تسجيل الدخول

رياض الصالحين 13 | باب المراقبة 1 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد: حياكم الله جميعاً، استعينوا بالله ونستفتح المجلس الثالث عشر من مجالس رياض الصالحين تحت عنوان أنوار السنة المحمدية. وهذا المجلس سيكون مجلساً مختصراً لبعض الظروف والضغوط المتعلقة به، لكن أحببت أنه ما نترك هذا المقام بدون درس ولو كان صغيراً أو قصيراً، فنستعن بالله.

باب المراقبة، قال النووي رحمه الله تعالى: ولا يزال حقيقة الترتيب ولا تزال الأبواب التي في بداية رياض الصالحين في فلك الأبواب المهمة من أبواب الدين، بعد ذلك ستأتينا أبواب هي أقل أهمية كانت ضمن المهم بحكم أنها من الدين، يعني هناك أبواب متعلقة بتفاصيل في الأخلاق والأدب وما إلى ذلك لا يمكن أن تُساوى بالأبواب المتعلقة بأساس الدين وأساس أعمال القلوب. الدين يا جماعة على رتب، لا يمكن أن يكون الفقيه في الدين يعني لا يمكن أن يكون الإنسان فقيهاً في الدين إذا ساوى بين رتب الدين، لا بد أن يفقه مقامات الدين، ومن أعظمها وأزكاها وأجلها وأعلاها ما يتعلق بأعمال القلوب. وقد بدأ النووي رحمه الله كتابه بهذه الطريقة، فقال في البداية باب الإخلاص، ثم باب التوبة، ثم باب الصبر، ثم باب الصدق، ثم باب المراقبة. هكذا يُعلّم الدين، هكذا يُعلّم الدين.

وهذا كما قلت من أولى ما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا في قول الصحابة: فكنا غلماناً حزاورة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. ماذا تعلموا؟ هذه الأبواب أو ما يشابهها مما يتعلق بأعمال القلوب، هذا جزء مما يدخل في تعلمنا الإيمان. ولذلك أي تربية على منهاج النبوة، وأي تعليم على منهاج النبوة، يجب أن يكون من أولى ما يبدأ فيه به هو هذه الأبواب. على أية حال، قال رحمه الله تعالى: باب المراقبة.

قال الله تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، وقال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ، وقال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.

صدر النووي رحمه الله كعادته الباب بالآيات القرآنية، وهذا المنهج هو الذي ينبغي أن يكون حين نتلقى أبواب الدين، نتلقاها من الوحيين أو من الوحي، الكتاب ومن السنة، ولا يُكتفى بأحدهما دون الآخر. هذه الآيات التي اختارها هي آيات في المراقبة، آيات في أن الله يراك، آيات في أن الله مع العباد أينما كانوا، وهذه المعية المذكورة في الآية: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ، ليست معية خاصة بأنبياء ولا بالمؤمنين والصالحين، بل هي معية لجميع العباد. والمعية قسمان كما لا يخفى عليكم: القسم الأول معية عامة، وهي معية الإحاطة والتدبير، ومعية أن الله يعلم ما الذي يجري، وأن الله يسمع كل قول يقال، بل وما هو أكثر من ذلك وما هو أخفى من ذلك، وهو ما يكون في الصدور.

فقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، ولذلك يقص الله علينا أحياناً في كتابه بعض ما اختلجت عليه صدور الناس دون أن يبدوا، فيبين الله أن هذا المعنى قد طواه صدر فلان، كما قال سبحانه وتعالى: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ. ويذكر الله سبحانه وتعالى بعض الخواطر والمشاعر التي تأتي في القلوب وفي النفوس، فلذلك باب المراقبة هنا من أهم ثمراته، من أهم ثمراته أن يعلم الإنسان أن الله يراه على جميع أحواله، وأن يعلم أن الله محيط به، وأن يعلم أن الله يسمع قوله، بل مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وأن الله يعلم ما هو أدنى من ذلك.

إذ كانت تعرف ما يكون من نجوى ثلاثة، لا، بل ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، من حيث الأعداد، من حيث الاجتماع والكثرة والقلة، وما هو أخفى وما هو أسر من ذلك كله، وهو ما في الصدور. وهذا المعنى هو من أهم ما ينبغي أن يُربى عليه الإنسان المؤمن. وإذا كان في الحضور هنا من يربي طلابه وطالباته، أو أب أو أم، أو من يستمع، آباء، أمهات، أياً كان، من أهم وأولى وأول ما ينبغي أن يُغرس في نفوس الأبناء وفي نفوس الطلاب أن تعلم أن الله يراك حيثما كنت، وأن تعلم أن الله يعلم ما في نفسك في جميع أحوالك. وهذا سر من أعظم أسباب من أعظم أسرار دخول الجنة، يعني من يعيش في حياته وهو يلاحظ هذا المعنى، قل لي متى سيعصيه؟ وإن عصى، فقل لي متى سيتأخر عن التوبة؟ لن يتأخر. ومتى يتجرأ الإنسان على حدود الله؟ إذا غاب عنه هذا المعنى. متى يتجرأ الإنسان على حدود الله؟ وكما قلت، هذا المعنى من أهم ما يُربى عليه الصغار، ومن أهم ما ينشأ عليه الطلاب، ولا يختص بالصغار حتى نظن أنه هذا بس للأطفال، هذا ينبغي أن تُربي عليه نفسك، كل واحد منا يربي نفسه عليه، وهذا من شريف العلم ومن عظيمه ومن أزكاه ومن أعلاه ومن أغلاه ومن أنفسه، ومن أعظم ما ينبغي أن يُربى عليه الإنسان المسلم ويذكر به نفسه ويعيد التذكير به.

وقد أكثر الله من ذكر هذا المعنى، وكم وصف الله سبحانه وتعالى وأخبر عن نفسه في كتابه بأنه عليم بذات الصدور، أليس كذلك؟ وبأنه عليم خبير، وبأنه سميع بصير. ويذكر الله سبحانه وتعالى أنواعاً متعلقة بأفعال العباد وأنه يحيط بها وقصصاً وأحوالاً، فقال سبحانه وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ. وقال سبحانه وتعالى عن نفسه: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىٰ. وقال سبحانه وتعالى: يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وما كنتم تكتمون. وقال سبحانه وتعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ. وقال سبحانه وتعالى: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا.

وقال سبحانه وتعالى هذه الآية التي ذكرها النووي هنا، وهي آية مهمة في هذا المعنى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وهذه الآية من أهم وأعظم الآيات في قضية المراقبة، أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بهذه الآية في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراقب الله سبحانه وتعالى في شأن يعلم خائنة الأعين؛ وذلك حين كان فتح مكة، إذ أباح النبي صلى الله عليه وسلم دماء عدد من المحاربين الذين كثر شرهم وأذاهم، وجاء أحدهم تائباً مستجيراً مستنجداً، فوقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح دمه، فأخذ يعتذر والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، ويعتذر والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، ثم قبل منه، ثم قال لأصحابه صلى الله عليه وسلم: يعني معنى الكلام أنه ليش ما قام واحد منكم وقتله أنا أمرتكم أن تقتلوا؟ فقالوا: لو أشرت إلينا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين.

هذه الإشارة التي بالعين، ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين. جيد، خائنة الأعين يدخل فيها مثلاً هذه صور، تجد العلماء يذكرون صوراً، مثلاً حين يسر الإنسان مثلاً الرجل يسر النظر إلى امرأة، يسترق النظر إليها، والناس لا يرونه، سواء كانت هي تراه أو لا تراه. استراق النظر هذا الذي هو بعيد عن أعين الرقيب، هذا من خائنة الأعين، ونفس الشيء بالعكس، إذا كان في شيء مرتبط بالشهوة أو نحو ذلك، هذا من خائنة الأعين. خائنة الأعين هذه اللي هي ايش؟ الإنسان يفر من الرقيب البشري. هنا من أهم ما يدخل في المراقبة أن تعلم أن الله يعلم خائنة الأعين تحديداً؛ يعني مما يريد الله منك أن تعلمه أنه يعلمه، خائنة الأعين التي يظن الإنسان فيها بخيانته أنه يغيب فيها عن الرقيب وليس كذلك، فالله على كل شيء رقيب سبحانه وتعالى.

فلذلك هذا الباب باب شريف وباب عظيم وباب زكي وباب كما قلت هو من أبواب التربية الكبير، ومن أبواب التربية عظيم ومن الأولويات الكبرى. وهذه الآيات التي فيها هي بعض ما جاء في هذا الباب. وفي قوله سبحانه وتعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، من المفسرين من قال: الذي يراك حين تقوم أي وحدك، وتقلبك في الساجدين أي في المصلين، فيراك حين تقوم وحدك ويراك حين تقوم مع الناس. ومن الجميل استحضار المراقبة الإلهية ليس فقط في باب المعاصي والذنوب بحيث تكفّه عن ارتكاب المعصية والذنب لأنه يعلم أن الله يراه، وإنما من أهم ما يدخل في باب المراقبة أن تستحضر مراقبة الله لك وقت العبادة، مثل هذه الآية: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ. وفي سورة يونس: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، والشاهد هو ايش؟ وما تتلو منه من قرآن، أنه ترى الاطلاع والمراقبة جيداً، يستحضر الإنسان فيها معنى المراقبة في الطاعة وليس فقط في المعصية.

طيب، في هذا المجلس نكتفي بحديث واحد لما صدرت به من ضيق الوقت اليوم. قال رحمه الله تعالى: وأما الأحاديث، فالأول عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق، فلبثت ملياً، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم. رواه مسلم.

قال النووي رحمه الله تعالى: ومعنى أن تلد الأمة ربتها أي سيدتها، ومعناه أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتاً لسيدها، وبنت السيد في معنى السيد، وقيل غير ذلك. والعالة الفقراء، وقوله ملياً أي زمناً طويلاً، وكان ذلك ثلاثاً.

هذا الحديث قال القرطبي فيه رحمه الله تعالى: هذا يصح أن يُرقب أو أن يقال فيه أم السنة النبوية، وبعض العلماء وصفه بأنه أصل الإسلام أو أصل من أصول الإسلام، وقال فيه العلماء وغير ذلك، والكلام فيه كثير. وربما قريباً تناولنا الكلام عن الحديث في أحد عشر فائدة في شرح الجمع بين الصحيحين. وهذا الحديث مدرسة، وهو أصلاً حديث تعليم، هو كل القصة كانت تعليم؛ لأنه جبريل جاء يعلمهم دينهم، والفوائد فيه كثيرة جداً جداً وعظيمة جداً جداً، وهو من أزكى ما ينبغي أن يُعلم ويدرس ويُتفقه فيه، ويمكن أن يأخذه الإنسان في مجالس متعددة، وفيه أنواع من الفوائد مختلف الزوايا والموضوعات.

ومن ذلك: أن مما ينبغي أن يعلمه المؤمنون والسابقون وطلاب العلم والعاملون والمصلحون، مما ينبغي أن يعلموه وأن يستمروا في تعلمه هو قضايا الإيمان الكبرى؛ لأن الذين علموا في هذا الحديث هم من هم، الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه، ومع ذلك جاء جبريل يعلمهم دينهم، وما الأشياء التي علموها؟ الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، واشتراط الساعة، وما إلى ذلك، فهذا أولاً.

ثانياً: أهمية تنويع أساليب التعليم، وأنه ما يكتفي الإنسان بالأسلوب المباشر التعليمي الذي هو الإلقاء والتلقي من جهة الطلاب فقط، وإنما يكون هناك تنويع في الوسائل. فهذا يعني هذا الذي جاء في الحديث أو القصة هي حدث عجيب، كما ذكرت في شرح الجمع بين الصحيحين، أنه الإنسان بمجرد استماعه للقصة أصلاً هذه تعلق في ذهنه، تعرف من أسهل الأحاديث التي يحفظها الإنسان في الأربعين النووية ولا حديث الصغير كذا تعلق فيك القصة هذه، حديث جبريل، ليش؟ لأنه مشهد كذا، عارف؟ رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، واضحة وسهلة، صح؟ وسألت بعدين قال: صدقت، عجبنا له، واضحة ممكن حتى الإنسان مع أنه حديث طويل يعني، بس لكن ممكن ترى من قراءته ثلاثة، خمس مرات تقدر تسمعه صح؟ طيب ما بالكم بمن حضر المشهد؟ هل ممكن ينساه؟ ايش مدى تأثير هذا المشهد عليه وهو حاضر؟ تخيلوا الآن، تخيلوا إحنا في المجلس كذا...

يخرج رجل يعني ما في أي علامات تدل أنه غريب وفي نفس الوقت هو غريب، غريب كيف؟ كيف هذا هنا؟ ها؟ بعدين يجي المشهد أمام الجميع، أمام عمر وأمام الصحابة، ويأتي أمام النبي صلى الله عليه وسلم. قصة هذه إيش الفائدة منها؟ أهمية تنويع التعليم، أساليب التعليم؛ لأنه هو قال: جاء يعلمكم، وهذا إيش الفائدة العملية؟ الفائدة العملية للمعلمين، للمربين، للدعاة، للمصلحين: لا تكن جامداً، لا تكن جامداً، لا تكن مملاً، لا تكن بنفس الأسلوب، نوع، اتعب، خطط، فكر، اخترع أشياء جديدة، فكر.

ها، خلي، خلي يعني شيء من الأشياء تفكر فيها، سواء من الأساليب الحديثة في المونتاج والتصاميم وما أدري إيش أو غير ذلك من الأشياء والوسائل، وهذا باب كبير يعني فيه تنوع أساليب النبي صلى الله عليه وسلم ما بين السؤال، ما بين كذا وما بين كذا، وهي معلومة.

الفائدة الثالثة هي في التفريق بين الإيمان والإسلام من بعض الوجوه، والتفريق بين الإيمان والإسلام هنا في أن الإسلام عرف بالأعمال الظاهرة والإيمان عرف بالعمل الباطن أو في بالاعتقاد القلبي، وهذه القضية قضية البحث فيها في أبواب الإيمان، وأحياناً هذا الحديث أصلاً إنما يورد لهذه المسألة، بل هو من أهم الحديث في هذه المسألة، والكلام فيها لا يسع له المقام هنا، لكن هذه فقط إشارة.

أيضاً من الفوائد في هذا الحديث، وهي التي لأجلها ساق الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب المراقبة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أن تعبد، أن تعبد الله كأنك تراه، إيش الفرق بين الاثنتين بين أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك؟ ها؟ بعضهم ذكر أن الأول هو مقام كانه مقام رغبة والثاني كأنه مقام رهبة.

يعني كان، كان مقام، طبعاً هو لا ينحصر فقط الأول يكون فيه الرغبة فقط، لكن أن تعبد الله كأنك تراه فيه، يعني طبعاً هو أزكى وأعلى من مقام إيش؟ أيوه من مقام فإن لم تكن تراه فإنه يراك. جيد، وفي الأخير هو مؤداه واحد وهو أن حين تؤدي العمل تعلم أن الله يراك، سواء سواء كنت أنت تعبده كأنك تراه، أو كنت تعبده باستحضار أنه يراك، بس في فرق بين المقامين، المقام الأول أعلى وأزكى ويؤدي إلى مزيد من الإحسان، لأنه هذا كله تعريف الإحسان، متى تحسن العمل؟ فعلاً إيش أنت تخيل نفسك الآن في العبادة، إيش أعلى وأعظم وأشد وأكبر سبب يمكن أن يجعلك تؤدي العبادة بطريقة حسنة؟ أن تعبد الله كأنك تراه. يعني يا جماعة الخير، إحنا الآن جايتنا صلاة المغرب، ها؟ تخيل، تخيل أن يطلب الله منك يوم القيامة، تخيل كده بس، أن تصلي هذه الصلاة أمامه، كيف ستكون صلاتك أمام رب العالمين؟ كيف ستكون صلاتك أمام رب العالمين؟ ها؟ هنا أن تعبد الله كأنك تراه، كيف ستكون؟ هذا مقام الإحسان، يعني ما مدى إحسانك لتلك الصلاة؟ لذلك هنا ما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه. طيب، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. نعم، ستحسن حين تعلم أنه يراك، لكن ليس مثل إحسان أن تعبده وكأنك تراه. جيد، وإن كانت كلها في درجة عالية من درجات الإحسان.

واضح؟ وهذا استدلال حسن من النووي رحمه الله إذ أخرج هذا الحديث ضمن باب المراقبة. هذا الحديث يمكن أن تبوب عليه عشرين عشرين باباً؛ باب الإيمان، باب مسمى الإيمان، باب تعريف كذا، وباب متعلق بعلم الساعة، وباب، زي البخاري بوب عليه أبواباً كثيرة متعلقة بعلم الله، باب لا يعلم الغيب إلا الله، باب مفاتح الغيب؛ لأنه في روايات الحديث: في خمس لا يعلمهن إلا الله، كذا كذا إلى آخره. جيد، فهذا هو الشاهد وهذا هو المحل، وهذا هو من أعظم ما ينبغي أن يستحضره الإنسان المؤمن، اللي هو الإحسان، والكلام كثير جداً على هذه القضية.

ثم بعد ذلك الحديث عن الساعة، والحديث عن الساعة وعن أشراطها هو من الدين، من الدين؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: جاء يعلمكم دينكم، وكان من جملة ما حصل من التعليم هو ما يتعلق بأشراط الساعة، والناس في أشراط الساعة طرفان ووسط في الاهتمام بأشراط الساعة. الطرف الأول من يهتم بها اهتماماً زائداً عن الحد أو يهتم بها اهتماماً فيه غلو عموماً، أو اهتمام يهتم بها اهتماماً بلا مقدمات؛ يعني هذا باب من أبواب العلم، لا يصلح أن يؤخذ وحده دون مقدمات، فتجد من العلماء، ليس من العلماء، تجد من بعض المهتمين بالعلم أو بالثقافة الشرعية، ها؟ زي ما عندنا متخصص في شو اسمه في مختلف القضايا، واحد يقول لك متخصص في علامات الساعة، تمام؟ أي ما في مشكلة إذا كان إيش؟ إذا كان هذا بعد مقدمات، أخذ العلم وأدوات العلم، وبعدين أنت تبي تركز على هذا الباب، هذا باب من الدين، لكن لما يكون هو عبارة عن باب هو اللي بدأت منه أصلاً أنت وعلاقتك ببقية أبواب الدين هي عبارة عن ثقافة عامة، هذا ما يصلح.

ولذلك دائماً أو كثيراً ما يأتي أناس من المتخصصين في هذا الباب، يأتون بالمشكلات الشرعية والمعلومات الخاطئة، ولا تسأل عن المنهج التوثيقي، ولا تسأل عن قضية الربط بالواقع بطريقة خاطئة، وإدخال الظن مع شديد مع ما لا مستند له مع إلى آخره من خلط الأمور ببعضها. هذا طرف من الأطراف موجود اليوم في الواقع، ولا يأتي حدث من أحداث الواقع إلا ويقول لك: ها، هذا الحدث سيؤدي إلى كذا وسيؤدي إلى كذا، واليوم حصل كذا، والسنة هذه سيحصل كذا، وفي ١٥ رؤية تدل على هذه القضية، وفي حديث كذا، ها، والاعتماد على الأحاديث الضعيفة، وشيئاً فشيئاً التنازل عن شروط التوثيق، والسير في هذا الطريق، وهذا إشكال وخطأ.

الطرف الثاني هم طرف جاف عن هذا الباب، ولا يعد هذا الباب من أبواب الدين أو أبواب العلم التي ينبغي العناية بها، وإنما يعده من الأبواب اللي يعني فيها بعض الفوائد أو يعني لا ينبغي العناية بها، وكثيراً ما يكون الجفاء عن هذا الباب هو بسبب غلو الطرف الأول، فيقول لك يعني إيش الفائدة من هذا الكلام؟ رأينا ورأينا ورأينا، الخطأ في هذا الباب والذي ينبغي أن يكون هو أن تكون هناك عناية بهذا الباب، وأن يكون من ضمن ما يدرس ويعلم في المناهج التعليمية العناية بعلامات الساعة وأشراط الساعة. يا جماعة ترى هذا الباب اعتنى به النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا ينبغي أن يعتنى به عناية منفكة عن بقية العلوم أو عن مقدمات العلم، وأنتم تعلمون من شدة عناية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الباب، أنه قام في أصحابه يوماً من الفجر إلى المغرب يحدثهم عما سيكون، قال الصحابي الراوي: فأعلمنا أحفظنا، وتعلمون أن حذيفة كان عنده علم كثير من هذا، وكان يعني النبي صلى الله عليه وسلم يذكر له أشياء، وكان الصحابة يعتنون بهذه القضية. وافتح صحيح البخاري ثم صحيح مسلم ثم بقية كتب السنة، ها ستجد أن العلماء قد خصصوا لهذه الأحاديث باباً، صح ولا لا؟ بعضهم ضمن كتاب الفتن، وأحياناً لا، أبواباً معينة في مثلاً سواء في الدجال أو في الملاحم أو إلى ذلك، ولذلك هذا باب من أبواب الدين، وهنا جاء جبريل يعلم الصحابة شيئاً من أمور هذا الباب، وهذا مما ينبغي أن يعلم على أن يبتعد عن الإشكال الأول ويبتعد عن الإشكال الثاني ويتوسط في العلم بهذا الباب.

الفائدة التالية هي في ذكر بعض علامات الساعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا في هذا الحديث، وهي أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. وقد اختلف العلماء في معنى أن تلد الأمة ربتها، فذكر النووي رحمه الله تعالى مثالاً على ذلك أو تفسيراً لذلك، ثم قال: وقيل غير ذلك، لأن الخلاف فيها مشهور، وهذا قول الذي ذكره النووي وهو إشارة إلى كثرة الفتوحات بحيث أنه تكثر السراري فيكثر أن تلد الأمة ربتها بالوصف الذي ذكره النووي رحمه الله تعالى، وقيل لا، بل هي دليل على اختلال الموازين، وأن القضية فيها كأنها قضية يعني في الوصف أو في التشبيه إن كانت الأمة تلد ربتها أو ربها، يعني من شدة عقوق الأبناء لآبائهم كأن المرأة تلد سيدها ولا تلد ابنها. والذي يبدو والله أعلم أنه أقرب أن هذا التفسير أقرب للعلامة الثانية؛ لأنه هي لأنه كلها هي في اختلال الموازين، لأنه وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، واضح الفكرة؟ يعني يعني صار في ارتباط بين الجملتين، أنه هؤلاء فقراء رعاة إبل حفاة، حفاة حتى أحذية ما عندهم، ثم يؤول الأمر بهم سريعاً إلى أن يتطاولوا في البنيان، وفي بعض الروايات أن يكونوا ملوك الأرض، في صحيح مسلم في رواية: أن يكونوا رؤوس الناس، يعني ليس فقط أنه يكون عندهم أموال وتطاول البنيان، لا، يكونوا ملوكاً ورؤساء، انقلاب المعايير أيضاً أو انقلاب الحال، الذي في الصورة الأولى إذا قلنا هذه في العقوق، أنه واضح الفكرة، صارت صارت الجملتان مترابطتين من حيث معنى التغير الذي يحصل، والله أعلم، لكن هذا هو من جملة التفسير الذي ذكره العلماء من العلماء المتقدمين.

كذلك، وهاتان العلامتان إذا رؤيتا في زمن فلا ينبغي أن ينظر إلى هذا الزمن نظراً عادياً. يعني إيش الفائدة من ذكر علامات الساعة يا جماعة؟ ما يصير يعني حتى لا لا نكون ممن يدخل في معنى قوله سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ، هذه آيات لما تقع في أزمنة معناها لازم تعرف أن الساعة اقتربت، ما يصلح الإنسان يغفل عنها.

وهذه العلامة خاصة الثانية هي علامة وقعت في زماننا هذا، وبل وقعت بشكل عجيب وعظيم ومطابق تماماً لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ليست مجرد خبر، وإنما خبر فيه ذم، لأنه تعرفوا علامات الساعة هل هل هي يقصد منها الذم أو لا؟ كثيراً ما يراد بها الذم لكن ليس بالضرورة دائماً يراد بها الذم. الشيء الثاني أنه هل علامة الساعة يؤخذ منها أحكام ولا هي مجرد أخبار؟ يعني هل هي هذه مسائل عموماً لعله بعدين إن شاء الله إذا يسر الله لنا سلسلة في علامات الساعة نتكلم أو شيء عن ضوابط ومعايير وهل هل يؤخذ منها أحكام أم لا، وليس فقط هل يؤخذ منها أحكام، هل يؤخذ منها توجيه في العمل ولا لا؟ يعني مثلاً: اعدد ستاً بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، هل فيه حث على فتح بيت المقدس بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو هو مجرد أخبار؟ فهمتوا الفكرة؟ وبالتالي حتى النصوص التي تأتي عن آخر الزمان، هل لما تأتي علامة خبر كذا ثم كذا، هل فيه حث على العمل بما يؤدي إلى هذا أو هي مجرد أخبار ولا يستجلب مثل هذا؟ فهمتوا هذا؟ إن شاء الله لعل يكون في سلسلة عن علامات الساعة إن يسر الله بعد ما نخلص السلاسل الكثيرة اللي فوق رقابنا، الله يسهلها إن شاء الله ويبارك فيها ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

طيب فهذه، هذا أهم ما أردت أن أقوله في هذه العجالة، وإلا فالفوائد من هذا الحديث كثيرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصادقين، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونعوذ بالله من شر الشيطان وشركه، ونعوذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل، ونعوذ بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، ونعوذ بالله أن يخذلنا بذنوبنا، ونعوذ بالله من شر ما عملنا ومن شر ما لم نعمل، ونعوذ بالله من شر كل ذي شر، ونسأل الله العافية، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.