تسجيل الدخول

رياض الصالحين 05 | باب التوبة 3 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. نحمد الله سبحانه وتعالى ونثني عليه، ونعترف له بفضله علينا وبنِعَمه، ونبرأ من حولنا وقوتنا، ونسأله سبحانه وتعالى التوفيق والعون والسداد، ونسأله سبحانه وتعالى أن يقضي حوائجنا، ويغفر ذنوبنا، وييسر أمورنا، ويكشف كرباتنا، ويفرج همومنا. ونسأله سبحانه وتعالى أن يصلي على عبده ورسوله محمد، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يبعثه مقاماً محموداً الذي وعده. اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد: هذا مجلس جديد من مجالس رياض الصالحين، وهذا المجلس أؤكد في بدايته على الزاوية التي نتناول فيها هذه الأحاديث النبوية، وهي زاوية تتبع وقصد هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ماذا فعل؟ كيف فعل؟ بماذا اعتنى؟ كيف أجاب؟ كيف أوصل رسالته صلى الله عليه وسلم؟ إلى غير ذلك من بوصلة الهدي النبوي. ليس الأمور فقط المتعلقة بطبيعة الحال بكيف، وإنما حتى بالحقائق الكبرى؛ بماذا اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما هي الحقائق التي بلغها؟ هذا بالإضافة إلى الوقوف مع الأحاديث في ذاتها، مع الأبواب التي قصد الإمام النووي رحمه الله تعالى إلى مراعاتها وإثباتها عبر هذه النصوص.

طيب، في تسلسل الحلقات؛ الحلقة الماضية أو المجلس الماضي كان الحديث عن حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، والآن عندنا أحاديث بقيت ثلاثة أحاديث في باب التوبة، وهو الباب الثاني. الباب الأول كان عن ايش في رياض الصالحين؟ عن الإخلاص. الباب الثاني عن التوبة، والباب الثالث عن الصبر. فإحنا اليوم إن شاء الله سناخذ آخر ما في التوبة، وأول ما في الصبر. فإما ما في التوبة من آخر الأحاديث، قال النووي رحمه الله تعالى: وعن أبي نجيح -قال بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحصين الخزاعي أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله، أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني، ففعل. فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: صلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قُسِّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ رواه مسلم.

هذا الحديث من الأحاديث المهمة؛ لأن السيرة النبوية فيها الجوانب التي يعني المتعلقة بمعالي الأمور وبالأعمال الصالحة وبإنجازات الصحابة وبالاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم وببذل أنفسهم أمامه وفداءً له ولدينه صلى الله عليه وسلم، وفيها كذلك في السيرة الجوانب الأخرى التي فيها جوانب خطأ بعض الصحابة والذنوب التي وقعوا فيها، وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الأمرين. كما يعني أنه تبين لنا طبيعة المجتمع المسلم، وأن هذا المجتمع لا يخلو من الأخطاء، وأنه كيف نتعامل مع الأخطاء؟ وقد يظن الظان أن قضية التعامل مع الأخطاء هي قضية ثانوية؛ لأنه الإنسان أحياناً يركز على أنه كيف نفعل الصواب؟ كيف أي كان؟ حتى أحياناً ترى في الأمور الدنيوية الناس ممكن تركز على الجانب البنائي، اللي هو مثلاً حتى كيف تعمل مشروع تجاري؟ كيف تنجح في دراستك؟ كيف تحافظ على صحتك؟ كيف إلى آخره. ولما تأتي الأمور كذلك الشرعية؛ كيف تطلب العلم؟ ها، كيف وكيف؟ بينما هناك جانب وهو جانب الخطأ وكيف نتعامل معه. مشكلة عدم الفقه في التعامل مع جانب الخطأ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مشكلتها يا جماعة الخير هي أنه قد يكون سوء التعامل مع الخطأ سبباً في نقض كل الصواب. واضحة الفكرة؟ يعني أحياناً حتى ترى بالمناسبة في السياقات الدعوية، السياقات الإسلامية، أحياناً تكون الأمور ماشية تمام طالما أن الناس ماشية كويس، أحياناً تصير أخطاء، عدم إحسان التعامل مع هذه الأخطاء أحياناً يؤدي إلى انتكاسة بعض الناس. انتكاسة بعض الناس ممكن الإنسان يترك كل طريق الخير لأنه تم التعامل معه عند خطئه بطريقة غير صحيحة، فيخسر الإنسان الدنيا والآخرة، ها؟ وهذه مشكلة كبيرة جداً.

ولذلك حقيقة لا يكتمل منهج إلا إذا أحسن القائمون عليه التعامل مع الأخطاء كما يحسنون التعامل مع الصواب وبناء الصواب. هذه قضية في غاية الأهمية، وفي غاية الخطورة، وفي غاية الحساسية، وهذا يعني من أكثر من يحتاج الحديث فيه اللي هم القائمون على التربية، وكل من له سياسة للناس، سواء سياسة سلطوية أو سياسة تربوية وتأديب وما إلى ذلك. طيب، إحنا نقول النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع هذه الدائرة، وهذه الدائرة، بل الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه آيات قرآنية مرتبطة ببعض الأخطاء التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو زمن تنزل القرآن: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ. لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ. وفي جانب آخر نجد ايش؟ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ. ونحن نعلم أنه ما ضاقت عليهم أنفسهم إلا بسبب العقوبة الشرعية، صح ولا لا؟ ليس مجرد تأنيب الضمير على الذنب، وإنما بسبب ما حصل من عقوبة، وإحنا اللقاء الماضي في تسلسل الحلقات كان عن أصلاً قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا.

فهناك أخطاء وقعت من الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كيف تعامل معها؟ ثم من خلال ذلك نعلم نحن كيف ينبغي أن نتعامل مع الأخطاء. والتعامل مع الأخطاء لا يكون بمجرد التعامل معها من حيث الوسيلة، أنه كيف ننصح؟ كيف لا؟ وإنما التعامل معه من حيث المبدأ: هل المبدأ هو التشديد أم التيسير؟ الآن بغض النظر ايش الوسيلة اللي تسلك بها التشديد أو تسلك بها التيسير، هل المبدأ هو العفو أم المحاسبة؟ متى يحاسب الإنسان المسلم على خطئه ومتى يعفى عنه؟ جاء رجل فقال: أصبت حداً، فقال: صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك -أو قال حدك-. والحديث الذي معنا: قالت أصبت حداً، اذهبي كذا كذا إلى آخره، ثم رجمها. جيد، طيب، متى يتعامل بالعقوبة ومتى يتعامل بالعفو؟ وما طبيعة الذنوب التي تستوجب هذا؟ وهل هي مرتبطة بطبيعة الذنب؟ أم بطبيعة الشخص؟ أم بطبيعة المرحلة؟ هل هناك تأثير للشخص برأيكم؟ في تأثير في مقامات الأشخاص الذين يقعون في الخطأ، يؤثر في طبيعة الموقف الذي ينبغي أن يوقف من الشخص؟ إحنا ما نتكلم عن حدود الآن، إحنا نتكلم عن عموم الأخطاء. جواب: نعم، الشخص قد يؤثر في طبيعة الموقف الذي ينبغي أن يُسلك مع المخطئ. طبيعة الذنب، بطبيعة الحال طبيعة الذنب تستوجب تفاوتاً في الموقف الذي ينبغي أن يتخذ من الخطأ، فهناك من الذنوب ما هو مغلظ وشدد فيه القول في الشريعة، وهناك من الذنوب ما هو أخف من ذلك. والمرحلة والزمن، هل المرحلة والزمن تؤثر على طبيعة التعامل مع الخطأ؟ نعم، تؤثر على طبيعة التعامل مع الخطأ.

ولو تفكر متفكر فقال: أيهما أشد؟ فرار من فرَّ يوم أُحد أم تخلف من تخلف يوم تبوك؟ في ذات الذنب، برأيكم في ذات الذنب؟ أُحد؛ لأنه أولاً هناك نص واضح تماماً في أن الفرار يوم الزحف أول شيء من السبع الموبقات، الشيء الثاني ايش؟ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ. والشيء الثالث أن هذا الفرار الذي حصل يوم أحد قد أدى إلى قتل كثير من الصحابة، الشيء الرابع أن هذا الفرار الذي كان يوم أحد قد أدى إلى إصابة النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه بأسنانه، أليس كذلك؟ سؤال: كيف كان التعامل مع هذا الخطأ الكبير؟ كيف كان؟ بالعفو، كله بالعفو، ما كان في أي عقوبة، صح ولا لا؟ حتى العتاب الذي أنزله الله في القرآن هو كان يعني كان عجيباً في مسحته الحانية، هذا عتاب يعني مهدئ وملطف وعجيب جداً، أليس كذلك؟ حتى أنك تجد في ثنايا هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. وتجد تكرار قضية العفو: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ، حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ. شف تكرار العفو والعفو.

طيب، ليش مسار الثلاثة في تبوك كيف تم التعامل معهم؟ اختلف تماماً. في الميزان العسكري ايش تأثير تخلف الثلاثة يوم تبوك؟ ولا شيء، ولا شيء. بعدين تعرفون الثلاثة الذين تخلفوا ليسوا هم من رؤوس الأجناد، يعني ليسوا هم من القادة العسكريين، يعني مو مثل خالد بن الوليد مثلاً عارف؟ ولا أبو عبيدة، ولا حتى عمر بن الخطاب الذين هم وجودهم يؤثر في حدث تأثيراً كبيراً، بل أنتم تعلمون أن اثنين من هؤلاء الثلاثة عامة الناس لا يعلمون، لم يسمعوا باسمهم أصلاً من أصحاب رسول الله إلا في هذه الحادثة باعتبارهم تخلفوا، صح؟ يعني مو أن هم من وجوه الناس الكبار وإن كانوا من أفاضل الصحابة يعني، لكن أقصد ليسوا من حيث التأثير في الأحداث الكبيرة جداً. والعدد في تبوك تعرفون من الروايات المشهورة في السير كان ثلاثين ألف جيش، ولو كان دون ذلك فهو أيضاً يعني أكبر جيش أو من أكبر أعداد الجيوش التي اجتمعت للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته. بينما في أحد إحنا أصلاً كنا ألف وانصرف من انصرف من المنافقين، قيل بالثلث ولو كان أقل من ذلك، لكن ما عاد بقي يعني، الناس راحت، والمكان في المدينة، وحصار، وبعدين يفر جزء وينتج عن هذا الفرار المصائب التي حصلت، ومع ذلك: وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ. وبالمناسبة الآيات اللي "وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ" نزلت قبل أحد في خبر مسبق، في تحديد مسبق وعيد؛ لأن هي نزلت في سورة الأنفال تتعلق ببدر تمام، ومع ذلك كان التعامل بالعفو ثم العفو ثم العفو.

لماذا؟ طبعاً هي تحتاج تأمل، تحتاج تأمل كبير، لكن إحنا الآن في السياق، هل يمكن أن يقال أن المرحلة لها تأثيرها في هذا الحدث؟ هل يمكن أن يقال أن المرحلة لها تأثيرها في التعامل مع الأخطاء؟ وأنه أحد مهما كان هي في البدايات، تعتبر في مقابل تبوك التي هي كانت بعد انتهاء كل شيء واستواء كل شيء ووضوح كل شيء واستقرار كل شيء وتجربة كل شيء ومعرفة كل شيء. وسؤال للتفكر، ليس للإجابة، التفكر يعني الإنسان يفكر: هل يمكن أن يقال إنه بدايات أحد هذه أنه أحد هي تعرفوا في البدايات كانت يعني تعتبر في المراحل الأولى، وأنتم تعرفوا إحنا عندنا مرحلتين في الجهاد، ما قبل الخندق وما بعده. تعرفوا ما بعد الخندق: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، وما قبل الخندق حتى من ناحية السمات هي سمات متقاربة ترى، بدر وأحد والخندق ترى سماتها متقاربة من حيث قلة العدد، بساطة الإعدادات أو الإمكانات، اشتداد الحال، ها؟ تعرف بدر: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض، بالمناسبة حتى في أحد ترى ورد في البخاري أو في مسلم: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض، حتى في أحد، والخندق تعرفوا كل المسلمين حوصروا في المدينة يعني تقريباً في سمات مشتركة صح ولا لا؟ بعدين صار خيبر، لا، انطلاق إلى خيبر وحصار وفتح وغنائم كبيرة جداً خيرات، وبعدين ما حصل بعدها.

هل يقال هذا له تأثير؟ الأمة المسلمة هذه أو الجماعة المسلمة كانت لا تزال في بدايتها، في بداية تأسيسها، وكانت تحتاج إلى قدر من العفو والصفح مع وجود العتاب طبعاً؛ لأنه تعرفوا يعني فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ في الآيات نفسها فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، وكان هذا من العقوبات الإلهية، وتعرفوا اختلف المفسرون في معنى فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، وقيل كما غممتُم النبي صلى الله عليه وسلم بانسحاب، فأثابكم الله غماً، فجازا على غمكم إياه بأن أصابكم بالغم، ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمناً، ها؟ وقيل غير ذلك، الأقوال مشهورة ومعروفة في فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ. بس هو هو أصابهم الله بالغم، وبعدين يعني هو لا شعور أعلى يعني أكثر إيلاماً من أن تكون سبباً في جرح النبي صلى الله عليه وسلم، في اختلال الصفوف، صح ولا لا؟ يعني قد يكون كمان هذا له تأثير من ناحية أنه يعني الشعور بالندم هو تلقائياً وصل إلى أعلى حالاته، صح ولا لا؟ يعني تخيل مثلاً الآن لو هُجر الذين فروا يوم أحد، قد يكون ألم الهجر بالنسبة لهم أخف بكثير من ألم الهجر الذي حصل ليوم تبوك.

تبك، لأنه ألم الهجر لن يصل أصلا إلى حرارة الألم الداخلي الذي تسبب به الفرار، والذي أدى إلى جرح النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل حمزة ومصعب والناس، وراحة الناس، يعني أنت أصلا عندك خلاص، أنت ما يعني عارف كأنه أنت يعني وصل عندك الندم إلى أعلى درجة، فكأنه لو عوقبت الآن عقوبة فهي يعني أصلا قد تكون مستلذة بالنسبة لك؛ أنه أنا أستاهل، أيوه يعني يعني إيش في هجر؟ يلا أستاهل هجر، في جلد؟ أستاهل جلد، فاهم الفكرة؟ بينما في تبوك لا؛ كانت صعبة وشديدة مختلفة، وأصلا تعرف تبوك ما صار في هذاك القتال، يعني صار يمكن بعض الأشياء اليسيرة وهي أصلا تعتبر ليست معركة قتال، وما صار في هزائم ولا في انسحابات ولا في مصائب ولا في تمام، وراح الجيش غانماً أو يعني سالماً ورجع سالماً، وما في شيء يعني بس يعني هي، بينما في أحد لا، فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ.

إحنا الآن يعني هذه زي ما قلنا هذه إجابات للتفكر، يعني مساحات كذا نفكر فيها بس، لكن المعنى اللي إحنا بنوصل له ما هو أن التعامل مع الأخطاء يتفاوت، يتفاوت والتعامل مع الأخطاء يتفاوت، والتفاوت هذا له أسباب، أحيانا السبب متعلق بالشخص الذي وقع في الخطأ، أحيانا السبب متعلق بطبيعة الخطأ والذنب، أحيانا السبب متعلق بسياق وطبيعة المرحلة، هل في إنذار مسبق ولا ما في؟ هل في آثار كبيرة ترتبت في هذه المرحلة على هذا الخطأ ولا ما في؟ هل أنت في البداية لسه ما أنت مجرب، ولا أنت عارف، ولا أنت فاهم كويس، ولا كثرت عليك الأعذار ثم كثرت ثم جربت ثم عوتبت ثم فهمت الفكرة؟ فإني هذه لها سياقها، وهذه لها سياقها.

ثم بعد ذلك بطبيعة الحال في مساحة اجتهادية في التعامل مع الأخطاء، وفي مساحة غير اجتهادية، مساحة غير اجتهادية هي ما جاء فيه النص في الحدود، وهو هذا الحديث أصلا في قضية الحدود، فإحنا ما في مساحة اجتهادية في التعامل مع الذنوب الموجبة للحدود إذا وصلت إلى الإمام الشرعي الذي يقيم الحدود على الناس، وقبل ذلك تعافوا الحدود فيما بينكم، ولا يجب على الإنسان حتى لو وقع في ذنب يوجب الحد ولكنه ليس سواء كان متعلقاً بحقوق الخلق أو حقوق الخلق مثل إيش؟ مثل القذف، جيد القذف ما يعني تعرف لازم يجي المقذوف فيعني يطلب بحقه، سواء كان متعلقاً بالقذف أو متعلقاً بحق الخالق سبحانه وتعالى، مثل الإنسان شرب الخمر مثلاً أو وقع في الزنا ونحو ذلك، الإنسان لا يلزمه شرعاً أن يطلب تطهيراً من الحد من الذنب بإقامة الحد عليه، لا يلزمه، وإن كان لو وصل إلى الإمام أو من يقوم على إقامة الحدود من القضاة الشرعيين وما إلى ذلك ممن يعني لهم الإباء الشرعي في إقامة الدين وإقامة الحدود، أن الأمر ينتقل من الاختيار إلى الوجوب والإلزام، فلم يعد هناك تعرف لما قال هلا كان ذلك قبل أن يبلغني، خلاص إذا بلغ، وتعرف لما شفعوا في المخزومية، ها طبعا هذا تشفع في حد من حدود الله، هذا كله بعد ما يبلغ للإمام.

فلكن، لكن هل يكون الحد؟ هل يطلب الإنسان الذي وقع في الذنب حداً تطهيراً لذنبه؟ الجواب: نعم، نعم يطلبه إذا أراد من باب التطهير؛ لأن الحد يطهر والحد يكفر الذنب، ومن هذا ما فعلته هذه المرأة الجهنية، لكن قبل أن ندخل في تفاصيل ما فعلت، نرجع إلى أساس الفكرة: أن هناك مساحة للتعامل مع الأخطاء اجتهادية، هناك مساحة ضيقة لا يوجد فيها اجتهاد، وإنما في الأساس يجب أن يقام فيها حد الله سبحانه وتعالى، هذا فيما لو بلغ الإمام وتوفرت فيه طبعاً الاعتبارات الشرعية المعروفة في الشهادات.

نرجع إلى أساس الفكرة، ما هي أساس الفكرة؟ أساس الفكرة سلمكم الله هي في أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن فيها الجانب المتعلق بالصواب، الصواب الأفعال من الصحابة، ففيها جوانب التعامل مع الأخطاء التي وقعت، وأن السياقات الإسلامية والدعوية والتربوية والإصلاحية هي في أمس الحاجة لفقه التعامل مع الخطأ، كما هي في حاجة إلى فقه بناء الصواب والقيام عليه، وكما قلت: إساءة التعامل مع الخطأ قد تؤدي إلى هدم كل الصواب، كساءة التعامل مع الخطأ قد تؤدي إلى هدم كل الصواب، وقد يفقد الإنسان التزامه بالدين بسبب سوء التعامل مع الخطأ، وهذه قضية خطيرة جداً جداً، لما نأتي في زمن مثل زماننا هذا فتزداد الاحتياج إلى فقه التعامل مع الخطأ، ليش؟ لأنه إحنا ذكرنا أنه أصلاً الأزمنة تؤثر في طبيعة التعامل، ولا شك أنها تؤثر، ولا شك أن الموضوع يحتاج إلى فقه خاص وكبير عند من يقوم على أخطاء الناس في مثل هذه الأزمنة التي يكثر فيها الفساد، يكثر فيها الشر، يقل فيها الصواب، يقل فيها الإصلاح، وبالتالي تتسع مساحة الخطأ، من الذي يقوم الناس؟ وكيف يقومهم؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً جداً جداً على أن لا ينفر الناس عن الدين، والكلام في هذا كثير.

تمام كذا خذنا كذا تصوراً عن موضوع أهمية التعامل مع الخطأ، ثم نأتي لذا بعينه، الحديث الذي فيه هذه المرأة الجهنية التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي، الآن هذا طلب من جهتها فقط لكي تتطهر من هذا الذنب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لوليها: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني، ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمتها، ثم قال عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ أخرجه مسلم.

تعريف الحدود في الشريعة كذلك هذا باب مهم، تعريفها أقصد وين موقعها؟ ما هي النظرة لها؟ لأنه البعض أحياناً تعرفوا تطبيق الحدود غائب اليوم في كثير من البلدان، في أكثر البلدان، أحياناً يعني الإنسان الحريص على الدين الغيور له يتشوف لإيش رجوع قضية الحدود وإقامة الشريعة، وحصل في بعض الساحات والمساحات هكذا ودك أحيانا تحس تحس أنه البعض ودهم أنه الله أكبر في ذنب يوجب حد، يلا عارف أنه ما صدقنا صار شيء عشان عشان أيوه يتم تحكيم الشريعة وإقامة الحدود وتنزل البركات من السماء إلى آخره، هي القضية ليست كذلك، القضية نعم إقامة الحدود هي باب من أهم أبواب، ومن أهم صورة من أهم صور تطبيق الشريعة، لكن ليست كل شيء، ويجب أن تفهم معناها في الإسلام.

هذه الآن زانية، ها التعامل معها، الوصف النهائي لها: جادت بنفسها لله، طبق، شوف الفرق، شو الفرق حتى في نفسية من يؤسس على هذا المعنى، في نفسية من جاي يعني عارف بصورة لعنة الله على المجرم العاصي الذي كذا الذي خلينا يعني ننزل عليه صوت الشرع حتى يتأدب الناس، يعرف هذا المعنى ترى موضوع يتأدب هذا مو خطأ في ذاته، لما يطبق في مكانه الصحيح في موضعه بفقهه من أهله، وراح يجينا إن شاء الله في سلسلة خير القرون في تعامل عمر رضي الله تعالى عنه مع موضوع شرب الخمر، لما كثر شرب الخمر في الناس مع الفتوحات ومع البلدان، هذا يعني تأتي في موضعها، لكن في معنى، يعني تخيلوا أنت الذي كان يشرب الخمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، تعرف لما قال من قال من الصحابة: لعنة الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه أو نحو ذلك، فهو إيش؟ ما علمت أنه يحب الله ورسوله؟ يوصف بأنه يحب الله ورسوله وهو يجلد على الخمر، طيب هو الآن يقام عليه حد، وفي نفس الوقت لم ينزع عنه، لم ينظر إليه باعتباره كائناً مشؤوماً.

عظيم، معنى كبير جداً، ومن جملة المقاصد الكبرى التي في التطهير من الذنب هذا معنى، إيش الحديث؟ حديث عبادة في البيعة: فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ها فهو كفارة له، الحدود كفارات، حدود كفارات، هذا معنى معنى عظيم، معنى خطير أنه يفهم بهذا الاعتبار.

طيب فهذا هذه نقطة مهمة جداً، ثم هذه المرأة كانت تعلم أن الحد هو الرجم، وتعلم ما هو الرجم، ومع ذلك جادت بنفسها لله عز وجل، وسميت هذه يعني جوداً بالنفس، وهذه صورة من صور الجود، وهي راجعة كذلك إلى نظر في قضية الفقه في قضية الحدود، يعني هو هي الآن ليست ملزمة بأن تأتي أصلاً، لكن أتت وأتت فقط لتطهر نفسها، وهذا التطهير هو فيه إزهاق للروح، وإزهاق الروح هذا اعتبر في ميزان النبي صلى الله عليه وسلم هو كأنه عارف مثل اللي راح قاتل في سبيل الله وتقدم تقدماً زُهقت بسببه فيه روحه، فيقال فيه جاد بنفسه لله، ها فهذا مثلها، هذه مثله أنه هذه جادت بنفسها لله، كيف أن هي طلبت أن تقام عليها حد فيه تلف روحها؟ على أي حال الكلام حقيقة كثير فيما يتعلق بهذه القضية.

طيب نختم بـ عندنا حديثين في نهاية، عندنا حديثان في نهاية الباب، أنا كنت ناوي أن نأخذ في باب الصبر كذلك، لكن يبدو أنه يعني الإمكان الطاقة محدودة، طيب الحديث الثاني، حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، متفق عليه، هذا الحديث مهم، وأهميته ليست فقط من معناه، وإنما أهميته لأنه ورد فيه أنه كان من القرآن ثم نسخ، ورد في أكثر من حديث، نعم أن هذا كان مما يتلى من القرآن ثم نسخ، وهذا لا شك دليل على أهميته، وأنتم تعلمون النسخ فيه ما هو نسخ للتلاوة، فيما هو نسخ للحكم والتلاوة، فيما هو نسخ للحكم فقط، وإن كان بقيت التلاوة، وأمثلتها معروفة في كتب التفسير كتب علوم القرآن، لكن هذا من جملة هذا النص من جملة ما نسخ تلاوة، وإن لم ينسخ حكماً، طيب وهو حديث عظيم، وهذا الحديث تحت نافذة، جزاك الله خير، تحت نافذة من النوافذ المهمة التي فيها يمكن أن نسميها نافذة الفقه بالنفس البشرية، وهي نافذة عظيمة جداً في الدين، باب من أبواب الدين، باب من أبواب موضوع من موضوعات الوحي، بل يمكن أن نقول أنه من الموضوعات الكبرى أو من الموضوعات الأساسية، وذلك أنك لو نظرت في كتاب الله فرأيت وتتبعت الآيات التي تتحدث عن الإنسان إذا مسته الضراء، إذا مسه الخير، إذا مسه الشر، إذا أذاقه الرحمة من بعد ضراء وإذا تغير حاله، تجد آيات كثيرة في هذا المعنى، تبين حال الإنسان وطبيعته، وأنه إذا إنه خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، وغير ذلك من الآيات، ثم لما سجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم سجد كثير من الأحاديث التي تبين حقائق في النفس البشرية، وهذه الزاوية في النظر للإنسان هي زاوية يفتقدها علم النفس البشري الحديث الذي يتعامل مع النفس البشرية هي هو علم لا يتعامل مع النفس البشرية باعتبارها نفساً مخلوقة لله عز وجل، وفيها ما فيها من الأهواء الأدواء المتعلقة بالروح، وأن لها نظاماً في قضية التزكية والتصفية وما إلى ذلك، علم النفس لا يتعامل مع الإنسان بهذه الطبيعة، بينما نجد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من الحديث عن هذه القضية، ومن جملتها هذا الحديث.

هذا الحديث لا يتحدث عن الكافر ويتحدث عن الإنسان: لو كان لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، في رواية: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، سؤال: ما قيمة الوادي الثالث لمن عنده واديان من ذهب؟ الآن لما يكون في واحد ثروته 10 مليار دولار، إيش الفرق بينه وبينه تكون ثروته 5 مليار دولار؟ إيش الفرق يعني؟ أنت لو تبي تستهلكها في يعني تأخذها في الاستعمال الشخصي، ها لك ولعائلتك، فما في فرق بين خمسة وعشرة مليار دولار، وما راح تخلصها لو عشت 100 عام، إيش طبيعة تعامل اللي عنده 5 مليار مع تحصيل الخمس الأخرى؟ جد والله كيف تعامله؟ كأنه ما معه شيء، كأنه ما معه شيء، وهو يتعامل عشان يحصل العشرة كأنه ما عنده ولا شيء، ويحرص عليها حرص الفقير على شيء من المال، فقره بين عينيه، لو كانن هذا الآن، هذا النبي صلى الله عليه وسلم يبين لك يقول لك هذا طبع بشري، الإنسان هو هكذا، الإنسان يحب الاستكثار، الإنسان لا يقنع ولا يرضى، هو هكذا، ولما نقول هو هكذا في استثناءات، في استثناءات، يعني أن الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ، ثم تأتيك الصفات التي هي استثناء لإخراج الإنسان من هذه الحالة، هنا نفس الشيء، ترى من حيث الطبع البشري: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، هذا أصلاً يعينك أنت حتى على فهم الإنسان، على فهم الناس، على فهم الواقع، على فهم الحياة، ما تتفاجأ، ما تستغرب ليش الناس منهمكة في الدنيا، هو كذا، هو الله طبع الإنسان كذا، يعني الإنسان ما يحتاج يتكلف أن هو.

يحب الدنيا أو يحب الزيادة في المال من غير احتياج، من غير احتياج لهذا المال، هذا ما يحتاج أن هو يقتنع، يعني ما يحتاج أن واحد يسوي له دورة يقول له كيف تحب المال أكثر، هو يحب المال أكثر دائماً هكذا، يحب الدنيا يتعلق بها، هي هذا طبع إنساني بشري. ثم جاءت الرسالة الإلهية لتجعل الإنسان يستعلي على هذه الطباع التي هي عبارة عن أهواء. طبعاً إيش من الأشياء الفروقات المهمة بين المناهج الغربية الإنسانية وبين منهج الوحي، أنه ما يخليك الوحي تستسلم لهذه الأهواء ويقول لك عادي يعني طبيعي، يعني خلاص هو طبيعي، هو كذا يعني عادي يعني، يعني أنت أنت يعني بالعكس كيف تعزز أي من طبيعتك ومن ذاتك ومن يعني وجودك ومن يعني مكانتك ومن كذا. الإسلام بعكس ذلك هو يقول لك كيف، مو فقط كيف تخرج لا، هو يقول لك ترى أنت أصلاً أنت أصلاً مخلوق ووجدت لك الرسالة عشان تخرج من هذا المشكل. أنت أصلاً لم يبعث الرسل إلا كما قال الشاطبي إيش: لإخراج الناس من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبيداً لله اختياراً كما هم عبيد له اضطراراً. في عبودية اضطرارية قهرية وفي عبودية اختيارية أنت تختارها، هذه العبودية الاختيارية إيش عدوها الأساسي؟ الهوى، أهواء النفوس انتهينا، (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ). خلصنا، الآن الوحي يأتيك ليقول لك كيف تستعلي على هواك، كيف تخرج من أسر هواك بأنوار الوحي الذي نزل.

فمن جملة ذلك حب المال والتعلق به والتشوف إليه، تشوفاً يجعل الإنسان أسيراً له، إلى درجة أن الله إلى درجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف بعض حالات التعلق بالعبودية نصاً، وقال: تعس عبد الدينار، وعبد ولم يسجد لهذا الدينار سجدة ولم يركع له ركعة، ولكنه عبد اسمه وصفه عبد الدينار وعبد الدرهم. طيب ثم تأتي الحقيقة في الجملة الثانية: (وَلَن يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ). هذه حملها كثير من العلماء على القبر والموت، في القبر سيمتلئ جوف الإنسان من تراب، ها يصير محاطاً بالتراب بدل أودية الذهب التي كان حولها ومعها، سيحاط بالتراب. هذه الحقيقة التي من جعلها ماثلة أمام عينيه فقد اتخذ سبباً من أعظم أسباب التزكية.

من أسهل ما يعين أو من أكثر ما يسهل على الإنسان الامتثال لأوامر الله سبحانه وتعالى أن يضع الموت نصب عينيه. ترى هي هي معادلة حقيقة من حيث المستوى النظري بسيطة جداً، إن كان من حيث التطبيق صعبة، هي هذه المعادلة باختصار شديد: كلما كان الإنسان أكثر استحضاراً للآخرة، للموت وللآخرة، سهل عليه أن يتخلص من هواه، وأن يقاوم بأمر الشرع أمر الهوى وداعي النفس. هي هكذا، إيش وظيفة الشيطان الأساسية؟ أول شيء يسويه إيش؟ هو، ها أيوه ينسيه هذه الحقيقة، قبل ما يعني قبل ما تأتي الأمر بالمعصية هو ينسيه حقيقة أن هو سينتقل، وإذا ما استطاع ينسيه إيش يسوي في هذه الحقيقة هذه؟ يا سلام عليك، أمدها. يمدها، يعني أنت الآن عمرك ١٩ سنة، ١٨ سنة، ٢٠، ٢٥، إيش اللي يخلي أنت تموت؟ إيش اللي يخليك تموت؟ يعني ممكن الناس البعيدين يموتوا بس أنت ليش تموت؟ مين يقول أنك أنت ممكن تموت؟ ها ما في يعني ما في سبب يدعو للموت، ليش تموت إيش اللي يخليك تموت؟ هذه اللي هي طول الأمل، وهذا اللي هو وصف الله الشيطان: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ). هذه اللي إيش في سورة الحديد: (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ). مين الغرور؟ الشيطان، الغرور الشيطان، خليه خليه جزاك الله خيراً، غرور الشيطان.

طيب فالحقيقة الثابتة هي: (وَلَن يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ) التي هي تقدر تقول الانتقال إلى الدار الآخرة، القبر، الموت، البعث، النشور، الجنة، النار، هذه الحقيقة من استحضرها هان عليه التكليف، من استحضرها هان عليه مخالفة الهوى، من استحضرها هان عليه ترك الحرام، ومن لم يستحضرها ثقل عليه التكليف، ومن عنها غفل عنها ثقل عليه ترك الحرام وثقل عليه مخالفة الهوى، بهذه البساطة الشديدة جداً في المعادلة النظرية، ما تجي تنزلها على أرض الواقع تصبح صعبة جداً، جداً صعبة. ليش؟ لأنه في شيطان خفي لا تراه، مهما تعبت فلن يتعب، ومهما كللت أو كللت فلن يكل ولن يمل، وسيظل معك يراودك على إغفالك عن هذه الحقيقة أو إبعادها عنك، ولو لم يكن إلا هذا السبب لصعوبة استحضار هذه الحقيقة لكفى، كيف وطبيعة الحياة وزخرفها وزينتها ومشاغلها والنفس البشرية بغير الشيطان وأهواءها ورغباتها وأمانيها، لأنه النسيان أحياناً يكون من النفس، والأماني أحياناً تكون من النفس، والنسيان تكون من الشيطان، فكيف وقد اجتمعت هذه كلها؟ فمتى يسلم الإنسان وكيف يسلم ومتى ينجو وكيف يستحضر؟ ولذلك لما ترجع إلى القرآن تجد أن هذه القضية أساسية ومهمة جداً، ترجع إلى السنة تجد أن هذه القضية حاضرة وأساسية، ترجع إلى هدي القرون الأولى خير القرون، ستجد أن هذه الحقيقة حاضرة دائماً، تذكر الآخرة دائماً. فيرجع الإنسان ويقول أنه على أو من أهم ما ينبغي أن يربي الإنسان نفسه عليه، أن يربي طلابه عليه، وأن تنشأ الحالات الإسلامية والتربوية والإصلاحية عليه، مركزية الآخرة وأهمية استحضار الآخرة وخطورة الغفلة عن ذكر الموت وما فيه، هذه قضية مركزية وأساسية ومهمة وكبيرة.

ولم يورد النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث لهاتين الجملتين، وإنما أورده للجملة الثالثة: (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن تَابَ)، لأنه أخرجه في باب التوبة. الحديث الأخير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد. متفق عليه. وهذا الحديث فيه أمور متعددة: أولاً فيه رحمة الله سبحانه وتعالى وكرمه بعباده، فهو الرحيم الذي لا يعاجل بالعقوبة، والذي يعطي فرصة للإنسان مع أنه قتل حبيبه أو حبيباً من أحبابه وولياً من أوليائه، ليس فقط أن الله سبحانه وتعالى لا يعجله بالعقوبة وإنما إيش يجعله شهيداً، يصطفيه ويرضى عنه ويدخله الجنة. وأنا حقيقة دائماً أتعجب في هذه الصورة تحديداً مما حصل من الصحابة الذين أثخنوا في الصحابة قبل ما يسلموا، قبل ما يكونوا صحابة، مثل خالد بن وليد رضي الله تعالى عنه وعكرمة بن أبي جهل وأمثاله، خاصة يوم أحد، يعني يوم أحد أنت عندك في تاريخك في تاريخك هو يوم المصيبة ويوم الدماء ويوم الآلام ويوم الأحزان، ولو أخرجت خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه من معادلة يوم أحد، ها ربما لم تحصل هذه المصيبة، يعني هي طبعاً حاصلة في قدر الله لما يريد الله من حكمة، نقصد بس من حيث الأسباب العسكرية فعلياً اللي عمل الالتفاف واللي عمل المصيبة هذه خالد. تمام؟ فترتب على ذلك قتل الصحابة واختلال الصفوف وسفك دماء وإلى آخره، ثم بعد ذلك سنوات يسيرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ونفسه هذا اللي كان يثخن في أصحاب رسول الله يوم أحد صار لقبه سيف من سيوف الله أو سيف الله، وصار قائداً من قادة المسلمين.

وهذا يعني المعنى الأعظم الذي فيه هو أن الإسلام يجب ما كان قبله، وهو من جهة هو مرتبط بصفات الله سبحانه وتعالى الرحمة، الحلم، أن الله سبحانه وتعالى يعني كريم جواد تواب رحيم غفور، ولذلك إخراج النووي رحمه الله هذا الحديث في باب التوبة إخراج جميل، إخراج جميل أنه الله سبحانه وتعالى يتوب على الإنسان، وهذا هذا واحد. ثانياً فيه فضل القتل في سبيل الله وأنه من أفضل ما يحقق الدرجات للإنسان هو أن يقتل في سبيل الله، لأن المعنى الذي ذكر الإنسان الإكرام فيه أو بسببه، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، ما قال فيسلم فقط ها وإنما فإيش فيستشهد، يعني كأنه هي المحورية صارت في قضية الشهادة باعتبارها أنها هي من أهم أسباب دخول الجنة، بل وكأنها هي النتيجة الحتمية أو النتيجة خلينا نقول التي يعني الأصل، لأن من استشهد أنه يدخل الجنة إلا من ورد فيه الاستثناء. طيب نكتفي بهذا القدر في هذه الأحاديث، كما قلت كانت النية أن نأخذ كذلك في بداية باب الصبر، لكن يسر الله ما يسر، فنسأل الله القبول والعون والسداد، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.