الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، أستعين بالله ونستفتح درسا جديدا من دروس أنوار السنة المحمدية الاستهداء بالسنة النبوية، وهو الدرس الثامن عشر من دروس رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.
كان الدرس الماضي عن اليقين والتوكل، وكان الحديث فيه عن حديث واحد، وهو حديث عظيم جدا، حديث: عرضت علي الأمم، وهو الحديث الذي فيه دخول سبعين ألفا الجنة بلا حساب. لذا نكمل تسلسل الأحاديث، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا تموت، والجن والإنس يموتون. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم واختصره البخاري.
هذا الحديث حديث عظيم، وهو تحت عنوان عظيم أيضا وعنوان شريف، وهذا العنوان الشريف هو: أدعية الأنبياء، والعنوان الفرعي: أدعية النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سبق أن تحدثت أو أشرت إلى هذا المعنى قبل سنوات تحت عنوان: العبودية في أدعية الأنبياء، أو نحو ذلك، ولا زلت أؤكد على هذا المعنى أن من أعظم أبواب الفقه في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، وأكرر لطالما ذكرت أن السلوك إلى الله سبحانه وتعالى والسير إلى دار الآخرة هو باب يتعلم ويتفقه فيه، وأن الإيمان يتعلم كما يتعلم الفقه، وكما تتعلم العقيدة، وكما تتعلم بقية أمور الدين وعلوم الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بهذا العلم كثيرا.
أقول: من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى التفقه في طريق الآخرة الوقوف عند أدعية الأنبياء، الوقوف عند أدعية الأنبياء؛ ففي أدعية الأنبياء أبواب من العلم بالله، ومن التذلل له، ومن العبودية له لا تجدها في غيره، وذلك انطلاقا من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: إني لأعلمكم بالله. يعني مهما اجتهدت فلن تكون أعلم بالله من النبي صلى الله عليه وسلم، ومهما عبدت فلن تكون أعبد لله من النبي صلى الله عليه وسلم، ومهما تذللت وافتقرت إلى الله ودعوت فلن تفعل مثل النبي صلى الله عليه وسلم، ولاجل ذلك أن تعتني بأدعية المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليس فقط بأن تقول هذه الأدعية في دعائك، وإنما أن تجعلها سببا للتفقه في العبودية لله سبحانه وتعالى في أبواب العبودية، فهذا من أعظم أبواب الفقه في الدين؛ فلا نغفل عن قيمة وأهمية ومكانة ومنزلة أدعية الأنبياء، وخاصة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم.
أما أدعية الأنبياء فقد ذكرها الله في كتابه، وأما أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فهي منتشرة في أحاديثه الصحيحة التي نقلها الحفاظ والأئمة والثقات، ومنها هذا الحديث، ومنها هذا الحديث. قبل أن أذكر هذا الحديث وأقف مع بعض جمله، أريد أن أقول شيئا مهما: الدعاء يا أحبتي الكرام بابه واسع، الدعاء ليس عبارة عن سؤال وطلب فقط، الدعاء فيه أبواب من العبودية لله سبحانه وتعالى، الدعاء فيه اعتراف وإقرار، وفيه شكر وحمد وثناء، وفيه طلب ومسألة. فالذي يظن أن الدعاء هو السؤال فقط، أو يبدأ في دعائه بالسؤال وحده دون أن يقدم له، ودون أن يأتي بأنواع الدعاء الأخرى، فهو ناقص التعبد وناقص الدعاء.
ما هو الدعاء الذي ندعو به في الفاتحة؟ الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. الطلب يعني أقصد ما هو الطلب؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. ما هي مقدماته؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. أين موضع الدعاء الأساسي في الصلاة؟ في الصلاة في السجود، صح ولا لا؟ ما هي مقدماته؟ ها تسبيح تعظيم. طيب، من أهم مقدماته الحمد بعد الرفع من الركوع، الذي هو قبل السجود مباشرة، الذي قبل السجود مباشرة هو: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وين السؤال هنا؟ وين الطلب؟ ما في طلب، ثم بعد ما تنتهي من هذا تنزل للسجود، لما تنزل تسبح ثم تقول ما شئت من الطلب وما شئت من المسألة.
ما هو الدعاء الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الاستغفار؟ اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت إلى آخر... ما هو الطلب الذي فيه المغفرة؟ المغفرة جاءت بعد ماذا؟ عدوا معي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، واحد؛ خلقتني وأنا عبدك، اثنان؛ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، ثلاثة؛ أعوذ بك من شر ما صنعت، أربعة؛ أبوء لك بنعمتك علي، خمسة؛ وأبوء بذنبي، ستة؛ ثم فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
الآن هذا الدعاء الذي معنا الذي أورده النووي رحمه الله في رياض الصالحين هو أيضا كذلك: اللهم لك أسلمت. يا جماعة، ترى كل جملة من هذه الجمل فيها حقائق من حقائق العبودية عظيم. اللهم أنت الآن تقدم، أنت تريد أن تسأل، قبل ما تسأل أنت تذكر أولا، تستحضر، تستجلب الخشوع بهذه الحقائق التي تعترف بها بين يدي الله، فتقول: اللهم لك أسلمت. وأيضا تقدم بها لله سبحانه وتعالى بين يدي طلبك منه، فتقول: يا ربي لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، بطبيعة الحال يجب أن تكون كذلك، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. وبك خاصمت يقول القرطبي في معنى وبك خاصمت أي: بحجتك وبك لا تهم جادلت المخالفين فيك حتى خصمتهم، ها هذه وبك خاصمت. اللهم أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، وهذا الطلب الآن، أنت الحي الذي لا تموت والجن والإنس يموتون.
سؤال يا جماعة الخير، هل حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، هل يقول هذا الدعاء تعليما لأمته فقط؟ أم يقول دعاء يريد هو صلى الله عليه وسلم أن يطلب من ربه ألا يضله حقا؟ لا هو ما في، كلاهما، لأن أنا قلت هل هو يريد أن يعلم أمته فقط أم هو أيضا يتعبد لله سبحانه وتعالى؟ هو يطلب طلبا حقيقيا من الله ألا يضله، لا شك أنه يطلب من الله طلبا حقيقيا ألا يضله، وبطبيعة الحال فيه تعليم للأمة، لكنه ليس فقط، وهذا يفتح بابا من أبواب العبودية عظيم: الخوف، الخوف وعدم الأمن من مكر الله سبحانه وتعالى، {وَالَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}. ايش أكمل؟ ها، {وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}. وكذلك في سورة المؤمنون {وَالَّذِينَ} ايش؟ والذين فيما يتناسب مع هذا المعنى في سورة المؤمنون: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}. يؤتون ما آتوا من الطاعات وليس من المعاصي والذنوب، يعني والذين وهم يفعلون الطاعات والقربات وليس الذنوب والمعاصي، {قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}.
الشاهد أن هذا الحديث فيه تعليم عظيم للمسلمين أن يكونوا أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائهم بأكثر من أمر: الأمر الأول أن يقدم بين يدي الدعاء بهذا الاعتراف: لك أسلمت، بك آمنت، عليك توكلت، إليك أنبت، وبك خاصمت، وفي رواية أيضا إليك حاكمت، ها ثم بعد ذلك يكون الدعاء. هذا أولا. ثانيا الدعاء بعدم الضلال بالتثبيت بالثبات على الإيمان هو من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال النووي رحمه الله تعالى: الثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا قال: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}. قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}. رواه البخاري، وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
هذا الحديث أيضا هو عظيم الفائدة والنفع والأثر، وهو يبين قيمة هذه الكلمة. الآن يا جماعة، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل هي التوكل بعينه أم هي دليل على التوكل؟ إذا كانت يعني التوكل في أساسه هو عمل لساني أم عمل قلبي؟ توكل عمل قلبي، صح ولا لا؟ توكل في الأساس هو عمل قلبي، وحسبنا الله ونعم الوكيل دالة عليه. تعرف ما هو معنى التوكل؟ معنى التوكل هو حسبنا الله ونعم الوكيل، يعني هذه العبارة دالة على معنى التوكل. حسبنا أي ايش؟ ايش معنى حسبنا؟ كافينا، حسبنا الله ونعم الوكيل. طيب، كثير من الناس يقول حسبنا الله ونعم الوكيل ولا يكون في حقيقة قلبه أو في قلبه محققا لحقيقة التوكل، ولا يكون في صميم قلبه محققا لحقيقة التوكل، فالذي ينبغي أن يعتنى به أكثر ما يعتنى في تحقيق التوكل هو في القلب، ثم بعد ذلك تكون حسبنا الله ونعم الوكيل دالة على ما في القلب من حقيقة الاعتماد على الله سبحانه وتعالى.
طيب، توكل إبراهيم عليه السلام على الله حين ألقي في النار ماذا كانت نتيجته؟ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. إلى هذا الحد يا بلال إلى هذا الحد يمكن أن يصل التوكل، نعم، إلى هذا الحد. ما الفرق بين من يقول حسبنا الله ونعم الوكيل هكذا بلسانه وبين قول إبراهيم عليه السلام لحسبنا الله ونعم الوكيل، ها؟ إبراهيم تحديدا يعني، ها ما الفرق؟ فرق عظيم، فرق عظيم. ثم اتباع الأنبياء هم على طريق الأنبياء، ولذلك جمع ابن عباس بينهما، جمع بين الأنبياء وبين اتباع الأنبياء فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا، هذه النتيجة، {فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ}.
سؤال، هل التوكل في هذين الموضعين هل هو توكل في حالة أو في نوع مشابه في الحالتين أم مختلف؟ يعني ليس حقيقة التوكل أقصد، متعلق التوكل هو متعلق في شيء مشابه صح؟ اللي هو ايش؟ دفع الأعداء، دفع الأعداء، صح ولا لا؟ يعني حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم لدفع الأعداء الذين أرادوا إلقاءه في النار، والصحابة قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل حين جمع الناس لهم وقالوا اخشوا. طيب هل هناك متعلقات أخرى للتوكل غير دفع الأعداء؟ ها أبواب كبرى، ايش؟ لا لا أبواب كبرى غير دفع المضار هذا، الآن دفع الأعداء يعني دفع المضار. طيب التوكل على الله يعني نقدر نقول أربع درجات التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو تقسيم بديع.
فالدرجة الدنيا هي التوكل على الله، يعني هو ذكر درجة قد ينازع فيها، وإن كان من العجب أننا رأينا مثلها في زماننا هذا، هو ذكر درجة في التوكل على الله سيئة، طبعا هي توكل على الله في المعاصي. توكل على الله في المعاصي، والعجيب أنه وإن كان الإنسان كان يستبعد حقيقة لما كان يقرأ كلام ابن القيم، يستبعد أنه كيف ممكن واحد يتوكل على الله في المعاصي، لكن في زماننا هذا العجيب الذي انقلبت فيه المعايير والأفهام، وجدنا من يتوكل على الله في المعاصي. لو تذكروا قبل فترة ذكرت حالة أحد المغنين التائبين اللي سووا معاه مقابلة وكان يتكلم يقول أنا يعني كنت فعلا أظن أن الله سبحانه وتعالى راضي عني وأنا أغني؛ لأنه يقول صار لي متابعات وجمهور وصار لي مشاهدات كبيرة جدا، ما غريب كيف صارت هذه المشاهدات كلها فقلت هذا أكيد من توفيق الله. سبحان الله، يا جماعة من جد يتوكل يعني هو الآن يقول هذا الكلام وهو تائب، ما يقوله عارف، هو يقول فعلا وبعدين لما أحد نصحه، يعني ايش كانه صار عنده تعارض بين فكره أنه هذا حرام أو شيء وبين فكره طيب الشبهة عنده ايش؟ طيب ليش الله وفقني؟ عرفت هذا، ها؟ ليش الله وفقني؟ طيب في قضية الأغاني، ها؟ أنت عارف، جاي هو والله أداؤه اليوم كان ممتاز يعني، ها؟ وأحيانا ما أدري سمعت أنه في ناس سجدوا شكر بعد رقص أو بعد كذا، وشي أنه يعني ايش، أنه الله سبحانه وتعالى فتح عليهم يعني جيد. وممكن ترى قبل ما يخرج من البيت ولا قبل ما تخرج من، عاد إذا كانت أمه زيه، مو هذا، يعني أقصد بشكل عام اللي يسلك هذا المسلك، ممكن يعني الأم تقول له يلا روح يا ابني الله يوفقك ويفتح عليك إن شاء الله، توكل على الله، ها؟ أي زمن، زمن المشاهدات واللايكات والكذا، ممكن يسوي مثل هذه الأشياء. فعلى أية حال هذه درجة.
الدرجة الثانية هي درجة التوكل على الله في تحصيل الأمور الدنيوية المباحة الجائزة، وهذا توكل محمود وهو من العبادة العظيمة أن يتوكل الإنسان على الله في جلب.
الرزق هذه عبادة عظيمة جدا، وإذا كان هذا الرزق من الرزق المعين على الطاعة فالتوكل على الله يكون هنا أفضل؛ يعني إذا كان الرزق هذا ليس فقط للتوسع أو شيء، وإنما الرزق لإطعام العيال وما إلى ذلك فهذا توكل محمود جدا.
الدرجة الأعلى منها، هذه الآن الدرجة الثانية، الدرجة الأعلى منها التوكل على الله في عبادته وفي دفع المعاصي والذنوب، هذا توكل أعلى من الذي قبله، وهو توكل عظيم جدا ويغفل عنه الكثير؛ يعني مثلا يا عمار، أنت مثلا تعاني من النعاس والكسل عند القراءة، كل ما تجي تفتح الكتاب أو شيء تنعس وتنام وتجد خمولاً في نفسك، كونك تتوكل على الله توكلاً قلبياً حقيقياً في دفع هذا الكسل هذا جانب من العبادة يغفل عنه الكثير، واضح؟ التوكل على الله في الاستيقاظ من النوم لقيام الليل، هذا يدخل في ذلك، التوكل على الله في دفع ذنب معين ومعصية معينة، هذا كله من التوكل الذي يدخل في أي درجة ثالثة يا براء؟ صح، طيب.
الدرجة الرابعة وهي أعلاها وأعظمها: التوكل على الله سبحانه وتعالى في ماذا؟ التوكل على الله تعالى في إقامة دينه والجهاد في سبيله ودفع أعدائه ونصرة الإسلام والمسلمين والدعوة إليه واتباع طريق الأنبياء والرسل وما إلى ذلك، هذا يختلف عن الثالث، صح؟ الثالثة التي هي في العبادة الذاتية؛ يعني أتوكل على الله في دفع المعصية، أتوكل على الله في قيام الليل، أتوكل على الله.. الأمر الرابع الذي هو توكل الأنبياء والمرسلين، التوكل على الله في عدم خشية أحد من المعترضين على طريق الدعوة، التوكل على الله في نصرة الإسلام، التوكل على الله في الجهاد في سبيل الله، التوكل على الله الذي ذكره ابن عباس هنا عن إبراهيم وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني التوكل المذكور هنا من أي درجة؟ من الدرجة الرابعة التي هي أعظم درجة من درجات التوكل، واضح يا عمر ولا لا؟ واضح ولا لا؟
فأعظم التوكل: التوكل على الله في إقامة دينه ونصرته وفي الجهاد في سبيله وفي دفع كيد أعدائه، هذا أعظم شيء في التوكل، ثم أدنى منه التوكل على الله في إقامة الطاعة في نفسك ودفع المعصية، ثم أدنى منه التوكل على الله في جلب الرزق، ولما نقول أدنى منه لا تظن أنه هذا شيء عادي، توكل على الله في جلب الرزق وما إلى ذلك هو توكل عظيم جدا جدا جدا. وما بين هذه الدرجات الأربع يوجد أنواع، قد بعضها يقترب من الثالث وبعضها يقترب من الثاني، وقد يكون هناك درجة لم يذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى، الله أعلم؛ يعني مثلاً التوكل على الله الذي هو المذكور فيه لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون، هذا فين تقدر تصنفه؟ في عدم معصيتي، لكن إذا قلنا هذا يدل على ترك التداوي توكلاً على الله، لا، ليس من الثاني العادي، ليس التوكل على الله في المباحات العادية التي هي مثلاً في جلب الرزق، هو أقرب شيء للثالثة، لكن أقصد قد يُفرد في نوع، فيقال هي درجة قريبة من الثالثة، قد يقال هو التوكل على الله في ترك كثير مما يرتفع الناس إليه بأبصارهم اعتماداً على الله وتوكلاً عليه؛ فكما قلت هو فيه شيء من الدرجة الثانية، فيه شيء من الدرجة الثالثة، وقد يُفرد، ليس القصد هذه أمور اصطلاحية لا مشاحّة فيها، لكن القصد هو الوعي بأن التوكل يا جماعة عبادة واسعة الأرجاء، لا تنحصر في مجرد التوكل على الله في جلب الرزق فقط.
نعم، الحديث التالي قال: الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير. رواه مسلم. قال النووي رحمه الله: قيل معناه متوكلون، وقيل قلوبهم رقيقة، وتمنيت لو أن النووي رحمه الله أورد في الحديث التالي هنا الحديث رقم 79 الذي هو بعد، يعني هو الحديث هو هذا الحديث، أي حديث: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، الرابع ثم ذكر الخامس ثم ذكر السادس، وددت لو أن السادس هنا، لماذا السادس؟ قال السادس: عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً. رواه الترمذي وقال حديث حسن. قال النووي: معناه تذهب أول النهار خماصاً أي ضامرة البطون من الجوع، وترجع آخر النهار بطاناً أي ممتلئة البطون. هذا الآن يتفق مع أي قول ذكره النووي؟ القول الأول، أي القول الأول أن معنى أفئدتهم كأفئدة الطير أنه المقصود به التوكل، بعدين يناسب أن تأتي بالحديث الذي هو لرزقكم كما يرزق الطير، والقول الثاني أن المقصود أن أفئدتهم رقيقة، أن قلوبهم رقيقة، ليسوا أصحاب غلظة وجفاء وشدة، وإنما هم قلوبهم كقلوب الطير فيها رقة، فيها رحمة، فيها لين، فيها رأفة، ليست قلوب جبارين ولا قلوب متكبرين، وسبحان الله أحياناً أنت ترى بعض الناس تحسبهم كذلك، تحسب أن قلوبهم كقلوب الطير أو أن أفئدتهم كأفئدة الطير لا يحملون فيها غلاً ولا حسداً ولا شحناء ولا بغضاء، تجدهم حتى أحياناً ترى بعض الناس يحتقرهم لأنه يكون فيهم طيبة زائدة، صح ولا لا؟ هؤلاء كثير منهم من أهل الجنة؛ يدخل الجنة أقوام أفئدتهم كأفئدة الطير، على هذا القول الذين قلوبهم لا تعرف الخداع والغش والغلظة والجفاء والشدة، وإنما هي قلوب طيبة ورقيقة، وعلى القول الأول يرزقهم كأفئدة الطير أي متوكلون، بناءً على الحديث التالي الذي هو لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
طيب نذهب إلى الحديث التالي الخامس، عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معهم، أدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثلاثاً، الله، الله، الله، ولم يعاقبه وجلس. متفق عليه.
وفي رواية قال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة فاخترطه، فقال: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله. وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه قال: من يمنعك مني؟ قال: الله، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتك من عند خير الناس. قوله قفل أي رجع، والعضاه الشجر الذي له شوك، والسمرة بفتح السين وضم الميم الشجرة من الطلح وهي العظام من شجر العضاه، واخترط السيف أي سله، وهو في يده صلتاً أي مسلولا، وهو بفتح الصاد وضمها.
هذا الحديث العظيم العجيب العزيز في توكل المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإذا كان ابن عباس قد ذكر قبل قليل عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فإن توكل النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وتوكل النبي صلى الله عليه وسلم أشرف وتوكل النبي صلى الله عليه وسلم أعلى وأزكى. توكل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف عجيب، والله عجيب، لأنه موقف مفاجئ، اجتمعت فيه المفاجآت؛ المفاجأة الأولى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه يعني ليس في مكان قتال وإنما هو بين أصحابه، ليس هناك مصاف قتال، الأمر الثاني أنه نائم صلى الله عليه وسلم، الأمر الثالث أنه أُوقظ من نومه بالسيف، يعني الصوت والسيف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، هنا كما يقال تتبخر كل المعاني ويبقى ما هو في صميم القلب، وبالمناسبة يا جماعة الخير مثل هذه المواقف هي من أعظم المواقف الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه هذا الموقف يوم حنين حين فر الناس فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. هذه المواقف هي من دلائل النبوة؛ لأنه هنا لا مجال للاصطفاف، لا مجال للشعارات الزائفة، هنا لا يخرج إلا ما في صميم القلب والنفس، والعجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب بهذا الخطاب: أتخافني؟ من يمنعك مني؟ والسيف بيد الرجل صلتاً على وجه النبي صلى الله عليه وسلم والناس نيام ولا يوجد أحد يدفعه، وهو وحده صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بغاية الطمأنينة يقول صلى الله عليه وسلم لما قيل هل تخافني؟ قال: لا، من يمنعك مني؟ قال: الله، الله، الله، فسقط السيف من يده. لا أدري هذا الموقف أعجب أم عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه إذ قدر عليه أعجب من ذلك؟ وبالمناسبة حتى العفو هذا من دلائل النبوة، بالله من يقدر عليه؟ واحد جاي أول شيء كافر، هو أصلاً من أهل الحرب الذي يُقتل، وجاء يخيف النبي صلى الله عليه وسلم ورفع السيف على وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم ودخل بغدر وخيانة وتسلل، ثم بعد ذلك يعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من يقدر على ذلك إلا الأنبياء؟ صلى الله على محمد وسلم وبارك.
على أية حال، القصد أيها الكرام أن من أعظم ما يتعرف به على حقائق أعمال القلوب أن تنظر حدودها في فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم، إحنا قبل قليل ذكرنا دعاء الأنبياء صح، أيضاً توكل الأنبياء، خشية الأنبياء، قيام الأنبياء، دعاء الأنبياء إلى آخره، ومعرفة حدود كل عبادة من العبادات القلبية أعظم ما يعين على الوصول إلى هذه الحدود والتفقه في هذه العبادة هو النظر إلى الأمثلة التطبيقية التي عملها النبي صلى الله عليه وسلم مما هو متصل بهذه العبادة. فاسم التوكل يا خليل اسم عام، إذا وقفت على مواقف توكل المصطفى صلى الله عليه وسلم ازددت فقهاً في هذا الاسم وعرفت حدود هذا التوكل ومتعلقات هذا التوكل، فصلى الله على سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم.
وجاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه ذكر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة، وفيه جملة، ما هي؟ تتذكرون؟ تتذكرون هذا في البخاري، فيها: أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولكن يعفو ويغفر. صلى الله على محمد وسلم. ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته وأن يرزقنا الفقه في سنته وأن يحيينا عليها ويميتنا عليها، والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، ونسألك اللهم أن تغفر لنا وترحمنا وتعفو عنا وتعافينا، ونسألك اللهم أن تقينا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم لك أسلمنا وبك آمنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا وبك خاصمنا وإليك حاكمنا، نعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلنا، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا، اللهم إنا نسألك العافية، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم وألطف بأمة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأبدل ذلها عزا وتفرقها اجتماعاً، لا حول ولا قوة إلا بك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ أحمد السيد