الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح المجلس الثاني عشر من مجالس التعليق على أحاديث رياض الصالحين ضمن عنوان ايش أنوار السنة المحمدية، وهذه المرة مع باب الصدق. باب الصدق، وكما تقدم مرارا أن هذه الأبواب التي هي التوبة والصدق والاستقامة والإخلاص وما إلى ذلك من الأمور المتعلقة بالعبادات والأعمال القلبية هي من أهم أبواب الدين التي ينبغي التفقه فيها، وأنه لا يصلح أن يتفقه طالب العلم في الأبواب العملية المتعلقة بالجوارح فقط، وإنما يجب عليه أن يتفقه في الأبواب القلبية كذلك المرتبطة بما للقلب من عبوديات، وعبوديات القلب هي أساس عبوديات ايش الجوارح.
ومن أهم عبوديات القلب ماذا: الإخلاص، المحبة، الخشية، الرجاء، الخوف، اليقين. هذه كلها عبادات أين محلها؟ محلها القلب، وهذه عبادات تتعلم وتدرس دراسة، وهي من أهم ما دخل في قول الصحابة: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. ما الذي يدخل في تعلمنا الإيمان؟ من أهم ما يدخل في تعلمنا الإيمان هو ايش، من أهم ما يدخل في تعلمنا الإيمان هو تعلم أعمال القلوب. ولذلك لا يصلح أن يتربى طلاب العلم على معرفة الأبواب النظرية أو الأبواب العملية المتعلقة بأعمال الجوارح فقط، بل لا بد من تدريس ودراسة وتعلم الأبواب المتعلقة بأعمال القلوب.
ولذلك من فقه الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه حين جمع هذا الكتاب الذي فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، من فقهه أنه جعل في بداية هذا الكتاب أبواب أعمال القلوب. وهذا الباب الذي معنا اليوم هو باب مرتبط بعمل من أهم الأعمال ومن أهم العبادات، ويدخل فيه القلب ويدخل فيه اللسان ويدخل فيه الجوارح، وهو عمل ايش الصدق. وإن كان حين نقول الصدق كثير من الناس إنما يظن أن الصدق أين محله، اللسان فقط، أليس كذلك؟ بينما الصدق هو عبادة عظيمة محلها في الأساس القلب ثم بعد ذلك تنعكس على الجوارح، أو يكون هناك صدق باللسان، ويكون هناك صدق في الجوارح أو في أعمال الجوارح.
طيب، من يأتي بدليل على أن الصدق يكون في القلب، من يأتي بدليل على أن الصدق يكون في القلب وليس فقط في اللسان، دليل صريح صريح مباشر؟ طيب طيب، من سأل الله الشهادة بإيش بصدق بلغه الله منازل الشهداء. الآن من سأل الله، سأل هذا بأي عمل بأي شيء؟ باللسان صح، صح ولا لا؟ السؤال باللسان وبصدق بالقلب، معناه أن الصدق يكون في القلب أيضا ولا يكون فقط في اللسان.
وكذلك في البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله صدقا من قلبه. من قال لا إله إلا الله ايش صدقا من قلبه، أحسنت صدقا من قلبه، وهذا يدل على أن الصدق يكون أين، أحسنت، يكون في القلب كما يكون باللسان وكما يكون بالجوارح تمام.
طيب، من يأتي بدليل على الصدق الذي باللسان؟ ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، صح ولا لا؟ هذا الصدق اللي هو ايش باللسان. طيب من يأتي بالصدق اللي بالجوارح؟ أيوه الصدق اللي بالجوارح هو ليس صدق بعمل معين لا، وإنما أن يكون كل عمل الإنسان مصدقا لقوله أنه مؤمن، فالاستقامة هذه ايش باللسان، أي يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ولا يعلمن الكاذبين. صدقوا في ايش؟ صدقوا في قولهم آمنا، بأيش بكونهم ثبتوا عند الابتلاء ولم ينحرفوا، واضح ولا مو واضح؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم آمنا وليعلمن الكاذبين. صدقوا في قولهم آمنا كيف يعرفون؟ ها بالاستقامة العملية على الكلام القولي الذي قيل قبل ذلك.
جيد، وهذا أيها الكرام، هذا من ميزات الإسلام أنه الإسلام يفتح لك آفاقا واسعة في العبادات، فحين تسمع كلمة الصدق فأنت لا تتحدث عن مجرد صدق الحديث، وإنما تتحدث عن صدق القلب وعن صدق اللسان وعن صدق الجوارح تمام.
طيب ننطلق مع ما قال، مع ما جمعه النووي رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال باب الصدق، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. الآن هذه الآية وكونوا مع الصادقين في أي نوع من أنواع الصدق؟ قبل ما ترفع، لا لا تجيبها كذا يعني فكر، ايش سياق الآية؟ وين سياق الآية هذه بأي سياق؟ في التوبة بعد الثلاثة الذين خلفوا، صح؟ معناها متعلقة بأيش صدق اللسان، طيب ومع ذلك ليست متعلقة بصدق اللسان فقط، ومع ذلك ليست متعلقة بصدق اللسان فقط، لماذا؟ شوفوا يا جماعة دائما في القرآن أو كثيرا ما يأتي في القرآن اسم الصدق مع الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد في سبيل الله في القرآن هو من أهم المعايير التي تثبت صدق المؤمن من كذبه. وهذه الآية في سياق الجهاد، ايش الدليل؟ أعطيكم آيات تدل على أن الصدق يأتي مع الجهاد.
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. أولئك هم الصادقون في ايش في قولهم آمنا، لأنه قالت الأعراب آمنا ولكنهم لم ايش لم لم يجاهدوا في سبيل الله ولم يكن عندهم من اليقين والجهاد ما يثبتون به أنهم آمنوا، واضح؟ فبين الله لهم أن الذين آمنوا حقا هم الذين لم يرتابوا وايش وجاهدوا.
ومن الأدلة على ذلك كذلك قول الله سبحانه وتعالى: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. وهذا جاء في أي شيء؟ في سياق الجهاد في سبيل الله، صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ومن الأدلة على ذلك في سورة القتال في سورة القتال التي هي سورة محمد: فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ. ومن الآيات ومن أدلة كذلك في سورة الحشر: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
احنا بنوصل لأيش الآن؟ أنه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ليست منحصرة في ايش في صدق اللسان، وإنما هي أيضا في الصدق المرتبط بالجهاد في سبيل الله أو باتباع النبي صلى الله عليه وسلم عموما. طيب خليني أقرأ عليكم كلام الطبري إمام المفسرين رحمه الله تعالى وهو يفسر هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ تمام. يقول ابن جرير رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره للمؤمنين معرفهم سبيل النجاة من عقابه والخلاص من أليم عذابه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله اتقوا الله، راقبوا، وراقبوه بأداء فرائضه وتجنب حدوده، وكونوا في الدنيا مع من أهل ولاية الله وطاعته، تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة، يعني مع من صدق الله الإيمان به فحقق قوله بفعله. خلاصة ايش عنده هنا الصادقين الذين لا الذين ايش هنا بالكلام الذين ايش صدقوا بأفعالهم أقوالهم، صدقوا بأفعالهم أقوالهم.
طيب، الآية الثانية قال النووي رحمه الله: وقال تعالى والصادقين والصادقات، وقال تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ. وأما الأحاديث، فالأول عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا. متفق عليه.
هذا الحديث حديث عظيم وهو متعلق بمنزلة الصدق ومكانة الصدق، والصدق المقصود هنا من أهم ما يدخل فيه هو صدق ايش، صدق اللسان، إن لم يكن منحصرا أصلا في قضية الصدق باللسان. وفي هذا الحديث قضية مهمة جدا، وهي أنه ترى هناك أعمال تقود إلى أعمال أو تقود إلى منازل عند الله سبحانه وتعالى، وهذه المنازل تقود إلى الجنة. يعني ترى الطريق إلى الجنة فيه مقامات ومحطات، أحيانا أنت تعمل شيء، هذا الشيء أو هذا العمل من ميزاته أنه يقود إلى أعمال خير منه. يا جماعة هذه نقطة مهمة في فقه التعبد لازم تفهم جيدا، هذه نقطة مهمة في فقه التعبد.
العبادات على قسمين: هناك عبادات تقود إلى غيرها، يعني إذا قمت بها يفتح الله لك بسببها بابا إلى عبادات أخرى عظيمة، فيكون، فتسمى هذه العبادات الأولى مفاتيح أو أبوابا للخير، وهناك عبادات هي متعلقة بذاتها جيد. يعني في بعض الصفات أو العبادات القلبية أو حتى البدنية إذا عملها الإنسان فإنه يوفق ويهدى إلى غيرها أو إلى ما هو أحسن منها، فلذلك الفقيه في طريقه إلى الله يركز على العبادات التي تفتح له أبوابا إلى عبادات أخرى وإلى مقامات عند الله سبحانه وتعالى.
يعني الآن في الحديث لما النبي صلى الله عليه وسلم يقول: عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى ايش، إلى البر. طيب والبر هل هو شيء مأمور به أو لا شيء مأمور به؟ صح. طيب والبر يهدي إلى الجنة، معناه أنه الصدق من أبواب العبادات أو من العبادات التي هي عبارة عن أبواب أو مفاتيح تقود إلى عبادات أخرى أو منازل أخرى. جيد، مثلا من أعظم العبادات أو الأحوال التي إذا تلبس بها العبد فتحت له أبواب الخير، الخشية. الخشية الذي تجده يخشى الله فاعلم أنه قد أخذ بواحدة من مجاميع العبادات التي تفتح له أبواب الخير، جيد، يعني مثلا الله سبحانه وتعالى لما يذكر في الكتاب العزيز يقول: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ، ويقول: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا، ويقول: أَلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ، ويقول: إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ. معناه ايش فهمتوا الفكرة؟ معناها أنه صفة الخشية هي الصفة التي إذا وجدت في الإنسان استفاد من الآيات ومن العبر ومن المواعظ ووصل إلى تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى، إلى آخره. واضح الفكرة، وكذلك الصدق.
وهذه هي النتيجة وهذا هو الشاهد: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. طيب، إذا الفائدة الأولى من هذا الحديث هي في أن من العبادات ما هو مفتاح لعبادات أخرى ومفتاح لبركات وخيرات أخرى، وأن من الفقه في العبودية لله التمسك والحرص على العبادات التي هي عبارة عن أبواب لعبادات أخرى، فهذا من باب ايش الخير الذي يهدي إلى الخير، والبر الذي يهدي إلى البر، والرشد الذي يهدي إلى الرشد، ولا يزال الإنسان يتقرب إلى الله ويصل ويتقلب ما بين ورشد حتى يصل إلى الجنة.
طيب، إذا هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية أن الصدق هو من العبادات التي تقود إلى خير أعظم منه، ولذلك من أراد أن يكون مفلحا فليكن صادقا، ومن أراد أن يهدى إلى الجنة فليكن صادقا. وقد يقول قائل: هل تقصد أن كل هذا الخير هو لمجرد الصدق باللسان، يعني كون الإنسان يتحرى الصدق باللسان هل كل هذا الخير الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو لأجل الصدق باللسان؟ يعني إن كانت القضية كذا فما أسهلها، يعني عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، هل القضية بهذه الطريقة؟ فالجواب نعم، نعم هي بهذه الطريقة، ولكن الصدق باللسان لا يمكن أن يكون لا يمكن أن يقوم بنفس الإنسان وحده، فإن الإنسان لا يمكن أن يكون صادق اللسان على على طول الطريق إلا إذا كان صادق القلب، واضح؟ يعني الصدق هو ليس مجرد عبادة منفصلة يخرجها الإنسان بقرار هكذا متى أراد أن يكون صادقا لا، هي حالة يسير عليها الإنسان، وهذه الحالة تدل على صدق القلب واضح.
طيب، الصدق يهدي إلى ماذا، البر، والكذب يهدي إلى ماذا، إلى الفجور. هل في أحد يستحضر آيات أو أحاديث تجمع بين هذين اللفظين، البر والفجور؟ يا سلام، أحسنت: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. شوفوا كيف مع الله بينهما، إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم، وجعل في هذا الحديث طريق الأبرار الصدق وطريق الفجار الكذب، وهذا يدل على أن الكذب وهذه الفائدة الثالثة من أقبح وأسوأ ما يمكن أن يعمله الإنسان، وأن الكاذب قد أخذ بسبب من أسباب الضلال وليس فقط قد ارتكب إثما. وهذه الفائدة الخامسة وهي أن كما قلنا في العبادات أن من العبادات ما يقود إلى أبواب من الخير، فإن من الذنوب ما يقود إلى أبواب من.
الشر واضح، وأنه كما قلنا سابقاً من الفقه في الدين الحرص على العبادات التي تفتح أبواباً لعبادات أخرى، فإن من الفقه في الدين الحرص على الابتعاد عن الذنوب التي وصفت بأنها أسباب لذنوب أخرى. واضح الفكرة يا جماعة؟ ترى هذه فائدة سلوكية مهمة جداً، هذه فائدة سلوكية مهمة جداً.
وكما قلت في البداية، الأمور المتعلقة بالفقه في الدين هي من أهم أبواب الفقه في الدين: الفقه في قضية العبادات القلبية، وفي قضية الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. الطريق إلى الله له فقه؛ يعني ترى مو كل مسلمين عاشا لمدة مثلاً 70 سنة، وفي نفس المدة، وفي نفس البيت، وعملا نفس العبادات الظاهرة، سيكونان عند الله سبحانه وتعالى بنفس المنزلة في الجنة. لا، مو بالضرورة. القضية مرتبطة بما في القلوب، وهذا الذي في القلوب ليس فقط أنه مجرد تكون صادقاً، وإنما له فقه في أنوار من الوحي جاءت لتقول لك هذه العبادة بعينها تراها عند الله بمكان. والدين أصلاً قائم على فكرة التعبد لله بما يحب لا بما تحب أنت؛ لأنه ترى حتى العبادة فيها محبوبات للنفوس أحياناً. الإنسان هو يرتاح لهذه الطريقة فيقول لك: أنا شايف أن هذا هو الدين، أنا شايف أنه كويس، مو على كيفك. محمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ.
وفي الحديث الصحيح لما أمر الله عز وجل زكريا أو يحيى بن زكريا أن يبلغ كلمات وأنه أبطأ بهن أو كاد أن يبطئ بهن، فجاءه عيسى عليه السلام فقال: إن الله أمرك أن تبلغ هذه الكلمات، فإما أن تبلغها وإما أن أبلغها. فقال زكريا عليه السلام: إني أخشى إن لم أبلغها أن يخسف بي أو أعذب. هكذا في الحديث الصحيح، هذا مين؟ هذا زكريا عليه السلام يقول أخشى أن يخسف بي أو أعذب. وقام وجمع بني إسرائيل في المسجد الأقصى وخطب بهم في الكلمات التي أمره الله بهن، وهي كلمات معروفة أخرجها أظن الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، وهي من الأحاديث المشهورة. لاحظوا حتى النبي يقول أخشى إن أنا أخرت أن يخسف بي أو أعذب، فالدين ما هو لأنه أنا أرتاح لهذا الجانب أو أشوف أنه هذا صح فهو صح. حتى لو كان صح في ذاته، ترى الصح هذا أو الصواب درجات. كيف تعرف هذه الدرجة أنها أعلى من هذه الدرجة؟ وأن هذا أقرب إلى الله من هذا؟ ليس بتحديد شخصي، وإنما على مقتضى ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو هنا التحديد.
ولذلك هنا لما نجي نتكلم عن الذنوب، في ذنوب هي مصيبتها أنها بوابة لذنوب أخرى، فإذا تلبس بها الإنسان مشكلة أنه كأنه قفز من علو ولا يدري بعد ذلك ما هي أنواع المنحدرات التي سيسقط فيها، بينما بعض الذنوب هي عبارة عن حفرة صغيرة هي وحدها الحالة، خلاص، في ذنب معين تعمله هو عبارة عن ذنب معين انتهينا. في ذنوب لا، في ذنوب هي عبارة عن حفرة لا قاع لها، انحدار. وقد يستقل أحدنا بعض هذه الذنوب أو يستصغر بتقديرك الشخصي: والله أنا ما أظن أن هذا الذنب هو اللي ممكن يؤدي بي إلى الهاوية. مو على كيفك، ولا أنت اللي تحدد. اللي يحدد هو الله سبحانه وتعالى، والذي يحدد هو النبي صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله. فأنت اللي عليك تعلم ما الذي قال الله فيه أنه ذنب عظيم، وما الذي قال فيه رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ذنب عظيم، فتبتعد عن هذا الذنب. وكما قال أنس رضي الله تعالى عنه في الحديث الصحيح: إنكم لتعملون اليوم أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات.
طيب، واحدة من هذه الأعمال الكذب. واحدة من هذه الأعمال القبيحة جداً التي قد تلقي الإنسان في هاوية بعيدة ومستنقع بعيد لا يدري ما قاعه، الكذب. تقول لي معقول كل هذا الكلام وبعدين الكذب يكون مثال على هذا الذنب القبيح جداً؟ أقول لك نعم، لماذا؟ وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا. واضح؟ ولذلك الصدق الصدق النجاة النجاة. صدق اللسان، لا تكذب أبداً، لا تجعل قلبك يميل إلى الكذب، وإذا مال فلا بد أن تمنعه بقرار واعٍ في أن يقوم بهذا الكذب. واضح؟ طيب.
الحديث الثاني عن أبي محمد الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ. رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. قوله يريبك هو بفتح الياء وضمها، ومعناه اترك ما تشك في حله واعدل إلى ما لا تشك فيه.
هذا الحديث حديث عظيم جليل فيه فوائد. قبل ذلك، هذا الحديث لم يخرجه البخاري ولا مسلم، وإنما أخرجه الترمذي. وكتاب رياض الصالحين هو كتاب فيه أحاديث من الصحيحين وفيه أحاديث من خارج الصحيحين، والأحاديث التي في الصحيحين هي أحاديث لا تحتاج إلى أن نقول فيها صحيح أو ضعيف لأنها صحيحة. أما الأحاديث التي خارج الصحيحين ففيها ما هو صحيح، وهنا في رياض الصالحين وفيها ما هو ضعيف. ومن المقصود في هذه المجالس العلمية وفي هذه المجالس التي تحت عنوان أنوار السنة المحمدية، من المقصود أن نقف عندما يبين صحة أو ضعف الحديث الذي ليس في الصحيحين. وهذه القضية ليست ترى من باب إثراء الجانب العلمي الحديثي المعرفي، لا لا، هذا الباب مهم جداً، وإن استهان به البعض، وإن رأى البعض أنه قضية الأحاديث ترى يعني الحمد لله ما دام أحاديث مشهورة أو كتب مشهورة فما يحتاج نقول يعني هذا حديث فيه ضعف أو لا. بل يحتاج، ثم بعد أن تبين الحديث فيه ضعف أو لا، قد يكون الحديث فيه ضعف ويستشهد به، وقد يكون الحديث شديد الضعف فلا ينبغي أن يستشهد به أبداً، وهذه لها ضوابط ولها قضايا ولها منهجيات معروفة عند أهل العلم.
والذي يؤكد هذه القضية أو الحاجة إلى هذه القضية هو أننا في هذه الأزمنة المتأخرة قد صار من تصرفات أو من مناهج بعض المشتغلين بالحديث التوسع في تصحيح الأحاديث وتحسينها، حتى أنك إذا نظرت إلى مجموع المتون التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على منهجية التساهل في التصحيح والتحسين، وإذا نظرت إلى عدد ومجموع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المتون بناءً على المنهجية النقدية التي كان عليها أئمة الحفاظ كابن حجر وأمثاله، ستجد أن المجموع النهائي والعدد لعدد المتون هنا ولعدد المتون هناك بينهما مفازة كبيرة جداً بينهما مفازة كبيرة. يعني القضية ما هي قضية ترفيه، قضية عملية، يعني ممكن وهذه القضية قد تحتاج إلى قدر من الاستقراء الدقيق، لكن ممكن إحنا نتكلم عن مئات أو ما يتجاوز ذلك من الأحاديث التي تحسن أو تصحح بناءً على منهجية معينة وتضعف بناءً على منهجية معينة. والإشكال ليس في علم الحديث بطبيعة الحال، وإنما الإشكال في مدى التحقيق لقواعد علم الحديث، ولأجل ذلك من الأمور المهمة التي ينبغي أن يؤسس عليها طالب العلم أن تكون له عناية بالحديث وبعلم الحديث وبمعرفته، إلى معرفة الصحيح من الضعيف أو على الأقل إلى فهم كلام العلماء في هذه القضية.
فإحنا إن شاء الله في سلسلة رياض الصالحين إذا كانت الأحاديث فيها تحتاج إلى تعليق من الناحية الحديثية، في ضعف واضح، في إشكال حديثي واضح، فيصير فيه تعليق، وحتى لو كان الضعف يسيراً ممكن يبين، لكن أمر الضعف اليسير يسير في الاستدلال، يعني إحنا بنقول الحديث فيه ضعف، ليس كل حديث فيه ضعف هو على مرتبة واحدة، قد يكون الحديث فيه ضعف يسير ويستشهد به، لكن الإشكال في الأحاديث التي هي شديدة الضعف. وإن شاء الله كل حديث يأتي في وقته بإذن الله تعالى. هذا الحديث هو خارج الصحيحين ولكن قال النووي رحمه الله قال الترمذي: حديث صحيح، وأظن مر معنا سابقاً أو لا أتذكر، لكن عموماً الأصل إذا قال الترمذي حديث صحيح أو حديث حسن صحيح أو حديث حسن صحيح غريب، يعني أي كلمة يقولها الترمذي فيها كلمة صحيح، فالأصل أن الحديث صحيح، وحكم الترمذي حكم عالٍ جداً ولا يخالف في هذا الحكم إلا في أعداد قليلة من الأحاديث وهذه تريح كثيراً.
لكن إذا قال حسن أو حسن غريب بدون كلمة صحيح ففي الغالب الحديث فيه ضعف، مو فيه ضعف أنه أنت تخالف الترمذي، هو يقول حسن وأنت تقول فيه ضعف، لا، هو أصلاً مع الحسن عند الترمذي لا يقصد بالحسن في معنى الصحة أو معنى الحسن عند المتأخرين، وإنما هو أصلاً لما يقول حسن ترى يريد أن يقول لك: ترى في قدر من النزول عن حالة الصحة إلى حالة قد يكون فيها راوٍ ضعيف، قد يكون فيها انقطاع سند، قد يكون فيها اختلاف راوٍ عن راوٍ، وهذه القضية الكلام فيها ليس في هذا المقام على وجهه التفصيل. لكن الأصل في أحكام الترمذي إذا حكم بالصحة أن يكون الحديث صحيحاً، اللهم إلا في بعض الأحاديث يعني اجتهادات معينة يخالف فيها الترمذي أحياناً، راوٍ يكون الراجح فيه أنه ضعيف والترمذي يصحح له فهنا يستدرك عليه، يستدرك العلماء والمحدثون ينتقدون على هذه القضية. لكن المشكلة التي سارت عند كثير من المتأخرين أنهم يظنون أن تحسين الترمذي هو تحسين يساوي التحسين الاصطلاحي عند المتأخرين، فيعتبر أن حسن هو اتصل إسناده برواية العدل الذي خف ضبطه عن مثله من غير شذوذ ولا علة، وهذا فيه إشكال.
طيب، فهذه النقطة الأولى المتعلقة بقول الترمذي حديث صحيح. النقطة الثانية، هذا الحديث فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة. ايش معنى يريبك؟ ما ترتاب فيه وتشك فيه، جيد. الريبة؟ شوف النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن الصدق طمأنينة. الريبة ايش علاقتها بالطمأنينة؟ عكس الطمأنينة، فيها حالة من الاستقرار من السكون، شوف السكينة، والطمأنينة فيها حالة من السكون والقرار، أما الريبة والشك ففيها حالة من الاضطراب.
جيد، والله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن هذا الدين بمجموع ما جاء فيه هو دين أتى ليصل الإنسان إلى حالة القرار والسكينة، لأنه دين صدق وحق، فيطاع الخبر فيه حقيقة الحال فيطمئن الإنسان، بينما ما أتى به الآخرون دائماً يأتي في القرآن أنه ترى كذب أو افتراء أو ظن، صح؟ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً، فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ... إلى آخره من الآيات الكثيرة التي تبين أن ما كان عليه غير المسلمين هو من هذا الصنف الثاني الذي فيه الكذب أو الظن أو التردد أو الشك، بينما الإسلام جاء ليقول: هنا اليقين، هنا الطمأنينة، هنا الإيمان، هنا السكينة، هنا الحق، هنا الصدق، وهنا البر.
طيب، هل ما جاء به الإسلام من كونه الحق والصدق والبر والرشد هو واضح لكل من ينتمي إلى الإسلام بتفاصيله، أو أن هناك أموراً إنما تتضح لأهل العلم فيكون حالهم أكثر استقراراً وطمأنينة من غيرهم؟ بلى، كما في الحديث الآخر: الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. معناه أنه في قليل من الناس يعلمون، تمام؟ طيب أنت ايش تسوي يلي ما تعرف المشتبهات؟ حقيقة حال المشتبهات هل هي حلال أو حرام، ماذا تفعل؟ اللي فيها ريب، فيها إشكال، تجنبها، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. تمام؟ طيب هنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، بل وحتى لو كان في بعض القضايا استفتيت فيها وأفتي بجوازها، لكن هذه لها قيود ولها ضوابط لعلها تأتي إن شاء الله عند حديث البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس، وفي رواية: وإن أفتاك الناس وأفتوك، وفي رواية: وإن أفتاك المفتون. جيد، وهذه لها ضوابطها ولها حدودها إن شاء الله تأتي لاحقاً.
لكن الفكرة هنا أنه يا جماعة الخير ترى كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: لن تبلغ حقيقة التقوى حتى تدع ما حاك في الصدر. لن تبلغ حقيقة التقوى حتى تدع ما حاك في الصدر، يعني الحرام البين هذا أكيد ما راح تبلغ حقيقة التقوى إلا إذا تركته، لكن هناك شيء آخر غير الحرام الصريح اللي هو ما حاكه في الصدر، هذا الشيء اللي ما أنت عارف بالضبط أنه حرام، وفي كلام كثير أنه حرام، وفي بعض من قال أنه جائز ولا عندك تحقيق، وفي نفس الوقت أنت باعتبارك كنت مؤمناً مستقيماً على أمر الله لم ترتح ولم تطمئن لهذه القضية شعرت أن فيها الحرج الحقيقي.
ها مو شعرت أن فيها الحرج الحقيقي، والدليل على خلاف هذا ما في اعتبار اللي حرجك. فهنا دع، ابتعد مثلاً معاملة مالية معاصرة، تعرف الآن في معاملات مالية كثيرة جديدة ما كانت موجودة سابقاً، والمعاملات المالية اليوم مرتبطة بالبنوك والبنوك فيها أحوال ربوية ومادري إيش وكذا؛ فجاءت معاملة مالية أنت الآن تبغى تدخل تتكسب، لما بحثت في الموضوع وجدت أن الموضوع فيه لعبة أو ما يشبه اللعب؛ أنه في الأخير لا هو بيع ولا شراء، وإنما يعني التفاف على أشياء معينة حتى بس تأخذ أموالاً. ولما ذهبت إلى العلماء وجدت أن كثيراً منهم يفتي بتحريم هذه المعاملة، لكنك وجدت لك واحد ولا اثنين يفتون بجوازها لا عن تحقيق وتدقيق وبحوث ولا عن خشية وورع وإنما اجتهاد من الاجتهادات.
قليل الورع هنا ماذا يقول؟ الحمد لله رب العالمين، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، الحمد لله رب العالمين في واحد قال حلال، قال والحمد لله رب العالمين هذا الآن خيارين هذا صعب وهذا ما اختار إلا اختار أيسرهما، بسم الله الحمد لله، واضحة يعني في شيء أوضح من كذا؟ واضح، وفي شخص آخر لا، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَىٰ مَا لَا يَرِيبُكَ. ولذلك أيها الكرام، طبعاً هذا إيش يسمى بكلمة واحدة؟ ليس الزهد وإنما الورع، نعم وكما تعلمون من تعريفات العلماء لهذا اللفظ اللي هو ترك ما قد يضر في الآخرة. فاجتنب اجتنب، وهذا الكلام يعني مثلاً الآن في قضية التعامل بين الجنسين بين الرجال والنساء، خاصة في مثل هذا الواقع الذي نعيش فيه اليوم واقع منفتح، وفي وسائل التواصل مفتوحة والشوارع والناس والدنيا، طيب أحياناً إنسان يوسع لنفسه، أنا ما سويت شيء غلط، يعني لسا في الحدود الشرعية ها، لكن أحياناً ترى لو استعملت دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَىٰ مَا لَا يَرِيبُكَ وغلبت جانب الورع والخوف من الله ستترك أشياء بمجرد استفتائك، ما تستفتي قلبك، تعرف أنه هذا الشيء ليس هو المستقيم مع ما يحب الله سبحانه وتعالى ومع ما يريد الله سبحانه وتعالى، فيعني أشياء كثيرة في هذا الباب يمكن أن تدخل تحت دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَىٰ مَا لَا يَرِيبُكَ.
طيب الحديث التالي عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله تعالى عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا يأمركم يعني النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو سفيان: قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، متفق عليه. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، هذا الحديث في قصة هرقل اللي هو عظيم الروم، اللي هو كان يملك إمبراطورية كبيرة جداً فيها بلاد الشام كلها مع القسطنطينية ومع ما بينهما كلها كان يملكها هرقل، وهذا هرقل بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم برسالة يدعوه فيها إلى الله عز وجل.
ولما وصلته الرسالة دعا من يعرف هذا المرسل للرسالة فسأل، فوجد أو أخبر أن قوماً من العرب من قوم النبي صلى الله عليه وسلم موجودون في بلاده بلاد الشام، وكان منهم أبو سفيان، وفي ذلك الوقت لم يكن أبو سفيان قد أسلم لا هو ولا الذين معه الذين أتوا للشام للتجارة، فدعاهم هرقل ليسأله عن أحوال هذا النبي، فلما جاؤوا وكانوا هؤلاء من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ولا تزال الحرب قائمة وإن كانت مرحلة هدنة، فلما أراد أن يسألهم وعرف أبو سفيان أنه سيسأل كان بوده أن يكذب على هرقل ليشوه النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه استحى أن يؤثر عليه كذب أنه اللي معاه هو سيد، الآن سيد، فإنه اللي معاه هذول من قومه، إذا كذب أبو سفيان مع أنه كلهم كفار الآن وكلهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم بس إذا كذب اللي معاه إيش راح يعرفوا أنه كذب؟ تمام، فإيش راح يصير؟ راح يسجل في سجل أبي سفيان أنه كذب في سجله مع المشركين الآن، فاستحى أنه هذا ما يتناسب مع أخلاق السادة وأخلاق الكبار.
وإذا أردت أن تقارن بين أخلاق سادة المشركين في ذلك الزمن الذي كانوا يستحون فيه من بعض الأفعال مثل الكذب أو مثل اقتحام بيوت النساء، أنه لا يتحدثون أنه إحنا روعنا بنات محمد وكذا، أنه عيب يعني عيب رجال وكبار عيب أنكم تروح تدخل، هذه كانت موجودة في أخلاق الجاهلية، كان يستحي أن يؤثر عليه كذب أن إيش ترى إذا، بالمناسبة ترى لو كان ليس سيداً ترى كان عادي يكذب فهمت الفكرة، بس أن هو سيداً من السادة فما هي لا تليق بأخلاق السادة فهمت الفكرة. ولذلك جاء في الوعيد في الحديث الصحيح وعيد كذا شديد على ثلاثة ومنهم ملك كذاب، أن الملك الكذاب له وعيد خاص، وشيخ زان وعائل مستكبر، اللي هي الثلاثة أشياء كلها ليس فيها موجب للفعل، شيخ اللي هو كبير في السن وزاني، وعائل اللي هو الفقير ومستكبر مستكبر علش ما عندك شيء تستكبر عليه، ومليك كذاب، يعني أنت ملك وعندك القوة وعندك الحكم وكل يوم طالع لي في وسائل الإعلام تكذب، ما يصير ما يصير، يعني هذا وعيد من أشد الوعيد. ونحن في هذا الزمن اللي هو زمن وسائل الإعلام وزمن الكذب، فهذا مليك كذاب. الشاهد أن أبا سفيان هنا استحى أن يكذب أو أن يقول شيئاً يؤثر عليه ويسجل في سجله أنه كاذب، فلما سأله هرقل سأله الأسئلة الكثيرة التي أخرجها الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب بدء الوحي، وكانت قصة عظيمة وعجيبة وفيها فوائد كثيرة كما تعلمون.
فكان من جملة ما سأله ما سأل هرقل أبا سفيان، قال بما يأمركم أو فماذا يأمركم؟ طيب الآن أبو سفيان في مقام هو يخاطب الآن هرقل عظيم الروم، يعني المكان ترى ما هو كلام يقعد يطول في الكلام ويزيد، خلاص هو لازم يجيب كلام الخلاصة، الآن ما سيقوله أبو سفيان هو خلاصة ما فهمه سادة العرب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يدعو، يعني كل شيء سيذكره أبو سفيان هنا هو أساسي، قال يأمرنا فيقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، كل واحدة من هذه الأشياء هي قضية مهمة جداً جداً، وكلها من القضايا التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة في أول الإسلام، ومنها الصدق، ومنها الصدق، وهذا الحديث أهم فائدة منه أهم فائدة هي منزلة الصدق في الإسلام، بل ومنزلة الصدق في قائمة ما يدعى إليه في خارطة الإصلاح والدعوة وما يربى عليه الناس وما يدعون إليه، الصدق واحد أساسي معيار من محكمات الدين التي يدعى إليها.
الحديث التالي الرابع عن أبي ثابت وقيل أبي سعيد وقيل أبي الوليد سهل بن حنيف وهو بدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه منازل الشهداء وإن مات على فراشه. رواه مسلم. هذا الحديث كما ذكرت في بداية اللقاء يدل على إيش يا أحمد؟ إيش قلنا في بداية اللقاء من سأل الله الشهادة بصدق يدل على إيش؟ ها يا أسامة، أحسنت، يدل على الصدق بالقلب، لأنه من سأل الله سيسأل الله بلسانه، من سأل الله الشهادة بصدق، الصدق هنا محله ماذا؟ محلها القلب، وهذا يدل على أن الصدق عبادة محلها القلب أيضاً، كما أن محلها اللسان، كما أن محلها الجوارح، فمحل هذه الثلاثة القلب واللسان والجوارح، من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.
لما نقول بلغه الله منازل الشهداء، منازل الشهداء هذه هي من أعلى وأعظم وأرفع وأزكى ما يمكن أن يصل الإنسان إليه في الآخرة، منازل الشهداء منازل ودرجات، وهذه المنازل والدرجات قد بينها الله سبحانه وتعالى وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى في سورة النساء: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً. وقال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ.
طيب إذاً هناك درجات للشهداء، وفي البخاري ومسلم كذلك بيان درجات الشهداء ومنازل الشهداء ومنها أن في الجنة مائة درجة، مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجة أو ما بين كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض، فلما تسمعوا في الحديث منازل الشهداء، إيش لما تسمعوا منازل الشهداء لا تظنوا أنه منازل الشهداء شيء عادي، منازل الشهداء شيء عظيم جداً. هذا الآن الكلام قبل شوية اسم عام في المجاهدين، الشهداء لهم فضل أخص، تمام؟ طيب ما الطريق إلى الوصول إلى منازل الشهداء؟ في الأصل الجهاد والقتل في سبيل الله صح، أن يقتل الإنسان في سبيل الله يعني أن يقتل في قتال مع أعداء الله، هنا يبلغ منازل الشهداء، تمام.
طيب موضع الشاهد الآن، قد يكون لمنازل الشهداء طريق أخرى غير القتال والقتل وهي صدق القلب، ها أول شيء قبل الدعاء، صدق القلب في الدعاء لله تعالى بأن يبلغ الله العبد منازل الشهداء، يعني هل ممكن أن يصل إنسان إلى منزلة الشهداء وهو لم يقاتل في سبيل الله ويقتل في سبيل الله؟ نعم، وقد يكون الذي قُتل له أضعاف، لأن بعض العلماء يذكر في مثل هذا الحديث اللي هو في حديث مر عليكم في المنهاج "إنما الدنيا لأربعة نفر" الحديث من كان أبي كبشة الأنماري، وفيها ورجل أتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو إيش؟ بالله شوفوا قارنوا لي بين لفظ فهو صادق النية وبين سأل الله الشهادة بصدق، بصدق، فهذا السر ما هو السر؟ أنك تقول لو أن لي، السر هو الصدق، فهو صادق النية يقول إيش لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو إيش فهو إيش بمنزلته سواء، صح؟ وهنا بلغه الله منازل، فهو بمنزلته، هنا منازل الشهداء، تمام، يعني نفس الحديث صح ولا لا، بس اللهم العمل مختلف، هناك قال ابن رجب عن ذاك الحديث قال إن التساوي هو في أصل الثواب وأن المضاعفة تكون لمن قام بالعمل بنفسه، واضح.
فهذا فرق بين من كان عنده علم ومال فأنفق، وبين من كان عنده علم بلا مال فقال لو أن لي مالاً لعملت عمل فلان وكان صادق النية فهو بمنزلته سواء، أي في أصل الثواب، وأما في المضاعفة فهي لمن عمله بنفسه. وقد يكون هذا الآن في الشهداء قد يكون نفس القضية، الله أعلم أنه هذا في أصل الثواب، ثم بعد ذلك المضاعفة كل من قُتل في سبيل الله حقاً واضح، لكن ها هنا فضل من الله عظيم، وباب لو تفكر فيه الإنسان شريف وهو باب النية وباب الصدق مع الله والرحلة إليه والهجرة إليه بالقلب، ثم بعد ذلك أن يشفع هذا الصدق بالسؤال القولي، فعند ذلك قد يبلغ الله العبد منازل الشهداء وإن مات على فراشه وإن مات على فراشه. والسر وهو الذي لأجله أخرج الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب الصدق، السر هنا هو في أي شيء؟ هو في صدق القلب حين الدعاء، فمن قال اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك ولم يكن صادق النية وصادق القلب فلن ينال هذا الثواب، وأما من كان صادق القلب وصادق النية حين يدعو بهذا الدعاء فقد يكتب الله له منازل الشهداء وإن مات على فراشه، تريد أفضل من ذلك؟ وهذا من كرم الله ورحمته وجوده وإحسانه، وهذا لمن يتفقه في طريق الآخرة يكفي لإدراك شرف النية وشرف الإخلاص وشرف الصدق مع الله سبحانه وتعالى بالقلب.
الحديث الخامس وهو قبل الأخير قال النووي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غزى نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتاً لم يرفع سقفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر أولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً، فليبا يعنيي من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فليبا يعنيي أو فلتبايعني قبيلته، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها، فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحل لنا، متفق عليه. الخلفات بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة وهي الناقة الحامل.
الحديث حديث عظيم، وقبل أن أذكر الفائدة التي فيه، أحب أن أنوه إلى قيمة وأهمية وجود العلماء الذين يستنبطون المعاني والفوائد، وذلك لأن هذا الحديث أخرجه الإمام النووي رحمه الله في أي باب؟ في باب الصدق. وما علاقة هذا الحديث بالصدق؟ ما علاقة هذا الحديث؟ بمعنى لو أنت قرأت هذا الحديث، لو قرأت هذا الحديث في أي باب ستخرجه؟ الغنائم، الجهاد، علامات النبوة، المعجزات، قصص الأنبياء السابقين، صح ولا لا؟ ممكن تخرجه كذلك في قضية أهمية صفاء القلب من المشغلات ونحو ذلك، لكن في باب الصدق تحديداً هذا يبين قيمة العلماء وقيمة الاستنباطات الدقيقة.
وفعلاً هو خلاصة الحديث في شقه الأول هو في الصدق، أن يأتي الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله وليس وراءه شيء من أمور الدنيا قد بدأ ولم يتم، وهو في غاية الانتظار والترقب للتمام؛ لأن الثلاث حالات المذكورة هي كلها في حالات دنيوية تتعلق القلوب بها ولم تتم. الأول: رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها، ولما يبني بها -يعني على تعريفنا اليوم هو عاقد وليس متزوجاً، يعني عارف عقد على زوجته وينتظر الزواج- هذه التي نعرفنا اليوم. والثاني: رجل بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها. تقول اللي ما جرب هالبناء والانتظار البيوت هذه يمكن ما يعرف، ما يعرف، لكن إحنا نشوف مثلاً بعض الآباء، بعض الناس لما يدخل في قضية بناء مثلاً لنفسه، أحياناً يأخذ سنوات، كل ما تقول له شيء يقول لك بعد ما أخلص البيت، بعد ما نروح البيت، بعد ما، البال كله مشغول مع بناء البيت. هذا بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها. والثالث: اشترى غنماً أو خليفات وهو ينتظر أولادها، عنده غنم وخليفات حوامل، وينتظر الولادة.
في هذه اللحظة قال النبي لقومه: أي واحد منكم عنده هالـ 3 حالات لا يجي معاي في سبيل الله في هذه المعركة، أي واحد منكم عاقد على امرأة ولسة ما تزوج، أو باني بيت ولسة ما رفع سقوفه، أو عنده غنم أو خليفات اشتراها والآن ينتظر ولادتها ولما تلد بعد. أي واحد منكم به الثلاثة لا يجي معاي الجهاد في هذه المعركة الفاصلة؛ اللي هي أكيد أنها كانت معركة كبيرة وأساسية ومهمة. والعجيب هو إخراج النووي لهذا كله في أي باب؟ باب الصدق. عجيب، وكأن فيه إشارة إلى أن أحياناً قد يضاد الصدق ليس بالضرورة النفاق مثلاً، أحياناً قد يضاد الصدق ماذا؟ التعلق بالدنيا. تعلق بالدنيا، يعني هذا قاتل فلم يصدق في اللقاء، لم يصدق! إيش مع لم يصدق؟ يعني لم يعطِ القتال حقه. تذكروا في سلسلة صلاح الدين لما كانت أحداث عكا أظن أو بعدها، قال لما قال العماد قال: وأعطوا الجهاد في سبيل الله حقه. خلاص عارف لما يكون سويت كل شيء في القتال، كذا أنت أعطيت القتال حقه. مين هذا الآن لما يقول لك أعطى القتال حقه؟ بدل هذه الكلمة حطها، إيش في كلمة أخرى؟ صدق. صدق مو معناه صدق يعني قال كلام صدق، لا صدق معناه بعمله، صدق في القتال، يعني عمل كل ما يمكن أن يعمل في القتال.
سؤال: ما الذي يضاد الصدق بالقتال؟ أحد أمرين: إما أن يضاد الصدق في القتال الجبن، وهو شعبة من النفاق هنا، أحياناً يكون شعبة من النفاق، يعني لك أن تقول مما يضاده النفاق أو الجبن. وأحياناً يضاد الصدق هنا إيش؟ ليس نفاقاً ولا جبناً، ولكن التعلق بشيء من الدنيا. أنا هنا لست بكلي في هذا القتال، أنا ببعضي هنا وبعضي الآخر أين؟ مع المرأة التي لما يبني بها، أو مع البيت الذي لما ترفع سقوفه البيوت التي لما ترفع سقوفها، أو مع الغنم والخلفات التي لما تنتج بعد أو تلد بعد. واضح الفكرة؟ فهنا هذا التركيز وصدق اللقاء، التقط النووي هذا المعنى فأخرجه في باب الصدق، وهذا كما قلت صراحة يعني معنى عظيم جداً، والتقاطه مهمة جداً واستنباط رائع إلى غاية الروعة. فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
طيب الآن في مثل زماننا هذا إذا كانت تلك الحادثة ربما متعلقة بمعركة مصيرية أو قتال مصيري كان لذلك النبي عليه السلام، فإنني -يعني برأيي أو فإننا برأيي- في هذا الزمن أننا -يعني الأمة الإسلامية- أيضاً تعيش مرحلة فاصلة وتعيش مرحلة استثنائية، وتحتاج من أبنائها -لا أقول كل أبنائها ولا كل العاملين- لكن تحتاج من العاملين ومن أبنائها من تتوفر فيهم هذه الصفة، اللي هي صفة الصدق في العمل للدين، وعدم انشغال القلب بأي شيء آخر. وعدم الانشغال هنا ليس معناه هو عدم الزواج ولا عدم البناء ولا عدم امتلاك أموال، تلك الصور في ذلك الوقت. الآن إحنا مثل ما ذكرنا سابقاً في لقاء، بالعكس أحياناً في مثل هذا الزمن اللي فيه فتن كثيرة، أحياناً عدم الزواج هو اللي يشتت وليس العكس. فلكن القصد، أكثر مشتت برأيي في زماننا هذا هو ضغوط الحياة المعاصرة، هو أكبر مشتت في هذا العصر برأيي، ولذلك نرجع لأساس الفكرة اللي تكلمنا عنها سابقاً وهي فكرة تفريغ أناس من العاملين للدين، تفريغ أناس من حملة الدين يخرجون من ضغوط هذه الحياة المعاصرة ويكونون من أهل صدق العمل الذي يضاد ليس النفاق، وإنما يضاد إيش؟ تعلق بالدنيا أو الانشغال فيها أو ضغوطها وأسبابها وإشكالاتها، تمام ولا مو تمام؟ واضح ولا مو تمام؟ تمام سنوان ولا لا؟ وفي الحديث فوائد أخرى، لكن نكتفي بهذه الفائدة.
الحديث الأخير قال: السادس عن أبي خالد حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا. متفق عليه. إيش معنى البيعان؟ البائع والمشتري بالخيار، يعني في رد السلعة أو اللي هي الخيار المعروف وقت وقت البيع والشراء، للمشتري الخيار في أن يرد، جيد، وللبائع الخيار أن يعود طالما أنهما في نفس المجلس، جيد، ما لم يتفرقا. فإن صدقا وبينَا بورك لهما في بيعهما. إيش معنى صدقا وبينا؟ أيوه، لما تجي تبيع شيء، تمام، معك سيارة ما بقت رصيف إلا ضربت فيه، ولا طعس ولا جبل إلا طلعته ولا مادري إيش اللي أكلت فيه، مدري إيش، تمام، ولما تجي تبيعها، تقول والله لولا أني محتاج بس، ولا السيارة جديدة ولا ما كان بعتها يا شيخ، أبداً، لكن الله المستعان، يعني أبيعك السيارة وقلبي معاها، لكن الله المستعان، سيارة يعني أحسن من الجديدة، وهي ماشية بالتنفس الصناعي أصلاً. عارف يعني يا الله تمشي، لكن مع المزينات، التنظيف والدري إيش والبويات تجي كذا. نعم بإمكانك أن تخدع، هذا هذا اسمه كتم وكذب، في كتم وفي كذب. الكتم أنك ما تخبر بالعيوب، والكذب أكثر وأشد، أنه إيش؟ أنك تخبر بخلاف الواقع. تمام، أما البيع، الكتم أنك تبيعها وأنت عارف أنه في عيب خفي لن يطلع عليه إلا بكلامك، فتبيع وتسكت، هذا أيضاً داخل في خلاف الصدق، لكن الكذب لا، هو أن تخبر بخلافه، وأشد منه وقد ورد التحذير منه في الأحاديث الصحيحة أن يكون معه حلف، وهذا ما أكثره في الباعة والمشترين، ما أكثره الحلف، والله العظيم أن كذا وكذا، حتى حتى البائعين يجي يقول لك والله أنا أصلاً ترى جاني فيها 100 ألف أصلاً بس إني يعني الله المستعان ما بعنا إلا كذا، هذه دائماً عندهم عند كثير منهم، يعني هذا هذا كله يدخل في هذا الحديث.
طيب، الشاهد هنا، الشاهد هنا في أي شيء؟ في الصدق، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، يعني هذا الحديث فيه أول شيء هو متعلق بالصدق بالجوارح ولا باللسان ولا بالقلب؟ باللسان، باللسان صح، هو متعلق بالصدق باللسان، ولكنه يحدد ميداناً من ميادين الصدق باللسان وهو ميدان البيع والشراء، فهو من أهم ميادين الصدق باللسان. واضح؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصادقين، ونعوذ بالله أن نكون من أهل الكذب والنفاق، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد