الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية ومن مجالس الاستهداء بالسنة النبوية، وهذا هو المجلس التاسع عشر من مجالس التعليق على رياض الصالحين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصالحين، وأن يجعلنا من الأبرار، وأن يتقبل منا ومنكم صالح العمل.
طيب، لا زلنا في باب ماذا؟ باب اليقين والتوكل، أخذنا فيه درسين وهذا الثالث. طيب، وصلنا إلى الحديث السادس في الباب، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى وأعلى منزلته ورفع درجته: قال رحمه الله عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
طبعا في أكثر النسخ، بل ربما في عامتها، قال: حسن صحيح؛ الترمذي ليس في نسخ في رياض الصالحين إنما في الترمذي، فالترمذي قال عن هذا الحديث: حسن صحيح.
جيد. طيب، قال الإمام النووي رحمه الله: معناه تذهب أول النهار خماصا أي ضامرة البطون من الجوع، وترجع آخر النهار بطانا أي ممتلئة البطون. طيب، أولا بالنسبة للحديث، الحديث إسناده جيد، وقال فيه ابن رجب رحمه الله تعالى إنه من طريق، يعني ذكر بعد أن ذكر الطريق الذي هو من طريق عبد الله بن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني أنه سمع عمر بن الخطاب يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذكر الطريق قال: وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرج لهما مسلم، ووثقه غير واحد، وقال عن هذا الحديث: هو أصل في التوكل، أصل في التوكل.
طيب، يعني هذا الحديث إسناده جيد، وهو من الأحاديث التي صححها الترمذي، ومن الأحاديث التي يعتمد عليها في أبواب الدين، أبواب التزكية، وأبواب السلوك، وهذا الباب العظيم الذي هو أعمال القلوب.
طيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله. وهذه الجملة يستفاد منها أن التوكل على درجات؛ منها ما هو توكل في درجة دنيا، ومنها ما هو في أعلى الدرجات وهو حق التوكل، وهذا يذكرنا بقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ. ولو تتذكرون لما تعرضنا لهذه الآية في درس سابق ذكرت قول ابن مسعود في تفسير قول الله تعالى: حق تقاته، قال: التقوى لله حق التقى هي أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
طيب، تتذكروا في الدرس في التقوى قلنا ترى هذه... ذكرت أنه التقوى على درجات، وأنه أساس التقوى هو متعلق بأيش؟ أساس التقوى متعلق باجتناب المحرمات، صح؟ وقلنا موضوع قيام الليل والسنن في الأساس، يعني حين يقال التقوى اللازمة الأساسية، هل يدخل فيها النوافل والطاعات؟ نوافل الطاعات الأساس لا... لا أقول لا يعني لا تدخل فيها أبدا بالاسم، لكن أهم ما يقصد وأولى ما يقصد وصميم ما يقصد بقول الإنسان "اتق الله" هو ما يتعلق بالأمر اللازم، أي اجتنب الحرام والتزم بالفرض، لكن إذا قلنا "اتق الله حق التقى" فهنا ينبغي ايش؟ أن يدخل في التقوى ما هو أعم من ايش؟ من اجتناب المحرمات والتزام الفرائض، يعني هناك التقوى وهناك حق التقوى، واضح الفكرة ولا لا؟
ولذلك في التقوى هناك يأتي كلام ابن عمر أيضا، كلام ابن عمر الذي قال فيه: لا يبلغ المرء حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر. ما حاك في الصدر هل هو من التقوى الواجبة أو من التقوى حق التقى؟ من التقوى العالية التي هي حق التقوى، واضح؟ الآن هذا كله أصل، الآن نقيس هنا، بل وهو أصل أيضا لأن ورد فيه النص الذي هو التوكل، هناك توكل وهناك حق التوكل، "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله" يعني هناك توكل عادي وهناك توكل فيه تحقيق لدرجة التوكل العليا. فلو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا.
ودائما يا جماعة الخير الأعمال التعبدية فيها هذا التفاوت، يعني هناك يقين، وهناك درجات عالية في اليقين، وهذا خلاف من يقول أن هذه الأعمال القلبية لا تفاوت فيها، أو بعض الأعمال القلبية لا، هناك تفاوت، حتى هناك تفاوت في التصديق، في درجة التصديق، وكما تعلمون من مذهب أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا يدخل حتى في الأساس في الأصل وليس فقط بالزيادة العملية. ولذلك قال من قال من العلماء في قول الله تعالى: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قال: ليزداد يقيني. نعم.
طيب، إذا أول فائدة هي أن هناك توكلا وهناك توكلا أعلى منه، وأن التوكل الأعلى يستجلب به من الخير ومن المدد الإلهي ومن العون ما لا يستجلب بالتوكل الأدنى. واضح؟ طيب، وإذا قيل في التقوى، إذا قيل في حقيقة التقوى هي أن يطاع ربنا فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فما الذي يمكن أن يقال في حقيقة التوكل؟ واضح السؤال؟ إذا قيل في حقيقة التقوى أن يطاع ربنا فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأدخل في ذلك حتى ما حاك في الصدر، يعني تحقيق الورع، فما الذي يمكن أن يقال في تحقيق التوكل؟
ها، طيب، هو من أهم ما يدخل في تحقيق التوكل هو صدق التفويض إلى الله وصدق الاستغناء عن غيره، هذا مما يدخل في حقيقة التوكل، يعني ترى هناك من يتوكل على الله سبحانه وتعالى ولكن لا يزال قلبه تائها، أو لنقل لا يزال قلبه مضطربا، يعني هو توكل على الله لكن لا يزال مرتبطا بالأسباب بقلبه. سؤال: هل كون القلب فيه قدر من الاضطراب هذا يتعارض مع أصل التوكل؟ إذا فوض الأمر، إذا فوض العبد أمره لله، ما يتعارض مع أصل التوكل. يعني لو قال قائل وقد رأيت إنسانا مضطربا يحمل هم رزقه فقلت له: يا أخي توكل على الله، قال لك: والله إني متوكل على الله، أنا كل يوم أذهب إلى تجارتي وأنا متوكل على الله، لكن يا أخي فقط هذا أحمل همي... هنا هذا لا يتعارض مع أساس التوكل، لا يقال إنه لم يتوكل، لكنه لم... يا سلام... لم يحقق، لم يتوكل على الله حق توكله. فقد يقال، وهذا باب الاجتهاد، يعني قد يقال أن تحقيق التوكل لا يلتئم مع اضطراب القلب، بل يجب أن يكون معه غاية التفويض المؤدية إلى غاية السكون، وكذلك لابد أن يكون معه أيضا ايش؟ استغناء عن أيدي الناس، عما في أيدي الناس، واستغناء عن الخلق، هذا لعله من أهم ما يدخل في تحقيق التوكل.
أما يعني هذا ترى يختلف عن اللي ذكرناه في الدرس السابق التي هي درجات التوكل؛ درجات التوكل تختلف عن تحقيق التوكل، درجات التوكل هي مرتبطة بمتعلق التوكل، يعني التوكل على الله في الرزق، أو التوكل على الله في دفع المعاصي، والتوكل على الله في إقامة الدين، هذا شيء آخر، هذه درجات في التوكل. واضح يا جماعة الخير؟ إذا هذه الفائدة الأولى وهي فائدة مهمة، وكما قلت لنتذكر أنها دائما موجودة في أعمال القلوب، فهناك توكل وهناك تحقيق عال للتوكل، وهناك إخلاص وهناك تحقيق عال للإخلاص، وهناك تفويض وهناك تحقيق عال للتفويض، وهكذا في بقية الأمور المتعلقة بأعمال القلوب، هناك محبة لله وهناك تحقيق تام للمحبة؛ فالذي يحب الله سبحانه وتعالى ولكن إذا جاء الابتلاء في تعارض المحبوبات قدم محبوبه الشخصي على محبوب الله أو ما يحب الله سبحانه وتعالى فلا يقال فيه إنه حقق المحبة حقا.
طيب، إذا: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. هل المقصود بهذا الحديث أن تحقيق التوكل يعني ألا يسعى الإنسان في الأسباب أم لا؟ ها، طيب، لماذا هنا من هذا الحديث هل يمكن أن نفهم من هذا الحديث شيئا مرتبطا بهذا الجواب؟ تغدو وتروح، يعني هي، هي النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنها تغدو، طيب هي تغدو ماذا تفعل؟ تبحث عن الرزق، تبحث، هي في الأخير تبذل السبب، لكنها تعود بطانا، تعود بطانا، فإذا القضية ليست مرتبطة بترك اتخاذ الأسباب.
طبعا يمكن هذه القضية واضحة عند كثير من الناس، لكن ترى كان في مراحل في التاريخ، في مراحل غلب فيها على أناس التزهد والتعبد والتصوف وما إلى ذلك، وكانت تأتي مسائل مثل هذه، ولذلك كان من المسائل المشكلة التي يعني تطرح وحتى تكلم فيها العلماء الكبار الأئمة، يعني اللي هي مثلا دخول الصحراء بلا زاد مثلا، يتكلمون عنها ما حكمه؟ لا، العلماء يتكلمون، وبعضهم... بعضهم... يعني لا أريد أن أذكر التفاصيل، لكن عموما أنا قد تشكل بس بعضهم يقول لمن حقق التوكل يمكن أن... بس هذه عموما لمن أراد أن يراجعها يراجعها مثلا في جامع العلوم والحكم لابن رجب، ذكر هذه المسألة وهي من المسائل السلوكية المعروفة عند المتقدمين، ويدخل حتى بعضهم كان يجيب إجابات لطيفة يقول: لمثل هذا يجوز، يعني باسم بعينه إن كان مثل فيجوز له أن يذهب بغير زاد. ولكن طبعا هذه أشياء لها ضوابطها ولها كذا، قصدي ماذا؟ قصدي أننا الآن ما نتخيل يمكن المسألة لأنه خلاص واضحة القضية مستقرة، بس بالنسبة لهم لغلبة حالة التعبد والتزهيد وما إلى ذلك صارت المسائل التي تشغل هي قضية أنه ليش تأتي مسألة حتى التداوي وما حكم التداوي وهل ترك التداوي أفضل ولا لا؟ هذه ليست مسائل، لم تكن تطرح مسائل ترفيه، جيد؟ لا، كانت مسائل تأتي على أرض الواقع فعلا، لكن الذي يقال هنا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي ذكر فيه حقيقة التوكل أشار فيه إلى الأسباب، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: تغدو وتروح، وبناء على ذلك يقال أن حقيقة التوكل أو أن تحقيق التوكل إلى درجته العليا لا يتعارض مع الأسباب، بل إن الحديث يدل دلالة واضحة على أن تحقيق التوكل يتصل بالأسباب، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: تغدو خماصا وتروح بطانا.
إذا هذا الحديث الأول. ثم قال رحمه الله تعالى: السابع عن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان، إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا. متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين عن البراء قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل، وذكر نحوه، ثم قال: واجعلهن آخر ما تقول.
النوم أمر طبيعي لكل البشر و أمر فطري، وقد جعله الله سبحانه وتعالى من الحاجات البشرية التي لا يستثنى منها أحد، وقد نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن النوم، فقال: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. أما هذا النوم بالنسبة للناس فهو أمر طبيعي ومحتاج إليه، والناس في حياتهم المعتادة لا تعرف النوم بأكثر من كونه سببا للراحة، أو بكونه ضرورة وحاجة بشرية.
العجيب أن الإسلام يعطي تعريفات جديدة للأشياء الطبيعية، يعطي تعريفات جديدة للأشياء الطبيعية، يعطي علاقة جديدة بين الإنسان المسلم وبين حياته اليومية المعتادة، وبين مفردات حياته اليومية المعتادة بحيث أن المعنى في حياة المسلم يتسع بعرض أفقي لا حدود له، بينما يضيق عند الملحد أو عند الكافر الذي لا يعترف بهذه الأشياء؛ يضيق حتى لا يعرف إلا بصورة واحدة ومن زاوية واحدة.
تذكرون مرة تكلمنا عن القمر؟ ذكرت هذا المعنى، يعني الإنسان لما ينظر القمر ايش الشيء اللي ممكن يتذكره؟ يعني بحسب الاهتمام، إن كان مثلا مهتما بالفلك يعني ينظر إليه من ناحية فلكية صح؟ ممكن ينظر له من ناحية التاريخ واليوم، ممكن ينظر له من ناحية الجمال والشعر، صح ولا لا؟ خلاص انتهت المعاني تقريبا. يعني لكن في الإسلام تفتح لك معاني جديدة: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته". وعندك أيضا: كان النبي صلى الله عليه وسلم كالقمر، هل كان وجهه كسيف من القمر؟ قال: لا، كالقمر. نعم، لكن هذا في الكوكب الدرية الغابر لا، احنا بالقمر. عندك أيضا: أحسنت، أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، يعني أنت ممكن تنظر القمر: يا الله يا رب اجعلني ممن يدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر. وعندك لا كشيء، وعندك أيضا: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ، وآية الليل عند كثير من المفسرين هي القمر، واجعلنا آية النهار مبصرة. وعندك أيضا: "يا عائشة استعيذي من شر هذا الغاسق إذا وقب"، اللي هو القمر، ويعني هو علامة على الليل الذي يكون فيه الشرور ويكون فيه كذا إلى آخره، هذا في حديث أنه استعيذ من شر الغاسق إذا وقب أنه أشار إلى القمر.
واضح الفكرة؟ وهذا قليل الآن، يعني هذه المعاني المرتبطة بالقمر ليست كثيرة.
لكن السماء مثلا لا تتسع، تتسع المعاني. جيد، طيب النوم، النوم ايش ممكن يعرف؟ يعني يعني ايش الشيء الذي يربطك بالنوم غير أنك أنت تعبان وتبغى تنام؟ لا، أنت النوم عندك هو أولاً هو موتة صغرى، تتذكر فيه الموت كل يوم، وهو نهاية يوم تشكر الله فيه على ما جرى خلال اليوم، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أذكار النوم قوله: ايش؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي وَكَفَانِي وَآوَانِي، فكم ممن لا كافي له ولا، مو هذا قبل النوم، طيب.
والشيء الآخر الذي هو التذكير أن النوم ترى قد تموت فيه وقد تنتقل، معروف الدعاء الذي هو بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، ايش؟ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وهذا يذكرك بالآية: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى، إذاً وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا، فأنت الآن صار عندك أن النوم فيه تذكير دائم بقضية الانتقال إلى الدار الآخرة.
جيد وغير ذلك من الأشياء الكثيرة المرتبطة بالنوم بقدر سعة الأذكار الواردة في النوم، وإذا استيقظت من النوم عندك أذكار أخرى، إذاً استيقاظك من النوم له تعريف، ونومك له تعريف، ونومك فيه عبادات قبل النوم أقصد فيه عبادات، وإذا استيقظت هناك عبادات، والنوم نفسه قد يحتسب فيه كما ثبت عن معاذ رضي الله عنه في الصحيح أنه قال: وإني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، إلى آخر الكلام، يعني يا أسيد عارف فرق هائل بين إنسان مسلم يحمل كل هذه المعاني ويتعامل في الحياة مع مختلف الأشياء وكل شيء منها له معانٍ ومعانٍ، وبين إنسان لا يرى إلا الصورة الواحدة والبعد الواحد للأشياء، فلا يعرف النوم إلا أنه حاجة طبيعية بشرية للراحة، ولا يعرف الزواج إلا كذلك، ولا يعرف كذا إلا كذلك، وقس على ذلك من الأشياء التي في الحياة.
وبالمناسبة يعني في قضية التاريخ الغربي والتاريخ الفكري الغربي يمكن لو تتذكرون في السلسلة التي كانت قبل سنوات تاريخ الفكر الغربي، كان من الأشياء اللافتة هي كيف فقد الغرب جانب المعنى شيئاً فشيئاً، وكان هذه من الأشياء التي جعلت علامات على تغير الجانب الديني في الغرب، فكرة أنه لما وقف أحدهم أمام كنيسة فقال: الله ما أجمل الحجارة التي بنيت بها أو كذا وإلى آخره، كأنه اختصر واختزل المعنى المتعلق بالكنيسة وما يتعلق بالتعبد في فكرة البناء وشكل البناء، وهكذا إلى أن صار النظر الاقتصادي هو الغالب على كثير من أو أكثر السياقات الأوروبية، الأشجار تعرف بكمية الأخشاب التي تستخرج منها، وكيف تحولها إلى سوق اقتصادي، إلى تدخلها إلى السوق الاقتصادي بأكثر قدر ممكن من الاستفادة وإلى آخره الكلام.
ما نريد نتوسع، لكن الشاهد أنه لسه احنا ما وقفنا مع جمل الحديث، لكن فكرة الأذكار قبل النوم والتعريف لهذه الأشياء، وأنه الإنسان المسلم يقف ليعيد تعريف الأشياء الطبيعية والعادية تعريفات شرعية، هذا من أجمل ما يمكن أن يعيش الإنسان معه وفيه، وإذا فقد هذه المعاني فإن حياته تصبح حياة عقيمة صغيرة محدودة، لا مساحة فيها ولا فسحة، وتصبح الحدود التي يتعامل معها الإنسان هي بحدود البصر فقط، حدود الرؤية البصرية، لكن المؤمن لا يتعامل بحدود الرؤية البصرية، وإنما يتعامل بانفساح كبير كبير جداً.
على أية حال الكلام في هذا المعنى كثير جداً وهو مرتبط بكل أمور الحياة، كل أمور الحياة، بالتجارة، المال، تعريف المال، بالعكس دائماً القرآن أصلاً يأتي في هذا المعنى التذكير، ترى المال هذا لا، تذكروا عبارة عمر: ليس من كد أبيك ولا كد أمك، وقبل ذلك في القرآن: وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ، تخيل ممكن تقول شيء بسيط، ممكن تقول شيء بسيط، أنت عارف هذا الشيء البسيط هذا يحل أزمة كبرى عند البشر، يعني مجرد أن يكون تعريفك للمال الذي بيدك الذي اكتسبته أنت بعملك، مجرد ما يكون تعريفك له أنه مال الله الذي آتاك، يختلف تعاملك معه 180 درجة، صح ولا لا؟ وبين أنت تظن أن هذا المال هو ليس إلا من جهدك وليس إلا من كدك، فلما يكون من مال الله وهذا تعريفك له، كيف يكون تعاملك مع قضية الزكاة؟ ممكن تقول بس 2.5% فقط، يعني هذا بس، هذا يعني ليش ما يكون أكثر؟ يختلف تماماً، وفي ناس يموت ولا يدفع الزكاة، يموت ولا يدفع الزكاة ليش؟ وبعضهم قد يدفع الزكاة لأنه هي ركن من أركان الإسلام لكن في نفسه ما فيه، أشياء وأشياء، ليش يا ربي يعني أنا تعبت في كل هذا المال، ليش 2.5%؟ كثير كثير مرة كثير.
طبعاً لما تكثر الأموال بعدين تصير 2.5% مليون ولا مليونين ولا خمسة ولا عشرة ولا عشرات الملايين، يا ربي كثير، بس هو لأنه لم يعرفه بأنه مال الله الذي آتاه، أما إذا عرفه بأنه مال الله الذي آتاه وكانت هذه القضية هي التي عنده دائماً، ما أسهل ما يكون عليه أن يخرج هذا المال.
طيب واضح، نعود إلى الحديث وإلى ألفاظه، قال: يا فلان إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. هذا ذكر عظيم جداً جداً جداً، وفيه خلاصة من خلاصات التوحيد، خلاصة من خلاصات الإيمان، وأنا وصيتي لنفسي ولكل من أحب أن يحرصوا على هذا الدعاء، والله يا جماعة هذا الدعاء عجيب، هذا الدعاء أنا هذا الدعاء يذكرني بشيء من سيد الاستغفار، وإن كان ليس في باب المغفرة ولكن في قيمته وأهميته، لأنه في حقائق العبودية العظمى، تفكر فيه، نسمعه الآن: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: اجعلهن آخر ما تقول، فإن مت مت على الفطرة. يعني والله شيء عظيم وعجيب في غاية العجب، وهذا لا يأتي بمجرد التأمل الشخصي، هذه النبوة، هذه أنوار النبوة، احنا نقول أنوار السنة المحمدية، هذه أنوار السنة المحمدية، هذه أنوار، هذا وحي، هذا تعبد الأنبياء، هذا ما يأتي هكذا، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أوصى به وأوصى أن يكون آخر ما يقوله الإنسان، ولذلك احرصوا عليه، احرصوا أن يكون آخر ما يذكر من الأذكار، هذا فيه بركة عجيبة وفيه أثر عظيم، وفيه سبحان الله تحقيق للتوحيد وتحقيق للإيمان، تحقيق للعبودية لله بشكل عظيم وعجيب جداً.
ثم قال رحمه الله تعالى، طبعاً أنا وقفت عند فوائد ربما مفصلة لهذا الحديث في غيث الساري كتاب الدعوات، أليس كذلك؟ طيب، الثامن عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي رضي الله عنه، وهو وأبوه وأمه صحابة رضي الله عنهم، قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت يا رسول الله: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصر، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ متفق عليه. هذا الحديث هو من الأحاديث المرتبطة بتوكل الأنبياء وتوكل النبي صلى الله عليه وسلم، وسبق في الدرس السابق حديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نائماً ثم جاء الرجل معه السيف فرفعه صلتاً على وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله. وذكرت عند ذلك الحديث أن هذا من أعلام النبوة، لأن هذه المواقف تزول منها كل الشعارات وتزول فيها كل الادعاءات ولا يبقى فيها إلا صميم ما في القلب، فلا تجد النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه المواقف إلا متوكلاً مطمئناً غاية الطمأنينة، غاية الطمأنينة، متوكلاً مفوضاً أمره إلى الله، واحنا نعلم أن هذه الأمور وقعت كما هي كما حدث بها هؤلاء الثقات الأخيار، فنحن هذه الأحاديث تزيدنا حباً للنبي صلى الله عليه وسلم وتزيدنا إيماناً به وتزيدنا تصديقاً به وتزيدنا معرفة بأنه نبي الله ورسوله حقاً وصدقاً.
هذه مواقف وبالمناسبة يا جماعة الخير كلما اتسعت حياة الإنسان وتجاربه يزداد تأهلاً لإدراك قيمة هذه المواقف، يعني من يمر بمواقف الخوف مثلاً يعلم الحالة الطبيعية ما هي، ثم يرى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نفس أبو بكر الصديق، يعني هو أبو بكر الصديق هو التصرف العادي، التصرف العادي للإنسان الشجاع القوي أنه: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه رآنا، النبي صلى الله عليه وسلم ولا التفت أصلاً، لماذا؟ بذل كل ما عليه من السبب وانتهى، خلاص انتهى كل ما عليه، الآن لم يبق إلا الثقة بالله سبحانه وتعالى، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ وقد ذكر الله هذا الموقف لعظمته ولجلالته، أيضاً زيادة على ما ذكره الله سبحانه وتعالى، وهو: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وهذا الموقف تكرر أيضاً في نفس الحادثة، حادثة الهجرة، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار وقطع شيئاً من الطريق فلحق سراقة، فجعل أبو بكر يكثر الالتفات والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت ويقول لأبي بكر: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. وهكذا حين جاءه المشرك ورفع السيف كما تقدم معنا والنبي صلى الله عليه وسلم نائم، وهكذا في حنين حين فر الناس واضطربت الصفوف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ. هذه مواقف عظيمة تزيد المؤمن إيماناً وتصديقاً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وتزيد المؤمن اقتداءً به صلى الله عليه وسلم.
طيب، ثم ختام هذا الباب أو عفواً نعم، ختام هذا الباب بثلاثة أحاديث، قال رحمه الله تعالى التاسع عن أم المؤمنين أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية حذيفة المخزومية رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. قال النووي رحمه الله: حديث صحيح، رواه أبو داوود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهذا لفظ أبي داوود. هذا الحديث أول شيء، أولاً من ناحية الصحة هو حديث فيه انقطاع يسير، الانقطاع اليسير هو بين الشعبي وبين أم سلمة؛ لأنه هذا الطريق هذا الحديث من طريق الشعبي عامر بن شراحيل المعروف الإمام عن أم سلمة، وغير واحد من المحدثين يرى أنه لم يسمع منها، لكن مراسيل الشعبي فيها قوة وهو قديم، فلذلك الحديث وإن كان فيه انقطاع يسير أو يقال ضعف يسير، إلا أنه ليس شديداً، فهذا الحديث من الأحاديث المقبولة للاعتبار قبولاً حسناً.
والحديث التالي سأقرأ ثم أعلق على الحديثين وهو عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال يعني إذا خرج من بيته بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يقال له: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ. رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن. زاد أبو داوود: فيقول يعني الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟
نعم هذا الحديث الثاني، حديث أنس، حديث معلول، فيه علة ونبه إليها بعض الحفاظ الكبار، أعله البخاري هذا الحديث، والانقطاع فيه بين ابن جريج وابن إسحاق أو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. طيب، أعجبني تعليق الشيخ الطريفي حفظه الله يقول عن أحاديث الخروج من المنزل: أحاديث الخروج من المنزل معلولة، وإذا أراد أن يذكر الإنسان ربه بأي واحد منها على سبيل التنوع لا على الدوام فلا حرج، هذا كان تعليقه عليها، والحديث أم سلمة أجود، يعني الانقطاع الذي فيه يسير ومثل هذه الانقطاعات في مثل هذه الأحاديث أمرها سهل، أمرها سهل.
طيب كما ذكرت في أذكار النوم، قضية الخروج من المنزل هي من القضايا العادية في الحياة، من الأشياء التي لا ينتبه إليها الإنسان، وعادة إذا خرج الإنسان من المنزل يكون ذهنه ممتلئاً بما يريد أن يقدم عليه، فإذا خرج لحاجة يخرج وذهنه فيه تلك الحاجة، وإذا خرج وكان في البيت ما يشغل البال، خرج وباله مشغول بما في البيت، أما لحظة الخروج هذه فهي لحظة عادية لا يقف الإنسان عندها في الحياة، ولكن أيضاً تأتي هذه الأحاديث لتكون نوراً وهداية في مثل هذه اللحظات المهمة، والعبادة المقصودة هنا عند الخروج من المنزل هي عبادة التوكل، عبادة التوكل: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وفي رواية: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، طيب بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، ثم يأتي هذا الدعاء العظيم كذلك: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، لاحظ إمكانات الأشياء التي يمكن أن تحصل لك خارج المنزل، أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل.
أو أزل أو أظلم أو أجهل. انتهت أبواب الشر، ها، انتهت أبواب الشر. فلذلك الدعاء هذا دعاء عظيم وطيب ومبارك.
ثم الحديث الأخير قال: عن أنس رضي الله عنه قال: كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك ترزق به. رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم.
يحترف يكتسب ويتسبب، هكذا يقول النووي رحمه الله تعالى، هذا الحديث قال الترمذي عنه: حسن صحيح. الإمام النووي رحمه الله أشار بأن الإسناد على شرط مسلم، أي ما هو الإسناد؟ هكذا الإسناد، قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو داود الطيالسي، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه به. هل هذا الإسناد على شرط مسلم؟ نعم هكذا هو على شرط مسلم، لكن لم أتتبع كل طرق، هل هناك شيء آخر يقدح في هذا الإسناد أو لا، لكن ظاهره نعم على شرط مسلم. ومن أهم ما يتقوى به تصحيح الترمذي، فالأصل أن هذا الحديث صحيح، الترمذي صحح هذا الحديث رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث جميل وفيه فوائد، كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما يحترف، أيش معنى يحترف يا خالد؟ نعم أحسنت، يشتغل، يعمل، تجارة، يتكسب، والآخر أيش؟ يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أيش؟ طالب علم غير منشغل بتحصيل الرزق، فجاء المحترف فشكا أخاه للنبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول: ماذا يا رسول الله؟ مره فليحترف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك ترزق به.
هذا الحديث كما قلت فيه فوائد، وهو من الأحاديث التي نحتاج إليها في زمننا هذا، وفي زمننا هذا، وإذا كان ذاك الحديث أو هذا الحديث في أخوين، فلنا أن نقول في هذا الزمن أيضاً قد يصدق مثل هذا الحديث في أب وابنه، أب يحترف، يتاجر، يعمل، وابنه طالب علم يذهب فيطلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب العلم، يتعلم كتاب الله، ويسعى لنصرة دين الله سبحانه وتعالى، ويشغل وقته بهذا، فربما يأتي أبوه يشتكي، قد يقال له: لعلك ترزق به. لعل هذا التعب الذي تتعبه وتحصل منه المال ثم تغذي به ابنك هذا، لعل بركة هذا العلم الذي عند ابنك، والنية والعمل الذي يعمله لعله هو السبب الذي لأجله يرزقك الله سبحانه وتعالى.
وهذا يعني من الأمور التي نحتاج إلى إحيائها، ولا شك ولا ريب أن هذا الحديث ليس القصد منه أن لا يتخذ الإنسان الأسباب في الرزق، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أطيب الرزق هو ما كان من كسب اليد، ولكن لا حرج ولا إشكال في أن يكون من وسائل الرزق أن يكون أخ الإنسان أو والد الإنسان أو نحو ذلك هو الذي ينفق على أخيه أو على ابنه إذا كان ممن اشتغل بما هو أهم من ذلك، لا حرج؛ لأن هذا مصدر رزق، يعني هو القصد ماذا؟ هو القصد أن لا يتفرغ الإنسان إلى العلم والدعوة وما إلى ذلك ولا يكون عنده أي مصدر رزق، ولا هناك أحد يكفل هذا الإنسان، ثم بعد ذلك يذهب يتكفف الناس، هذه هي المشكلة وهذا المنهي عنه. لكن أن يكون له مصدر رزق عن طريق خاصة لو كان عن طريق أقربائه، عن طريق والده، عن طريق أبنائه، عن طريق إخوانه، عن طريق كذا، فهذا لا حرج فيه ولا إشكال. وهذه سنة أصلاً حتى عند العلماء، حتى عند العلماء، وهناك لها أمثلة، ولعله يوم يأتِ إن شاء الله نذكر بعض الأمثلة على هذه القضية، يعني عدة في أكثر من نموذج على هذا المعنى.
ولو تذكرون في سلسلة خير القرون قبل في حلقاتها الأولى تحدثت عن فكرة تفريغ الحَمَلة، وعن أنه من ينظر إلى زماننا هذا ومشكلاته وتحدياته سيجد أنه من الصعب أن يتغير الواقع إلا بأناس لديهم أوقات حقيقية يتفرغون فيها لنصرة هذا الدين، وأن هؤلاء بظروف الحياة المعاصرة من الصعب أن يتفرغوا دون أن يكون لهم مصدر دخل. ولذلك دعوت إلى فكرة تفريغ المصلحين وتفريغ العاملين لهذا الدين. وهذه الفكرة يا جماعة الخير أنا أريد أن أضيف عليها شيئاً سريعاً، يعني هذه الفكرة ليس بالضرورة أن تتبناها مؤسسات أو أن يتبناها الداعمون الذين هم من القائمين على الأعمال الخيرية، يعني مؤسسات إغاثة ولا مؤسسات داعمة للمشاريع الخيرية، لا، أنا برأيي يا جماعة الخير وهذا ما أدعو إليه أيضاً، أنه من أهم ما من أهم من يقوم بمثل هذا العمل ومن أهم المؤسسات التي تقوم بهذا العمل: المؤسسات العائلية، الدوائر العائلية، وهذه من البركات العظيمة التي يمكن أن تفتح على العوائل. ولذلك أنا أدعو العائلات الطيبة الصالحة إذا كان من أبنائها من فيه نجابة وعنده رغبة، هو عنده رغبة وفيه حرص، وبالعكس تجده يجاهد ويناضل حتى تفرغ ويجد فرصة للعلم ولدعوته سواء العائلة الصغيرة أو العائلة الواسعة، على دعم أبنائها، فهذا من أفضل الخير، من أفضل الخير.
وإياك أيها الأب الكريم أن يخطر في بالك أو في ذهنك أنك تفعل بهذا أمراً خطأ أو أنك تقيد ابنك أو أنك تمنعه من الخبرات في الحياة، أبداً، بل أقول لك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاء يشتكي أخاه الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل المشتكي هو الذي يحترف ويعمل ويكتسب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك ترزق به. أنا أقول: لعل هذا هو البركة للعائلة، والخير للعائلة، ومزيد من الرزق للعائلة. وهذه سنة ماضية وفعلت في التاريخ ولا إشكال فيها ولا حرج، وليس المقصود أن يعتزل الإنسان اعتزالاً يعني يبتعد فيه عن تنمية المهارات والقدرات والخبرات، لا، وإنما المقصود أن يزداد الإنسان علماً ويزداد معرفة شمولية تؤهله لأن يكون بإذن الله تعالى من المصلحين في هذه الأمة، ولعل الناس يرزقون بمثل هذا الخير.
نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والعون والسداد، وصلِّ اللهم ربنا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد