تسجيل الدخول

رياض الصالحين 21 | باب التفكر | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله ذي الجلال كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، نستعين بالله ونستهديه، ونستفتح المجلس الحادي والعشرين من مجالس التعليق على رياض الصالحين ضمن عنوان أنوار السنة المحمدية، وضمن عنوان الاستهداء بالسنة النبوية، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في كتابه وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم. اليوم عندنا باب مهم وباب فريد وباب عظيم من أبواب رياض الصالحين، وهو باب من أبواب الدين، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا وأن يعيننا على إحسان التعامل مع هذا الباب، وهو ما وسمه الإمام النووي رحمه الله تعالى بقوله: باب في التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى، وفناء الدنيا، وأهوال الآخرة، وسائر أمورها، وتقصير النفس، أي التفكر في ذلك كله، وتهذيبها، وحملها على الاستقامة.

قال الله تعالى: إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا. وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ. وقال تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. وقال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا. والآيات في الباب كثيرة، ومن الأحاديث الحديث السابق: الكيس من دان نفسه. هذا ما ذكره النووي رحمه الله تعالى في هذا الباب، وهذا أول باب لا يذكر فيه الأحاديث، وإنما قال الأحاديث كثيرة ومنها، وأحاله على حديث سابق، وسبق أن هذا الحديث سبق التعليق عليه، حديث ضعيف من حيث الإسناد، لكن هذه الآيات التي ذكرها هي آيات سنقف معها وقفة طويلة بإذن الله تعالى، وخاصة خواتيم سورة آل عمران.

والتفكر في آيات الله والتفكر في مخلوقات الله هو باب عظيم من أبواب الدين كما أسلفت، وباب من أبواب العبادة العالية والعظيمة، وهي من الأمور التي دعا إليها الإسلام في سياق الدعوة وليس فقط في سياق العبادة، يعني أن التفكر يُدعى إليه في أحوال ومقامات من أهمها مقامان: مقام الدعوة ومقام العبادة. كيف مقام الدعوة؟ مقام الدعوة يعني حين يُدعى غير المسلم إلى الإسلام، أو من لديه شبهة أو إشكال، أو يعني حتى لو كان مسلما، فإنه يُدعى إلى التفكر والتأمل في الطريق وفي الأدلة والبراهين، وهذا من أهم ما ينبغي الدعوة إليه، ومن أهم ما ينبغي أن يقاد الناس إليه، وأن يخرجوا من أسر التقليد الأعمى؛ لأن التقليد للآباء أو للسلطات أو يعني المعظمين عموما، من أي جهة كانوا، من جهة القبلية أو من الجهة السياسية أو أيا كان، الأسر في قضية الانقياد، الإنسان كونه يُقاد وكأنه مأسور قلبه وعقله، هو هذه هي المشكلة الأساسية التي واجهها الأنبياء في أقوامهم، المشكلة الأساسية. ومن الأدلة على ذلك ما جاء في سورة الزخرف: مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ، هذه هي الحجة الدائمة للمكذبين، وسبحان الله لا يتحرر أحد من هذا القيد ومن هذا الأسر إلا يفلح إذا صدق، ولا يبقى أحد في هذا الأسر وفي هذا القيد إلا خسر خسرانا مبينا إلا أن يشاء الله. وهذا الأمر لم ينته يا جماعة، إحنا ما زلنا في السياق الأول الذي هو سياق الدعوة، اليوم الأمة الإسلامية بحاجة إلى تطبيق قضية التفكر غاية التطبيق فيما يتعلق بالطريق، وفيما يتعلق بخلاصه، وفيما يتعلق بأحواله، وفيما يتعلق بأمر عدوه. وهذا النوع من التفكر الأول، هذا هو الذي تصدق عليه الآية الأولى التي ذكرها النووي، الآية الأولى التي ذكرها النووي رحمه الله هي في سياق الدعوة، أم في سياق التفكر أو في سياق العبادة؟ سياق الدعوة، صح: إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ، يعني قوموا أيها المدعوون من قريش، قوموا قومة صدق لله مثنى وفرادى، يعني ممكن تخرج أنت وشخص آخر، لكن يجب أن يكون هذا العدد ليس هو ليس اجتماع عام تتجاذب فيه الآراء؛ لأنه هذا مقام تفكر، قد تحتاج أن تتفكر وحدك وقد تحتاج إلى شخص تراجع معه الفكرة: أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. هذا التفكر في مقام الدعوة، لذلك اليوم هناك حاجة إلى الدعوة إلى التفكر باستحضار قضية الدعوة، قضية معرفة الحق، قضية التأمل في الطريق، التأمل في البراهين، النظر في الواقع المفسد، التحرر من ربقة التقليد، خاصة التقليد المتعلق بالثقافة الغربية، وبمجرد القوة المهيمنة في أي منطقة من المناطق، لا بد من التحرر من قضية الاستلاب الفكري هذا، وأن الإنسان يكون حرا في تفكيره، هذه قضية مركزية في الدعوة.

هذا الآن المقام الثاني في التفكر هو المذكور في الآية الأخرى، اللي هو ايش؟ تفكر العبادة، صار عندنا تفكر دعوة وتفكر عبادة، يعني تفكر يقود إلى معرفة الحق من تمييز الحق من الباطل، هذا واحد، وتفكر يقود إلى زيادة الإيمان وزيادة اليقين وزيادة الطمأنينة، والاستدلال على عظمة الله وعلى جلاله وعلى كبريائه وعلى حكمته وعلى علمه، إلى آخر ذلك مما هو داخل في قضية التفكر، يدخل في ذلك التفكر في آيات القرآن العزيز وما إلى ذلك، فعندنا تفكر دعوة أو تفكر للوصول إلى الحقيقة، هذا واحد، وعندنا تفكر لزيادة الإيمان ولترسيخ اليقين ولمعرفة الغاية من الحكمة من الخلق وما إلى ذلك، هذا الآن النوع الثاني. هذا التنبيه مهم حتى ما ينصرف الذهن إذا قيل التفكر أن هو مجرد يعني تفكر عبادة لزيادة الإيمان، لا.

طيب هذا النوع الثاني الذي هو تفكر العبادة هو الذي سيكون معه الوقفة الطويلة في هذا المجلس إن شاء الله، في آيات سورة آل عمران، خواتيم سورة آل عمران. النووي رحمه الله ذكر منها آيتين: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الآية التي بعدها: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. لكن إحنا إن شاء الله نريد أن نقف مع كل الآيات؛ لأنها هي تأتي في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود في هذه السلسلة، تأتي في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم واحدة، هذه العشر آيات الأخيرة هي واحدة، هي طبعا على الدقة إحدى عشرة آية، لكن تذكر جملة عشر آيات، هذه في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معها باعتبارها مقطعا واحدا، وذلك بالمناسبة في الحديث الصحيح في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنه ابن عباس أنه لما استيقظ من الثلث الآخر في الليل، وفي رواية لما استيقظ في منتصف الليل، مسح النوم عن وجهه في رواية، ونظر إلى السماء في رواية، وفي رواية لا، وقرأ مباشرة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السورة، يعني قرأ آخر عشر آيات في سورة آل عمران.

جيد، فيكون هذا طبعا الرواية التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فنظر إلى السماء وقرأ هذه الآيات تكون فيها يعني ايش؟ أن من الهدي المتعلق بهذه الآيات أن يكون أيضا مصحوبا بالتفكر، طبعا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم -ولم أحقق إسناده تحقيقا تاما- لكنه عند ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن هذه الآيات: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، ويل لمن قرأها ولم يتفكر في هذه الآيات التي هي ختام أو خواتيم سورة آل عمران، فهي من الهدي العملي للمصطفى صلى الله عليه وسلم، كان يقرأها في الليل. وبالمناسبة الوقت الذي يكون بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة، خاصة إذا كان في وقت راحة، يعني أن الإنسان ارتاح في هذا النوم واستيقظ مباشرة، هذا الوقت من الأوقات التي تكون أبواب القلب فيها مفتوحة لتنُقش عليها الآيات وتنُقش عليها المعاني، ولذلك هو وقت ذكر، تعرف عندنا أذكار الاستيقاظ من النوم، وعندنا أذكار النوم، فمن الآيات والأذكار التي تقرأ في مثل هذا الوقت التي هي أذكار أو هي آيات التفكر، هذه آيات خواتيم سورة آل عمران.

طيب، هذه الآيات العظيمة والآيات العجيبة والآيات العزيزة، نريد أن نقف معها وقفة في هذا المجلس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتأملين المتفكرين. قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. الله سبحانه وتعالى ذم في كتابه العزيز من يمر بآياته ولا يتفكر فيها، ذم من يمر بآياته أو على آياته ويكون عنها معرضا، فقال سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وقال سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ، صح؟ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ في سورة الأنبياء، فالله سبحانه وتعالى ذم من يعرض عن التفكر في آياته، وهذا التفكر في الآيات هو ليس لكل أحد، يعني لا يستطيعه كل أحد، لن يقف عند هذه الآيات كل أحد، الذي يقف عند هذه الآيات هم أولوا الألباب، الذين يقفون عند هذه الآيات هم أولوا الألباب، وأولوا الألباب هؤلاء يحتاجون إلى حالة من اليقظة الدائمة حتى يتنبهوا للآيات التي يقفون عندها، وهذه اليقظة تحصل بالذكر الدائم المستمر في مختلف الأحوال، ولذلك إذا كانوا يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فهم من أولى الناس بالانتفاع بالآيات التي أودعها الله في الكون. وقد بين الله في كتابه كثيرا أنه أودع الآيات، ولكن الاستفادة من هذه الآيات سواء الآيات الكونية أو الآيات الشرعية إنما هي لفئات محددة من الناس، إنما هي لمن يتلبس بصفات معينة وليست لكل أحد، بل قال سبحانه وتعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ولذلك يتكرر في ذكر الكتاب العزيز ذكر الصفات التي إذا تلبس بها الإنسان استفاد من الموعظة، استفاد من الذكرى، استفاد من التذكر، استفاد من العبر، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا. وقال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ. وقال سبحانه وتعالى: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ. وقال سبحانه وتعالى: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ. وقال سبحانه وتعالى: ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. قال سبحانه وتعالى في آية عظيمة: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ.

ولأجل ذلك لا نستغرب أن يكون الإنسان يتماس بشكل يومي مع الآيات والأمور العظيمة من خلق الله سبحانه وتعالى، ثم لا يؤمن ولا يزداد إلا إعراضا؛ لأن وجود الدليل لا يستلزم الانتفاع به، وجود الدليل لا يستلزم اتباع الإنسان لهذا الدليل، وجود الدليل لا يستلزم الهداية، وإنما وجود الدليل يستلزم الهداية للصادقين المتواضعين الخاشعين، المستعدين لأن يكونوا عبيدا لله سبحانه وتعالى، هؤلاء هم الذين يستلزم الدليل هدايتهم بإذن الله تعالى، أما من كان متكبرا أو معرضا فوجود الدليل لا يعني أنه سيهتدي، بل قد يكون وجود الدليل سببا في زيادة النفور. ونحن نرى اليوم كثيرا من أصحاب التخصصات العلمية ممن يطلعون على عجيب صنع الله سبحانه وتعالى في الكون، أو في الأنفس، وفيما خلق الله سبحانه وتعالى في الناس، وفي الخلايا البشرية، وفي الأعصاب، وفي الجينات، وفي الأمور العجيبة، ونجدهم من عتاة الملاحدة، نجدهم من عتاة الملاحدة، مع أنهم يحتارون، ومع أنهم يدركون، أنهم أكثر الناس إدراكا لأن هناك قوانين دقيقة وراء هذا الذي يرون، هم يعرفون هذه القوانين وعندهم حسابات دقيقة لها، سواء ما يسمى بالثوابت الكونية أو غيرها من الأمور التي هي متعلقة بحسابات دقيقة لموازنات اللحظات الأولى لنشأة الكون، قياسات وأرقام دقيقة جدا لو اختل رقم واحد منها لما نشأ الكون، ثم بعد ذلك وبعد كل هذه الدقة يبحثون بحثا ملحا وحثيثا ليجدوا أي شيء ليلقوا به سبب نشأة الكون إلا الله، إلا الله. يعني هو ما عندهم شيء، ليست النتيجة أنهم وجدوا شيئا فتبرؤوا من النسبة إلى الله، لا، هي الفكرة أنهم لا الشيء الثابت عندهم الوحيد هو أنهم لا يريدون نسبة هذه الأمور إلى الله، فتجدهم يبحثون عن أي شيء، وتجدهم في حيرة، فبعضهم ينسب هذا إلى حضارة ذكية غير مرئية في الكون لعلها تكون موجودة فتكون أودعت ذكاء في هذه الأرض، فسار ما يُعرف بـ سك، واللي يقول لك في أكوان موازية يمكن يكون كذا، واللي يقول.

إنه في واحد عنده نظرية معروفة شيء من لا شيء، من لا شيء كـ لا شيء هكذا، نحن لا شيء وجدنا من لا شيء، عاد أنت تبغى تصدق، ما تبغى تصدق عقلك مو لازم، أهم شيء أهم شيء في النتيجة.

والمؤدى لا يكون هناك تكليف وعبودية وحلال وحرام وأمر ونهي وشيء يخرجك عن هواك، هذا أهم شيء عندهم أنه ما يكون في شيء يخرجك عن هواك، أهم شيء أن يظل هو سيد الكون، الآمر والناهي، المتحكم وكذا، وبهذه الطريقة يرضي غروره وكبره، إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ، إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ، هذا الذي في صدورهم بس، كبر كبر، واستعلاء، واستغناء، ورغبة في أن يبتعدوا عن قضية الذل لله والخضوع له.

ولذلك وهذا هو الدرس الأول في هذه الآيات الذي ينتفع، أو الدرس الثاني لأن الدرس الأول كان وهما متصلان، الدرس الأول كان أن الله سبحانه وتعالى لا يحب من يمر بآياته فيعرض عنها، الدرس الأول في هذه الآيات فقط، أما الآية الأولى تكلمنا عنها، لكن في هذه الآيات أنه كان الدرس الأول هو الله سبحانه وتعالى لا يحب من يمر بآياته فيعرض عنها، ثم الدرس الثاني كان أن هذا الإعراض ليس لعدم وجود الآيات ولا لأنها ليست واضحة، وإنما لأن الإنسان لم يتلبس بالصفات التي تقوده إلى الانتفاع بها، وبالتالي وجود الدليل لا يستلزم الهداية، وإنما وجود النفس الصادقة التي ترضى أن تكون ذليلة خاضعة لله متجردة في بحثها، هي النفس القابلة لأن تهتدي بما جعل الله من الأدلة.

الدرس الثالث لكنه لن أفصل فيه لأنه طويل جداً، وإن كنت أشرت إليه بذكر آياته الآيات المتعلقة به، وهو ما هي الصفات التي إذا تلبس بها الإنسان انتفع بالآيات أو من الآيات؟ ما هي الصفات التي إذا تلبس بها الإنسان انتفع بآيات الله؟ وبعكس ذلك ما هي الصفات التي إذا تلبس بها الإنسان انصرف عن الانتفاع بالآيات؟ الآيات التي سردتها قبل قليل فيها الجواب فتترك للتأمل، الخشية، الإنابة، ها التفكر، اليقظة الدائمة، يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ، يقظة القلب بالذكر إلى غير ذلك، ومن أعظم الصفات المقابلة الكبر، سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، إلى غير ذلك من الآيات أيضاً، طيب هذا الدرس الثالث من هذه الآيات.

طيب في معنى قوله سبحانه وتعالى: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ، من العلماء من قال أن المعنى هنا يشمل أو يدخل فيه دخولاً أولياً موضوع الصلاة وإن كان يدخل فيه غير الصلاة، فيذكرون الله قياماً في صلاتهم، وقعوداً في صلاتهم ها، وعلى جنوبهم خارج صلاتهم، يذكرون الله قياماً وقعوداً في صلاتهم وغيرها، وعلى جنوبهم خارج صلاتهم، فيكون المقصود أن دوام الذكر في الصلاة وغيرها، لكن الصلاة تكون مقصودة قصداً أساسياً في هذا الذكر: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ.

طيب، وفي هذه الآية أن ذكر الله سبحانه وتعالى وكثرة هذا الذكر في مختلف الأحوال، ومن أعظم العلامات على عقل الإنسان، الإنسان العاقل هو الذي يكثر من ذكر الله، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا، هم هم من أولي الألباب، من هم أولو الألباب؟ هم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فالذي يذكر الله في كل أحواله هو من أولي الألباب، هو من العقلاء، هو من أصحاب العقول، هو من أصحاب الألباب الذين ينتفعون بعقولهم.

ومن هذا نأخذ فائدة أيضاً أشرت إليها قبل قليل، وهي أنه أن الانتفاع بالتفكر هو ليس معادلة جامدة، هو يحتاج إلى يقظة قلبية، يحتاج إلى يقظة قلبية، لذلك ترى ممكن أنت حتى إذا جيت مثلاً مثلاً يعني خرجت كذا ليلة تريد أن تتفكر في آيات الله ها، جيد أن تهيئ قلبك لمثل هذا العمل، لا تظن أن هو التفكر أنك بس تأخذ نفس عميق وتبدأ رحلة التفكر، لا هو يحتاج مع الحالة الذهنية يحتاج حالة قلبية، يحتاج حالة قلبية، هو التفكر ينتج حالة قلبية لكن هو أيضاً يحتاج إلى أن يكون مسبوقاً بحالة قلبية، هذه الحالة القلبية أفضل ما يحييها ويجعلها هكذا قابلة للانتفاع بالتفكر، الذكر، كثرة الذكر في مختلف الأحوال، ولذلك ملازمة الذكر دائماً في مختلف الأحوال هذا باب عظيم من أبواب الخير وباب عظيم من أبواب الرشد وباب عظيم من أبواب الانتفاع من آيات الله سبحانه وتعالى.

طيب يحضرني هنا أن آية أخرى فيها أن الذكر يفيد في مشكلة إذا الذا يعني خلنا نجيب الآية على طول: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، إيش أكمل؟ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، وذكر الله كثيراً معناه أن من ذكر الله كثيراً ومن أكثر من يستفيد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم والاتساءل والاقتداء به، لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، فذكر الله الكثير باب عظيم يعني هو ليس فقط أنه باب حسنات وليس فقط أنه هو باب مثلاً طمأنينة، لا هو باب للتفكر، للانتفاع، للهداية، لأنه الإنسان يستفيد مما يتصل به من من المعاني من الآيات من العبر من الدروس واضح، ولذلك لا تتعجب أن الإنسان يرى آية من آيات الله مثلاً خلينا نفترض الآن اثنان من المسلمين يرون نفس الآية، واحد تهز الآية كيانه ها وتهز قلبه وتجعل هذا الإنسان في حالة من الإيمان واليقين عجيبة، والآخر لا، والسبب هو حياة القلب، السبب هو حياة القلب ليس سعة المعرفة وإنما هي حياة القلب.

طيب الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هنا طبعاً رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ، أي قائلين كما يقول بعض المفسرين ويتفكرون في خلق السماوات والأرض قائلين: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

الآن رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا، هذه نتيجة عظيمة، هذا الآن الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق أم على الحكمة من خلقه؟ الحكمة من الخلق، الذي يخلق يعني التفكر في آيات لخطوة أعلى من مجرد إثبات وجود الله، هذه خطوة سابقة تمت، هي موجودة أصلاً، لكن الآن الاستدلال على الحكمة، على نفي العبث، على نفي اللعب، وهذا أمر كرره الله في كتابه، الله سبحانه وتعالى كرر في كتابه أنه لم يخلق هذا الخلق عبثاً، فقال سبحانه وتعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.

وقال سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ، وقال سبحانه وتعالى في سورة الدخان: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ.

وقال سبحانه وتعالى في سورة القيامة: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، قال الشافعي السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى، أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، وفي سورة آل عمران في هذه الآيات: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا أي عبثاً، مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

فنفي العبث، ونفي عدم وجود الغاية، وإثبات الحكمة، وإثبات الغاية، وإثبات المعاني العظمى والمقاصد من المخلوقات، من خلق الناس، من خلق البشر، من الأمر والنهي، هو أمر عظيم يحبه الله سبحانه وتعالى، يزداد هذا الأمر أهمية لما يكثر نفي هذا المعنى ويكثر الإلحاد ويكثر التشكيك في حكمة الله سبحانه وتعالى، فيكون من المقاصد عند الدعاة عند المصلحين إثبات حكمة الله وإثبات الغايات العظمى من أفعاله سبحانه وتعالى، فهذه جاءت في المخلوقات ولكنها أيضاً تأتي في قضية الأفعال، فإحنا نقول رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ، وأيضاً في المصائب في الكوارث، ربنا ما قدرت هذا باطلاً سبحانك، ربنا ما قدرت هذا باطلاً سبحانك، أنت قدرته إيش؟ لحكمة، فلذلك يعني العناية بمقصد تثبيت الحكمة هذا مقصد عظيم ينبغي أن يعتني به أهل الإيمان.

طيب رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ هذه هل لها ارتباط بقضية ما خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا أم هي مجرد دعاء متعلق بعظمة الله سبحانه وتعالى وجلاله؟ ها مرتبطة نعم، ما خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا بل خلقته لحكمة عظيمة، وهذه الحكمة العظيمة مستلزمة للثواب والعقاب المتعلق بالأمر والنهي، وبعض العلماء قال أصلاً رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا هذا تعود على أصلاً الخلق الذي هو مرتبط أصلاً بقضية الأمر والنهي والتكليف فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وهنا يأتي الارتباط بين الأمر والنهي وبين الجزاء والعقاب.

ولذلك من يظن بأنه لا يوجد جزاء ولا عقاب أو يظن بأن الله سبحانه وتعالى يمكن للظالمين ويمهلهم ثم بعد ذلك لا يعاقبهم، فقد ناقض مقصداً من أعظم المقاصد، وفقد معنى من أعظم المعاني الإيمانية، ولذلك بعكس ذلك، فإن الإيمان بأن الله سيعاقب الظالمين ويعاقب الكفار وسيجازيهم هو من أعظم المقاصد التي يصل الإنسان إليها بالتفكر، جيد؟ وهي مرتبطة بأساس الحكمة من الأمر والنهي المرتبط بالخلق.

طيب إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، سبحانك هنا للتنزيه، لتنزيه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون خلق شيئاً عبثاً وباطلاً، وسبحان تأتي لمعنى التنزيه وتأتي لمعنى التعظيم وإن لم يذكر معها شيء لينزه الله عنه، وذلك كما في قوله سبحانه وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا، هنا هذه ليست تنزيهاً من نقص معين وإنما هي للتعظيم والتعجب، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىٰ، وسبحان الله، وسبحانك هنا في سورة آل عمران هي للتنزيه عن هذا عن النقص الذي يظنه أصحاب النقص.

طيب سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، الطبري رحمه الله يعبر أو يفسر الخزي بالفضيحة وهتك الستر، يعني مجرد أن عقابك يا الله لمن تعاقب يوم الآخرة في الآخرة هو هتك لستر من عاقبت، يعني الأصل أن الإنسان إذا وافى الله سبحانه وتعالى فإنه يوافيه وقد كان في صحيفته ما يسوء، سواء أكان الإنسان مؤمناً أم كافراً، لكن المؤمن يسأل الله ألا يخزيه يوم القيامة، يعني يسأل الله ألا يهتك ستره وألا يفضحه، وهذا يتضمن عدم المعاقبة؛ لأنه إذا عاقب فقد فضح، إذا عاقب فقد هتك الستر؛ لأنه لا يعاقب إلا المذنب، فحين يسأل الإنسان ربه ألا يخزيه يكون قد سأله الستر، ويكون قد سأل له العفو والمغفرة والتجاوز عن هذه السيئات، أما من يعذبه الله سبحانه وتعالى فقد أخزاه، يعني يجتمع على الإنسان المعذب يوم القيامة أمران شديدان، أحدهما قد يكون أشد من الآخر، الأمر الأول هو العذاب نفسه، والأمر الثاني هو الفضيحة والخزي.

فترى سياق الآية قد يفهم منه -أنا أقول ها- قد يفهم منه أن الثاني أشد من الأول: رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وأن الخزي هو أشد شيء، وقد يعني يفهم؛ لأن هو هما في الأخير هي كلاهما مما يخاف الإنسان أن يقع فيه أو أن يقع له، نسأل الله سبحانه وتعالى العافية ونسأل الله سبحانه وتعالى الستر، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.

يا جماعة الخير لما الله سبحانه وتعالى يتحدث عن هذه الدعوات يذكر لنا هذه الدعوات، ماذا يريد منا؟ يعني لا تتعامل مع هذه الدعوات تعاملاً عادياً، الله سبحانه وتعالى يقص عليك شيئاً من الدعاء الذي يحبه، لا تتعامل مع هذا الدعاء تعاملاً عادياً، أي دعاء يذكره الله في القرآن تعامل معه تعاملاً استثنائياً، أي دعاء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل معه تعامل معه تعاملاً استثنائياً، بعدين ترى هذا الدعاء الذي ذكره الله في هذه الآيات مختوم بكلمة عظيمة وهي إيش؟ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ، يعني الله سبحانه وتعالى يبين لك يقول لك هذا دعاء استجبت له، واستجاب يعني أجاب، فاستجاب لهم ربهم يعني أجابهم ربهم، أجاب دعاءهم، فأنت وأنت تسمع هذا الدعاء لازم تنتبه، هذا دعاء يحبه الله، هذا دعاء يقصه الله عليك، فتنبه: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.

من هو أو ما هو المنادي؟ من هو المنادي الذي ينادي للإيمان؟ كثير من المفسرين يقولون هو محمد صلى الله عليه وسلم، إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أي سمعنا محمداً صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى عبادة الله وحده والإيمان بربنا فآمنا، الطبري رحمه الله تعالى يرجح تفسير من فسّر من السلف المتقدمين أن المنادي هنا أو الداعي للإيمان هو القرآن، لماذا رجح ولم يعتبرها يعني إيش أنها تفسيرات مترادفة أو شيء؟ لأنه يقول هناك من لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وهناك من جاء بعد ذلك وهذه الآية تشمل المؤمنين عامة، إذاً المقصود القرآن حتى يشمل الصحابة الذين سمعوا محمداً صلى الله عليه وسلم ويشمل من بعدهم ممن لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أي القرآن، وأتى بآية قرآنية عضد أو عضد بها.

هذا التفسير ايش تتوقعوا؟ أحسنت، آخر الأحقاف يا قومنا إنا سمعنا إيش؟ ها مو منادياً؟ طيب. وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله. وهنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان فقال لك هذه كتلك، قال المنادي هذا هو القرآن. على أية حال، إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة.

ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ما هو الذي وعد الله على رسله؟ آتنا ما وعدتنا على رسلك، كثير من المفسرين ذهب إلى أن آتنا ما وعدتنا على رسلك الجنة، والطبري يرجح أن قوله سبحانه وتعالى آتنا ما وعدتنا على رسلك هو النصر في الدنيا. نعم، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك من النصر على أعدائك في الدنيا، ولا تخزنا يوم القيامة، لا تفضحنا بذنوبنا يوم القيامة وإنما استرها علينا. وقد يكون هذا، الله أعلم، قد يكون هذا هو الراجح وهو قول غيره أيضاً من المفسرين، لكن هي لفتة تستحق التأمل، آتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. وهذا الخزي المنفي يوم القيامة ذكره الله في مواضع أخرى من الكتاب، في سورة الحديد ولا في سورة التحريم، يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه. ها نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، في الحديد يسعى نورهم صح، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وفي سورة التحريم يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نعم، وفي الشعراء ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. طيب، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة، أم طبعاً هو ليش الطبري ذهب إلى ذلك؟ هو ذهب إلى ذلك لأنه هو أصلاً في سؤال طرحه المفسرون يقولون لماذا يقولون آتنا ما وعدتنا على رسلك مع أن الله لن يخلف وعده؟ يعني فهمت؟ فلأجل ذلك يعني يقول قضية النصر، وهناك أنه لا تخزنا يعني لا تفضحنا، استر علينا عيوبنا واغفر لنا ذنوبنا. لكن حتى من قال إنه لا تخزنا وآتنا ما وعدت رسلك أي الجنة، يعني ذكروا أن هذا من جملة الأسباب، جملة الأسباب يعني من جملة أسباب دخول الجنة ومن جملة أسباب تحقق الوعد، الدعاء بتحققه يعني الآن مثل الصلاة سبب لدخول الجنة، الدعاء بدخول الجنة والدعاء بتحقيق الله وعده هو من جملة أسباب تحقيق الله وعده بدخول الجنة، هذه عبادة يتقرب العبد بها إلى ربه سبحانه وتعالى. والله لا يخلف الميعاد، هذه قاعدة كبرى عامة مطلقة لا شك فيها، لكن أنت حتى تكون من جملة من لا أو من يدخل في هذه الآية، فمن جملة ما تتقرب به وتدخل في نطاقها أن تكون من الداعين بذلك، وإلا فالله في ذاته سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، لكن قد تخذل بذنوبك مثلاً فهكذا.

ثم تأتي الآية التالية وهي قوله سبحانه وتعالى: فاستجاب لهم ربهم، أي فأجابهم ربهم على هذه الدعوات التي دعوها. فقط على الدعوات التي دعوها أو دعوا بها؟ وإنما أيضاً لكونهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، لأنه هذه الاستجابة ليست لمجرد هذه الألفاظ التي خرجت من اللسان، وإنما هي استجابة لمن كان وكان في قلبه، ولمن كان وكان في تفكره وفي نظره في آيات الله. إذاً: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى. وهذه الآية كالماء البارد للعاملين، كالماء البارد للمضحين، كالماء البارد للمبتلين في سبيل الله. هذه الآية فيها الطمأنينة من أعظم ما يؤنس الإنسان المبتلى، من أعظم ما يؤنس الإنسان المضحي في سبيل الله الذي هاجر وجاهد وقاتل في سبيل الله وأبعد عن دياره وعانى وأوذي في سبيل الله، من أعظم ما يثبته من أعظم ما يصبره أن يعلم أن الله لن يضيع عمله، لن يضيع عمله هذا يعني كالماء البارد على قلب الإنسان المؤمن، لن يضيع الله عملك. فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، لا أضيع عمل عامل، فكل عمل عملته لله وفي سبيل الله خاصة في سبيل الله، هذه ما يتعلق بالجهاد بالتضحية في سبيل الله بالصبر في سبيل الله بالأذى في سبيل الله، الصبر على الأذى في سبيل الله، هذا من أعظم ما لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى. سبحان الله اليوم كنت أشاهد مع المقاطع والأخبار وكذا تشاهد مقطع لبعض الأسرى في فلسطين في حال شديدة جداً وصعبة وكذا، سبحان الله يعني كذا الإنسان قد يتفكر يعني إيش؟ حياه صعبة، ابتلاء صعب، وشدة ولأواء، يعني هو السجن وحده مصيبة، ما بالكم لو كان في عذاب في السجن وفي يعني تحكم يعني شيء صعب جداً وإذلال وقهر كذا يعني لا في مقومات حياة لا في مقومات حياة حق سجن، يعني ما في مثلاً فراش عادي ينام عليه الإنسان، أكل سيء كذا إلى آخره، ثم تمضي الأشهر والأعوام على الإنسان في هذه الحال، إيش اللي يصبر؟ كيف يصبره؟ كيف يصبر وإيش يعني كيف يتحمل؟ كيف نفسيته؟ وإيش اللي؟ فسبحان الله يعني من الأشياء التي تصبر الإنسان هو أن يعلم أن هذا لن يضيع عند الله، لن يضيع. هو صعب، صعب ثقيل ثقيل جداً شديد جداً، لكن من جملة ما يحتسب الإنسان أو يعني يصبر الإنسان أن هذا لن يضيع عند الله. وطبعاً الإنسان يحتاج في مثل هذه الكربات ومثل هذه الأزمات إلى العون الإلهي، ما يعني مستحيل الإنسان يصبر بشدته العادية وببأسه العادي على مثل هذه الأهوال، صعب، فيحتاج إلى العون الإلهي والمدد الإلهي، فيرحم الله المؤمن ويرحم الله الإنسان ويجعل له من المعينات ما يقطع به لأواء الطريق. طيب، فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض، أنتم يا من تذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، ويا من هاجرتم في سبيل الله وأوذيتم وقلتم أنتم بعضكم من بعض في الولاء والنصرة والمحبة وفي تعامل الله معكم، فكلكم سواء عنده سبحانه وتعالى من ذكر أو أنثى. وهذه الآيات من الآيات التي تؤنس نساء المؤمنين، يروى طبعاً في نزولها أن أم سلمة قالت: لا أرى الله يذكرنا في كتابه، فأنزل الله تعالى: أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض.

فالذين هاجروا سبحان الله شوف الآن لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، هذه تتضمن ما بعدها صح يعني فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، هذه إيش؟ هذه أصلاً ضمن عمل العاملين صح، لكن تخيل وقع هذه الآيات على من عمل هذه الأعمال، وقع هذه الجمل على من عمل هذه الأعمال، فيها دواء مباشر له أكثر من الدواء الذي في العام اللي هو لا أضيع عمل عامل منكم، لأنه لما ينص على العمل الذي أنت عملته وتعبت فيه، ستجد أنه يداويك وكأنك تقول يا الله لم يغفل عني، الله يعلم حالي، الله يعلم أني عانيت في هذا، الله يعلم شدة هذا العمل، فذكره لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض. ما هي هذه الأعمال؟ فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، وإيش؟ وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم، فتجد أن من كان له في هذه الأعمال نصيب يجد أن هذه الجمل على اختصارها لكن ذكرها بعد ذلك الإجمال وبعد ذلك العموم، فيه يعني كذا شعور جميل وفيه سكينة، أنه يا ربنا نعم أنا ممن فعلت كذا وفعلت كذا فالله لم ينسه، الله لا يغفل عنهم، الله لا ينساهم، الله يذكرهم، الله يكافئهم، الله يجزيهم، الله لا يضيع أعمالهم. فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم. ترى يا جماعة الخير من هذه الآيات ومن غيرها ندرك أن تكفير السيئات يعني هو من أعظم وأعلى وأعز وأثمن المرادات والمنازل التي يصل إليها الإنسان. أحياناً ترى الإنسان يظن أن تكفير السيئات هو يعني المقدمة بس، وأنه ما بعد المقدمة رفع الدرجات بس، بس المقدمة فقط تكفير السيئات، لا تكفير السيئات ترى هو يعني من بداية الطريق إلى النهاية من أعظم المقاصد التي يسعى الإنسان أن يصل إليها تكفير السيئات، بل هو من المقاصد الكبرى المرتبطة بقضية الخلق أصلاً، أنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، طبعاً الأمانة هنا التكليف، إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً. التوبة وتكفير السيئات ترى هذه كعب بن مالك شهد العقبة وشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يوم توبة الله عليه يقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: أبشر بخير يوم مر عليك منذ يوم ولدتك أمك، منذ ولدتك أمك، يعني ترى تكفير السيئات وتوبة الله على العبد يعني ترى شيء كبير عالي فوق شريف جداً، فالله سبحانه وتعالى هنا يذكر الذين هاجروا وجاهدوا هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا، يذكرهم ثم يقول ماذا سيفعل بهم؟ لأكفرن عنهم سيئاتهم، هذا يعني شيء عظيم جداً، وهذا من أهم ما يدخل في لا تخزنا يوم القيامة. طيب لأكفرن عنهم سيئاتهم، وإيش؟ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب. إحنا ما رأينا أنهار الجنة تمام، لكن أن لها شأناً أن لها شأناً، ما تذكر الجنات في القرآن إلا ومعها الأنهار، هذه الأنهار كيف ستكون؟ كل ما تأتي جنات تجري من تحتها الأنهار، تجري من تحتها الأنهار، تجري من تحتها الأنهار، هل تظنون أن الله يكرر ذلك إذا لم يكن لها شأن؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها وهو الذي يراها ويعلم حال تلك الأنهار، إحنا ما نراها وما نعرفها، إحنا خلاص صارت الجملة واحدة: جنات تجري من تحتها الأنهار، تجري من تحتها الأنهار، تجري من تحتها الأنهار، لكن هذه الأنهار التي تجري يعني هي أمر عظيم عظيم عظيم، أمر في غاية العظمة، فليكن هذا من جملة ما يشتاق الإنسان إليه، الاشتياق المفصل وليس فقط الاشتياق المجمل. طيب ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب.

لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد، هذه سنة إلهية سنة الإمهال، يمهل الله الكفار يتقلبون في البلاد، يغترون هم ويغتر بتقلبهم في البلاد من يغتر، فهنا ينبه الله سبحانه وتعالى المؤمنين نبيه هو والمؤمنين على ألا يغرهم على أن يغرن تقلب الذين كفروا في البلاد، هذا تنبيه عام مفتوح، لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، عندهم قدرة عسكرية أكثر، عندهم إمكانات، عندهم تفوق حتى في جولة من الجولات، لا يغرنك، تراهم في غزة يقصفون ويحرقون لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، تراهم عندهم أحدث أنواع الطائرات والصواريخ والقنابل النووية لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، تراهم يتسنمون على ذروة القرارات وإصدار الأوامر في العالم والنظام العالمي وما إلى ذلك لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار. للأبرار تذكرنا بإيش؟ في الدعاء اللي قبل شوية، إيش وتوفنا مع الأبرار، وما عند الله خير للأبرار، وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب. هذه الآية آية عظيمة وعجيبة كذلك، طبعاً في سورة آل عمران، سورة آل عمران فيها الحديث الكثير عن أهل الكتاب، وفيها هذه الآية يعني بعض العلماء قال هذه لمن يشبهون حال المؤمن من آل فرعون من أهل الكتاب اللي هم أسروا إيمانهم وبقوا، بعضهم قال نزلت في تحديداً النجاشي اللي آمن وأسلم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك لما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقل عامة، على أية حال لمن تلبس بهذه الصفات. ثم ختام هذه الآيات وهذه السورة: يا أيها الذين آمنوا اصبروا، اصبروا، اصبروا على إيش؟ على طاعة الله، اصبروا في سبيل تطبيق دين الله، اصبروا عن معصية الله، اصبروا على ما يصيبكم في سبيل الله، وصابروا، هذه متعلقة بالأعداء، صابروا من يصبر ومن يصابر من أعدائكم، هذه مصابرة فيها مفاعلة فيها طرفان، صابروا هناك في الطرف الآخر، في الطرف الآخر من يصبر في سبيل أذاكم ومن يصبر في.

يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. إذاً هذه الآيات التي هي خواتيم سورة آل عمران، وهي آيات للتفكر وللتدبر من المتدبرين المتفكرين. ثم قال النووي رحمه الله: وقال تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ.

يا جماعة لما نتأمل في آيات التفكر التي تُذكر فيها المخلوقات، نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أنواعاً من المخلوقات وأنواعاً من تقديراته سبحانه وتعالى المرتبطة بالخلق، وهذه يؤخذ منها أن الله يريد منا التفكر التفصيلي، وليس فقط التفكر المجمل، وليس فقط التفكر في نوع واحد، وإنما يريد منا التفكر التفصيلي. لاحظ: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، كل واحدة منها فيها شيء متعلق بها.

وكذلك في سورة النحل مثلاً الله سبحانه وتعالى يذكر أنواعاً من الأمور التي تستحق التفكر، سواء من جهة أساس خلق الشيء أو من جهة تسخيره، ومن جهة استفادتكم منه، كله يحتاج إلى تفكر: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. أيها أجمل؟ الدواب لما تريح بعد الرعي ولا لما تبدأ تروح ترعى؟ لما ترجع تكون ممتلئة صح؟ لذلك بدأ بها مع أنه أيهما أولى بالفعل؟ مين اللي بدأ؟ تسرح، لكن ما قال ولكم فيها جمال حين تسرحون، وقال حين تريحون، لأنها جمال، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ، فالجمال أول ما يظهر بعد ما ايش؟ تأكل وترعى وكل شيء وتمتلئ خواصرها وكل شيء، فلكم فيها جمال، هذه يريد الله منك أنت تتفكر فيها.

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ. صح، والله كيف؟ تروح تشتري اللبن وتأخذ تشرب، طيب من فين جاء هذا اللبن؟ كيف خرج؟ يعني فعلاً أنت تفكر كيف خرج اللبن هذا من بين ايش؟ فرث ودم. من بين فرث ودم، يعني أنت الآن الموضع اللي فيه اللبن، لو جاء شيء من هذا الموضع في فمك ستفرغ، تتقزز؛ لأنه كله دم وفرث ووسخ وفضلات، وها أنتم تعرفوا اللبن هو ما يجي أنه الدابة تشرب لبن عشان يخرج لبن صح ولا لا؟ يعني مو هو لبن داخل فيخرج لبن، لا هو أكل، في شيء من الأكل هذا يروح فضلات، وفي شيء منه من نفس الأكل يروح لبن، يخرج لبن، لبن لذيذ وسائغاً للشاربين، وكيف سبحان فاهم، يعني ايش يريد الله منك أن تتفكر في هذا؟ يريد منك أن تتفكر في هذا.

العسل حشرة، ها حشرة، أول شيء إذا رأيت هذه الحشرة تسوي لها كذا، هذه أول شيء عشان لا تقرصك صح ولا لا؟ لكن يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ، يباع بأعلى الأثمان وهكذا، طيب يريد الله منك أن تتفكر في ذلك، يريد الله منك أن تتفكر في ذلك.

طبعاً احنا اليوم يا جماعة الخير ونختم بهذا، احنا اليوم مع موضوع المدنية الحديثة، ومع موضوع طبعاً المدنية الحديثة بأدواتها الحسية وأدواتها المعنوية هي حجاب عن التفكر. بأدواتها الحسية، اللي هي ايش الحسية؟ أنوارها وإضاءتها، وطبيعة البيوت الجديدة، وطبيعة العماير والشقق، وطبيعة المواصلات والشوارع المنيرة، والسيارات والزحمة، هي طبيعتها كذا ما تخليك تتفكر صح. أنا أتذكر قبل فترة أخذت واحد من الشباب إلى كذا خرجنا في الليل نتفكر في السماء، فأظن قال لي أنا أول مرة في حياتي، هو رجل كبير يعني، أني أرى السماء بهذه الطريقة، طبعاً هو يعني منطقة بعيدة جداً، أنا عارف منطقة كده يعني تشوف فيها السماء، السماء عارف اللي هي أيوه، فتشوف فيها النجوم اللي هي حتى المنطقة ذيك حتى عارف ضوء المجرة يبان، المناطق بعيدة تمام، بيقول أنا أول مرة أشوف، وفعلاً أنت لو تشوف تفكر، أنت ما تشوف يعني وسط المدينة، أنت لا تشوف لك كم نجمة في السماء، ما تشوف حتى أيه، هذا الآن بأدواته الحسية. بأدواته المعنوية تشمل حتى الناحية الثقافية، تشمل حتى الناحية الثقافية يا جماعة، ما في زمن اتصل الإنسان فيه بالمعارف الطبيعية مثل زماننا، وما في زمن صُدَّ فيه الإنسان عن أن يتفكر في مخلوق، عن أن ينسب هذه الأمور إلى الله سبحانه وتعالى مثل زماننا، مثل زمان أقصد تحت نافذة قوانين، أو خلينا نقول تحت نافذة فلسفة العلم الطبيعي الذي نشأ من الغرب، يعني ليست المشكلة في نفس العلم، المشكلة في فلسفة هذا العلم، المشكلة في أطر هذا العلم، هو علم مصمم ألا يكون قائداً للإيمان، بينما هو ينبغي أن يكون قائداً للإيمان.

على أية حال، نسأل الله سبحانه وتعالى العون والمدد والعفو والعافية، ونسأل الله أن يجعلنا من المتفكرين، فالله الله بالتفكر، الله الله بالتأمل، وأرجع لأقول ما أو لأذكر ما بدأت به، أن التفكر على نوعين، تفكر في الدعوة أو تفكر تحت سياق الدعوة، وتفكر تحت سياق العبادة. فأما التفكر الذي تحت سياق الدعوة أو تحت سياق الوصول إلى الحقيقة، فهو تفكر أيضاً يحتاج اليوم إليه حاجة كبيرة، لا تسلم عقلك، لا تسلم عقلك لسياق يعني لمجرد انتماء معين سواء كان انتماء قبلياً ولا وطنياً ولا سياسياً، خلاص أنه ما تحت هذا الشعار فهو صواب، وما خالفه فهو خطأ، لا، لابد أن تفكر بعقلك وتتأمل: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ.

والسياق الآخر، سياق تفكر العبادة، إيانا أن نمر بآيات الله ونحن عنها معرضون، وفاتني أن أذكر أن التفكر كما يكون في مخلوقات الله فيكون في أيام الله، والتفكر في أيام الله ليس بأقل أهمية عن التفكر في مخلوقات الله، وعن التفكر في آيات الله الشرعية. يعني احنا عندنا التفكر أيضاً قسمان من جهة أخرى: تفكر في آيات الله الكونية هذه المخلوقات، وآيات الله الشرعية اللي هي كلامه سبحانه وتعالى، هذا قسم، كل واحد يعني كل قسم واحد في التفكر في آيات الله، والقسم الثاني التفكر في أيام الله، وإن شئت فاجعلها ثلاثة: التفكر في آيات الله الكونية واحد اللي هي المخلوقات، التفكر في آيات الله الشرعية القرآن اثنين، التفكر في أيام الله وأقداره، هذا باب عظيم من أبواب التفكر، تفكر باب عظيم من أبواب التفكر. وبالمناسبة في كلتا أو في كلا البابين لا ينتفع بالتفكر فيهما إلا صبار شكور، إلا من كانت له صفات معينة، لأن الله ذكر أن في ذلك لآيات لكل صبار شكور مع الآيات الكونية، وذكرها مع أيام الله فقال في سورة إبراهيم: وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، وقال في سورة لقمان في سورة لقمان ايش؟ ها، آخر صفحة، ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور، هذه الآن الصبار الشكور ينتفع بآيات الله الكونية هذه في سورة لقمان، في سورة إبراهيم: وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور.

التفكر في أيام الله: إهلاك الأمم السابقة، النعم التي يجريها الله، النعم التي أجراها الله، نصر الله سبحانه وتعالى للمؤمنين إلى آخره، هذه كلها تحتاج إلى تفكر وإلى تدبر، وقد جمع الله بينهما في ختام سورة السجدة، فارجعوا إلى آيتين متتاليتين في ختام سورة السجدة، ذكر الله فيها هذه وتلك أو هذا النوع وذاك.

اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وسددنا واعف عنا وعافنا ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وآته الوسيلة، واخلفه في أمته بخير، واجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من الواردين على حوضه، واجمعنا به في جنتك جنة الخلد، اللهم صل عليه وسلم وبارك.