدعوة لغير غرضها الأساسي، فهم يأمرون بالمعروف والنهي عن المنكر هم لا يلتزمون، لأنه هو أصلاً لماذا لم يلتزم؟ هو أصلاً موضوع الدعوة عنده أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لم يكن ديناً، وإنما كان أحياناً يكون وظيفة، وظيفة، يعني ترى في وظائف تعرفوا هي وظائف هي عبارة عن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ليس بالضرورة أن هي مسمى جهاز ولا هيئة ولا حسبة اسمها، لا، أي وظيفة دعوية فيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فإذا لم يكن صاحبها قد جدد نيته وأصلح حال نيته، وإنما اتخذ مكسب مادي مجرد، يعني وبالتالي هو غير مهتم أن يفعل ما يأمر به وغير مهتم أن يجتنب ما ينهى عنه، فهو داخل في مثل هذا الحديث، فكل ما كان من شأنه خلينا نقول النفاق يعني سواء النفاق الذي يصل إلى حال الكفر، واللي هو يدخل فيه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ، إذا كان أنه أهل الكتاب كانوا يقولون إنه هذا محمد صلى الله عليه وسلم وكذا وآمنوا به ثم هم لا يؤمنون، أو ما دون ذلك.

الأمر الثاني الذي قد يدخل والله تعالى أعلم هو ما كان تحت باب التهاون، ما كان تحت باب التهاون، أي الذي لا يبالي وليس من شأنه وليس من اهتمامه أن يسعى لأن يلتزم بما أمر به وأن يجتنب ما نهى عنه، وإنما هو متهاون لا يبالي أصلاً، فكأنه يأمر وينهى وهذا غالباً لا يكون إلا بضعف في في باب الأمر والنهي أصلاً، ضعف في النية، لكن إذا كانت القضية مجرد يعني تقصير بشري يقع فيه الجميع، بمعنى أنه الإنسان يأمر بالمعروف وقد يكسل عن هذا المعروف، يأمر بالمعروف وقد يغفل عن فعل هذا المعروف، ينهى عن المنكر وقد يعني تسول له نفسه أحياناً بفعل هذا المنكر ووقع فيه، ولكنه لا يصر على ذلك ولا يعني يحتفل به، وإنما يستغفر الله سبحانه وتعالى ويجتنب ويسعى، فمن يكون شأنه كهذا الشأن فهو إن شاء الله غير داخل في هذا الحديث، غير داخل في هذا الحديث؛ لأن العلماء يذكرون جانباً آخر، فيقولون، يذكرون جانبين آخرين، الجانب الأول يقولون: إذا لم يتوجه الأمر بالمعروف والأمر بالنهي عن المنكر إلا لمن خلص من المعاصي فمن الذي يأمر وينهى؟ هذا وجه، الوجه الثاني أنهم يقولون: إذا ترك الإنسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جمع بين منكرين، إذا كان ممن لا يفعل المعروف ولا يجتنب المنكر فاجتمع فيه منكران: أنه يقع في المنكر ويترك النهي عن المنكر، ولا يفعل المعروف ويترك الأمر بالمعروف، فصار من جهة أخرى الذم عليه أغلظ.

لكن الذي ينبغي أن يقال كالتالي: الإنسان مأمور بالأمرين، بالأمر بالمعروف وبفعل المعروف، وبالنهي عن المنكر وباجتناب المنكر، فالخطاب يكون متوجهاً لمن يأمر وينهى فيقال له: أنت تحديداً حري بك أن تكون أكثر امتثالاً من غيرك لهذا المعروف الذي تأمر به، وحري بك أن تكون أشد اجتناباً لهذا المنكر الذي نهيت عنه، وبابك باب الحذر أن تقع في مثل هذا الوعيد، ولكن لا ينبغي أن يقال لأن الإنسان قصر أحياناً في بعض المعروف الذي أمر به أو وقع أحياناً في بعض المنكر الذي أمر به، فإن الحل الأسلم له هو أن لا يأمر، كذا غلط كذا.

بالعكس راح الى باب أكثر إشكالاً الذي هو وقع فيه، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وهذه شبهة شيطانية أنه يبدأ الإنسان يقول: والله أنا ممكن أقع في ذنب، ممكن أقع في كذا، ممكن أقع في كذا، فأحسن شيء أني إيش؟ خلاص أسلم نفسي، لا مو أسلم، يعني صار في إشكال آخر، لكن ما الأسلم؟ الأسلم هو أن يأمر وينهى ويجتهد ليصيب الأمر ويجتنب النهي، فإن زل فبابه باب الزلل، يعني هو باب الذنوب والمعاصي الذي لا يسلم منه أحد، فيجتهد الإنسان لهذا الأمر.

طبعا متى تخف القضية؟ حين يكون الأمر حين يكون المعروف مستحبا، وحين يكون المكروه أو المنهي عنه مكروها غير مغلظ، فقد يقال للإنسان أحيانا يعني من باب الحث مثلا: شخص يعني يجد صعوبة في قيام الليل أو مقصر في قيام الليل، ها هل يقال له لا ينبغي لك أن تتكلم عن قيام الليل ولا ابدأ أن تحث على قيام الليل لأنك أنت مقصر في قيام الليل؟ فحنا نقول لا، ممكن تتكلم عن قيام الليل، ممكن تتكلم عن فضائل، لكن لا توهم الناس أنك قائم الليل، ها يعني لا توهم الناس لما تتكلم كذا كأنك أنت جالس خمس ساعات كل يوم تصلي الليل وتختم القرآن كله ثلاث وعارف وتقول لهم والله لو جربتم ما أدري إيش، لا، جربتم لا يعني تبالغ في الموضوع، لكن من جملة العبادات تقول يا جماعة والله قيام الليل وفيه قد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأنت تعلم في قرارة نفسك أنك تتمنى أن تقوم وتسعى وتجتهد وتحاول وتدعو، فهمت الفكرة؟ غير من أجمع أصلا على أنه لن يقوم الليل أبدا ولن يحرص أبدا.

ثم يعني فعلى أية حال يعني هي كما يقال يعني هذه صورة نوعا ما يعني كلية عن الباب وعن الموضوع، حتى لا يدخل الشيطان على الأمر والناهي من هذا الحديث فيشبه عليه، فيترك الناس الأمر والنهي بناء على ذلك، ولذلك نبه العلماء لذلك، تجد حتى مفسرين يعني مثلا ابن كثير رحمه الله في أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ لما ذكر هذه الآية وتفسيرها ذكر هذه المسألة، وذكر القولين للعلماء، وذكر التفاصيل والأدلة وكذا وكلام السلف وكلام كذا، فهي من المسائل المطروقة عند أهل العلم ويذكرونها كثيرا، وعامة العلماء على هذا المعنى، على أنه لا ينبغي أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لوجود التقصير أو لوجود النقص أو لوجود المعصية، لكن يقال احذر واجتهد واسع والله يغفر ويرحم.

هذا هو الحديث الوحيد الذي ذكره الإمام النووي رحمه الله في هذا الباب، وبعد أن ذكر ثلاثة مواضع من القرآن، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والستر والعفو والعافية، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طبعا الأبواب التالية خلاص انتقل الإمام النووي رحمه الله إلى أبواب مختلفة، الباب التالي: الأمر بأداء الأمانة، الباب الذي يليه: باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، ثم تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم، ثم بعد ذلك وهو باب طويل الذي قبله، ثم ستر عورات المسلمين، ثم قضاء حوائج المسلمين، ثم الشفاعة والإصلاح بين الناس بعده، ثم فضل ضعفة المسلمين، إلى آخره من الأبواب، انتقلنا إلى أبواب مختلفة، وقد أمضينا والله ما أدري من الدرس كم، ما أدري يمكن نحن لنا ١٠ دروس أو أكثر من ١٠ دروس، يمكن أتوقع أنه أكثر من ١٠ دروس ونحن فقط في باب الدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف عن المنكر، ومن سن في الإسلام سنة حسنة، ومن دعا إلى خير، كلها أبواب محتشدة خلف بعضها، فنكون كذا يعني أخذنا يعني ساعات وساعات وساعات في كلها في الحديث عن هذه الشعيرة العظيمة، ولا شك أن هذا لأهميتها ومركزيتها، ثم خلاص يعني ما بعد ذلك وأبواب أخرى مختلفة عما سبق في هذه.

والإمام النووي رحمه الله يعني لو لاحظتم كانت الأبواب الأولى كلها أعمال القلوب، وبعدين انتقلنا إلى أن وصلنا إلى الدعوة، ثم بعد ذلك الآن انتقال إلى قضية الأمانة وتحريم الظلم وحقوق الناس، ستكون الأبواب متتالية في هذا المعنى، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.