تسجيل الدخول

رياض الصالحين 07 | باب الصبر 2 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. هذا مجلس جديد من مجالس الاستهداء بالسنة النبوية.

والكتاب الذي اخترناه طريقاً لهذا الاستهداء هو كتاب رياض الصالحين. واليوم نحن لا نزال في بدايات الأحاديث، والإمام النووي رحمه الله بدأ بباب الإخلاص، ثم باب التوبة، ثم باب الصبر. اليوم عندنا حديث في باب الصبر، وهو حديث طويل وعظيم وجميل ومفيد كثيراً، وفيه قصة عظيمة من القصص عن الأمم السابقة. وقبل أن أبدأ بالحديث، إحنا عنواننا الاستهداء بالسنة، والتركيز في قضية الأحاديث النبوية على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا كان يعمل؟ على ماذا كان يركز؟ بأي شيء كان يبدأ؟ كيف كان يبلغ؟ بما كان يهتم؟ إلى أي شيء كان يدعو؟ هذا هو المحور الذي نتتبع وندور حوله في كل قراءة الأحاديث النبوية وشرح الأحاديث النبوية التي ندرسها في هذه المجالس.

قبل أن أبدأ الآن بالحديث الذي هو حديث الغلام، قصة الغلام والساحر المعروفة، إحنا إذا كنا نتكلم عن الاستهداء بالسنة، فأول فائدة أريد أن أذكرها هنا هي أن الموضوعات التي كان يتناولها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه معلماً مرشداً هي موضوعات متنوعة، والدين دين شامل ذو موضوعات كثيرة. فمن يطلب العلم ويطلب الفقه في الدين ولا يدرس الدين بشموليته وشمول موضوعاته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدمه شاملاً في مختلف موضوعاته فسيظل فقهه في الدين ناقصاً، ولو حفظ عشرات المتون ودرس مئات الشروح. الدين ليس موضوعاً واحداً، ما يصلح أن تكون علاقتنا مثلاً والله بعلم الفقه فقط، ولا بعلم العقيدة فقط، ولا بعلم مثلاً علوم القرآن والتفسير فقط. الدين يا جماعة موضوعات كثيرة، واحدة من الموضوعات، القرآن نفسه موضوعات كثيرة، واحدة من الموضوعات الأساسية والمهمة التي كانت في القرآن وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتني بتربية أصحابه عليها هو ما يتعلق بقصص الأمم السابقة، قصص الأنبياء وقصص الصالحين وأحوال الأمم وما إلى ذلك. ولأجل ذلك أي داعية، أي مربي، أي مصلح يريد أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لا بد أن يراعي هذه الشمولية فيعلم طلابه مختلف الموضوعات.

ممتاز، طيب هنا أنا أريد أن أنبه إلى شيء، إذا كان هذا كله الآن، إذا كان الشخص عربياً يستطيع أن يفهم هذه الموضوعات المتنوعة، لكن يا جماعة الخير أمة الإسلام اليوم ذات ألسن وليست صاحبة لسان واحد. في وقت النبي صلى الله عليه وسلم الأمة كانت عربية، أو ذات لسان عربي، لكن اليوم الأمة الإسلامية واسعة وممتدة، والعجم منها أكثر من العرب، وغير المتحدثين بالعربية أكثر من المتحدثين بالعربية. وإن من النقص الكبير الذي يقع فيه كثير من غير المتحدثين بالعربية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يكون بينهم وبين علوم الإسلام حاجز وحائل حقيقي. وإن من يتوجه منهم إلى طلب العلم فمع الأسف كثير ممن يدرس العلوم الشرعية لغير العرب أو لغير الناطقين بالعربية يدرسون علوماً محدودة بقوالب معينة وأحياناً تكون صارمة وناشفة وجافة، بينما من أعظم وأهم ما ينبغي أن يربى عليه المسلمون جميعاً، سواء من يتحدث منهم باللسان العربي أو لا يتحدث منهم بهذا اللسان، هو أن يربوا على المعاني المتنوعة، ومن أهمها معاني الصبر والإيمان والثبات والإخلاص، وأن يتعلموا هدي الأنبياء وسبيل المرسلين، وقضية الدعوة والإصلاح ومعاني القرآن وما إلى ذلك، قبل أن يتعلموا قواعد النحو والصرف. إحنا نلاحظ ترى كثير من الأحيان يدرسون غير العرب، يدرسونهم العلوم الشرعية، يدرسون النحو والصرف دراسة قواعد أكثر مما يدرسها العرب بكثير، وبعدين إذا قرأ الفاتحة ما يعرف معانيها، لكن أعطه كلمة وقل له ما جذر هذه الكلمة وأعطني تصريف كذا وقلبها يعطيك إياها لأنه درسها. ولذلك هذه دعوة لكل من يعلم الدين، سواء كان من العرب أو من غيرهم: الدين شامل، موضوعات الدين كثيرة، القضية ليست مجرد متون وقواعد في العلوم الشرعية وكأنها مادة جامدة. أهم ما يهتم به من الدين هو الإخلاص والعبودية لله وأعمال القلوب وأحوال الأنبياء، والتزكية ومعاني الصلاة وما إلى ذلك من الأمور.

الشاهد، هذه قصة قصها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وكثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص على أصحابه كما أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما قص على نبيه قصصاً من أحوال الأمم السابقة. فعن صهيب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان ملك في من كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.

الآن الساحر كبر فيريد أن يورث الصنعة من بعده حفاظاً على هذه الصنعة الخطيرة التي كثيراً ما كانت تستعمل لتخويف الناس وحفظ سلطان الملوك، وأنتم تعلمون أن من أعظم ما كان يستند إليه فرعون ويعتد به ويعتز به هو السحرة والكهنة، وكان يخوف الناس بذلك، وهذه سنة متبعة لدى الملوك الذين لا يخافون الله، يكون لديهم من وسائل التخويف للناس ما لديهم، فمن جملة ذلك استعمال السحر والكهانة وما إلى ذلك من الأمور. أراد هذا الساحر أن يورث هذه الصنعة لهذا الغلام حتى يكون بعده، وبلا شك حين اختاروا غلاماً، الملك يختار غلاماً من بين الرعية للساحر، أكيد هذا الغلام لديه من المؤهلات والقدرات والمواهب الشيء الذي يستحق أن يختار وينتخب لأجله ليكون الساحر الأكبر للملك. كان من قدر الله ورحمته أنه جعل في طريق هذا الغلام راهباً، فكان هذا الراهب وهو عابد صالح كان يرشد هذا الغلام، فكان يتأخر عنده، فإذا تأخر عنده أتى للساحر متأخراً فضربه، هنا لما اشتكى قال له الراهب: قل حبسني أهلي، قل حبسني أهلي، وهذا إخبار بخلاف الحقيقة، ليس كذلك؟ هذا إخبار بخلاف الحقيقة، والإخبار بخلاف الحقيقة الأصل أنه محرم في مختلف الأحوال، غير أنه قد يباح في بعض الأحوال، ومن جملة الأحوال التي يباح فيها في حال الإكراه أو الضرورة، حين يضطر الإنسان، يعني إنسان لا يستطيع أن يدفع ظالماً تسلط عليه أو على ماله أو على نفسه أو على أهله إلا بأن يخبره بخلاف الحقيقة، فهنا له أن يخبره بخلاف الحقيقة حتى يتخلص من ظلمه وسطوته وكيده وبطشه جيد. وكذلك إذا كان كلامه يمكن أن يخلص غيره، لأن الظالم قد يتسلط عليه أو يتسلط على غيره من طريقه، فهنا كما فعل هذا الغلام وكما أرشده إليه الراهب، فإنه يجوز للإنسان أن يدفع الضرر والشر عن نفسه إذا لم يكن هناك سبيل إلا بذلك.

فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ الغلام خلال هذه الفترة التي كان يتعلم فيها من الراهب من الواضح أنه لم يقطع بعد أيهما أفضل، فكان هو في مرحلة تعلم، في نفس الوقت وفي نفس اليوم يتعلم من الساحر ويتعلم من الراهب وهو غلام. فلما رأى ذلك الموقف الغريب الذي هو أنه أثناء الطريق كان في دابة، هذه الدابة يبدو أنها هي شيء كبير ومتوحش وقطعت طريق الناس، فوجد هذا الغلام فرصة أن يستهدي بالله سبحانه وتعالى طالباً من الله أن يبين له الحق، أيهما أقرب رشداً، أيهما أهدى سبيلاً، هل هو الساحر أم الراهب؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس.

الآن هذا الدعاء بهذه الطريقة: اللهم إن كان كذا وكذا حقاً فاقضِ بكذا أو اقتل، أو يعني مثل ما هذه القصة، هذا الأسلوب في الدعاء لا شك أنه أسلوب جائز، أسلوب جائز وهو أسلوب مما يهتدى به إلى الحق، ولكنه لا ينبغي أن يكون مسلكاً دائماً له الإنسان في كل دعائه، فالأصل أن الإنسان يطلب الله سبحانه وتعالى طلباً مباشراً، وأن الله لا يتعاظمه شيء، فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم أعطني، اللهم ارزقني، اللهم اكفني إلى آخره. لكن أحياناً قد تلتبس الأمور والأحوال أو تشتد الكروب والخطوب على الإنسان بطريقة قد يحتاج فيها إلى مثل هذا الدعاء، والله سبحانه وتعالى يجيب دعاء الإنسان سواء أكان بالأسلوب المعتاد الطلب المباشر أو كان بهذا الأسلوب اللي هو إن كان كذا فكذا. وقد يري الله سبحانه وتعالى عبده من كرامة إجابة الدعاء ما يريه، فيجعل هذا الإنسان لنفسه آية ومعلماً من معالم الخير.

طيب لما حدثت هذه الكرامة، هذه كرامة صح ولا لا؟ لما حدثت هذه الكرامة رجع الغلام إلى الراهب فأخبره بالخبر، قال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما ترى. الآن سيقول له نتيجة هذه الأفضلية ونتيجة هذه الكرامة، وهي نتيجة فيها فقه عظيم في الدين، وفيها فقه عظيم في سنن الله سبحانه وتعالى، وهذه النتيجة يجب يفقهها الطلاب والعاملون والمصلحون والدعاة والآباء والأمهات، كل من يسير في طريق الخير وفي طريق خاصة في طريق نصرة الدين وفي طريق الإصلاح ويكرمه الله بأشياء، النتيجة غير متوقعة بالحساب الشخصي العادي، ولكنها نتيجة متعلقة بسنن الله سبحانه وتعالى. بالله اسمعوا الجملة: يقول له أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وأنك ستبتلى، وأنك ستبتلى. هذه النتيجة، هذه النتيجة ممكن الواحد يظن أنه بالعكس، بما أنك أفضل مني وبما أنه الله أكرمك بهذه الكرامة وبما أنه الله أجاب دعاءك، فابشر بالعز والنصر والتمكين وسعة العيش والرغد وإلى آخره، لا، قال: وأنك ستبتلى. وهذا هو ميزان من يفهم سنن الله سبحانه وتعالى، قال: فإن ابتليت فلا تدل علي.

وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، كرامة أعطاها الله سبحانه وتعالى، أو الله سبحانه وتعالى أعطاه إياها، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى. فأتى الملك، الوزير أتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، فشقه حتى وقع شقاه.

هذا يذكرنا بالحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لخباب لما جاء فقال: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين، ما يرده ذلك عن دينه، ويؤتى بأمشاط الحديد فيمشط ما دون لحمه من عصب أو لحم، ما يرده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون. هذا الحديث الذي يخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه خباباً بأن هناك ممن كان قبلكم ممن كان يوضع المنشار على رأسه فيفرق باثنتين هو هذا، أو هذا أحدهم لأنه هذا كان ممن قبلنا ممن قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب سؤال: لماذا قام الملك بشق الراهب إلى نصفين بالمنشار؟ لماذا هذا التعذيب؟ سؤال، ألم يكن الراهب معتزلاً متفرغاً للعبادة والذكر؟ ها، يعني ما الذي يضير الملك أن يبقى الراهب في عبادته وفي خشوعه وقنوت وصلاحه، وما الذي يضره لو استفاد منه بعض الناس وعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الحق؟ الجواب: دائماً أمور الطغاة والمجرمين لا تقاس بالحسابات المنطقية العقلية. أمور الطغاة والمجرمين ما تقيسها تقول والله يا أخي المفروض ما يسوي كذا، دائماً الطغاة والمجرمون لهم منطق مختلف، منطق البطش، منطق القمع، منطق إهلاك الجميع، منطق ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. ولا تظنون أن المجرمين والطغاة هؤلاء الذين تحدث عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكرهم الله في القرآن ومن سار على طريقهم، لا تظنوا أنهم حين يفعلون ذلك فإنهم لا يزينون هذا الفعل ببعض المبررات والتبريرات التي يعني تخفف هذه القضية. فرعون وهو فرعون كان يقول عن موسى عليه السلام: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، يخاف أن موسى عليه السلام يظهر الفساد وهو يذبح الأطفال! ومثل هذا الآن.

ماذا يضيرك أيها الملك إذا تركت هذا الراهب؟ لا يضيره هو أن هناك من يقول هناك رب غير الملك، وهذا في منطق الطغاة والمجرمين لا يقبل، ولا بد من استئصال واجتثاث هذه القضية. ولذلك بعض الناس يظنون أن اعتداء المجرمين والظالمين والطغاة على المسلمين أو المصلحين أو الصالحين، يظنون أنه بسبب مثلا خوفهم منهم بأنهم يعني قد يهددون سلطتهم مثلا السياسية أو إلى آخره، والقضية ليست كذلك بالضرورة؛ ليست كذلك. الوزر يتحمله أولئك المجرمون لأنهم ينظرون بعين مختلفة، هذه العين ليس بالضرورة أن يكون فيها تهديد عليه، لا هو إذا كان قد عظمت نفسه عليه فإنه لا يرضى إلا بأن يكون البقية أذلاء له. فإذا وجد من هو عزيز ومن هو خارج عن هذا الخضوع وهذا الذل فإنه لا يرضى، وقد لا ينام من الهم والأرق والقلق أن يوجد من يعبد الله وحده لا شريك له، ويعتز بدينه وهويته ولا يخضع لهذا المنطق الإجرامي.

ولأجل ذلك كما أن علينا أن نفهم صفات المؤمنين والأخلاق الحميدة، فإن الله يريد منا أن نفهم صفات المجرمين. ألم يقل الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. ألم يتحدث الله عن صفات المنافقين بالتفصيل في سورة البقرة وفي سورة التوبة وفي سورة النساء وغيرها، وأنزل سورة باسمهم؟ ألم يتحدث الله عن كيد أهل الكتاب ومكرهم ووسائلهم وكيفية حجاجهم وشبهاتهم التي يطرحونها في آيات كثيرة جداً في سورة آل عمران وغيرها؟ ألم يتحدث الله سبحانه وتعالى عن اليهود وخططهم ووسائلهم ومكرهم وأدواتهم في سورة البقرة في آيات كثيرة؟ ألم يتحدث الله سبحانه وتعالى عن المشركين في آيات كثيرة من كتابه؟

لماذا؟ وهو القرآن كلام الله، أفضل كتاب نزل على الأرض على خير رسول وهو خالد هذا الكتاب في هدايته إلى يوم القيامة، لماذا يكون فيه حديث كثير عن شر الناس وأسوأهم؟ لماذا لا يكون مثلا فيه فقط حديث عن الله سبحانه وتعالى وعن المؤمنين الصالحين وعن الجنة وعن النار حتى لا يعصي الإنسان ربه وعن الأحكام الشرعية؟ ليش يكون فيه بيان سبيل المجرمين؟ لأنه لا يمكن للإنسان المؤمن أن يستقيم استقامة حقيقية إلا إذا فقه هذه السبل التي يسلكها المجرمون؛ لأنه لا يخلو زمن منهم، لا يخلو زمن من المجرم. وإذا لم يعرف الإنسان سبل المجرمين وطريقهم فإنه قد يتأثر بهم وإن كانت نيته حسنة.

ولأجل ذلك التربية اليوم إذا إحنا فعلاً نريد جيلاً مصلحاً لا بد أن يكون جيلاً واعياً، لا بد أن يكون جيلاً واعياً، خاصة وأننا في زمن أدوات التأثير فيه وأدوات الإعلام، بل حتى المنطلقات الفكرية في القرن الماضي الذي تربى عليه كثير من الناس هي آتية من سبل المجرمين: الاستعمار والاستشراق وما تبع ذلك من تأثيرات، وإلى آخره إلى اليوم موجود تأثير كبير جداً ويوجد منافقون كما تحدث الله سبحانه وتعالى عنه في القرآن، يوجد أيضاً. فما يصلح أنه يكون صفة الإنسان المؤمن المستقيم أن هو مغفل، من الواعي؟ إذا خرجت من دائرة مثلاً طلاب العلم وكذا تلقى الناس الواعين مثلاً اللي مهتم مثلاً بالفكر، أما إذا تدخل مثلاً: لا هذا داعية ياك منه مسكين. ترى أحياناً يكون الكلام صح أن هو مسكين فعلاً لأنه هو ما تعلم صح؛ هو يظن أن الدين أنك أنت تتعلم بعض الأحكام وبعض المواعظ وخلاص، ثم بعد ذلك يأتي كيد الكائدين وكيد المجرمين ولا ينتبه له الإنسان. ولا أمل في الإصلاح ولا في عز المسلمين إلا إذا كان المصلحون والعاملون والدعاة والمؤثرون في الناس تحت سياق الدين والإسلام إلا إذا كانوا على وعي كبير وفهم وإدراك، ومن لا يفقه ذلك فهو حقيقة لا يفقه كتاب الله سبحانه وتعالى الذي فيه كثير من هذه الصفات وهذا البيان.

الآن طيب، ممكن واحد يقول: لكن القرآن فيه ذكر عن صفات مشركين أو كفار أو منافقين كانوا في زمن معين، فتمام بس هذا يعني كان في زمن، إحنا الأزمة اللي بعد ذلك على مر التاريخ أو حتى في الزمن المعاصر كيف الإنسان يعني ايش العلاقة بين الأمرين؟ هي الفكرة أن الله سبحانه وتعالى يبين في القرآن أن منطقهم واحد على طول الأزمان، هي الفكرة ليس في الأشخاص والأعيان، هي الفكرة في القلوب التي تحمل هذه المعاني الإجرامية الظالمة. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر قوم نوح وقبله، بعد أن ذكر فرعون وجنده وذكر عاداً وثمود وبين أحوالهم سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ. كل ما يأتي، كل ما يقول نفس الجملة، كل ما يأتيهم رسول يقولون نفس الجملة أتواصوا به؟ هل هذه الأمم تواصلت فيما بينها أن تقف نفس الموقف وأن تقول نفس الكلام؟ ايش تكملة الآية: بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. ولذلك لما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. الإشكال في تشابه القلوب، وهذا التشابه مستمر إلى يوم القيامة، ولذلك يجب أن يتعلم أبناء المسلمين سبيل المجرمين وطريقهم وحيلهم ومكرهم ودسائسهم حتى يكون المسلم واعياً ويمتثل قوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، قال فيه صلى الله عليه وسلم: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. قال الخطابي رحمه الله: هذا خبر يراد به الأمر، أي لا ينبغي أن يلدغ من جحر واحد مرتين.

طيب الشاهد أن شقه باثنتين وقع شقاه، بأي منطق؟ بالعقل، بالمصلحة العامة، المصلحة الخاصة؟ لا، بمنطق الطغيان والإجرام فقط. طيب، ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك، بعد ايش؟ بعد ما رأى هذا القتل البشع، فأبى. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، عفواً. طيب قبل الغلامين الآن بالراهب وقلنا قتله، بعد ذلك قبل الغلام جيء بمن؟ جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، يعني زي القارب كذا والسفينة الصغيرة، اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، ففعل أصحابك قال: كفانيهم الله تعالى.

ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. مين يتكلم الآن الغلام؟ لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، تمام؟ تجمع الناس على صعيد واحد، تعمل خشبة حق صلب وتعلقني عليها، تمام؟ ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات، فوضع يده في صدغه فمات. يقول الصدغ ما بين العين إلى شحمة الأذن.

الآن يا جماعة قبل ما نروح لذاك المشهد أنا أتخيل مشهد الصحابة وهم يستمعون القصة من النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لهم ايش اللي صار، ولأول مرة يسمعون هذه القصة. يعني كيف أن الصحابة ترى يجلس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، مرة يحدثهم عن الجنة، مرة يحدثهم عن النار، مرة يحدثهم عن قصص الأمم السابقة، مرة يحدثهم عن موسى عليه السلام، مرة تنزل الآيات فيتلو عليهم الآيات ويستمعون، ومرة يحدثهم عن كذا، ومرة يحدثهم عن الأدب، ومرة يحدثهم عن تعبير الرؤيا من رأى منكم رؤيا، ومرة يعني الصحابة لما يأتون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم ما تدري أنت تخرج بأيش من الموضوعات والأشياء الجميلة والفوائد المتنوعة. وايش ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل، هذا شيء جديد ما في أحد يعرفه، ما في أحد يعرفه. وعارف إحنا الآن ترى يعني تقول تعلمنا في المدارس أخذنا مدري ايش، أخذنا في التحفيظ نعرف بعض المعلومات اللي فلما نجي نسمعها مرة ثانية مثلاً في الدروس، شي في معلومات مسبقة، لكن أنت تخيل هذه الأشياء تقال لأول مرة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

بل قبل أن نفكر في تلقي الصحابة لهذه المعاني، نفكر في تلقي النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لهذه المعاني من الله تعالى وهو يسمعها لأول مرة. والله سبحانه وتعالى كان يكرر على نبي هذا المعنى، يقول له: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ، ويقول له: تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا، ويقول له: ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ، وقال له سبحانه وتعالى: وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وقال له: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، وقال له: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا، وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ. هذه الآيات تتكرر أنه وما كنت ما كنت تعلمها وما كنت لديهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يتلقى هذه المعاني، ترى هذه المعاني لما تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً هو يثبت فؤاده صلى الله عليه وسلم بها كما قال الله سبحانه وتعالى: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، يثبت الله فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائق وهذه الأخبار وهذه الأمور وهذه العلوم، ثم يقصها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه فتشرف قلوبهم ونفوسهم بهذه العلوم وبهذه المعاني وبهذه المعارف.

الشاهد أرشد الغلام إلى هذا الفعل فما كانت نتيجته؟ فلما فعل ذلك قال فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. الآن الملك شق بالمنشار الراهب عشان هو وحده ما خضع للملك في عبوديته وعشان أثر على واحد بس أنه يقول ربي الله، ما سووا ترى يعني شيء مؤامرة على الملك ولا لا لا، بس هو عشان قالوا ربنا الله ما خضعوا للملك، هم اثنين وثالثهم الغلام، والملك سوى اللي ما يتسوى وعمل اللي ما يعمل فقط لأجل هؤلاء الثلاثة. الآن كل أهل المدينة قالوا آمنا برب الغلام. فأتِي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس.

سؤال: الغلام تسبب في قتل نفسه صح ولا لا؟ تسبب، أرشده إلى الطريقة التي يقتله بها، هو يعلم أنه حين يقتل بهذه الطريقة سيؤدي ذلك إلى إيمان الناس. وهذا أخذ منه بعض العلماء في قضية تقديم المصلحة العامة التي ينصر بها الدين والإسلام ولو أدت إلى تلف النفس، ولو أدت إلى تلف النفس. لكن هاهنا معنى آخر وهو سؤال أيضاً مهم: هل انتصر الغلام أم هزم؟ انتصر، أقولها بكامل قواي العقلية من عمر، طبعاً انتصر تقولها بكامل قواك العقلية يا عمر، أيضاً انتصر. طيب يعني كيف انتصر وهو مات؟ مات مات بعدين ما هو ما مات كذا، مات أنه جاء سهم في وجهه، ولا تظنوا أنه ما يعني عادي ترى ممكن يكون تألم ونزل الدم طبعاً أكيد نزل الدم منه إلى أن فاضت روحه. كيف انتصر؟ ليش انتصر؟ بناءً على ماذا انتصر؟ طيب، بس أهم شيء لما أنت تقول هذا الكلام لازم تكون مستوعبين، لازم تكون مستوعبين، إحنا ما إحنا جالسين نتكلم هل فاز في الآخرة ولا ما فاز، إحنا كنا متفقين أنه فاز في الآخرة صح ولا لا؟ لكن الآن إحنا ما نتكلم فاز في الآخرة، نقول: هل انتصر في الدنيا أم لم ينتصر؟ الجواب: انتصر. لماذا؟ لأن دعوته ظهرت ظهوراً خضع به أو كسر كرت به شوكة الأعداء، أو كسرت به كلمة الأعداء. ليس بالضرورة الشوكة، النصر لا يتعلق بالشوكة فقط، وإنما أهم من النصر بالشوكة النصر المتعلق بكلمة الحق على كلمة الباطل، الشوكة تبع للكلمة. جيد، ولذلك: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. هذا الظهور على الدين كله ظهور بنوعين: بالسنان وباللسان، بالسيف وبالحجة والقرآن، وكلاهما اسمه جهاد كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، أي بالقرآن جهاداً كبيراً. وقال ابن حزم معلقاً على قوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، قال: وقد تهزم العساكر الكبار، ولكن كلمة الحق لا تهزم. ولأجل ذلك لا ينبغي لنا أن نفرح نحن المسلمين إذا وجد أناس من

المسلمون قد صارت لهم كلمة دنيوية أو تمكن دنيوي معين وهم مسلمون بشكل عام، ولكن كلمة الحق في تمكنهم منخفضة، هذا ليس شيئاً يفرح به. وبعكس ذلك، إذا كانت كلمة الحق مرتفعة، فإن أي خسارة دنيوية أو في مقاييس الكر والفر والنصر والهزيمة المادية -ولو كان الأمر متخلفاً من هذه الجهة- والكلمة الحق مرفوعة، فهذا اسمه نصر، هذا اسمه نصر.

ولذلك، وبكل ثبات ويقين ووضوح نقول مطمئنين إن السحرة الذين قتلهم فرعون وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف انتصروا على فرعون. إحنا ما نقول انتصروا أنهم ثبتوا هم على الحق، هذا شيء ثاني، إحنا ما نقول انتصروا لأنهم سيدخلون الجنة، هذا شيء ثاني، لا إحنا نقول هم انتصروا على فرعون، انتصروا على فرعون لأنه ظهر لكل الناس أنهم يحملون كلمة الحق وعلت هذه الكلمة أمام الجميع وخضع لها الجميع، ثم بعد ذلك إذا بقي الأذى في الجسد فهذا أمره سهل طالما أنه في الدنيا.

لكن المصيبة كل المصيبة أن تكون كلمة الحق منخفضة والباطل منتشراً، وكلمة الباطل عالية، والفساد والفسق والفجور والإجرام وتحريف الدين هو السائد وهو الذي يخدم بالإعلام وفي كل مكان، وبعد ذلك نقول الحمد لله نحن بخير وعافية. ليش؟ لأنه عندنا اقتصاد جيد، وعندنا العملة حقتنا ما سقطت، ولأنه كذا وإلى آخره. ما في أحد إلا يفرح بالاقتصاد الجيد صح ولا لا؟ يعني هو مؤشر لكن هذا وحده لا يكفي، لابد أن تكون كلمة الحق هي العالية، هي الظاهرة، هي الكلمة التي لا تغلب من كلمة الباطل.

أما إذا حوربت كلمة الحق وأبعدت واستجلبت كلمة الباطل ومكنت، فلا فائدة من أي خطوة أو نصر دنيوي يحقق، هذا إذا كنا نتكلم بمعيار إيش؟ إذا كنا نتكلم بمعيار الوحي، إنه لا فائدة لأنه يا جماعة ترى الحرب كلها حرب معايير. إذا أنت معيارك الوحي، معيارك ما أنزل الله، فأي تمكين دنيوي مع علو كلمة الباطل ترى هذا ما هو تمكين ولا هو نصر ولا فيه فائدة إذا كان معيارك هو الوحي. أما إذا فسدت معاييرك أنت، فصار معيارك هو المعيار الدنيوي، فبطبيعة الحال لن تدرك هذه المعاني ولن تستوعب أن هذا ليس نصراً.

واضح؟ لذلك السؤال: من انتصر ليس في الآخرة في الدنيا؟ الغلام أم الملك؟ الجواب: الغلام. طيب لو كان الغلام يا جماعة أسلم بدون ما يعرف عنه الملك وبعدين توفي وفاة طبيعية، هل نقول عنه انتصر في الدنيا أم فاز في الآخرة؟ فاز في الآخرة بس ما انتصر في الدنيا. النصر في الدنيا ليس مجرد أن تموت مسلماً، النصر في الدنيا أن تكون الكلمة والرسالة التي هي رسالة الحق التي تعيش لأجلها ترتفع وتكسر رسالة الباطل وكلمة الباطل، ولا يضرها تخلف جسدك عنها، فلو سقط الجسد وبقيت الرسالة فهذا في ميزان الله اسمه نصر. وهذه قضية، هذا أهم درس نستفيده من حديث الغلام وأهم درس أو من أهم الدروس التي نستفيدها من قصة السحرة مع فرعون.

طيب الآن بما أنهم كلهم آمنوا والملك رأى الآيات أمامه، ما هو ورا الفتى هذا، ما هو راضي يموت إلا ما قال بسم الله رب الغلام، والناس خلاص عرفوا المعادلة واضحة، لما قال بسم الله رب الغلام قتله، طبعاً أكيد الناس ترى سامعة باللي صاير، أنه ترى حاول فيه وراح من هنا وجاء والناس تتناقل الأخبار. لما قال بسم الله رب الغلام واضح خلاص ما يقدر عليه إلا بسم الله رب الغلام، وهذا جالس يقدم نفسه أنه هو الرب الملك. إذاً العقل والمنطق والقلب النفس والروح وكل شيء يقول إنه إيش؟ إنه الغلام على الحق. فقالوا آمنا برب الغلام، والمفترض بما أنه الملك بشر زي الناس، فمفترض أنه هو إيش يسوي كمان زيهم؟ إن كلهم بشر، كلهم ناس، كلهم عندهم قلب وعقل ومخ وعينين وكذا.

أي هذا أنت تعتقد أنه هو بشر وكلنا نعتقد أنه هو بشر، بس هو في نفسه ترى ما يتعامل مع نفسه أنه هو بشر عادي، ما في أحد ترى في منطق الطغيان والإجرام هو يعامل نفسه أنه بشر عادي. أعوذ بالله، بشر عادي؟ خير إن شاء الله، بشر عادي؟ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ كذا كان يقول فرعون، صح؟ أنه إيش بكم تعاملوني أنه... يلا طلعوا لي واحد عنده ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، يمين فرعون كذا يقول: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، يلا اتحداكم تطلعوا أحد ثاني عنده ملك مصر وهذه الأنهار تجري؟ ما في. أما أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، ما في خلاص أنا، أنا أنتم كلكم كذا وهذا كذا، أما أنا مختلف.

طبعاً هذا يا جماعة ترى هذا مو متعلق بالناس اللي في قبل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا منطق، منطق واحد دائماً. المجرم الطاغية المتكبر كذا هو يتعامل بهذا المبدأ، أنه أنا أخضع للحق ليش؟ شايفني بشر زيك؟ أنا أخضع للحق؟ ليش أخضع للحق؟ طيب في مثلاً شيء يستدعي، ترى والله الحق هنا، ترى هنا نصرة المظلوم، ترى هنا... لا، ما يصير تسوي كذا. لا، هذا منطقك أنت، أنت ضعيف، أنت مسكين، أنت فقير، أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟ هذا المنطق دائماً على مر التاريخ موجود بهذه الطريقة. لذلك هو بدل ما يتبع سبيل هؤلاء الذين آمنوا وقالوا آمنا برب الغلام، ماذا فعل؟ قال: فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت أو بالأخدود، فخدت وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم.

ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمة اصبري فإنك على الحق. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. هذه الحادثة حادثة عظيمة، وأنزل الله فيها قرآناً يتلى، فقال سبحانه وتعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. سمعتم القصة؟ بالله نقموا عليه إيش؟ إيش نقموا عليهم بس؟ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

طيب، سؤال: الملك عرفناه، مين اللي خد الأخدود وحفرها وأضرم فيها النيران؟ الملك بنفسه ولا جنوده؟ جنوده. جنوده. طيب سؤال: فرعون، هل هو اللي كان يمسك السكين ويذبح الأطفال ولا جنوده؟ جنوده. سؤال: إيش كان يستفيد جنوده من ذبح الأطفال؟ خدمة فرعون. سؤال: إيش يستفيد جنود الملك من حفر الأخدود وإضرام النيران فيها؟ خدمة الملك. سؤال: وين هم الآن؟ وينهم الآن؟ وين فرعون وجنوده الآن؟ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. سؤال: وين الملك اللي حفر الأخدود هو وجنوده؟ تحت التراب صح. وين كل واحد مثل عمل مثل عملهم في التاريخ؟

طيب قول الملك مستفيد الفائدة الكبيرة، أن هو إيش يعني ملك ومجده الشخصي وقايل كذا، هل الجندي المسكين هذا اللي رايح جاي يذبح الأطفال، ورايح جاي يرمي الناس في النار، إيش يستفيد؟ هذا الذي إيش؟ يقول فيه من يقول من العلماء: أخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره. أخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره. هل تظنون أن الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يعذر هؤلاء الجنود الذين كانوا أعواناً لهؤلاء المجرمين؟ ما يعذرهم. بل وكثيراً ما قص علينا في كتابه سبحانه وتعالى الحوار الذي يجري في النار بين الطبقة العليا المستكبرة صاحبة القرار وبين الطبقة التابعة لها المنفذة، اللي هم كانوا يروحوا في الحر وفي الشمس ويطلعوا الجبال ويروحوا ويدوا في الحياة خدمة لأولئك، ولكنهم كلهم سيكونون في النار.

حوارات ذكرها الله في القرآن، ذكرها سبحانه وتعالى في سورة سبأ، وذكرها في سورة الأعراف: قَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا، وفي سورة غافر قال الضعفاء، وفي كذلك إيش؟ في كذلك في سورة الأحزاب: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا. وفي سورة البقرة: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا -هذول المساكين اللي كانوا مجرد تبع-: لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا، كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

وسبحان الله دائماً هؤلاء كأنهم منزوع، كأنهم قد نزع منهم عقولهم، ونزعت منهم شخصياتهم، هم تبع، إيش يبغى الظالم المجرم؟ يعملوا. ولذلك من كان منهم فيه بقية خير فليتق الله وليحذر ولينته، فلن ينفعه ظالم ولن ينفعه مجرم، ولا يدوم ملك إلا ملك الله سبحانه وتعالى، ويح، احذر أن تكون ممن قال الله فيهم: وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ، ما في، أنت إنسان عندك عقل، عندك قلب، تقدر تعرف الحق من الباطل، ما يصلح أن الإنسان يخضع لأحد إلا الله سبحانه وتعالى، خضوع من هو يطيعه في الأمر والنهي وفي كل شيء، هذا لا يصلح، لا يجوز، ما ينبغي. ونسأل الله سبحانه وتعالى العافية ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو.

فأنت تتعجب، الآن الذين كانوا يرمون في النار، هذه فيهم أم بطفلها الرضيع، أنت إيش نفسيتك أيها الجندي وأنت تلقي هذه الأم أو تحفر لها هذه الحفرة وتوقد النار لكي تسقط هذه في... ليش؟ ليش؟ بناءً على إيش؟ عشان راتب يجيك من الملك؟ إيش الفكرة؟ ليش؟ لماذا تفعل هذا؟ فهؤلاء هم الذين على مر التاريخ هم الذين يحاربون الحق ويمكنون للباطل. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة القصص: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ، مع أن الذي يأتي بالفكرة ويخطط لها ويضع القرارات ويصدر كل شيء ويستفيد منها فائدة مباشرة هو فرعون وهامان، وربما ناس من الملأ، أما جنودهما هذول هم مجرد منفذين وأدوات للباطل والظلم والإجرام، وقد ينالون شيئاً من فتات الدنيا، قد ينالون شيئاً من فتات الدنيا.

فنسأل الله العفو والعافية، فهذا الحديث العظيم الذي فيه هذه القصة فيه فوائد كثيرة، والقصص دائماً فيها فوائد كثيرة، وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم يعني كما قلت كان يربي النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذه الموضوعات المتنوعة، فيخرج الصحابي من المجلس النبوي وقد تعلم شيء من الآداب أو شيء من الأخلاق أو شيء من أمر الآخرة أو شيء من المعايير أو شيء من السنة أو شيء من الأحكام أو شيء من المواعظ أو ما كان غير ذلك مما هو في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عن أمته خير ما جزى نبياً عن أمته، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا بركة سنته والتفقه فيها والعلم بها وحفظها والتأمل فيها والاستهداء بها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل القرآن العاملين به، الداعين إليه، القائمين به، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا ويعافينا، ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده القانتين له، الخاضعين له، الشاكرين له، الحامدين له، المسبحين بحمده، العائدين المنيبين إليه.

اللهم ربنا اجعلنا لك طائعين، لك مخبتين، لك أواهين منيبين، اللهم ربنا تقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.