بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا. اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسًا جديدًا من مجالس أنوار السنة المحمدية، ومن أيضًا تحت العنوان الكبير: الاستهداء بالسنة عبر تدارس أحاديث رياض الصالحين. وقد ذكرت مرارًا في بداية الدروس ما سأظل أذكر به، وهو أن أبواب الدين التي بدأ بها النووي -رحمه الله- في رياض الصالحين: الإخلاص، والصبر، والآن سيدخل إلى الصدق والتوبة والمراقبة وما إلى ذلك، هذه الأبواب هي من أهم الأبواب التي ينبغي أن تدرس ويعتنى بها ويربى عليها طلاب العلم ويتعلمونها. وأن تدريس العلوم الإسلامية دون المرور على هذه الأبواب، مرور تعلُّم ومرور دراسة، هو خلل كبير، وخلل يؤدي إلى نتائج سيئة في مخرجات طلب العلم عند من يطلب العلم.
فمن يظن أن طلب العلم هو يعني مجرد دراسة الفقه والعقيدة وعلوم القرآن وأصول التفسير وما إلى ذلك، ويأخذ التدرج المعروف والكتب والشروحات والحواشي ويظن أنه يحوز العلم؛ فقد أخطأ. فهو قد حاز جانبًا من جوانب العلم، وبقي ما هو أهم منه، ما هو أهم منه، ولاحظوا ما هو أهم منه، أنا ما أتحدث الآن ما هو أهم منه من جهة الموعظة، أن هو موعظة ترقق القلب، لا، وإنما من جهة العلم نفسه. نعم، هذا من العلم الذي ينبغي أن يعلم وينبغي أن يعتنى به.
فإن قلت: ولكن هذه أبواب معلومة ومعروفة، ونحن نبحث عن المسائل العلمية المستجدة التي على النفس، على الذهن، يعني يتفاعل معها الطالب بطريقة معينة؛ أقول لك: لقد جاء جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم في مرحلة بعد مرحلة من النبوة، بعد مرحلة من إسلام الصحابة، بعد مرحلة من تعلُّم الصحابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء جبريل ليعلم الصحابة دينهم، وكان التعليم هذا هو في الإسلام والإيمان والإحسان، في القصة المعروفة بين جبريل وبين النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هي: بينما كنا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، إلى آخر الحديث المعروف، وفيه سؤال عن الإحسان، فقال: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وفيه سؤال عن الساعة وعن أشراطها، ثم بعد ذلك قال: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم. لاحظ، يعلم، هذا أمر يعلم، وهذه مقامات الأمور المتعلقة بالقلوب وما إلى ذلك، هذه أمور تعلَّم، وهذه أمور تعلَّم، ويجب على طلاب العلم أن يعلموها.
ولأجل ذلك فإن من أهم صور التجديد المحتاج إليها في هذا الزمن في سياق تنشئة الطلاب وتعليمهم، أن يدخل في مناهج التعليم الشرعية، ما نتكلم عن مناهج التعليم النظامية والأكاديمية، لأنه هذه أصلًا لا تعتني أصلًا بفكرة أن يخرج الإنسان مسلمًا صادقًا، عارفًا، خاشعًا، قانتًا؛ هذه نظام تعليمي معين، يعني متصل مع فكرة الدولة الحديثة والخروج والوظائف وما إلى ذلك، والدخول في قضية هذا شيء آخر، إحنا ما نتكلم عنه الآن. إحنا نتكلم عن العلم الشرعي الذي يتعلمه الإنسان يبتغي به وجه الله ليصل إلى ما هو معلوم من ثمرات العلم؛ يجب أن تدخل هذه الأمور أو هذه المواد وهذه العلوم في أساس المناهج وفي أساس سُلَّم العلم، ولا يكون دخولها كما قلت من باب فقط هدف ترقيق القلب، أنه يعني مثلًا يكون إحنا عندنا برنامج علمي، لكن ما ننسى يجعلنا مجلس إيماني في الأسبوع من باب أنه يعني تعرف الموعظة، هذا جيد وممتاز ورائع وجميل، ويجب أن يكون، لكن لا، أنا أقصد حتى في سُلَّم العلم؛ في سُلَّم العلم كما يدرس الطالب كتابًا فقهيًا في المذهب ويتعب في تفكيك العبارات وفي الحواشي في شروحات وكذا وإلى آخره، وهذا طيب؛ فكذلك يدرس رياض الصالحين، يدرسه دراسة كاملة، يتعلم قواعد الدين الكبرى، ويتعلم الآداب، ويتعلم يعني هذه أمور تدرس دراسة، سواء كتاب رياض الصالحين أو غيره. يعني أعظم البركة أن تكون دراسة هذه الأبواب من مرجعية الوحي، لأن هذه الأبواب كتب فيها العلماء كذلك، والكتابات مختلفة فيها؛ كتابات صافية، وفيها كتابات فيها كدر وفيها إشكال وفيها كذا، ولا تخلو من فائدة، لكن الأعظم من ذلك أن يكون دراسة هذه الأبواب عبر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى هنا نلاحظ أن النووي -رحمه الله- يأتي بآيات من القرآن، يعني ليست فقط خاصة بالحديث النبوي. فهذه مقدمة ذكرتها مرارًا بشكل مختصر في الدروس الماضية، ولعلي أذكر بها في بعض الدروس القادمة كذلك، حتى يؤكد على أهميتها.
دائمًا لازم، في باب الصبر وقد أطلنا فيه كثيرًا وهو حري بذلك، قال النووي -رحمه الله-: وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال، طبعًا هذا الحديث التسعون: وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. هذا الحديث خرجه الترمذي من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، هذه السلسلة مشهورة جدًا، وهي سلسلة حسنة جيدة الإسناد، فالأحاديث المروية بها في الجملة أحاديث جيدة، هي كثيرة، ولما نقول جيدة يعني هي ليست في أصح شيء، ليست في أعلى درجات الصحة، وكذلك ليست بالضعيفة، وإنما هي من الأحاديث الجيدة التي يحتج بها في الجملة. وهذا الحديث صححه الترمذي كذلك، وتصحيح الترمذي تصحيح له قيمته وله وزنه.
ومن يصف الترمذي -رحمه الله- بالتساهل، فغالبًا وصف الترمذي بالتساهل بسبب المراجعة عليه في الأحاديث التي حكم عليها بالحسن فقط، لأن الترمذي يقول عن أحاديث كثيرة: هذا حديث حسن، حسن، حسن، ولما تبحث في الإسناد تجد فيه بشكل واضح رجل ضعيف، أحيانًا يقول حسن وبصورة واضحة يعني بدون تدقيق كبير يكون في انقطاع في الإسناد، وأنت تكون قد درست أن الحسن هو ما اتصل إسناده برواية العدل الذي خف ضبطه عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فإذا وجدت في الإسناد راويًا ضعيفًا، فكيف يقول الترمذي عن حديث إنه حسن؟ هو مشهور الضعف الراوي، أو إذا كان منقطعًا فكيف يقول الترمذي عن حديث إنه حسن؟ ومن هنا بدأ كثير من الشراح أو المحققين يتعقبون الترمذي أو يصفونه بالتساهل. والأمر حقيقة ليس في هذه الجهة أصلًا، وإنما الجهة الحقيقية والواضحة أصلًا عند التحقيق والتحرير هي في معنى قول الترمذي "حسن"، ما الذي يريده الترمذي بقوله حسن؟ هل يريد به الحسن بهذا المعنى أو بهذا الاصطلاح؟ أم لا؟ والأمر الواضح الذي أصلًا هو بالنص وليس بالاجتهاد من الترمذي أنه لم يعرف الحسن بهذا المعنى، وبالتالي هو حين يقول حسن فهو لا يعني أن الحديث ليس فيه ضعف، ولا يعني أن الحديث ليس فيه ضعف. وممن نبه على ذلك وأشار إليه ووضحه هو الإمام ابن رجب في شرح الترمذي، وإحنا ما نبغى نتوسع أكثر من كده، لكن الشاهد أن الترمذي إذا حكم للحديث بأنه صحيح، جيد، سواء قال: حسن صحيح، أو قال: حسن صحيح غريب، أو قال: صحيح غريب، المهم يقول كلمة صحيح، فالاقتضاء أن الحديث يكون صحيحًا، وإن كان حكمه في هذا ليس مثل حكم البخاري ولا مثل حكم الإمام أحمد وأمثاله، وبالتالي يوجد بعض الأحاديث التي حكم عليها بأنها صحيحة يخالف فيها، ويكون الراجح أنها ضعيفة، لكنها بالنسبة في المجموع هي نسبة قليلة. أما إذا قال: حسن، أو حسن غريب جيد، بدون ما يقول كلمة صحيح، فهو لا يقصد أن الحديث صحيح أصلًا، ولا يقصد أن الحديث حسن باعتبار المتأخرين، وما يقصد هذا المعنى أصلًا. وبالتالي لما يأتي شخص فيقول: حسنه الترمذي وهو كما قال، أو يقول: حسنه الترمذي وليس كما قال، فالصحيح أنه ليس كما قلت أنت، واضح؟ لأن الترمذي لا يريد بهذا المعنى ما يفهم عند التحقيق، هذه خلاصة والكلام أكثر من ذلك بكثير، ودروس رياض الصالحين إحنا يصير فيها إشارة إلى الأحاديث التي ليست في الصحيحين من ناحية الصحة والضعف غالبًا، لكن بدون توسع إلى هذا الحد يكفي، خلاص بدون ما نتوسع أكثر من كذا.
طيب، من ناحية الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة. إحنا طبعًا مر معنا في الأحاديث الماضية أن من أعظم ثمرات البلاء تكفير الذنوب، وأن المؤمن إذا وافى الله يوم القيامة ورأى مقدار الحسنات ومقدار السيئات التي أزيحت عن صحيفته بسبب الابتلاءات التي ابتلي بها، قد يتمنى مزيدًا من الابتلاء ويقول: يا ليت المرض استمر، يا ليت التعب اشتد، يا ليت الكذا، لم يزل تمام، هذا سبق وذكرته مرارًا. لكن الحديث هذا فيه بعض الجوانب الجديدة؛ منها ما يستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: ما يزال، "ما يزال" التي تفيد الاستمرار والتي يفهم منها أن طول البلاء له اعتبار أكثر في تكفير السيئات، فلذلك أولًا الإنسان ما يكره نزول الشدة، مرض أيًّا كان، هذا واحد. الأمر الثاني: لو طال أمده فأيضًا لا يكره ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يزال، هذا أولًا. الأمر الثاني المستفاد من الحديث كزيادة في قضية باب البلاء والصبر هو تنوع وجوه وأبواب البلاء، لأنه قال في نفسه وولده وماله، وهذا يدل أن الابتلاءات التي تأتي للمؤمن هي ابتلاءات متنوعة، يعني الابتلاء ليس بالضرورة أن يأتي للنفس بشكل مباشر، قد يكون بلاء الإنسان الذي يرفعه في الآخرة ويكفر عنه سيئاته بلاء في ولده، قال: ما يزال البلاء في نفسه وولده وماله، وقد يكون البلاء في المال، وقد يكون البلاء في النفس، وقد تجتمع على الإنسان الأنواع الثلاثة، وهناك وجوه أخرى للبلاء لم تذكر في هذا الحديث، إيش هي؟ السراء أو الضراء، هذا نوع، في وجوه أخرى مذكورة في آية سورة البقرة، اللي هي أنواع الشدائد التي يمكن أن تأتي بغض النظر عن تعلقها على النفس أو على الولد، {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}. وهذه كلها مهم أنها تكون مستحضرة، أنه ترى البلاء فيه دائرة واسعة، أولًا من حيث هو قد يكون بالخوف، وقد يكون بالجوع، وقد يكون بفقدان الأحبة ونقص من الأموال والأنفس، وقد يكون بنقص الأموال أو نقص الثمرات، ومن جهة أخرى قد يكون على النفس وقد يكون على الولد وقد يكون في المال، ومن جهة ثالثة قد يأتي قصيرًا وقد يمتد ويطول، ومن جهة الرابعة قد يكون بالضراء وما يتعلق بها من أحوال في اللي هي البأساء والزلزلة وما إلى ذلك، وقد يكون بالسراء، فباب البلاء في الإسلام باب واسع جدًا، وهو باب اختبار، لكن هذه الابتلاءات المتعلقة بنقص الأموال والأنفس والثمرات وما إلى ذلك، هي لها ثمرات من أعظمها كما سلف ومر تكفير السيئات والخطايا. هذا الحديث يستفاد منه أن طول البلاء قد تكون ثمرة طول البلاء هي مغفرة جميع الذنوب والخطايا، ليس فقط يعني تكفير بعض السيئات، وإنما: ما يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة، يعني قد يصل الأمر بالبلاء إلى أن يكون سببًا لمحو جميع السيئات من رحمه الله سبحانه وتعالى.
طيب، ثم قال النووي -رحمه الله-: وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن، هذا مر معنا قريبا عيينة بن حصن في قسمة غنائم حنين، قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر -رضي الله عنه-، وكان القراء أصحاب مجلس عمر -رضي الله عنه- ومشورته، كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، فاستأذن له. فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر -رضي الله تعالى عنه- حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافًا عند كتاب الله تعالى. أخرجه البخاري. هذا الحديث عظيم في فوائد كثيرة وعبر ودروس متعددة، لكن السؤال هو لماذا أخرجه النووي -رحمه الله- في باب الصبر؟
تكلمنا أن ميزة حفظ الحديث أن الحافظ يستحضر الأحاديث المتعلقة بباب معين وإن لم يأتِ في الحديث لفظ، يعني هذا الحديث ما فيه كلمة الصبر، صح ما فيه كلمة الصبر ولا فيه مثلا لفظ نبوي أنه من صبر أو كذا، لا؛ ولكن لأن النووي يعرف الأحاديث النبوية فالتقط هذه القصة التي تدل على الصبر ويستفاد منها الصبر. الفكرة هذه ميزة أن يكون له علم بالأحاديث النبوية، أنه يأتي من الأحاديث في أبواب لا تأتي بالاستدلال المباشر، وهذه ميزة.
الأمر الثاني هو في الطباع الغليظة لبعض الناس والعجيبة؛ يعني عيينة بن حصن حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان له بعض المواقف الصعبة، وكان هو من المؤلفة قلوبهم، وأعطي مئة من الإبل، وبعد ذلك بعد زمن جاء عند عمر وتعامل معه بهذه الطريقة، وهذا أولاً يدل على قوته هو وغلظته وجفائه؛ لأنه ما أحد يقدر يقول لعمر: والله ما تحكم بيننا بالعدل ولا تعطينا الجزل. ومر معنا في خير القرون قصص عمر، طبيعة التفاعل، يعني مين اللي يقدر يقول لعمر هذه؟ فهذا دليل على غلظة الأعراب وجفائهم. هذا من رؤوس الأعراب، شفت اللي قال الأعراب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من رؤوس الأعراب من كبارهم من عظمائهم من صميمهم، فجاء لعمر قال: والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فهمَّ عمر أن يوقع به.
الأمر العجيب هو تتذكروا لما تكلمنا أيضاً في اللقاء الماضي عن أهمية سيطرة الإنسان على دواعي النفس ومن أشدها الغضب، وأن هنا تأتي وصية النبي صلى الله عليه وسلم، كون الإنسان يتهم بهذا الاتهام، يقال له في وجهه لا، وأمام مجلس الناس! أمام مجلس الناس يقال له في الوجه بهذه الطريقة، ثم هذه المقولة كاذبة، يعني أنت تطعن في عدل عمر! شوف واحد ثاني لكن عمر رمز العدل، تطعن في عدله، فهو طعن فاسد وجرأة، وعدم اتخاذ أي أسلوب من أساليب الأدب وأمام الناس! ومع ذلك عمر، وعمر الذي أصلاً هو شديد ويغضب رضي الله تعالى عنه، ومع ذلك لما تليت عليه هذه الآية: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، ما جاوزها، ما جاوزها. انتهى، يعني هذه الآية قطعت دواعي الحركة النفسية الطبيعية عند عمر.
والسؤال المهم الذي ينبغي نفكر فيه دائماً: هل طبيعة تفاعلنا مع القرآن هي مثل هذه الطبيعة؟ هل ترسم الآيات حدود طريقنا؟ هل هناك امتزاج بين التوجيه القرآني وبين الحركة اليومية للإنسان؟ بحيث أنه إذا تجاوز من هنا تأتي الآية فتوقفه، من هناك وإذا قصر من هنا تأتي الآية فتدفعه ليتقدم أو لا؟ وبرايي أن هذا المقياس هو من أهم المقاييس التي تقاس بها نجاحات الحالات الدعوية والإسلامية والإصلاحية. متى كان أي تكوين إسلامي يظهر فيه هذا المقياس تحديداً فاعلم أنه تكوين ناجح، تكوين ناجح عاد واقف على هذا الثغر أو على هذا الثغر، هذا التكوين الناجح، أي تكوين أو مكون إسلامي يكون أو حتى بيئة أسرة، أسرة في البيت أياً كان حتى لو زوجين، يكون ما جاء في كتاب الله هو المقدم لهم والمؤخر لهم فيما يأتون ويذرون، فاعلم أن هذه البيئة هي بيئة صالحة وهي بيئة تسير بطريقة صحيحة.
ومتى وجدت أن القرآن صار يأخذ محلاً أدنى من ذلك، نحن ما نتكلم الآن عن من يهجرون القرآن تماماً، لا، صار يأخذ محلاً أدنى من ذلك، بمعنى أنه يكون مثلاً موضوعاً للحفظ فقط، أو موضوعاً للتلاوة التي يلتمس فيها الأجر بسبب الحسنات، بسبب أقصد الأحرف، القرآن تتلو الآيات، فهذا خير لا يشك فيه الإنسان، ولكنه دون ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن مع القرآن، أما إذا كان الأمر أدنى من ذلك كله فلا تسأل عن هذه القضية، هذه خارج محل النقاش أصلاً. طيب وبناء على ذلك فالذي ينبغي أن يرفع إليه كل حال يلتمس فيه أن يكون على منهاج النبوة، ينبغي أن يرفع إلى هذه الحال؛ ما هي هذه الحال؟ هي حال أن يكون القرآن وأن تكون آيات القرآن هي الحدود التي ترسم للإنسان ما يقف عليه أو عنده وما يتجاوز، وما يتقدم فيه وما يتأخر، بناء على آيات القرآن العزيز.
هذه هي تربية النبي صلى الله عليه وسلم. الحين عمر لما يفعل ذلك عمر يفعل ذلك لأنه تربى عند النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى، هذا ليس أمراً مفاجئاً، هذا ليس أمراً مفاجئاً، ما هو موقف فجأة صار، هذا موقف صار بعد مسيرة من التغذي بالقرآن ومن معرفة؛ أصلاً هو القرآن كان ينزل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل على الأحداث، طبيعة تصورهم عن القرآن هم أصلاً تكونوا ونشأوا على قضية أن القرآن مرتبط بالحدث، بحياتنا، بالحركة، بالسكون، بالسفر، بالمجيء، ألم ينزل القرآن هكذا؟ يعني تنزل الصحابة يذهبون فيأخذون معركة بدر، يعودون، تنزل سورة الأنفال، تمام، لما ينزل قول الله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ، من يوم ما تجي وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ يجيهم يتذكروا الوادي اللي كانوا فيه ووزعت فيه الغنائم، إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، هم توهم كانوا فيها الآن تمام.
بعد ما تأتي الخمس صفحات هذه في بداية سورة الأنفال، بعدين يأتي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. بعد ما يكون فاهم يعني عارف هذا، كأنك أنت مثلاً نفترض احنا مثلاً رحنا رحلة كذا، كانت الرحلة مثلاً عن موضوع معين، بعدين كذا مسؤول الرحلة ولا الشيخ ولا أياً كان يجي يتكلم عن توجيهات نهائية وختام وتعليق على هذا، بعدين يوصي بأشياء في ذاك الوقت يكون لها قيمتها الوصايا؛ ليش؟ لأنه تمام، لأنه احنا أمس اجتمعنا ما أدري إيش وأمس كان في كذا وصار في هذا الخطأ وصار في كذا، فيجي التنبيه ويجي الكلام ملامس للحدث الساخن في الذهن اللي هو لا يزال. القرآن هكذا كان ينزل، بس الفرق بدل ما يصير كلام فلان ولا كلام فلان، يصير الناطق به محمد صلى الله عليه وسلم خير المرسلين، والمبلغ له جبريل خير الملائكة، والمتحدث به هو رب العالمين سبحانه وتعالى، أو المتكلم به رب العالمين سبحانه وتعالى.
إيش يعني هذا؟ تخيل احنا مصبحين اليوم جايين الآن على مجلس ولا على درس، الصحابة يصبحوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كذا يسمعوا آيات ما حد قد سمع، أول مرة توه نزلت من السماء، البارحة نزل بها جبريل لأول مرة، مثل ما ذكر سابق، يأتي فيها اسم نبي جديد أول مرة تسمع، عارف قصته؟ تخيل قصة يوسف أول مرة تسمعها الآن نزلت من السماء، فرق، أو تنزل على حدث معين، الناس رجعت من أحد دماؤها تنزف، صح ولا لا؟ بيوت المدينة تألمت الشهداء الكذا، الناس مواقف رأوا الرماة، عصوا، التفاف خالد بن الوليد كذا، مقتل حمزة، بعدين تجي الآيات، تجي الآيات طبعاً الناس في ناس مجروحة مصابة، في ناس ثبتت وفي ناس فرت، جت الآية لهم كلهم، الآيات لهم كلهم تمام.
عمر كان معهم رضي الله عنه، إيش الفكرة؟ الفكرة أنه هو أصلاً تربى على هذا المعنى، هو تربى أنه القرآن ما هو مادة إسلامية بس كذا، فاهم أنه يعني مثلها مثل الفقه مثل الكذا مادة، أو ما هو أنه سبب للأجور والبركات فقط، هو تربى أصلاً على أنه القرآن جاي مفصل على الأحداث، وأنه هو سبب للتوجيه وسبب لرسم الحدود، تتجاوز، ما تتجاوز، تقف، تتقدم، صح ولا لا؟ وبناء على ذلك من تربى هذه التربية لا يستغرب منه بعد ذلك لما تأتي دواعي النفس للانتقام وللبشترة، قائل قال الله سبحانه وتعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وهذا من الجاهلين، لا يستغرب هنا من عمر أن يسوي يبلع ويكتم ويضم غيظه، ويبتلع مشاعر الانتقام هذه كلها كلها، ويقف ويعفو، انتهينا خلصنا. صعبة؟ نعم صعبة، لكن هي هذه النتيجة، الثمرة.
طيب نحن اليوم القي نظرة على خارطة المعاهد والحلقات القرآنية في العالم الإسلامي، وعلى المدارس الشرعية في العالم الإسلامي، إلى أي مدى تخرج طلاباً واقفين عند كلام الله؟ إلى أي مدى تؤسس لهذه الطبيعة في العلاقة مع القرآن؟ ودونكم الواقع وأنتم تعرفونه، لكن الثمرة العملية من هذا الكلام كله هو أننا يجب أن نعيد تصحيح المعايير خاصة فيما يتعلق بالقرآن، وأن يكون المعيار الأول والأساسي هو أن يكون القرآن هو السبب الأساسي في هداية الإنسان المسلم في يومه وليلته، فيقف عند حدوده ويفهم هداياته ويتعظ لمواعظه ويمتثل أوامره وينزجر عند زواجره. هذه هي الخلاصة.
والحديث فيه فوائد أخرى كثيرة، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورة مجلس عمر، والكلام في هذا كثير، لكن الشاهد من هذا كله أن النووي رحمه الله أورد هذا الحديث ليتحدث عن الصبر، وصبر الصحابة، وصبر عمر رضي الله تعالى عنه، وأن الإنسان وأن من أنواع البلاء التي قد يتعرض لها الإنسان هي البلاء الصادر من الجاهلين، وهذا البلاء ذكره الله في القرآن وقال سبحانه وتعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، إلى غير ذلك، ومنها في سورة القصص: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ، إلى آخر الآيات.
ثم قال النووي رحمه الله: وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم، متفق عليه. والأثرة يقول النووي: الانفراد بالشيء عما له فيه حق. ثم قال في الحديث التالي وهو مشابه له: وعن أبي يحيى أسيد بن حضير رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، متفق عليه. قال: وأسيد بضم الهمزة، وحضير بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة والله أعلم.
هذان الحديثان يبينان أيضاً نوعاً من أنواع الشدائد أو الابتلاءات التي قد ترد على الأفراد أو على الجماعات من الناس من المسلمين، وهذا الابتلاء هو مرتبط بالناحية السياسية، إنها ستكون أثرة، هذه الأثرة كما ذكر النووي الانفراد بالشيء عما له فيه حق. الحديث طبعاً هذا الحديث ورد عاماً وورد في سياق الأنصار، أنه ترى الأنصار من الناحية السياسية ترى سيكون عليهم أثرة، وهذا الذي حصل، وهذا ليس خاصاً بالأنصار وإنما بشكل عام قد يرى الإنسان أن له بعض الحقوق أو الاستحقاقات عموماً، ثم يبتلى بأن يهضم حقه ولا يعطى ما ينبغي له، سواء كان من ناحية المنصب أو حتى من المالية وما إلى ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون هذا الأمر، وقد كان في مراحل كثيرة من التاريخ السابق؛ يكون الحاكم مسلماً ويكون أصلاً قائماً بأمور من الدين ويحكم بالشريعة بشكل عام ويقوم بالجهاد في سبيل الله ويقاتل الأعداء ويحامي عن الأمة ولا يوالي أعداء الله من اليهود والنصارى.
حصل هذا كثير في التاريخ، ولكن في نفس الوقت يكون ظالماً، يكون ظالماً، طبعاً لا يكون خائناً لأنه لو كان خائناً القضية مختلفة، لو كان خائناً اللي هو صار يحارب الدين أو يكون مع أعداء الإسلام ضد المسلمين، فهذا خارج أصلاً النصوص هذه كلها، لكن اللي حصل في تمثلات هذا الحديث كثيراً في التاريخ هم لا يكونون كذلك، وإنما يكونون قائمين بأساس دور الإمامة، وعندهم تفريط في جوانب كثيرة فيها، التفريط هذا قد يصل إلى حالة متقدمة، وجزء أساسي من التفريط اللي هو الظلم، والظلم هذا إما بالبطش وإما بالمنع؛ جيد، البطش بأن يؤخذ الإنسان بجريرة أو بشيء لا يستحق أن يعاقب عليه، هذا البطش، وإما بالمنع اللي هو الأثرة هذه، هذه الأثرة في المنع، أنه يمنع عما ينبغي له. وهذه القضية حصلت من مراحل متقدمة، حصلت من القرن الأول، وإن شاء الله يأتينا في سلسلة خير القرون تفصيل في بعض هذه القضايا، حصلت مشاكل سياسية من البدايات، يعني مو من البدايات هي خلفاء الراشدين لا، أقصد بعد ذلك، فحصلت مشاكل في القرن الأول وفي القرن الثاني وفي القرن الثالث واستمرت المشاكل السياسية في تاريخ المسلمين.
النبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين للتعامل مع مثل هذه الحالات، فمن أهم التوجيهات التي ينبغي أن يستصحب المسلم في هذه الحال هو توجيه الصبر، وأن لا يكون الموقف الأساسي للإنسان المسلم عند وجود الظلم عليه هو أن يفكر في المواجهة، يأخذ الحق، في استيفاء الحق الدنيوي، لا؛ ترى في شيء اسمه آخرة وفي شيء اسمه صبر وفي شيء اسمه أنه ترى هذا، حتى خلينا نقول محاولة استيفاء كل ما يتعلق بالحقوق أصلاً قد تؤدي إلى مشكلات أكبر من ذلك.
كان حتى هذه فيها بعض الضوابط والتفاصيل، يعني مثلا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد". هل "من قتل دون مالي فهو شهيد" تشمل حتى هذه الدرجات أن الإنسان يمنع ماله حتى في الناحية السياسية إذا وصل أن الآخذ هو الحاكم مثلاً، ولا هذا يدخل في "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"؟ هذه مثلاً مسألة فيها خلاف من العلماء جيد.
فمثلاً في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن عامل معاوية رضي الله تعالى عنه أراد أن يأخذ أرضاً له في الطائف، فأمر بنيه أن يتجهزوا بالسلاح وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد". هذا الآن ما دخل بالشريعة والخيانة، لا، لا بس هذه في الناحية المالية المجردة. وكثير من العلماء يرى أنه لا، حتى هذه داخلة في الأحاديث الواردة في الصبر، وأن هذا هو الأصح؛ بحيث أنه لا تحدث فتنة أكبر من ذلك. والحديث في هذه المسألة لعله يأخذ أيضاً يعني مقاماً آخر أو مجلساً آخر يتناسب مع المسألة، وقد تأتي في سلسلة خير القرون بشكل مفصل.
لكن هي من جملة الابتلاءات التي ينبغي على الإنسان أن يستصحب فيها الصبر، واستصحاب الصبر لا يعني عدم إنكار المنكر ولا يعني عدم القول بالحق. فقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ينكرون ما يرون من المنكرات، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يعني كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الصبر، فقد جاء عنه أن امتداح كلمة الحق عند سلطان جائر جيد. ولذلك يعني هذه المسألة ينبغي أن يجمع فيها مجموع النصوص وينظر فيها من جوانبها.
على أني أنبه كما قلت أنه هذا كله في سياق الحكم الإسلامي، بسياق الحكم الإسلامي بسياق أن تكون الشريعة في الجملة في الجملة، لأن حتى يكون عندهم تقصير في هذا الجانب، بس تكون الشريعة في الجملة هي المرجعية جيد، وأن لا يكون القائم على هذا الأمر هو في مع أعداء الإسلام صرحاء ضد المسلمين، فهذه القضية هذه أساس مورد النصوص. وبعد ذلك، لأنه إيش هذا كلام، هذا مو اجتهاد شخصي، وارد في النص في صحيح مسلم اللي هو "يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع"، وغير ذلك. يعني كما قلت المسألة المقام الآن لا يسع للبسط أكثر من ذلك، لكن في نفس الوقت هذه الأحاديث يستفاد منها في الرد على من يعني يتبنى خياراً أو من يلغي أو من يطعن في أحاديث السمع والطاعة مثلاً، واضح الفكرة أنه لا، ما في أبداً أي شيء، أي حق، أي كذا يجب على الإنسان أن... يعني هذه القضية تحتاج تنضبط بمجموعها فلا إفراط ولا تفريط. نصوص السمع والطاعة نصوص حق ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي سبب من أسباب حفظ المجتمع المسلم، وفي نفس الوقت هي لم تأتِ الأحاديث هذه لتكون سبباً لتضييع الدين ولا لتكون سبباً لخيانة المسلمين، هي لم تأتِ لهذا ولا لهذا.
ولذلك إذا كان الإنسان في حالة أُخذ عليه فيها بعض حقه، وكان في الجملة الحال يعني حالاً يعظم فيه الإسلام وكذا، فمن أهم المواقف التي ينبغي أن يتخذها ويفكر فيها ويفهمها كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الصبر، وليس صحيحاً أن يكون التفكير دائماً أو الأساس هو استيفاء الحقوق الدنيوية، وهذا كما قلت لا يمنع من إنكار المنكر ولا من بيان الحق ولا من إلى آخره، والكلام أكثر من ذلك.
طيب، ثم الحديث التالي، الشاهد طبعاً من الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فاصبروا إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". وحتى تلقوني على الحوض هي سبب من أسباب الصبر، معين من معينات الصبر، خاصة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه نحن يا جماعة الخير مهما أحببنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمنا في حبنا على حب كل من نحب من أهلنا وأولادنا وأموالنا وأنفسنا، فلن واشتقنا إليه صلى الله عليه وسلم، ولو انفطرت أكبادنا شوقاً إليه صلى الله عليه وسلم، فلن يكون مثل حال الصحابة الذين عاشوا معه، وسافروا وجاهدوا وثبتوا وصلوا معاه وقاموا الليل، نزلوا وطلعوا وعاشوا كل هذه، ثم مات عنهم صلى الله عليه وسلم. فمقدار الألم وفي نفس الوقت الشوق إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بالنسبة إليهم، والموعد المضروب في ذلك هو عند الحوض، هو مقدار عظيم كبير.
ولأجل ذلك لما يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"، هذه حتى تلقوني على الحوض كالماء البارد الذي ينزل على الصدر أو ينزل على الظمأ، فيعين الإنسان على الصبر؛ لأنه تمام، فاتني شيء من الدنيا، لكن لن يفوتني إن شاء الله لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الحوض، باعتبار أنني التزمت بوصيته التي أمرني بها وهي الصبر.
ثم الحديث الأخير في باب الصبر هذا الباب الطويل ما شاء الله تبارك الله، والذي عشنا فيه رحلة جميلة تقريباً قرابة المئة حديث، أخرج النووي رحمه الله في باب الصبر هذا الحديث الأخير عن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم". متفق عليه.
هذا الحديث ورده الإمام النووي رحمه الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ "فإذا لقيتموهم فاصبروا"، "فإذا لقيتموهم فاصبروا"، وهذا الحديث يبين شيئاً من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، وأن من سنن القتال العملية الانتظار حتى زوال الشمس، أن يبدأ القتال بعد زوال الشمس، هذا موضح في صحيح البخاري في حديث النعمان بن مقرن رضي الله تعالى عنه اللي قال فيه: "كنا ننتظر حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر حتى تزول الشمس وتهب الأرواح أي الرياح وتحضر الصلوات". وهنا نفس الشيء عبد الله بن أبي أوفى يقول: انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم بالصحابة، ثم بعد ذلك ياتي القتال، هذه من السنن العملية، ويعني حصلت بعد ذلك في الفتوحات، لأن نعمان بن مقرن لما روى هذا الحديث رواه في نقاش في وقت المعركة.
يعني طيب، "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية". سبحان الله الأحاديث الواردة الكثيرة في فضل الجهاد وفي فضل القتال، ومع ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تتمنوا لقاء العدو". ولا تتمنوا لقاء العدو هذا لا يعني عدم الرغبة في الجهاد في سبيل الله، لأنه هذه جهة من الجهات، يعني هو لا شك أنه تمني لقاء العدو هو صورة الجهاد أصلاً، لكن من هذه الجهة ولأن الإنسان لا يضمن نفسه ولا يعرف ما الذي يكون عليه حاله عند مواجهة الموت، فإنه لا يتمنى هذا الأمر.
وإن كان من جهة فضل الجهاد وما ورد فيه يتمناه، وأوضح من ذلك وأصرح أن يتمنى الشهادة، بل ويسأل ربه الشهادة، بل ويكون سؤاله ربه الشهادة بصدق تحديداً، فهذه جهة وهذه جهة. يعني كان الحديث والله أعلم هو فيما يتعلق بالاعتداد بالنفس والقدرة والظن بالقدرة على الثبات، والقدرة على أنه يعني "إيش يعني العدو؟ تمام، والله الآن نعمل فيهم ونعمل". الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا تتمنوا لقاء العدو، لماذا؟ لأنه كما أن هناك جانب فضل وخير ترى هناك جانب ابتلاء، وجانب الابتلاء هذا ما تدري ماذا تكون نفسك عليه عند حصوله، والذي يوضح ذلك بشكل تام ما جاء في سورة آل عمران في الآيات المتعلقة بغزوة أحد، إذ قال الله سبحانه وتعالى إيش: وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، يعني ماذا فعلتم حين رأيتموه؟ ماذا فعلتم؟ فررتم من فر.
يعني فالإنسان عموماً يسأل الله العافية، لكن كونه يسأل الله العافية هذا لا يعني أن لا يبادر إلى الجهاد حين يجب عليه، ولا يعني أنه لا يبادر إلى الجهاد كون يسأل الله العافية، لا يعني أن لا يبادر إلى الجهاد حين يجب عليه ولا يعني أن لا يبادر إلى الجهاد تطلباً للفضل حتى لو لم يجب عليه، واضح الفكرة؟ يعني "لا تتمنوا لقاء العدو" هذا عن الأمنية النفسية، الأمنية القلبية المرتبطة بنفس المواجهة، ولكن هذه الأمنية لا علاقة لها بالعمل من حيث أن يبادر الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله تطلباً للفضل، الحين ما نتكلم عن الوجوب. واضح الفكرة؟
فلا تتمنوا لقاء العدو لا تعني عدم الخروج للجهاد، ولا عدم الرغبة فيه، ولا عدم المحبة له، ولا عدم المبادرة إليه فضلاً عن الفضل. جيد؟ ولذلك كان العلماء حتى في السابق يحرصون على الذهاب إلى الثغور فقط لينالوا شيئاً من الفضل والبركة والأجر العظيم في هذه العبادة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: "دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، لا أجده".
جيد فهذا وجه الحديث، يعني لا تظن أنك حين ترى الأعداء أو تسمع عنهم، لا تظن أنك إذا تمنيت لقاءهم أن النتيجة الحتمية لهذا التمني أنك ستثبت وأنك ستصبر وأنك ستفنيهم، لا، اعلم أن الأمر شديد وأن الأمر عظيم وأن فيه ابتلاء وأن فيه فتنة وأنك قد تصبر وقد لا تصبر، ولذلك سل الله العافية. هذه الآن هذه الجهة، بعد ذلك عندك عشرات الأحاديث في فضل الجهاد، أن تذهب إلى الجهاد في سبيل الله تطلباً لهذا الفضل هذا أمر صحيح، وهو الذي سار عليه المسلمون على مر التاريخ، فهمت الفكرة؟ بس هذه من جهة وهذه من جهة، وفي نفس الوقت من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء.
إيش؟ فإذا وجد الموجب الصحيح للجهاد فلا وجه لذكر هذا الحديث من جهة التعطيل عن هذا العمل، بالمناسبة، بالمناسبة متى قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ متى قاله؟ في وقت جهاد، في وقت جهاد، يعني هو هذا الحديث ليس مسوقاً مساق التعطيل، هو مسوق مساق التهذيب للنفس، لا تثق بنفسك وتغتر، تظن أنك ستثبت، لا تنفِ عن نفسك مبدأ الافتقار إلى الله وطلب العافية، فهمت الفكرة؟ يعني هذا هذه الخلاصة الأساسية من هذا الحديث والله أعلم.
ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". لا شك أن من أعظم أسباب دخول الجنة التي وردت بها الأحاديث هو الجهاد في سبيل الله، والارتباط بين الجنة وبين الجهاد ارتباط اختصاصي، أقصد في قدر من الاختصاص للمجاهدين في سبيل الله في الجنة، وليس فقط في الجنة، وإنما حتى يوم القيامة قبل دخول الجنة هناك اختصاص للمجاهدين في سبيل الله، ومن ذلك أن من يجاهد في سبيل الله فيجرح، يأتي يوم القيامة من بين الناس وكلمه يدمى، جرحه يدمى، اللون لون الدم والريح ريح المسك، هذه علامة مميزة يوم القيامة لمن جرح في سبيل الله من بين الخلق كلهم.
وبعد ذلك في الجنة هناك اختصاص بمئة درجة في الجنة للمجاهدين في سبيل الله، "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجة كما بين السماء والأرض"، وإلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي فيها بيان الفضل الخاص، كما قال سبحانه وتعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً، وأحاديث في هذا كثيرة، ولعلها تأتي إن شاء الله في رياض الصالحين، يأتي شيء منها إن شاء الله.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم". وعناية النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عند القتال وقبل القتال عناية كبيرة جداً جداً، بل هي عجيبة، هي عجيبة، يعني في درجة من العجب أنها تبعث المؤمن على الاقتداء وتمام الاقتداء. ويؤخذ من هذه الأحاديث في الدعاء قبل القتال المعنى الكلي، أنه أهمية الدعاء والاستعانة بالله قبل الإقدام على الأعمال الكبيرة، خاصة الأعمال المتعلقة بالتضحية في سبيل الله، يعني نعم هذه واردة في الجهاد، لكنها يؤخذ منها أساس المعنى اللي هو تحقيق الاستعانة بالله والدعاء، بل وصف الله سبحانه وتعالى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر بالاستغاثة: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ.
والاستغاثة هي ذروة الدعاء، بل هي أعجب أنواع الدعاء، إن لم يكن أعجبها على الإطلاق؛ فقد أولاً أمضى ليلته صلى الله عليه وسلم والصحابة نيام، أمضى ليلته صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي ويبكي تحت شجرة، ثم لما كان في يوم بدر كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه ويدعو، ثم يدعو، ثم يدعو، ثم يدعو، ثم يدعو، ويمد يديه ويستغيث، ثم يستغيث، ثم يستغيث، ثم يستغيث صلى الله عليه وسلم.
ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، ويدعو ويستغيث صلى الله عليه وسلم. وإلى أن أتاه أبو بكر الصديق، فقال: يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعدك.
نعم، وهذا فيه باب فقه كبير في العبودية لله سبحانه وتعالى، أن الإنسان يفهم إيش هي العبودية لله سبحانه وتعالى وإيش هو معنى التعلق والاستمداد، وأنه الوعود في الوحي لا تعني عدم اتخاذ الأسباب، بل ولا تعني استيفاء الجهد في اتخاذ الأسباب التي من أعظمها الدعاء، لأن الدعاء من جملة الأسباب، فاتخاذ الأسباب وخاصة الدعاء هو من أعظم الأسباب.
على أية حال، النبي صلى الله عليه وسلم يعني من مواطن الدعاء، تعرف إحنا عندنا في مواطن دعاء في آداب الدعاء، فمن مواطن الدعاء الدعاء عند الجهاد في سبيل الله، وكما قلت يؤخذ منه في معناه الكلي الدعاء عند الأمور العظيمة المتعلقة بنصرة الإسلام، سواء كانت بالجهاد أو بغير الجهاد، أو خلينا نقول سواء كانت بالجهاد الحسي أو بالجهاد المعنوي الذي سماه الله جهاداً كذلك في قوله: وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا.
نسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والمدد، ونسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسدد، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد