تسجيل الدخول

رياض الصالحين 06 | باب الصبر 1 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم في هذه المجالس، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس الإهداء بالسنة النبوية وشرح رياض الصالحين، وهذا المجلس مع باب الصبر. ابتداء قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب الصبر. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا. وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. وقال تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وقال تعالى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ.

والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة. بعد الحديث عن الإخلاص والحديث عن التوبة، اختار الإمام النووي رحمه الله أن يكون الحديث عن الصبر؛ في الحقيقة فهذا اختيار موفق، لأن الصبر هو من مقامات الدين العظمى ومقامات التعبد الكبرى، والحديث عنه لا يقل أهمية عن الحديث عن الإخلاص ولا عن التوبة. هذه أعمال كبرى، هذه عناوين عظمى: الإخلاص، الصبر، اليقين، التوكل، الإنابة؛ هذا يعني هذه خلاصات في الإسلام، ولأجل ذلك من يعتني بهذه الأبواب يكون قد أخذ بطرف من أطراف التفقه في الدين.

وتدارس هذه الأبواب التي هي أصلا أبواب محكمة في الدين هو حقيقة من صميم التفقه في الدين الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، والبعد عن هذه الأبواب والتفقه في فقط الأحكام العملية هو انصراف عن معنى من أعظم المعاني، ومهما تفقه الإنسان في الأحكام العملية وحدها دون التفقه في أبواب مثل الصبر، يكون قد فاته من الفقه في الدين ما هو أهم مما تفقه فيه. على أي حال هذا الباب باب الصبر، وباب الصبر كما ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى فيه آيات كثيرة بدأ بالآيات، وهذا الارتباط والتأسيس بين الآيات والأحاديث هو منهج مهم وثيق ينبغي أن يؤسس عليه الإنسان المسلم؛ فلا يؤسس على الارتباط بالقرآن وحده دون الحديث، ولا على الحديث وحده دون القرآن، ولا على كلام أهل العلم دون الحديث والقرآن، وإن الذي يجب أن يكون أن يكون هناك تكامل بين التأسيس على القرآن والحديث مع بعضهما، ثم بعد ذلك يأتي كلام أهل العلم ليكون كاشفا وشارحا ومبينا وضابطا وما إلى ذلك من المكملات التي لا غنى عنها؛ فهذه البداية من الإمام النووي رحمه الله بداية موفقة وطيبة.

طبعا ذكر مجموعة من الآيات المتعلقة بالصبر، ويمكن أن لو نلاحظ في الآيات، الآيات بعضها متعلق بثواب الصبر، ومن أهم هذه الآيات في بيان ثواب الصبر هي الآية التي جعلت الصبر مفتوح الثواب: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. فهنا صارت مساحة الإثابة مساحة واسعة وكبيرة جدا. ومن أعظم الآيات التي جاءت في بيان فضل الصبر، وإن كان لم يذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى وإن كان أشار إلى أن الآيات كثيرة، هي الآيات التي علقت دخول الجنة على الصبر وهي آيات متعددة، وهي مهمة جدا بحيث إن الإنسان يدرك أن الله سبحانه وتعالى كانه اختصر طريق المؤمن إلى الجنة في كلمة الصبر، وذلك في أربع آيات في كتاب الله سبحانه وتعالى، منها قوله سبحانه وتعالى: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا. وقوله سبحانه وتعالى: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ. وقوله سبحانه وتعالى: أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا. والرابعة ما هي؟ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ. هذه أربع آيات في تعليق دخول الجنة على الصبر.

وأنتم تعلمون أنه وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا أن كلمة صبر هنا لا يدخل فيها أو لا تنحصر في الصبر على الأقدار المؤلمة، وإنما صبروا داخل في عموم طريق المؤمن الذي هو لا ينفك عن قضية الصبر، فالصبر أمر ملازم للمؤمن وبه يبلغ الجنة بإذن الله تعالى؛ فهذا نوع من الآيات من الثواب الذي ذكره الله سبحانه وتعالى وهو يبين مركزية الصبر.

وثبت عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: الصبر نصف الدين، الصبر نصف الدين. فبابه عظيم وخطير، ولذلك التفقه فيه وفي معانيه أمر في غاية الأهمية. طبعا من الآيات التي ذكرها النووي وتستحق الوقوف كذلك قوله سبحانه وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ. فهنا صارت غاية حتى في الدنيا، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد يقدر الأقدار المؤلمة على الإنسان لأنه يريد أن يستخرج الصابر من غير الصابر، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ، وهذا طبيعة البلاء الذي يقدره الله سبحانه وتعالى.

طيب، ثم قال النووي رحمه الله تعالى: عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض أو السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. رواه مسلم.

هذا الحديث من الأحاديث التي فيها رجاء كبير، فيها ثواب عظيم، ومن الأحاديث قصيرة الجمل وعظيمة المساحة من ناحية الثواب ومن ناحية الفهم للدين، وهذا الحديث وقف معه الإمام ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم وقفة طويلة في شرحه وبيان ألفاظه ورواياته وما إلى ذلك. وكما تعلمون في هذه المجالس ننتقي بعض الأمور نركز على هدي النبي صلى الله عليه وسلم. هنا من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كان كلامه فصلا كما تقول عائشة، إذا عده العاد أحصاه، وهذا كان من جملة ما يسهل على الصحابة حفظ الأحاديث؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول كلاما محددا، جملا مرتبة، وكما تعلمون "بعثت بجوامع الكلم"، يعني جعلت هذه أصلا سمة من سمات النبوة، "بعثت بجوامع الكلم". فهذه قضية مقصودة أن يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم محددا وواضحا ومرتبا وسهلا، وهذا كما قلت من جملة الأشياء التي تعين أو أعانت الصحابة على ضبط الحديث النبوي وحفظه.

وهناك عوامل أخرى أسهمت في ضبط وحفظ الحديث النبوي بالنسبة للصحابة؛ منها أمر لا يختص بهم وحدهم وهو عام في تلك المرحلة، وهو سلامة الأذهان وقله المكدات والمشتتات التي تعتري الذهن؛ الأذهان غير ملوثة. اليوم الذهن في اليوم الواحد تمر عليه يمكن آلاف أو عشرات آلاف المدخلات المختلفة؛ يعني نحن ما نقول مثلا شبكات التواصل، نحن نقول في الشبكة الواحدة من شبكات التواصل يمر عليك ما يكفي أن ينسيك كل ما تحفظ، تنتقل من الألم إلى الضحك والفرح في غضون عشر ثوان أو أقل؛ تغريدات مثلا تطلع لك واحدة فيها قصف غزة ودماء تنزف، واللي بعدها فيها مقلب واحد يسوي ويضحك، واللي بعدها فيها هدف في الدوري الأوروبي، واللي بعدها فيها دعاية إعلان يطلع لك غصبا عنك، واللي بعده فيها... وأنت تمر في نصف ساعة على كم هائل من المدخلات المختلفة والمتناقضة ما يكفي لأن إذا حضرت درسا بعدها أن يغيب عن ذهنك كثير مما تسمع.

أما العرب في تلك المرحلة الناس كانوا في قلة المدخلات وفي صفاء الفطرة وفي قوة انعكاسات، البادية لها انعكاسات على النفس؛ شفت أنت مثلا نفترض إذا رحت رحلة مكان ما في إرسال، جلست كم يوم وفي صفاء جو وفي هواء نقي والأمور تمام، وجلست كذا على شبه النار تتأمل وكذا، تمام، بعدين واحد قال لك كلمتين ولا ثلاث ممكن تقر في قلبك وفي نفسك تاخذ موضعا من الانتباه، تحس في حالة من الصفاء ممكن تنتبه أكثر مما تنتبه لو كان في يومك المعتاد؛ فشاهد أن هذا عامل آخر لعوامل الضبط، ولذلك تعلمون حتى العرب كان أحيانا واحد يسمع القصيدة يحفظها والأمور عندهم على البديهة والسليقة.

الأمر الثالث الذي أعانهم على الضبط اللي هي قضية المحبة والحرص التام؛ لأنهم ليس فقط أن أذهانهم سليمة وبالتالي صافيه قابلة للحفظ، لا، هي الفكرة أنهم في غاية الاهتمام وفي غاية المحبة للمتحدث وفي غاية الحرص على التقاط الحرف الواحد وفي غاية الإدراك أن هذا دين وأن القضية تترتب عليها أمور كثيرة، فهذا أمر أيضا له أثره.

الأمر الرابع هو حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الوسائل المعززة للحفظ وللوعي أثناء التلقي، ومن جملتها التكرار كان يكرر، ومن جملتها كذلك الأساليب التي هي مثلا زي السؤال، زي الأمثلة، زي الأساليب المتنوعة في التعليم التي كان يسلكها النبي صلى الله عليه وسلم، فتعين وهذا كله يعزز قضية الحفظ، هذا الآن فضلا عن كون أن هذا الأمر دين والله سبحانه وتعالى يرعى دينه حتى يحفظ ويبقى صافيا للناس.

فالشاهد هذا استطراد، أنه نحن نحاول في هذه المجالس التركيز على فكرة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بتبليغه، ما يتعلق بقيامه بالدين، ما يتعلق بتربيته أصحابه وغير ذلك. فالشاهد هذا الحديث الآن أنت ترى هذا الحديث مثلا سهل الحفظ مع أن جمل كثيرة، هو: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. يمكن لو سمعته ثلاث مرات وذهنك صافي، يمكن لو سمعته مرة واحدة خلاص، ما تقول جوامع الكلم؟ سبحان الله، جميل، مرتب وواضح وجمل مختصرة وبعدين تعيش معها في الشرح.

طبعا الكلام في الحديث في الجمل مثل ما ذكرت مكانه في كتب الشروح؛ الوقوف عند كل جملة. الإيمان هنا بعضهم فسره بالصلاة "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ" أي صلاتكم، فبعضهم فسره هنا بالصلاة، فالطهور شطر الصلاة، وبعضهم فسرها بغير ذلك؛ اللي هي في فكرة شطر كيف يكون الطهور شطر الإيمان، وهل الطهور المراد به إذا كان الطهور الحسي، وإذا كان الإيمان بشكل عام فهل يمكن أن يراد به الطهور المعنوي اللي هو التخلص من الذنوب والتخلص من الشرك وما إلى ذلك، فيصير اللي هي التزكية بشقيها، تخلية وتحلية، هل يمكن أن يكون ذلك كذلك؟

وهذا الحديث كذلك فيه بيان فضل الذكر وخاصة الحمد والتسبيح، وهذا الحمد والتسبيح بينهما ارتباط كما أن بين لا إله إلا الله والله أكبر ارتباطا، بين سبحان الله والحمد لله ارتباط، وبين لا إله إلا الله والله أكبر ارتباط، ومن الارتباطات بين لا إله إلا الله والله أكبر ارتباط في الأذان، وكذلك الأربع كلمات هي مرتبة هكذا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وابن تيمية له رسالة جميلة في بيان الارتباط بين هذه المفردات. وكما تعلمون من أهم الأذكار "سبحان الله وبحمده"، هذه مرتبطة بين بعضها سبحان الله وبحمده، فهي سبحان الله والحمد لله، يعني أقصد بينها ارتباط بين التسبيح والحمد. فهنا بيان شيء من فضل التسبيح والتحميد، وهو فضل عظيم كبير جليل ينبغي أن يكون سببا لحرص الإنسان. ومن جملة الأذكار الواردة في هذا الحديث أو فيما يتعلق بالتسبيح والحمد وهي من الأحاديث التي فيها فضل عظيم الذي أيضا في صحيح مسلم كما في هذا الحديث في صحيح مسلم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من جملة ما يذكر به ربه في الصباح: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

طيب، لماذا أورد النووي هذا الحديث؟ أورده لجملة "والصبر ضياء". طيب، الصبر ضياء، وقبلها قال الصلاة نور، ايش في آية تجمع بين الضياء والنور؟ بين الضياء والنور في آية واحدة صح: ضياء ونور. والعلماء ذكروا من الفروق أن الضياء ارتبط بالشمس، فضياء فيه معنى الإحراق مع الإضاءة، والنور لا، فيه القمر طبعا ليس فيه الإحراق فيكون النور يعني قد يطلق باعتبار النور وحده. ومن هنا قالوا إن مناسبة ارتباط الصبر بالضياء لأنه محرق، لأنه صعب، لأنه مؤلم، لأنه شديد.

لكن من الأمور التي ينبغي النظر إليها في هذا الحديث في فضل الصلاة وفي فضل الصبر، أن فيهما أثرا في إنارة طريق الإنسان، سواء أكانت إنارة الطريق الدنيوي الذي يسلك به إلى الآخرة، أو في إنارة الطريق في الآخرة نفسها؛ لأنه تعلمون أنه من أهم ما يحتاجه الإنسان المؤمن في الآخرة احتياج إلى النور، وتعلمون أن الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك في سورة الحديد وفي سورة التحريم في قوله: "يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ". فالاحتياط للإنسان الصلاة والصبر، وقد يكون هذا أيضا في الدنيا وقد يكون في الآخرة وقد يكون في كليهما الله أعلم، يعني النص مطلق: الصلاة نور. ولعل من جملة النور الذي في الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر فهي...

تنير، تبعد، تبصر. وكذلك الصبر الصبر ضياء. وهنا كلما تكاثرت الفضائل للعمل الواحد دل على قيمته وأهميته، فلو تتبعنا الأحاديث والآيات قبل ذلك الواردة في الصبر تجد أن كل نص يزيد لك مساحة لفضل الصبر، لمكانة الصبر، لأهمية الصبر. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

هذه الآن يغدو تبين قيمة حتى العمل اليومي بالنسبة للإنسان المؤمن كما هو بالنسبة للإنسان التاجر الذي يغدو كل يوم، أنتم تعلمون أنه بالنسبة للتاجر كل يوم بالنسبة له مهم، صح ولا لا؟ تعرف كل يوم يفتح المكان يا فتاح يا عليم، ها يا رزاق يا كريم، يعني أول ما يفتح كذا أنه ايش يعني يوماً جديداً في حياته ينتظر الناس والزبائن والبيع والشراء، والتاجر في تجارته لا تذهب هذا اليوم فسيكون ثقيلاً عليه جداً؛ لأنه كل يوم بالنسبة له مهم ويؤثر، وحتى الذاهب في عمله عموماً كل الناس يغدو.

وهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليبين ارتباط هذا المعنى المتكرر أصلاً على الذهن يومياً في حياة الناس العملية أنه له باباً آخر مرتبطاً بالآخرة، وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها؛ أنه كما تغدو وتروح لمورك وأعمالك لا، فهناك غدو ورواح يؤثر في مصيرك، هناك غدو ورواح يؤثر في مصيرك، فهل أدرك الإنسان وهو يغدو كل يوم من بيته أن غدوه هذا قد يكون سبباً في أن يوبق نفسه في نار جهنم وأن تكون هي الخاسرة، أو أن يعتقها من النار ومن عذاب الله؟ هذا معنى إذا استحضر الإنسان يدرك قيمة اليوم ويدرك أهميته بالنسبة لمسيرته.

ثم الحديث الثاني حديث أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه: أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنِه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر. متفق عليه.

بالنسبة لي هذا الحديث يعني من أجلّ وأعظم وأهم الأحاديث الواردة في الصبر، غير أن كثيراً من الناس لا يستطيع أن يتصور قيمة هذا الحديث، إن هي الجملة هي الجملة سلمكم الله، طيب أنا كنت بس أتأكد من اللفظ هنا ضبطها ومن يستعفف يعفه الله بفتح الفاء. الشاهد أن هذا الحديث، هذه الجملة اللي هي: وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر، بعد شوية نأتي لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الجملة جملة عجيبة جداً في بيان فضل الصبر، وتتذكرون لما كنا دائماً دائماً الواحد يكرر معنا أنه ترى هناك نصوص لن يفقهها الإنسان إلا إذا كابدها؛ ستعرف معناها من جهة ألفاظها، من جهة بيان حدودها اللفظية، لكن من جهة حقيقة هذا النص وأن تفقه يعني ايش ممكن نقول فعلاً أبعاده وحدوده، فلن تستطيع أن تفقه ذلك حق الفقه إلا إذا عشت أحوالاً مرتبطة بهذا النص.

من جملة ذلك هذا الحديث: وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر. ايش الإنسان ممكن يعطى عطاء؟ ايش أنواع العطاءات اللي ممكن يعطاها إنسان في الدنيا ما بين حسية ومعنوية لا حصر لها، صح ولا لا؟ لا حصر لها، طيب تخيل الآن هذه أنواع العطاءات، ما في عطاء يمكن أن تعطاه في هذه الحياة خيراً من أن تعطى الصبر. ما في، أنت تؤمن بهذا صح؟ تؤمن به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهذا حديث ثابت صحيح لا شك فيه، لكن القضية ليست هنا فقط، كانت هذه الأساس؛ القضية هي أنك لن تدرك فعلاً أنه لا يوجد عطاء خيراً من أن تعطى الصبر إلا حين تعيش في هذه الحياة وتكابد مشاقها وأحوالها، ثم بعد ذلك ها بعد ما تطلع وتنزل وتروح وتجي ها وأنت طبعاً في طريق الخير نتكلم، وإلا الذي يذهب إلى طريق الشر لا يحتاج إلى هذا الكلام، يعني هذا ليس له كان يحتاجه من الناحية الدنيوية فقط، لكن أقصد حين تسير في طريق الخير وتكابد سواء في مشاق الدنيا في مشاق طريق الآخرة إلى آخره، ستعرف أنك مهما أعطيت حقاً وصدقاً كل عطاء يمكن أن تعطاه سيكون فيه نقص إذا لم يكن معه صبر؛ لأنه أنت في هذه الحياة الدنيا في دار ابتلاء وفي دار صعوبة، فمهما كان من عطاء تظن أنه سيسعدك أو يغنيك أو سيكمل إلى آخره حياتك فستجد أن في صفحات هذه الحياة صفحات مؤلمة، وبـهذا الألم فيه من الخصائص ما يمكن أن يكدر عليك صفحات النعيم الأخرى، فتكون كأن لم تنعم، صح ولا لا؟

يعني إنسان مثلاً يتزوج بعدين يرزق بذرية ويسعد بالأولاد تمام، ويرى أنه هذا يعني هو رأس مالي في حياتي، جاء يوم صار حادث السيارة ماتوا الأولاد مع بعض، ايش باقي لك في الحياة؟ ايش ممكن تسوي؟ أين ذهبت الأيام الجميلة؟ أين ذهبت الآمال الكبيرة؟ أين ذهبت؟ كيف ممكن تعيش؟ صح ولا لا؟ ولذلك تعرف بعض الأحيان إنسان يصير مثل مثل هذا خلاص انتهى يعني، طيب ماشي، هذه صفحة، صفحة أخرى الأموال استمتعت وبنيت وإلى آخره جاءتك أزمة مالية، جاءك شيء إلى آخره، الأمثلة لا تنتهي.

حتى في طريق الآخرة، أنت الآن بدأت في طريق الآخرة الأمور حلوة وطيبة وبداية الاستقامة حلاوة الإيمان، بعدين ستكتشف أثناء الطريق أن الأمور صعبة، الأمور صعبة، الطريق طويل محتاج إلى ثبات، محتاج إلى مجاهدة، محتاج إلى مكابدة، ومفتاح كل هذه المقامات الصبر، كلها مفتاحها الأول الصبر، بدونه ما في، في مجاهدة بدون صبر؟ ما في، لا يوجد مجاهدة بدون صبر، والمجاهدة هي من أهم أسباب الفلاح بس مفتاحها الأول الصبر، وهكذا.

فإذا رأيت من أعطي عطاءً وفرح بهذا العطاء فوقر في قلبك أو جاء في نفسك أنك قد نقص عليك أو نقص منك أو تتمنى أن تكون قد أعطيت مثل ما أعطي وتكون مع ذلك قد أعطيت الصبر، فاعلم أنه لم يعط خيراً مما أعطيت مهما كان، مهما كان، أنت تؤمن بهذا لفظاً، تؤمن بهذا من حيث المعنى، هذا الآن شيء، بعد ذلك إذا عشت في الحياة وكابدتها فيها ستعلم جيداً أن أفضل ما يدخره الإنسان في حياته هو الصبر، أفضل ما يدخره في ما فيه هو من أهم ما يمكن أن يعيش الإنسان به سعيداً، سعيداً من حيث الطمأنينة والسكينة هو الذي يمكن أن بإذن الله يثبت بسببه الإنسان، وهو الذي وهو الذي لا تنتهي الفضائل التي يمكن أن يقولها الإنسان فيما يتعلق بالصبر؛ فلاجل ذلك من كان محروماً من حقيقة الصبر فليعلم أنه قد حرم الخير كله، فلاجل ذلك يجب عليه أن يتدارك نفسه وأن يعني يحاسبها وأن يجاهدها وأن يعني يحاول أن يبلغ مع نفسه منازل الصبر شيئاً فشيئاً، ولو بمجاهدة ضعيفة قليلة الصبر شيئاً فشيئاً، فهذا هو المعنى الأهم الذي يعني هو أنا بالنسبة لي هذه الجملة هي يعني من أهم الجمل عندي في الباب كله.

طيب، أما بالنسبة للهدي النبوي سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنِه الله، ومن يتصبر يصبره الله. الآن لو قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لهم قبل أن يعطيهم لصدقوا به، ولكن لم يكن لتبلغ قيمته في نفوسهم ما بلغت مثل ما لو قالها بعد ما أعطاهم، فيعني هذا أيضاً فيه درس فيه فائدة، أنه الإنسان المصلح المربي أياً كان المقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في مقامات التأثير على الناس والتعامل معهم أن هناك من الحقائق النظرية ما لا يستطيع أن يبلغها في الناس حق الإبلاغ إلا إذا أحسن إليهم أو استنفد ما يمكن أن يستنفد من الوسع والطاقة في تلبية ما يريدون ثم بعد ذلك تأتي النصيحة، تأتي الوصية في مكانها في موضعها، والكلام كثير.

ثم الحديث التالي عن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له. رواه مسلم.

هذا الحديث كذلك من الأحاديث العظيمة التي تختصر حياة الإنسان المؤمن، وهنا وردت بعض العبارات في أن الدين نصفان: نصف صبر ونصف شكر، وهذا الحديث يأتي لي يلخص حياة المؤمن عبر هذين النصفين، ما بين نصف الصبر وما بين نصف الشكر، وهي التي جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، ومن كان صباراً وشكوراً، وهاتان صيغتا مبالغة، ومن كان صباراً شكوراً فقد حاز الخير كله، وقبل قليل تكلمت عن الخير العظيم الذي يناله الإنسان بسبب الصبر، وكذلك الخير العظيم الذي يناله الإنسان بسبب الشكر، فالشكر لا يقل أهمية عن الصبر، وهو ينتظم الإنسان ما بين نعمة وما بين بلاء، في حالة ثالثة ما بين نعمة وما بين بلاء، البلاء له واجبه والنعمة لها واجبها، أما البلاء فواجب الصبر، وأما النعمة فواجب الشكر.

وهي في الأساس طبعاً الصبر هل هو عمل يمكن أن يعمل له الإنسان أو هو مجرد معنى في القلب؟ يعني ليس مجرد معنى في عمل، والشكر كذلك ليس فقط معنى، وإنما يكون، طيب الأهم هو المعنى، الأهم هو المعنى، وجود المعنى عند الإنسان هو الذي يدفعه إلى أن يقوم بعمل الصبر، وأن يدفعه أن يقوم بما للشكر من أعمال، وبما للصبر من أعمال.

فإذا كان الإنسان في نفسه جحوداً، فإنه وإن شكر الله على ما أعطاه من النعم بلسانه، فلن يكون محققاً لحقيقة الشكر؛ لأن القضية ليست في أنك حفظت أن من السنن أنك إذا أكلت تقول الحمد لله، جيد أنت تربيت وأنت صغير خلاص: الحمد لله الذي أطعمنا، والحمد لله الذي أطعم وسقى إلى آخره، هذا ليس هو الشكر أو حقيقة الشكر، وإنما حقيقة الشكر هو الاعتراف القلبي لله سبحانه وتعالى بالنعمة، وحقيقة الصبر هو حبس النفس والتحمل والتجلد وعدم الاستسلام الداخلي وعدم الوهن الداخلي أمام هذه المصائب التي تأتي الإنسان، ثم بعد ذلك يخرج إنا لله وإنا إليه راجعون، يخرج لفظ إنا لله وإنا إليه راجعون أو غير ذلك من الكلمات التي تدل على الصبر، ولذلك هي ترى هي معاني داخل النفس، من ينتظمها ستخرج منه دائماً الأعمال الدالة عليها؛ لأنه تعرف مثلاً من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فهي معنى، وهو ليس مرتبطاً فقط بالله سبحانه وتعالى، يعني هو معنى داخل هل هذه النفس جحودة أو هي نفس شكور؟ عارف صاحب هذه النفس هو إنسان جحود أم شكور؟ فالذي يتعود على معنى الشكر هو إنسان يلاحظ النعم، والشكر لا يكون إلا بعد ملاحظة النعمة إذا كان معنى، أما إذا كان الشكر لفظاً فما يحتاج ملاحظة للنعمة حقيقة الملاحظة؛ لأنه خلاص هي مرتبطة بأشياء ظاهرة، لكن هي السر أصلاً في الشكر يا جماعة الخير السر الأساسي في الشكر هو ملاحظة النعمة ثم ملاحظة المنعم، جيد ملاحظة النعمة ثم ملاحظة المنعم.

هل يمكن أن يصاب الإنسان بعدم ملاحظة النعمة؟ نعم، نعم يمكن أن يعتاد النعيم، بل يمكن أن يصاب بعكس ذلك وأن يعتبر هذه النعمة هي نتيجة صناعته الشخصية، ولا يرضى أصلاً بأن توصف بأنها نعمة، كما في قصة قارون: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي، خلاص أبداً انتهينا ايش رزق كذا، أبداً، فهي أول شيء ملاحظة النعمة أنه هذه نعمة، هذه ليست من كدي ولا من كد أبي، ثم ملاحظة المنعم وما ينبغي أن يقدم لهذا المنعم سبحانه وبحمده من الثواب أو عفواً من مقابلة هذه النعمة بالعمل، هذا المعنى ليس خاصاً بالله سبحانه وتعالى، أن اشكر لي ولوالديك، هي نفس الشيء، هل تلاحظ النعمة التي أعطاها لك الوالدان أو لا؟ ثم هل تقدر حقيقة منزلة الوالدين فتشكر الوالدين بما يليق بمنزلتهما هما أولاً، ثم بقدر النعمة التي ساقها الله على أيديهما لك؟ هذه القضية، فهمتوا الفكرة يا جماعة؟

القصد أن الشكر لا يختص بمجموعة من الألفاظ الواردة التي يقولها الإنسان بعد طعامه وشرابه، أو بعد خروجه من الخلاء، أو قبل نومه، الحمد لله الذي ايش؟ قبل النوم ايش في؟ الحمد لله الحمد لله، لا قبل النوم الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وكفاني وآواني، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي، حديث صحيح: الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وكفاني وآواني، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي، هذا من أذكار النوم، الآن ممكن الإنسان عارف زي ما هو حافظ أذكار الصبح، حتى أذكار الصباح: أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، إلى آخر الذكر، هذا وغيره من الأذكار اللي فيها الحمد، فهي القضية ليست مجرد ما يقال باللسان من الحمد والشكر، وإنما حقيقة ما يقع في القلب وفي النفس من الاعتراف بالنعمة، ومن جملة لا أريد أن

أقول طبعاً هذا الذكر ليس بواجب، لكنه هو من جملة ما لا ينبغي أن يتركه الإنسان من الأذكار، وأن يحرص عليه غاية الحرص، وهو فيه تجديد بهذا المعنى تحديداً اللي هو معنى إيش؟ لا، أيوه معنى ملاحظة النعمة واستحضارها قلبياً، اللي هو سيد الاستغفار؛ لأنه في أبوء، نرجع: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

شوف يعني هو الآن هنا ليس الحمد لك يا ربي على النعمة، لا أبوء لك بنعمتك علي، يعني أقر وأعترف، وهنا هذا الدليل هو الدليل المباشر على المسألة التي أريد تقريرها في كل ما مضى من الكلام، هذا الآن ومن أظهر الأدلة على هذه المسألة أنه أصلاً تعرف من قالها من الصباح موقناً بها، موقناً، طيب أنت الآن توقن بأي شيء؟ توقن بأنك تعترف بالنعمة، أبوء لك، بس أنت ما قلت فلك الحمد يا ربي على ما أنعمت علي، الآن فقط تقول أبوء لك بنعمتك علي.

وكان هناك تجاه النعم أكثر من واجب حتى لفظياً؛ هناك واجب الاعتراف بالنعمة، وهناك واجب الشكر على النعمة، والشكر على النعمة على درجاته جيد، فهناك شكر باللسان، وهناك شكر بالقلب، وهناك شكر بالعمل. فهذه الخلاصة بالنسبة للشكر والكلام كثير لكن هذه فقط إشارة سريعة، وهذه نصف حياة المؤمن. تقول كيف تصل إلى نصف حياة المؤمن؟ أي تصل إلى نصف حياة المؤمن إذا فهمت الشكر بهذا المعنى، أما إذا فهمت الشكر أنه إذا جاءتك نعمة إيش تقول؟ الحمد لله، بس باللفظ واللسان، فصح قد تقول يعني معقول كذا نص حياة المؤمن بس؟ إيه هي القضية ليست هكذا، لكن إذا أدركت فعلاً أنه أصلاً مما تقوله يومياً: أبوء لك بنعمتك علي، وتستحضر هنا النعم الدينية والنعم الدنيوية، تحضر العافية وتستحضر المال، تستحضر عدم المؤاخذة بالذنب، تستحضر إلى آخره من الأشياء سواء عندك مال، عندك مال نعم كثيرة، فهذا هو المعنى.

على أي حال إيه هذا باب آخر، هي في الأخير هذا المؤمن له حالان، هذه هي كل عمل منها في وقته هو الحال المفضل، وهذا الحال اللي هو أن يكون الإنسان ما بين الصبر والشكر هو حال يدعو للعجب، العجب الاستحسان، تعجب الاستحسان. تعرف أنت التعجب أحياناً يكون استنكار، يا أخي سبحان الله كيف هذا يعمل كذا؟ وأحياناً يكون التعجب استحسان، عجيب سبحان الله، يا أخي ما شاء الله عليك سبحان الله عجيب يا أخي، هذا تعجب استحسان.

هنا النبي صلى الله عليه وسلم بدأ هذا الحديث بعجب، وهذا تعجب باستحسان، وفعلاً يعني: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، كُلُّهُ خَيْر، ما في، أينما قلبت حال الإنسان المؤمن هو له خير، إن أصابته ضراء أو سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.

طيب، نختم بالحديث الأخير عن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه، فقال: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ رواه البخاري.

كان الإمام النووي رحمه الله أورد هذا الحديث ليبين شيئاً مما مر به النبي صلى الله عليه وسلم من الشدائد، ولا أريد أن أعلق على الحديث في تفاصيله، لكن أريد فقط أن أشير إلى معنى مهم مرتبط بهذا الحديث وهو صبر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني إحنا رأيتم قبل قليل قلنا: لم يعط أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر، يعني قلب حياة النبي صلى الله عليه وسلم ستجد أنها من بدايتها إلى نهايتها كلها صبر، حتى من قبل النبوة النبي صلى الله عليه وسلم نشأ يتيماً، وهذه القضية ما هي سهلة ترى، ما هي سهلة أن الإنسان ينشأ يتيماً ويتيم الأبوين، ها ما هي سهلة.

ثم بعد ذلك ما تعلمون من سيرته صلى الله عليه وسلم، حتى إنه قال كما في حديث أنس: لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مَا بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَالِي وَلِبِلَالٍ شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ. أخرجه الترمذي بإسناد جيد، وهذا الحديث يبدو لي أنه كان وقت الذهاب للطائف مع بلال رضي الله تعالى عنه.

وعلى كل حال يعني هذه حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها صبر، وهذا الصبر استمر إلى لحظة الوفاة؛ لأنه هنا قال: جعل يتغشاه الكرب، يعني الموت له كربة وله شدة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول إيش؟ ليس على أبيك كرب بعد اليوم، أص، هذا آخر الكربات وآخر الشدائد وآخر ما يحتاج إلى صبر عليه صلاة الله وسلامه. يعني هذا كذلك كما قلت فيه التأسيس العملي لقضية ملازمة الصبر من بداية الطريق إلى نهايته؛ لأنه قد يظن الظان أن الصبر له مرحلة، وأن هناك مراحل ممكن الإنسان مثلاً يظن أنه في مراحل مثلاً صبر وفي مراحل تمكين جيد، أنه التمكين خلاص يعني ما في صبر، لا، هي الصبر أبداً أمر ملازم للإنسان المؤمن.

وهذه لفتة جميلة حقيقة من الإمام النووي أن أخرج الحديث هنا إلى لحظة خروج الروح، يعني حتى لحظة الموت كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ. حتى لحظة الموت تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى صبر، وهي لحظات ضمن التكليف، وهي لحظات ضمن التكليف وليست خارج نطاق التكليف، نطاق التكليف حين تخرج الروح، لكن لأنه حتى ترى تأتي قصص مثلاً في كتب التاريخ والأخبار، مثلاً لما نزل به مثلاً قصص بعض الناس نزل به فجزع، ها فجزع، يعني ممكن الإنسان ترى عارف يسقط في آخر اختبار، يسقط في آخر اختبار، يخذل بأعماله بذنوبه ويسقط، فما يصبر عند ولذلك هذه القضية تعرف اللي كان يعني الصالحون يخشون منها، يلازمون ويحذرون، يلازمون الحذر منها. وتعرف لما قال فتني يا أحمد قال ليس بعد، يعني يقال إنه قال إن الشيطان قال للإمام أحمد في مرضه وفي لحظة، فقال ليس بعد، فتني، قال ليس بعد، ما في، خروج الروح بعد ذلك يكون الإنسان قد خرج من هذا النطاق.

عن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم: أن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتين، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي وأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وفي رواية: فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ. متفق عليه، ومعنى تقعقع تتحرك وتضطرب.

هذا الحديث أيضاً فيه عبر كثيرة من حيث بوصلة الهدي النبوي في زاوية ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم بفقدان أولاده وذريته، ففقد أولاده جميعاً سوى فاطمة، وفقد كذلك من أحفاده صلى الله عليه وسلم، ومن جملتها ما في هذا الحديث، حيث فقد النبي صلى الله عليه وسلم ابناً لـ، أظن أنها كانت زينب، أو عموماً واحدة من بناته، فقد كذلك النبي صلى الله عليه وسلم من جيل الأحفاد فضلاً عن كونه فقد كثيراً من أحبابه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا من جملة ما يحتاج إلى صبر كبير جداً وصلى الله على نبينا محمد وسلم.

ثم الحديث هذا فيه أمر عظيم جداً، يعني هو يبين المعنى الذي لأجله يصبر الإنسان وهو هذا الذكر الوارد وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى. هل يستطيع الإنسان أن يقول؟ أيهما أسهل؟ أن يستحضر ألفاظ هذا أن يستحضر معاني هذا هذه الألفاظ، أو أن يقول هذا اللفظ؟ أيهما أسهل أن يقول الألفاظ؟ تعرف أحياناً إنسان عنده المصيبة حتى ممكن يبكي وكل شيء، في واحد يقول له خلاص قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ يقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، عشان كذا يرجع الموضوع لما قلنا المعنى واللفظ، أما إدراك حقيقة اللفظ فهو الصعب عند المصيبة، وهو الذي إذا حصل فمهما كانت المصيبة فإنها تهون، لا أقول تهون يعني تصبح هينة ولا كأنها شيء ولا يتعلم منها، لا يتعلم منها الإنسان ويتعب منها، لكن لا يمكن أن يكون حال من يستحضر هذه المعاني كحال من لا يستحضر هذه المعاني.

هو المعنى معنى خطير جداً، معنى خطير جداً، معنى يعني يفتقده المساكين ممن لا يؤمنون، مساكين، يعني المساكين من كل الجهات يعني، أنت ما تقول كيف ممكن يصبرون؟ أنت إيش تعريفك لابنك؟ ها، إيش تعريفك لابنك قبل ما قبل ما تعرف بأنه ابنك؟ تعرف بأنه من الله، لله الذي أعطاك إياه، صح؟ هذا تعريف أنت عندك تعريفين، تعريف أنك أنت أبوه وأنك أنت السبب في وجوده، وعندك تعريف قبله وهو أنه إيش؟ أن الله أعطاك إياه.

فهنا أنت يعني في لك يد، ها وتشعر أن هو تب لك يعني؟ ولا بس أنه في قبل ذلك نسبة أهم منها؟ ملاحظة هذه النسبة هي التي تعين على الصبر، ملاحظة هذه النسبة هي التي تعين الصبر، أنت عبد لله وابنك عبد لله والله أعطاك هذا، طيب إذا جاءت المصيبة مصيبة الموت فأنت الآن تستحضر إيش؟ أن الله أخذ ما أعطى، أن الله أخذ ما أعطاك، يعني أنت فرق بين هذا وبين لم تشعر بأن هو ملكك التام، فاهم؟ هو ملكك، هذا الولد ملكك، فلما يأخذه الله سبحانه وتعالى تشعر أنه كأنه أخذ ملكك، فهمت الفكرة؟ فهنا صعب، فيجي الناس يقول لك ليش يا ربي؟ ليش يا ربي؟ أنا إيش عملت يا ربي؟ ليش يصير كذا؟ ليه كذا؟ كمان أرى كثير من الناس يقول كذا صح ولا لا؟

وفي إنسان لا، يأتي البكاء اللي هو بكاء إيش؟ حزن على فراق الحبيب، الخلطة، فهمت الرحمة، أنه كان مؤمل أشياء، هذا كله عادي يجي طالما أنه بالحدود ما صار في صراخ، ما صار في شق للجيوب، ما صار في اعتراض بالألفاظ، ما صار هذا كله الآن عادي، اللي هو أنه يكون الحزن بدون هذه الأشياء، لكن هذا لا يكون إلا لما تعرف أصلاً هذه الأمور التي لديك سواء من ناحية الأموال أو الأولاد على أنها قبل أن تكون لك هي عطايا من الله، والله أخذ ما أعطى، وهذه ميزة هذا الذكر: إن لله ما أخذ، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، هذا الآن باب من أبواب الصبر، عشان بس نأكد أن الصبر حقيقة هو إدراك هذه المعاني، يعني لن يكون الصبر إلا بإدراك هذه، هذا الآن باب.

الباب الثاني إيش في الصبر؟ تتمة الذكر: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، القدر، يعني أمران، الأمر الأول: الله الذي أخذ هو الذي أعطى أو الله الذي أعطى هو الذي أخذ، الأمر الثاني: أنه ما جرى الآن هو ليس أمراً مفاجئاً، وإن كان مفاجئاً لك لكنه بالنسبة لله هو مكتوب ومقدر ومرسوم، يعني أقصد محدد، وهذا الأمر المحدد قد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنه على سبيل الإجمال، وإن كنا لا نعلمه على سبيل التفصيل، في آيات كثيرة يخبر الله سبحانه وتعالى فيها بالقدر، فهذا من جملة التكليف والاختبار الذي يعني يختبر به الإنسان، هل يستطيع أن يستحضر مثل هذا فيصبر أو لا يستطيع؟

ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية والمغفرة والرحمة، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.