تسجيل الدخول

رياض الصالحين 10 | باب الصبر 5 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد: نستعين بالله ونستفتح درسًا جديدًا من دروس الاستهداء بالسنة النبوية، من أنوار السنة المحمدية، وذلك في تدارس بعض أحاديث رياض الصالحين. وهذا هو الدرس العاشر من هذه السلسلة التي نسأل الله أن يتمها على خير.

لا يزال الحديث عن باب الصبر، وكما سلف وتقدم في أكثر من مجلس أن باب الصبر هو من أبواب الدين العظمى التي ينبغي التفقه فيها ودراستها والعناية بها، وتذاكر ما جاء فيها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من أولى أبواب العلم التي تدرس.

وقفنا عند حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسًا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله! فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصِّرف، ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟!. ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. فقلت: لا جرم، لا أرفع إليه حديثًا بعدها. متفق عليه. وقوله: كالصِّرف هو بكسر الصاد المهملة، وهو صبغ أحمر.

هذا الحديث أخرجه النووي رحمه الله في باب الصبر، وفيه بيان صبر النبيين اللذين كثيرًا ما جمع الله بينهما في القرآن: موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. بل لم يقرن نبي بنبي، أو لم يقرن نبي بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن كما قرن به موسى، وذلك في سور كثيرة، وهو باب للتأمل والتتبع في القرآن؛ من يتتبع سيجد هذه الحقيقة، فكثيرًا ما يذكر موسى عليه السلام مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هذا غير السور اللي فيها قصص الأنبياء المتعددة، وإنما يذكر موسى فقط، والجمع بين الكتابين.

يعني مثلًا مثلًا تأملوا في سورة القصص: قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ، قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إلى آخر الآيات. وكذلك في سورة المزمل: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ. وكذلك في سورة الدخان، وكذلك في... إلى آخره. تتبع هذه المواضع مهم.

على أية حال، هنا يستحضر النبي صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام الذي أوذي بأكثر من هذا فصبر. ومن الواضح أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بالأذى الذي تعرض له موسى، الأذى الذي تعرض له على أيدي بني إسرائيل، وليس الأذى الذي تعرض له على يد فرعون وقومه؛ لأن هذا البلاء أو هذا الأذى الذي أوذي به النبي صلى الله عليه وسلم، الذي ورد في هذا الحديث، هو أشبه بالأذى الذي أوذي به موسى عليه السلام من قومه؛ لأنه هذا أذى من أحد الأتباع، أليس كذلك؟ وليس أذى من الأعداء. وكذلك موسى عليه السلام أوذي كثيرًا من الأتباع من بني إسرائيل، والقصص في ذلك والأحداث كثيرة.

وبالمناسبة، ترى احنا قلنا الجمع بين نبي الله موسى وبين نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، بالمناسبة جمع الله بينهما في قضية الأذى تحديدًا في آية، أليس كذلك؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، والمقصود محمد صلى الله عليه وسلم. يعني هي نفس السورة التي فيها ايش؟ ايش؟ أنا عارف إن الأحزاب، اللي فيها ايش؟ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ. يؤذي النبي. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا... إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وفيها أيضًا: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، ثم بعدها بموضع يسير قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا. جيد، وليس بالضرورة أن يكون منحصرًا في هذه الآية، هو عامة، لكن هذه من المناسبات يعني. فعلى أية حال، أوذي موسى عليه السلام من قومه، وعانى منهم معاناة شديدة جدًا.

ومن اللطائف المرتبطة بالجمع بين النبيين محمد وموسى عليهما صلاة الله وسلامه، فيما يتعلق كذلك بالناس، والمعرفة بهم، ما حدث في حادثة المعراج لما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين صلاة، فكان موسى عليه السلام هو الذي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ربك فليخفف عنك. ثم قال النص المهم المفيد لكل المصلحين المتبعين للأنبياء والرسل، قال: أنا أعلم بالناس منك. موسى عليه السلام يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم كما في البخاري، يقول: أنا أعلم بالناس منك، لقد عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك. هذا تعرف، النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال في بداية البعثة، أقصد قبل الهجرة يعني، وموسى عليه السلام الآن بعد ما يعني خلاص انتهت الرسالة، وموسى عليه السلام عانى من بني إسرائيل معاناة شديدة جدًا، فيقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم بالناس منك، لقد عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك.

فلاحظوا يا جماعة الارتباط الدائم بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الارتباط بين التوراة والقرآن. قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ. وكذلك في سورة القصص: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ إلى آخره.

الشاهد أن موسى عليه السلام أوذي من أتباعه وقومه كما أوذي من فرعون وملئه، والنبي صلى الله عليه وسلم عانى من هذين النوعين، على أنه لم يعانِ من النوع الثاني إلا قليلًا جدًا؛ فإن عامة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معه وحوله وأنصارًا ومعينين له، غير أنه وجد مثل هذا النموذج المذكور في الحديث، وهو نموذج شاذ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه نعمة. لكن أبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يعني يرفع نبيه بأنواع الابتلاءات وأنواع الشدائد التي منها هذا النوع، وهو نوع شديد جدًا جدًا جدًا، ولذلك ترون هنا تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى صار كالصِّرف، صلى الله عليه وسلم.

طيب، في هذا الحديث احنا قلنا نبغى نتبع بوصلة الهدي النبوي، النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، تعرفوا ايش معنى مئة من الإبل؟ إذا كانت في ميزان اليوم، بعد السيارات والدنيا وهذا، إذا كانت في ميزان اليوم مئة من الإبل هذه قصة يعني طويلة عريضة ولها قيمتها الكبيرة جدًا، فما بالكم حين كانت الإبل هي الوحيدة؟! يعني كانت مئة من الإبل هذه شيء عظيم وكبير جدًا جدًا، وتعلمون كانت تساوي دية الإنسان أصلًا، يعني مئة من الإبل. ويعطيها النبي صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، وهما ممن طلب في إعطائهما هذا أن تتألف قلوبهما للإسلام، ليس لبلائهما ولا لنكايتهما ولا لقوتهما ولا لصبرهما ولا لغنائهما، وإنما فقط تأليف قلوب، أي بعكس ذلك، أي لأنهما على عكس ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم واجه في هذه الحادثة مصاعب. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى المؤلفة قلوبهم، ليس فقط ترى هذين، وإنما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حتى من سادة قريش، حتى أعطى من سادة قريش.

وفي صحيح مسلم، كان من هو الذي قال؟ اللي قال: أتجعل نهبي ونهب العُبَيْـ ... ـدِ بين عيينة والأقرعِ؟ شوف عيينة، هذا هو عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس. فالثالث هذا سبحان الله غاب: فما كان بدرٌ ولا حابسٌ ... يفوقان مرداسَ في المجمعِ العباس، إي، ابن مرداس، أظن العباس بن مرداس، فهو أيضًا من أشراف العرب، من وجوه يعني الناس اللي لهم مكانة، فغضب أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن كل واحد مئة ومئة وما أعطاه. طبعًا هذا عيينة ابن من؟ ابن حصن، هو عيينة ابن بدر أصلًا، عيينة بن بدر، والثاني اللي هو من؟ الأقرع بن حابس. طيب، فهذا الآن العباس بن مرداس يقول: أتجعل نهبي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، نهبي يعني الغنيمة، ونهب العُبَيد، العُبيد اسم الفرس حقه: أتجعل نهبي ونهب العُبَيْـ ... ـدِ بين عيينة والأقرعِ؟ فما كان بدرٌ -اللي هو أبو عيينة- ولا حابسٌ -اللي هو أبو الأقرع- يفوقان مرداس في المجمع وما كنتُ دون امرئٍ منهما ... ومن تخفضِ اليومَ لا يُرفعِ

لاحظ، شوف هنا صار في غضب من هذه الجهة، ومن جهة أخرى القصة المعروفة للأنصار الذين عتبوا أو يعني وقع في نفوسهم ما وقع، وكانوا طبعًا مؤدبين ومحترمين ومراعين لحدود الألفاظ مع النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن بحجم يعني ايش ما يتوقع من الإنسان اللي يعني في مثل هذه الحادثة. يعني لو تصير حادثة مقاربة في مثل هذا الزمن، يصير أعلن انشقاقي عن... صح؟ أعلن انشقاقي، إيه! لكن الأنصار وجدوا في نفوسهم وقالوا: يا رسول الله، يعني أعطيت هؤلاء وتركتنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! سيوفنا تقطر من دمائهم! يعني هؤلاء هم أصلًا كانوا من الكفار المقاتلين فاحنا قاتلناهم، سيوفنا لا تزال فيها دماؤهم، لما جاءت الغنائم أعطيتهم وتركتنا! فخطب بهم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة المشهورة التي قال فيها: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟. يعني مئة من الإبل، شاء، بعير يعني. وطبعًا رجعوا مباشرة، مباشرة بكوا، كلهم سكتوا وبكوا. هي يعني تصير هذه أحيانًا، عارف، تصير كذا بس يعني مشاعر معينة ما ينتبه لها الإنسان، ما ينتبه لها، يعني ايش ما ينتبه لها؟ يعني تغيب عنه أحيانًا المعايير الكبرى، تمام؟ تحت ضغط المشاعر نوعًا ما قد يقول شيئًا، أو يتكلم بشيء، أو يجد في نفسه شيئًا.

طيب، والقصص، أو خلينا نقول الفوائد والعبر من هذا الحديث كثيرة جدًا.

الحديث التالي: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عِظم الجزاء مع عِظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

هذا يمكن أول حديث يمر علينا خارج الصحيحين، لا أتذكر الآن إن كان مر حديث آخر أو لا، لكن أظن أول حديث. وحقيقة رياض الصالحين، من القيمة التي في هذا الكتاب أنه كثير من أحاديث الكتاب إن لم تكن عامة أحاديث الكتاب من الصحيحين أو من أحدهما، وهذه قيمة في الكتاب. والكتاب له قيمة كبيرة جدًا في ترتيبه، في اختيار أحاديثه، في موضوعاته، ولكن لا يخلو الكتاب من أحاديث فيها شيء من الضعف اليسير، وقد يكون أشد من ذلك في بعض الأحاديث.

هذا الحديث من حيث إسناده فيه شيء من اللين، إسناده فيه شيء من اللين، فيه شيء من الضعف، وهذا لا يتعارض مع قول الترمذي: حديث حسن؛ لأن حسن عند الترمذي لا تعني التحسين الاصطلاحي الذي يراد به: ما اتصل إسناده برواية العدل الذي خف ضبطه عن مثله من غير شذوذ ولا علة. وهذا مع الأسف يغيب عن كثير من الناس التي تتعامل مع أحكام الترمذي؛ فإذا وجد مثلًا راويًا ضعيفًا أو وجد من يضعف الحديث -أي حديث عمومًا وخاصة من المتقدمين- قد يجد مثلًا عبارة الإمام أحمد يقول: هذا حديث ضعيف، ثم يجد الترمذي قال: حديث حسن، فقد يقول: اختلف العلماء في صحة هذا الحديث فضعفه الإمام أحمد وحسنه الترمذي! وفي الحقيقة حسنه لا تتعارض مع ضعيف، حسن الترمذي لا تتعارض مع ضعيف. وبسط هذا الكلام يعني في غير هذا الموضع، يعني الإنسان تكلم عن هذه القضية في مواضع بشكل مفصل في الشرح المطول على نزهة النظر وغيره، لكن هي مهمة؛ لأنه الترمذي له أحكام كثيرة، وفي مواضع يقول الترمذي: هذا حديث حسن وليس إسناده بمتصل، هكذا في نفس الجملة: هذا حديث حسن وليس إسناده بمتصل، وهي قضية واضحة يعني.

عمومًا، على أية حال، الحديث هذا: إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة، هذه الجملة توافق المعنى الذي ذُكر قبل، أظن في الدرس السابق، أنه ايش؟ أنه: من يرد الله به خيرًا يصب منه. يعني إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، إذا أراد الله بعبده الخير هذه توافق ايش؟ من يرد الله به خيرًا، عجل له العقوبة في الدنيا توافق إلى حد ما: يصب منه، ولو من بعض الجهات ومن بعض المعاني. وإن كان تعجيل العقوبة تامة في الدنيا لا يطيقها الإنسان؛ لأنه ورد ترى في الحديث أيضًا في الصحيح لما زار النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا فرآه يعني في حال شديدة جدًا جدًا من الناحية الصحية يعني، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه كنت أدعو: اللهم ما أردت بي من عقوبة في الآخرة فعجله لي في الدنيا، إيه فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

فهنا يقال، خلينا نقول: أولًا اللفظ الأصح هو: من يرد الله به خيرًا يصب منه، أن يصاب الإنسان بالابتلاءات وبالأمراض، هذا هو الأمر المحكم. وأما عجل له العقوبة في الدنيا، فأولًا من حيث الثبوت فيها شيء من الضعف، أو يقال: عجل له العقوبة في الدنيا أي عجل له من عقوبته في الدنيا، أو عجل له ما برحمته سبحانه وتعالى يسقط عنه بها عقوبة الآخرة وإن لم تكن موافية للعقوبة أصلًا المستحقة في الآخرة، هذه وجوه يمكن التعامل معها.

وكذلك الجملة الأخرى: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، هذه يوازيها جملة صحيحة أخرجها الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم من حديث عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، إسناد صحيح: أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، يبتلى الرجل على قدر دينه، فهذه الجملة أصح من هذه، وهي محكمة ومفيدة وعظيمة.

الحديث التالي: عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة فقُبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم، وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان. فقرّبت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي. فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: أعرّستم الليلة؟ قال: نعم. قال: اللهم بارك لهما. قال: فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، فقال: أمعه شيء؟ قال: نعم، تمرات. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي، ثم حنكه، وسماه عبد الله. متفق عليه.

وفي رواية للبخاري قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن -يعني من أولاد عبد الله المولود-.

وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدّثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، ثم قال: تركتِني حتى إذا تلطختُ ثم أخبرتِني بابني؟! فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في ليلتكما. قال: فحملت. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من المدينة فضربها المخاض، -لا يطرقها، نجي للشرح بعد شوية، طيب- لا يطرقها طروقًا فدنوا من المدينة فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يقول أبو طلحة: إنك تعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبستُ بما ترى! تقول أم سليم: يا أبا طلحة، ما أجد الذي كنت أجد، انطلق. فانطلقا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلامًا. فقالت لي أمي: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تمام الحديث الذي فيه التحنيك.

هذه واحدة من القصص الموجودة بكثرة في الصحيحين، والصحيحان مليئان بالقصص المفيدة الواقعة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه واحدة من القصص، وهذا الموقف وهذه القصة فيها فوائد كثيرة: فمن جهة، التعجب من حال أم سليم رضي الله تعالى عنها، وثباتها وصبرها وقوتها، على أن أبا طلحة رضي الله عنه من خيار الصحابة، وعلى أنه قوي شديد البأس، وشجاع في القتال، وهو الذي كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يوم أحد هو وطلحة، وأبو طلحة أيضًا هو الذي كان يقول: يا رسول الله، لا ترفع رأسك، لا تشرف على القوم، نحري دون نحرك! وهو الذي كان يرمي يوم أحد وكان شديد النزع، ولما مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل ومعه كنانة فيها أسهم وقد اشتد القتال وحمي الوطيس، اشتدت الأمور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: انثرها لأبي طلحة، هذه الأسهم اللي معاك أعطها أبا طلحة، خل أبا طلحة يرمي، كان راميًا أبو طلحة رضي الله عنه.

الشاهد، فأبو طلحة ومع ذلك أم سليم في هذا الموقف تحديدًا كانت أفضل منه، وكانت أثبت منه، وكانت أصبر منه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والمعهود في مثل هذه الأحوال أن الذي يفقد صبره أو يكاد يفقد صبره هو الأم، أليس كذلك؟ وليس الأب، بمعنى أنه اللي يصبر المفروض هو الأب وليس الأم، لكن الذي صبر هنا وثبت هنا هو الأم، الزوجة. والتصبر أيضًا، يعني ايش؟ يعني متقدمة فيها إنه حتى استعملت هذا المجاز أو الإقناع العقلي إنه: أرأيت لو أن قومًا... ايش قالت بالنص؟ قالت: أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟، واستعملت مقدمات نفسية، وتصرفت تصرف إدارة المشهد، يعني ايش؟ إدارة كاملة يعني بحيث إنه ما... فسبحان الله، وهذا من فضل أم سليم رضي الله تعالى عنها، وكانت يعني امرأة صبورة وقوية، ومن خيار الصحابيات.

وكانت تخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره وفي بعض غزواته، ومن ذلك أنها خرجت معه يوم حنين كما في صحيح مسلم، واتخذت خنجرًا، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا يا أم سليم؟ قالت: يا رسول الله، هذا خنجر إن اقترب مني مشرك بقرت بطنه! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا في هذه أيضًا السَّفرة أو في هذا السفر خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم، والعجيب أنها خرجت وهي في الشهر التاسع يعني، وبعدين مو في، عارف، في مقاعد الدرجة الأولى في الطيارة، هي مشي يعني، خارجة مشي ولا على هودج، تمام؟ ولكن أبت إلا أن تخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا أيضًا، مثل هذه القصص يعني تفيد في الفهم العام لمثل قوله سبحانه وتعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، إنه القضية يعني لها فقه في سياقاتها، وفهم مجموع ما كان يطبق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ليس أمرًا يعني عامًا يشمل كل الأحوال. وإن كان من تكون أحوالها أنها كما يقال: خرّاجة ولاّجة، يقال لها: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وحتى لو ترجح أنها واردة في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تُستعمل مثل هذه الآية، جيد، لكن هذه الآية ليست لمنع الخروج، ومن الأدلة تتمة الآية: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وايش؟ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ. التبرج متى يكون؟ وقت الخروج: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ.

فالقضية يعني هي من الطرفين: فيها خطأ هنا وفيها خطأ هناك؛ فلا يقال إنه لا يمتدح القرار في البيوت، بل يقال لمن تُكثر الخروج وخاصة للمصالح الشخصية والاستكثار من الدنيا وما إلى ذلك: قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، يعني ايش الخروج والدخول هذا الكثير؟ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ. ولا يقال يعني لمن تخرج لحاجة، ولمن تخرج للدعوة، ولمن تخرج لكذا: لا يجوز؛ لأنه ليس فقط من دلالة الآية، وإنما من التطبيق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، احنا جالسين نتكلم عن حديث صحيح وهو خروج أم سليم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، وليس فقط أم سليم وحدها؛ أم عطية رضي الله تعالى عنها كما في البخاري تقول: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، شهدت معه ست أو سبع غزوات، وهذا في البخاري، وكذلك الأحاديث الكثيرة يعني عمومًا. فهي بمجموع هذه النصوص تفهم الحالة، ولا تقتصر على يعني خلينا نقول: منع عام، أو أيضًا لا يقال: هي خاصة بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم خصوصية تمنع من الاستدلال بها على غيرهن.

طيب، هذه الآن أم سليم رضي الله تعالى عنها كان لها شأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تخرج وتدخل، وكانت حاضرة في المشهد. حقيقة هذا كمان يفتح لنا بابًا آخر في مدى أهمية حضور المرأة في السياقات الإسلامية، السياقات الدعوية والسياقات الإصلاحية؛ هل تُعزل تمامًا؟ أم تختلط تمامًا؟ أم يكون لها قدر من المشاركة بالقدر الذي لا تتجاوز فيه الحد؟ ولا شك أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا أحظى به صلى الله عليه وسلم هم الرجال، ولذلك جاءت المرأة فقالت كما في البخاري: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال، فـ ايش؟ اجعل لنا يومًا من نفسك، اجعل لنا يومًا من نفسك، فهذا هو الأصل. وفي نفس الوقت في مجموع المواقف والأحاديث الصحيحة كانت هناك مشاركة واضحة، وكان هناك حضور واضح، ولكنه بحدوده. فهذه قضية تحتاج إلى فقه، فما يُبالغ فيها في المنع، ولا يبالغ فيها في التجويز. والتفصيل في هذه القضية له موضع آخر، لكن هذه فقط إشارة.

فقصدي إنه من مجموع حياة أم سليم سنجد أنها حاضرة، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيتها، وفي ذلك القصة المشهورة كما في البخاري لما زارهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم صلى بهم في البيت، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لُبس، فغسلته ثم وضعته، ثم صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عن أم سليم، وأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب منه الدعاء لأنس اللي هو ابنها.

وفي هذا الحديث كذلك يعني معية الله للمؤمنين؛ لأنهم لما رجعت أم سليم وكانت على وشك الولادة ضربها المخاض قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. طبعًا طروق، هذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى العائد من السفر عن أن يدخل على أهله مباشرة مفاجأة، وهذا واضح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأخر نوعًا ما قبل الدخول للمدينة حتى يصل الخبر إلى الناس في المدينة، إلى الأهالي، إلى الزوجات، إنه ترى الرجال رجعوا، الناس رجعوا، حتى ما يفاجئ، وأيضًا ما يكون في تتبع للناس وكذا وتصيد، أو خلاص يعني الناس تأخذ أفضل أحوالها، وما يكون فيه مفاجأة للناس وكأنه... وكان الإنسان يدخل لايش يعني؟ ليتصيد، ويخبر الناس حتى يكونوا... فالنبي صلى الله عليه وسلم كذلك، ونهى عن أن يطرق الرجل إذا رجع من السفر أهله، إي نعم.

فهنا جاء المخاض وضرب أم سليم رضي الله تعالى عنها، فاحتبس أبو طلحة عندها، وتحرك النبي صلى الله عليه وسلم للذهاب إلى المدينة. فمعية الله للمؤمنين في دعاء أبي طلحة؛ لأنه هي يعني هو شيء معنوي خلينا نقول، وقال: يا رب، إنك تعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وإني قد احتبستُ بما ترى، يا رب قد احتبستُ بما ترى من اشتغالي بمخاض أم سليم. فرفع الله المخاض عن أم سليم، فقالت: ما أجد الذي كنت أجد. وراحت تمشي، لما وصلت المدينة ولدت.

طيب، الحديث التالي: عن سليمان بن صُرَد رضي الله تعالى عنه قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبّان، وأحدهما قد احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد. فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. متفق

عليه، هذا الحديث من الأحاديث التي تبين مدى ارتباط الشيطان وأذاه بالإنسان، حتى إن الأحوال التي قد يظن الإنسان أنها أحوال عادية بشرية لا علاقة ولا مدخل للشيطان فيها، تبين كثير من الأحاديث أن هناك ارتباطًا وأن هناك مدخلًا للشيطان في كثير من أحوال الإنسان، بل في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يحضر للإنسان في جميع شأنه، أو في كل شأنه، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك الغضب؛ قد يقول قائل: الغضب يعني خلاص أنا أغضب بسبب موقف معين، بسبب شيء معين، ما علاقة أن يقول الإنسان إذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد؟ بلى، هناك علاقة، وإذا قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا من أسباب ذهاب غضبه، وهناك أسباب أخرى بلا شك، لكن هذا من جملة الأسباب. فمثل هذا الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد.

الحديث التالي عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء، رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. هذا الحديث أيضًا ليس في البخاري ومسلم، ومن جهة الإسناد أيضًا فيه شيء من اللين والضعف، آه ولكن الحديث هذا فيه فضل من فضائل كظم الغيظ.

وكظم الغيظ ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى نصًا في قوله سبحانه وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. فكظم الغيظ من جملة صفات المتقين ومن صفات المحسنين، أُعدت للمتقين الذين، فمن التقوى كظم الغيظ.

وكظم الغيظ يذكرنا بالحديث التالي الذي أخرجه النـ- أو الذي رواه ذكره النووي في باب الصبر كذلك، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: لا تغضب. فردد مرارًا، قال: لا تغضب، رواه البخاري.

ولا تغضب فيها- فيه نهي عن التماس مع أسباب الغضب، جيد، وفيه نهي كذلك عن القيام بالأفعال غير المنضبطة الناتجة عن الغضب. وهذا كظم الغيظ وترك الغضب قد يظن الإنسان أنه من جملة فقط صفات الكمال، وأن ليس من الأمور الأساسية، لكن إذا رجعت إلى كلام الأئمة والحفاظ والعلماء ستجد أن منزلة ترك الغضب في الإسلام منزلة كبيرة جدًا، إلى درجة أن ابن المبارك وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله جميعًا، كما ذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم، فسروا حسن الخلق بترك الغضب.

وتعلمون ما ورد في حسن الخلق من الفضائل ومن الأحاديث ومن الأجور، وحين يفسرون حسن الخلق بترك الغضب لا يعنون أن حسن الخلق ينحصر في ترك الغضب، هذه يعني من يمارس كلام العلماء يفهم ذلك، لا يقصدون أنه خلاص حسن الخلق هو فقط ترك الغضب، ولكن حين تقول مثلًا: ما هي الشجاعة؟ فيقول واحد: الثبات في القتال مثلًا أو عدم الانهزام أمام الأبطال، هل هذه هي الصورة الوحيدة للشجاعة؟ لا، ولكن هذه الصورة تحديدًا حين تذكر كتعريف للشجاعة فمعناها أن من أهم ما يدخل في الشجاعة، واضح؟ وكذلك حين يقول الأئمة: حسن الخلق ترك الغضب، معناه أن ترك الغضب من أهم ما يدخل في حسن الخلق على الإطلاق.

وأنت إذا تأملت ذلك، وأنت إذا تأملت وجدت أن الإنسان لن يظفر حقيقة بمجامع الأخلاق الحسنة إلا إذا كان تاركًا للغضب، صح ولا لا؟ آه أما إذا كان غضوبًا شديد الغضب سريع الغضب لا يملك نفسه عند الغضب، فقل لي بربك: متى يكون حسن الخلق؟! إلا أنه يمكن أن يكون صاحب خلق حسن في أحوال الرضا، لكن الشأن في حسن الخلق ليس أن يكون حسن الخلق في أحوال الرضا فقط، وإنما أن يكون في أحوال الرضا وفي أحوال الغضب.

وهذا كله لا يعني أن الإنسان لا تفلت منه فلتات، ها فهذه أمور بشرية عادية، لكن الفكرة هي ألا يكون من طبع الإنسان الدائم المتكرر هو سرعة الغضب وعدم السيطرة على النفس عند الغضب، فهذا لا يجتمع مع حسن الخلق. أما الذي يستطيع أن ينتصر على نفسه عند الغضب فهو على التزامه ببقية الأخلاق أقدر، أليس كذلك؟ لأنه هي ترى هو يعني قلب واحد ونفس واحدة، فهذه النفس من أصعب أحوالها حالات الانفعال، فإذا كان الإنسان قادرًا على السيطرة على نفسه في أحوال الانفعال -أو عند أحوال الانفعال- فهو على السيطرة على نفسه وقيادة نفسه في غير أحوال الانفعال إيش؟ أولى وأسهل وأجدر أن يقوم بذلك، أليس كذلك؟

أما الغضب وشدة الغضب وسرعة الغضب فهذه مما يذم به الإنسان، وأنت تتعجب أن الرجل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي ذكر قبل قليل في البخاري فيقول: يا رسول الله، أوصني. قد ينتظر الإنسان وصية، ها، بقيام الليل ولا بكثرة الذكر أو بأي شيء آخر، وهذا قد حصل في أحاديث أخرى، لكن هنا: أوصني، يقول: لا تغضب، صلى الله عليه وسلم، فردد مرارًا، يعني يقول: أوصني، كأنه يقول إنه إيش؟ إنه تمام يعني هذه لا تغضب يعني أخذتها فأعطني غيرها، ها، أو يكون استقلها، إما أنه أراد الزيادة أو يكون قد استقل هذه، فكأنه يقول: أوصني، يعني أعطني الوصية ذات الشأن، فيعيد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزيد: لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب. وهذا محمد صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام معناه أن هذا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من الرسالة، هذا من الدين، هذا من الوحي، هذا مما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون، هذا مما يوصى به المؤمنون: لا تغضب.

ومثل هذا، وإن كان الغضب هو أكثر الشعور الذي يعني يفقد الإنسان عقله والسيطرة على نفسه، لكن يعني يكون قريبًا من هذا أي شعور آخر يمكن إيش؟ أن يفقد الإنسان يعني عقله ويجعله يطيش. والغضب هذا قد ورد في حديث آخر: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان.

على أية حال، كظم الغيظ يعني يختلف، هو يرتبط بالغضب صح ولا لا؟ لأن الإنسان إذا اغتاظ غضب، الغيظ هو يعني فيه صورة من صور الاشتراك مع الغضب. كظم الغيظ فيه قدر يعني خلينا نقول مختلف نوعًا ما عن لا تغضب، إن لا تغضب قد تعني أول ما تعني أنه لا تدخل في أسباب الغضب، ليس فقط لا تغضب يعني لا تنفعل، وإنما لا تغضب تجنب الأسباب أيضًا التي إيش؟ توصلك إلى الغضب، أنت تعرف أن هذا الطريق، ها، هذا النقاش سيجعلك تغضب، لا تناقش، مو لا تغضب، لا تناقش أصلًا، فهمت الفكرة؟ لا تغضب يعني لا تتخذ السبب الذي تعلم أنه يغضبك، فإذا سلكت سبيلًا فيه هذا السبب فلا تغضب، وإذا غضبت فلا تفقد عقلك وحاول أن تتخلص من هذا الغضب، جيد؟

أما كظم الغيظ، أنا أختم بهذه القضية يا جماعة، كظم الغيظ هو من العبادات العظيمة والشريفة والتي ينبغي أن يعود الإنسان نفسه عليها، يعني تعرفوا العبادات وجوه كثيرة، من أفضل الأمور عند الله سبحانه وتعالى أن يوافي الإنسان أو العبد ربه يوم القيامة وقد جمع أبواب الخير أو أبوابًا كثيرة من الخير. أنا أقول يا جماعة الخير: احرص على ألا تلقى الله يوم القيامة قبل أن تكون قد عبدته بكظم الغيظ، قبل أن تكون قد عبدته بكظم الغيظ، بس كظم الغيظ اللي هو مثل الرواية الأخرى: يعني ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها الإنسان، أو كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا كظم الغيظ هذا بعد ما تغتاظ عارف، يعني إنسان يعمل تصرف، طبعًا تعرف الغيظ يدل حتى على إيش؟ أنه طبيعة التصرف طبيعة الشيء الذي يعني أدى هو شيء كبير يعني، لأنه قد يغضب الإنسان بشيء يسير، هذا أمر عادي يعني، لكن الغيظ هذا الذي يحصل للإنسان يحصل يعني كثيرًا ما يحصل بأسباب شديدة، فاحنا نقول: إذا ما كان الإنسان قادرًا على أن يكون دائمًا كاظمًا للغيظ، فلا أقل من أن يفعلها مرة في حياته يلقى الله بها، بس يعني عارف هذا ما يكون إلا بقرار، يعني قرار تعمله اختيارًا اختيارًا، تجرع، شوف لازم تتجرع كظم الغيظ، ما في إلا تجرع، لا تحسب كظم الغيظ إنك كن إيجابيًا وكن سعيدًا وانظر إلى نصف الكوب المدري إيش وراح تقدر تكظم غيظك، لا، تمام؟ لأنه هذا كل الكلام والفلسفة هذه والإنسان مرتاح يسويها، جيد، لكن لما يجي الغيظ الحقيقي، ها، هناك ما حيفيدك شيء، هناك تأخذ نصف الكأس الممتلئ تصب المي وتصكه في رأسه، تقوله يعني هذا التصرف الطبيعي، تمام؟ هذا الغيظ الحقيقي، تنسى كل القواعد هذه، لكن لما تذكر أنها من أعظم ما توافي الله به من الأعمال الصالحة تتقرب، ما تقدر، الغيظ من أشد المشاعر التي يمكن أن تجبر الإنسان على الفعل وتطيش عقله، فهناك أنت تحتسب عند الله سبحانه وتعالى أن تلقى الله بعمل مثل هذا لأنه من الأعمال الصالحة جدًا، فلازم تتجرع، يعني تعرف إنه كظم الغيظ ما يكون بلا ألم أبدًا.

اذهب إلى أشد دواء مرارة سمعت به وذقته، ها شفت لما تتجرع الشيء المر المر المر لشدة المرض التي بك ولكنك تتحمل، تأخذ لك 15 ثانية، ها 20 ثانية، كل عضلات وجهك تنشد، تمام، من المرارة التي تجرعت ولكنك يعني تقول: الحمد لله، مضطر، مجبر، لازم، شنسوي؟ في كظم الغيظ في جرعة مرارة، هذه عاد كم تأخذها؟ دقيقتين، خمس دقائق، لازم تتجرعها، يعني لا تحسب جرعة الغيظ إنك تسوي تأخذ نفس وبعدين تحس إنه خلاص تبددت المشاكل، إنك سويت استرخاء، لا لا، كظم الغيظ هذا اللي كان تقدر الآن تنتقم، حتى في الرواية اللي في حديث معاذ بن أنس: وهو قادر على أن ينفذه، أما إذا ما كنت قادر على أن تنفذه هذا إيش؟ أشبه شيء بإيش؟ اللي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم: قهر الرجال، عارف لما تظلم وتقهر وما تقدر تسوي شيء؟ هنا قهر الرجال، لكن كظم الغيظ المقصود هو وأنت قادر على أن تنفذه.

هذا يصير أكثر شيء مع إيش؟ تعرف مع إيش يصير؟ بين الآباء والأولاد، بين الرجل وزوجته، بين يعني هذا أغلب ما يكون في أمور الخلطة، مدير ومرؤوس، معلم وطلابه مثلًا، طبعًا أمير صالح وأتباعه، ها هذه تصير يعني تصير فيها قضية كظم الغيظ.

فالشاهد أن هذا باب من أبواب العبادة العظيمة التي ينبغي على الإنسان أن يتقرب إلى الله بعملها ويعفو. وفقط باب للبحث والتتبع باب جميل، يعني تتبع قصص كاظمي الغيظ، العلماء يعتنون بها فيذكرون، حتى أظن لو فتحت بعض كتب التفسير عند قوله: والكاظمين الغيظ أظن بعضهم يتوسع بذكر شيء من هذا، وابحثوا عنها تجدون بعض القصص المذكورة عن الأولين في كظم الغيظ جميلة. وحتى هذه الآية تحديدًا تليت على -نسيت من هو- الذي كان يعني حصلت له إساءة من جاريته أو من عبده فتليت عليه الآية فكان كل مرة يقف إلى أن قالوا: والعافين عن الناس، ثم قال: والله يحب المحسنين، فأعتق من بعد الإساءة يعني، آه فيعني هذه أمور مهمة جدًا.

والنبي صلى الله عليه وسلم كم وكم يعني تعرض لمواقف وهو قادر على أن ينتقم ولكنه كان يكظم غيظه صلى الله عليه وسلم ويعفو، وهذا كثير، وفي مواقف يعني مثلًا لما كان نائمًا تحت شجرة والصحابة كانوا في السفر كانوا نائمين كلهم، فجاء رجل وبيده السيف صلتًا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والسيف في وجهه فقال: الله يمنعني، فسقط السيف من يده، فلم يفعل له النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، عفا عنه. شفت هذه اللي، ها هذه، والذي جره من ردائه، لا هذه أعرابي كانت، فتبسم وأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بعطاء.

وبالمناسبة ترى حتى اليهودية التي سمت النبي صلى الله عليه وسلم ترى في البداية عفا عنها إلى أن مات البراء بن بشر -أو بشر بن البراء بن معرور- فقتلها به، وإلا في البداية ترى عفا عنها صلى الله عليه وسلم مع أنها سمت الشاة وأرادت قتله، فلا تسألني عاد عن عفو النبي صلى الله عليه وسلم: نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول

نعم، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، فهذا باب عظيم في عفو النبي صلى الله عليه وسلم، وفي البخاري قالت عائشة: ما انتقم رسول الله لنفسه قط، ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، وما ضرب بيده امرأة ولا خادمًا ولا عبدًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، هذا ضرب اليد عند النبي صلى الله عليه وسلم، أما غير ذلك إلا أن يجاهد في سبيل الله.

نسأل الله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يعفو عنا، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يكفر عنا سيئاتنا، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.